أزمة اليسار:خطاب يجترّ نفسه
خالد الحدّاد
مؤتمر ورهانات
ينطلق اليوم المؤتمر الثاني والعشرون للاتحاد العام التونسي للشغل وهو الحدث الوطني الأبرز مع مفتتح السنة الإداريّة الجديدة الحُبلى بالانتظارات والرهانات.
المزيد >>
أزمة اليسار:خطاب يجترّ نفسه
26 ديسمبر 2016 | 21:00

في كل أرجاء العالم يعرف اليسار (وهو مصطلح ملطّف للماركسية بتلاوينها المختلفة) أزمة وتراجعا بحيث لم يعد الخطاب قادرا على الردّ على التساؤلات والقضايا الهامة التي تواجهها البشرية. إضافة إلى أن التحليل الاقتصادوي البحت قد برزت حدوده كما حدود نظرية التاريخ التي ترى فيه خاضعا لقوانين صارمة وهو ما فنّدته وتفنّده الأحداث التاريخية. فلقد روّج لفكرة مفادها أنه بانتهاج سياسة اجتماعية عادلة نحقق الرفاهية للجميع بحيث ينعم الكل بخيرات مجتمع الاستهلاك ونحقق التنمية للجميع وهو بذلك يلتقي مع الليبرالية في التنكر للأزمة البيئية التي تهدد العالم والبشرية. ومن ناحية أخرى استعيض عن النضالات الاجتماعية (التي لا يمكن أن تقتصر فقط على الاحتجاجات والمطلبية) بلوبيات نقابية بيروقراطية وحركات مهنية صرفة (corporatiste). ففي نظر اليسار تمثل الجماهير المضطهدة الضحية الأولى للمجتمع الرأسمالي والحال أنه لم يسائل هذه الجماهير ذاتها عن مسؤولياتها كغيرها من الفئات في ترسيخ عقلية الاستهلاك وتعلقها بقيم وأنماط عيش الفئات المرفّهة. فالتنمية في نظر الجميع هو أن نلتحق بمستوى عيش الطبقات العليا والمتوسطة. ويتمثل العائق الوحيد دون تحقيق مجتمع الرفاهية في قلّة قليلة تحتكر خيرات البلاد والعالم. صحيح أن قلة قليلة في العالم تحتكر جزءا هاما من خيرات العالم لكن حتى ولو افترضنا أننا قسمناها بالعدل على كل البشرية فهذا لن يحول دون الأزمة التي يمر بها عالمنا والتي لا تقتصر على الاقتصاد بل تشمل كل المجالات. فالنظرة الاقتصادوية البحتة قد برزت حدودها. في خضم هذه الأزمة وهذه الفوضى العارمة التي تستفحل في كل أرجاء المعمورة تتطور أفكار اليمين المتطرف والشعبوية في جميع أشكالها اليمينية واليسارية والليبرالية الفاحشة بما فيها تلك المتلحفة بغطاء ديني. وحتى ما يسمى بالمجتمع المدني المتمثل في الجمعيات فقد انساق في موجة وهم الاستهلاك الذي اتخذ عناوين شتى كالتنمية والتنمية المستدامة التي غالبا ما أفرغت من كل محتوى وأصبحت تستعمل جزافا يمنة وشمالا لتتحول إلى كليشيهات فارغة من كل معنى.
