تصحيح مفاهيم التصوف:التصوّف معانقة الحق مع مخالطة الخلق (جزء 3)
عبد الجليل المسعودي
التونسيّون خائفون
رغم الطقس الربيعي المشمس الذي يخيّم على أرجائها ـ أو ربّما بسببه ـ فإن بلادنا تبدو اليوم مهدّدة من كل جهة، تحتضن المخاطر مثلما تحتضن الحمامة البيض.
المزيد >>
تصحيح مفاهيم التصوف:التصوّف معانقة الحق مع مخالطة الخلق (جزء 3)
05 جويلية 2016 | 21:00

في السنّة المطهرة ، أدلة على الاعتدال، منها ما جاء عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: «جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أُخبروا كأنهم تقالّوها،فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم، وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر. قال أحدهم: أما أنا؛ فإني أصلي الليل أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر، ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؛ أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له؛ لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني».
واتخاذ مثل ذلك نمطا للحياة، يعد سلوكا سلبيا يؤدي إلى فساد التصور، واختلال التفكير الذي يترتب عنه الانطواء والبعد عن العمل الذي لا يستغني عنه أي عضو فعّال في مجتمع ما، كما يؤدي بالأمة إلى الضعف والبعد عن الدور الحضاري الذي يُنتظر منها. ويؤيد هذا الرأي الإمام الغزالي حيث يقول: «... ولكنني أرى أنه بالرغم من أن الزهد في لذات الحياة الدنيا هو خير الأعمال التي تواردت عليها الآثار عن التزام الأنبياء والتابعين والصدّيقين بها، إلا أنه لا يجب أن تترك الدنيا بأسرها وعلى إطلاقها، فإذا كانت الدنيا مقصودة لذاتها دونما اعتبار للآخرة فينبغي الزهد فيها، أما إذا تلمس المرء دنياه بحيث لا تتعارض مع آخرته، أو إذا تلمس الآخرة عن طريق الدنيا، فذلك أمر محمود لا ينبغي الزهد فيه. بل وسيأتيه نصيبه من الدنيا كما في الحديث: «أتته الدنيا وهي راغمة»، ويقول الله تعالى: ﴿وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة﴾، كما أن للإنسان نصيبا مباحا من أمور الدنيا حيث جاء في الآية نفسها: ﴿ولا تنس نصيبك من الدنيا﴾، ولكن المذموم هو إيثار الدنيا على الآخرة، وقد جاء في قوله تعالى: ﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى﴾، ثم يقول: «وإنني أرى أنه إذا كان التلذذ في أمور مشروعة، ولا يؤدي إلى إسراف يضر في الحال أو في المستقبل، فقد يكون في ذلك نتائج إيجابية تتمثل في شكر الله على نعمه، وقد قال الله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾؛ فهو لم يقيد العباد سوى بعدم الإسراف في الطعام والشراب، بل وأعقب ذلك قوله تعالى: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة﴾؛ وأرى هنا الملبس الحسن يعد من زينة الله، والطيبات من الرزق تشمل الرزق الحلال.[24].
ومن يمعن النظر في تاريخ الصوفية يلمس بوضوح مدى الإيجابية التي يتعامل بها الصوفي مع مجتمعه من خلال تفاعله مع واقعه، فنجد من أعلام الصوفية الكبار- إلى جانب تعبدهم وزهدهم وورعهم-، يعرِقون ويعملون بالتجارة، فهذا عبد الله بن المبارك الصوفي المشهور، الذي بفضل سلوكه العملي الرائد، استطاع أن يصحح المقولة الخاطئة حول التصوف بأنه خمول وسلبية، وبُعد عن المجتمع، فقد كان يدعو بسلوكه العظيم إلى فهم الحياة الروحية في الإسلام فهما صحيحا، فكان إلى جانب زهده العظيم، وورعه المعروف، وكثرة انقطاعه للخلوة والعبادة، كان يعرق ويعمل بالتجارة، وحصل أن قال له مرة الزاهد الكبير، الفُضَيْل بن عياض: يا ابن المبارك، أنت تأمرنا بالزهد والتقلل والبلغة، ونراك تأتي بالبضائع من بلاد خراسان إلى البيت الحرام، وكيف ذاك؟ فقال: إنما أفعل ذلك لأصون ماء وجهي، وأكرم به عرضي، وأستعين به على طاعة ربي، لا أرى لله حقا إلا سارعت إليه حتى أقوم به. فقال الفضيل: يا ابن المبارك، ما أحسن ذا إن تم ذا.
وخلاصة القول، فالتصوف يمثل أخلاقا من طراز عال وفريد، إنه قوة روحية عظيمة، وإيمان صادق، وما أحوج إنسان هذا العصر الذي يعيش في مادية محضة أن يتنسم عبق الحياة الروحية، فالتصوف محاولة من الإنسان للتسلح بقيم روحية جديدة، تعينه على مواجهة الحياة المادية، وهو وضع للدنيا في موضعها الصحيح، لا إفراط ولا تفريط، وله من المبادئ والقواعد والأصول ما يجعله متميزا عن العلوم الأخرى...