في الحقيقة ينمّ اللهث وراء الاستهلاك عن بؤس اجتماعي وثقافي وحتى حضاري يتوهم أصحابه أن الاستهلاك سيعوّض الفراغ الناتج عن فقدان الروابط الاجتماعية والإنسانية التي ميزت المجتمعات المعاصرة. هناك أزمات تطال كل مجالات الحياة: الفلاحة، والتربة، والهواء، والعيش المشترك، والثقافة والفنون، والعمران،والصحة، والتعليم.... واليسار غائب عن كل ذلك. لكن لماذا هذا القبول الأعمى بمجتمع الاستهلاك؟ لأن هذا المجتمع قد استطاع -ولو الى حدّ ما بفضل العلوم والتقنيات وخصوصا منها تقنيات الاتصال (ولا التواصل) -توفير شيء من «الرفاهية» والأمن والحريات الفردية خصوصا في الغرب. فحتى الجزء المهمّش من الشعب الذي يتزايد عدده كل يوم فهو يرنو إلى الاندماج في هذا المجتمع والحصول على جزء من «خيراته»: نريد التنمية. لكن أية تنمية؟
تكمن المعضلة الأساسية في أن نمط الحياة هذا الذي يتميّز بجاذبية خلابة لا تضاهيها أية جاذبية في التاريخ البشري يٍؤدي إلى نتائج كارثية ووخيمة إن على مستوى لحمة المجتمع وتضامن أفراده وجماعاته أو على الذهنيات والمخاييل أو على الكون والطبيعة التي تستنزف كل يوم ونحن شاهدون على أزمة المناخ والفلاحة والماء والطاقة والتلوث في جميع مظاهره ... الكل حاكمون أو محكومون، فقراء وأغنياء، عاطلون وعاملون، يتجاهلون هذه القضايا ولا يريدون مجرد التفكير فيها لأن ما يهم هو المنفعة الفردية واللحظة الراهنة. وهذا لا يعني أنه لا يوجد وعي بهذه المخاطر رغم حدوده. ففي البلدان الغربية بالخصوص نلاحظ ابتكار أنماط جديدة من الحياة ومن العلاقات الاجتماعية خارج التصور المهيمن وقد تجلى ذلك في هجرة معاكسة من المدينة إلى الريف (كل سنة يهاجر أكثر من 100 ألف فرنسي من المدينة إلى الريف ليستقروا فيه) وبروز القرى المستقلة تماما وابتكار تقنيات بديلة وظهور تصورات ومقاربات فذة لقضايا مثل التعليم والثقافة والفنون والعمران. وبالتوازي برزت كتابات وبحوث جديدة لا تمت الى التصورات الغالبة في المجتمع ولا تقتصر على الأشكال التنظيمية والسياسية بل ترتبط بمختلف جوانب الحياة.
فالبشرية حبلى بشيء جديد تبادر به أقليات فاعلة ولكن أفكارها تزيد نفوذا كل يوم.
معضلة اليسار أنه قد جعل من القضايا الاقتصادية محور الحياة مثله مثل الليبرالية واعتبر أن الغوص في الرؤى والمخاييل والتصورات ضربا من المثالية. فنحن نعيش في مجتمع التطابق المعمّم (كدجاج المصانع) Le conformisme généralisé والفردانية المقيتة والتخريب البيئي وتراجع القيم الإنسانية وفقدان معنى الحياة ذاتها وتجاوز ذلك يتطلب وعيا جديا بل حتى ثورة أنثروبولوجية تعيد الاعتبار الى العلاقات البشرية والى تعامل بديل للإنسان تجاه الكون والطبيعة علما أنه -خلافا للنظرية الماركسية التي ترى أن المجتمع الرأسمالي تطور موضوعي يدخل ضمن قوانين التاريخ فهو في الحقيقة ومن وجهة نظر العلاقة مع الكون- يعتبر نتوءة واستثناء إذ أنه الوحيد الذي نادى بإخضاعه لسلطان الإنسان وبذلك فصل الإنسان عن الطبيعة وعمد إلى تشييء الكائنات الحية (تصنيع الكائنات الحية وتصنيع الفلاحة نفطا ومبيدات وأسمدة) . ولا بد من التطرق إلى كل أوجه الحياة هذه وذلك يتطلب نشاطا فكريا وعملا دؤوبا لاقتحام كل هذه القضايا ولكن اليسار التقليدي يكاد يكون غائبا بل هو يعتبر هذا التمشي ضربا من المثالية والطوباوية بما أن قوانين التاريخ تسير وحدها ضمن علاقات طبقية ستحدد إن آجلا أم عاجلا مستقبل البشرية الذي يصبح معلوما مسبّقا وحتميا وهذه قمة المثالية بل حتى نوع من التبشيرية الدينية.