الأستاذ بدري المدني
من الأحاديث القدسية
29 جويلية 2016 السّاعة 21:00
عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى يقول: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ...
المزيد >>
دعاء من السنة النبوية
29 جويلية 2016 السّاعة 21:00
اللَّهُمَّ إنــــي أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك
المزيد >>
أذكروني أذكركم
29 جويلية 2016 السّاعة 21:00
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «ما على الأرض أحد يقول لا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله...
المزيد >>
الاستغــــــــفار يمحــو السيئـــات
08 جويلية 2016 السّاعة 21:00
قال لقمان عليه السلام لابنه: «يا بني، عوِّد لسانك: اللهم اغفر لي، فإن لله ساعات لا يرد فيها سائلا».
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
تصحيح مفاهيم التصوف:التصوّف معانقة الحق مع مخالطة الخلق (جزء 3)
05 جويلية 2016 | 21:00

في السنّة المطهرة ، أدلة على الاعتدال، منها ما جاء عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: «جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أُخبروا كأنهم تقالّوها،فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم، وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر. قال أحدهم: أما أنا؛ فإني أصلي الليل أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر، ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؛ أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له؛ لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني».
واتخاذ مثل ذلك نمطا للحياة، يعد سلوكا سلبيا يؤدي إلى فساد التصور، واختلال التفكير الذي يترتب عنه الانطواء والبعد عن العمل الذي لا يستغني عنه أي عضو فعّال في مجتمع ما، كما يؤدي بالأمة إلى الضعف والبعد عن الدور الحضاري الذي يُنتظر منها. ويؤيد هذا الرأي الإمام الغزالي حيث يقول: «... ولكنني أرى أنه بالرغم من أن الزهد في لذات الحياة الدنيا هو خير الأعمال التي تواردت عليها الآثار عن التزام الأنبياء والتابعين والصدّيقين بها، إلا أنه لا يجب أن تترك الدنيا بأسرها وعلى إطلاقها، فإذا كانت الدنيا مقصودة لذاتها دونما اعتبار للآخرة فينبغي الزهد فيها، أما إذا تلمس المرء دنياه بحيث لا تتعارض مع آخرته، أو إذا تلمس الآخرة عن طريق الدنيا، فذلك أمر محمود لا ينبغي الزهد فيه. بل وسيأتيه نصيبه من الدنيا كما في الحديث: «أتته الدنيا وهي راغمة»، ويقول الله تعالى: ﴿وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة﴾، كما أن للإنسان نصيبا مباحا من أمور الدنيا حيث جاء في الآية نفسها: ﴿ولا تنس نصيبك من الدنيا﴾، ولكن المذموم هو إيثار الدنيا على الآخرة، وقد جاء في قوله تعالى: ﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى﴾، ثم يقول: «وإنني أرى أنه إذا كان التلذذ في أمور مشروعة، ولا يؤدي إلى إسراف يضر في الحال أو في المستقبل، فقد يكون في ذلك نتائج إيجابية تتمثل في شكر الله على نعمه، وقد قال الله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾؛ فهو لم يقيد العباد سوى بعدم الإسراف في الطعام والشراب، بل وأعقب ذلك قوله تعالى: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة﴾؛ وأرى هنا الملبس الحسن يعد من زينة الله، والطيبات من الرزق تشمل الرزق الحلال.[24].
ومن يمعن النظر في تاريخ الصوفية يلمس بوضوح مدى الإيجابية التي يتعامل بها الصوفي مع مجتمعه من خلال تفاعله مع واقعه، فنجد من أعلام الصوفية الكبار- إلى جانب تعبدهم وزهدهم وورعهم-، يعرِقون ويعملون بالتجارة، فهذا عبد الله بن المبارك الصوفي المشهور، الذي بفضل سلوكه العملي الرائد، استطاع أن يصحح المقولة الخاطئة حول التصوف بأنه خمول وسلبية، وبُعد عن المجتمع، فقد كان يدعو بسلوكه العظيم إلى فهم الحياة الروحية في الإسلام فهما صحيحا، فكان إلى جانب زهده العظيم، وورعه المعروف، وكثرة انقطاعه للخلوة والعبادة، كان يعرق ويعمل بالتجارة، وحصل أن قال له مرة الزاهد الكبير، الفُضَيْل بن عياض: يا ابن المبارك، أنت تأمرنا بالزهد والتقلل والبلغة، ونراك تأتي بالبضائع من بلاد خراسان إلى البيت الحرام، وكيف ذاك؟ فقال: إنما أفعل ذلك لأصون ماء وجهي، وأكرم به عرضي، وأستعين به على طاعة ربي، لا أرى لله حقا إلا سارعت إليه حتى أقوم به. فقال الفضيل: يا ابن المبارك، ما أحسن ذا إن تم ذا.
وخلاصة القول، فالتصوف يمثل أخلاقا من طراز عال وفريد، إنه قوة روحية عظيمة، وإيمان صادق، وما أحوج إنسان هذا العصر الذي يعيش في مادية محضة أن يتنسم عبق الحياة الروحية، فالتصوف محاولة من الإنسان للتسلح بقيم روحية جديدة، تعينه على مواجهة الحياة المادية، وهو وضع للدنيا في موضعها الصحيح، لا إفراط ولا تفريط، وله من المبادئ والقواعد والأصول ما يجعله متميزا عن العلوم الأخرى...

الأستاذ بدري المدني
من الأحاديث القدسية
29 جويلية 2016 السّاعة 21:00
عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى يقول: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ...
المزيد >>
دعاء من السنة النبوية
29 جويلية 2016 السّاعة 21:00
اللَّهُمَّ إنــــي أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك
المزيد >>
أذكروني أذكركم
29 جويلية 2016 السّاعة 21:00
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «ما على الأرض أحد يقول لا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله...
المزيد >>
الاستغــــــــفار يمحــو السيئـــات
08 جويلية 2016 السّاعة 21:00
قال لقمان عليه السلام لابنه: «يا بني، عوِّد لسانك: اللهم اغفر لي، فإن لله ساعات لا يرد فيها سائلا».
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
عبد الجليل المسعودي
التونسيّون خائفون
رغم الطقس الربيعي المشمس الذي يخيّم على أرجائها ـ أو ربّما بسببه ـ فإن بلادنا تبدو اليوم مهدّدة من كل جهة، تحتضن المخاطر مثلما تحتضن الحمامة البيض.
المزيد >>