كل مجتمع يخلق حاجياته لمواطنيه ويروّج لتصورات ومخاييل مفادها أنه دون الحصول على هذه الحاجيات لا معنى للحياة. لكن ما يتميّز به المجتمع الرأسمالي المعاصر هو أنه تمكّن من فرض وجوده واستمراره واستقراره مستثمرا حتى الصراعات الاجتماعية وذلك من خلال وضعه الاقتصاد محورا للحياة. فلا معنى للحياة دون سيارة وتلفاز بلازما وهاتف محمول من النوع العصري ولباس خاضع لموضة العصر ولقد استطاعت الرأسمالية أن توفّر ذلك إلى حد بعيد ولفائدة أوسع الفئات. هي تعد وهي تنفّذ. لقد "تبوضعت" (من بضاعة) الحياة.
تعتمد الدعاية اليسارية على نفس الأساليب التي تنكرها على الليبرالية: انتخبونا وسنوفّر لكم هذا المتاع وبصفة عادلة. لم يفهم الجميع أن نجاحات الرأسمالية أصبحت تمثل عوائقا لتواصلها ولكن المفارقة أنها لا تستطيع أن تستمر سوى بدعم توجهاتها خصوصا دفعها الى الاستهلاك. وعندما طرحت قضايا البيئة أجاب بوش الأب «نحن لا نساوم في نمط عيشنا». ولا وجود لحدود فنحن في مجتمع لا يعرف التحديد الذاتي وحتى المسؤولية تجاه الحاضر وتجاه الأجيال القادمة. إنه التوسع اللامتناهي والتحكم المطلق في الكون والبشر وهذا الوهم يتقاسمه اليمين واليسار. لكن كل قوة هي أيضا ضعف لأنها تخلق أسباب انهيارها دون أن تعلم ولكن ذلك لن يكون بصفة آلية ووفقا لقانون موضوعي كما يعتقد البعض ولكن من خلال فعل واع ومسؤول للبشرية جمعاء.
إضافة إلى عجز اليسار عن تقديم بديل حضاري وأنثروبولوجي وان كل ما يصبو اليه هو أن يكون القائد لهذه المسيرة المظفرة للتنمية بتسمياتها المتعددة فلقد ارتكز في نشاطه على المواجهة. وتقترح الليبرالية مشروعا فيعارضها اليسار ويجابهها باسم الدفاع عن الطبقات الكادحة والمسحوقة وإذا بنا أمام ثنائية: فعل ورد فعل معاكس ولم يفهم الجميع أن ردّ الفعل هذا هو من العوامل المغذية للفعل. فالاكتفاء بمعارضة السلطة هو جزء من السلطة ذاتها. فعلى سبيل المثال كان لنضالات العمال في الغرب من أجل الزيادة في الأجور دور هام في تطوير عجلة الاستهلاك وترسيخ نمط الحياة الاستهلاكي. لقد فهمت أقلية فاعلة في الغرب أن أسلوب المواجهة وحده لا يقدر على تجاوز الأوضاع وأن عليها أن تبادر سواء في المجال الاجتماعي والاقتصادي أو الثقافي والفني فبرزت آلاف الحركات والجمعيات من بينها حركة البساطة الإرادية والتبادل الحر وحركة البذور الأصلية والقرى البيئية والثقافة البديلة وشبكات التواصل بين عديد المجموعات وحركة العمران البديل وحركة ازرعوا أينما كنتم و بدأ الوعي يتنامى حول مخاطر المبيدات والطاقة النووية وتخريب التربة والمخاطر الصحية مع استفحال أمراض العصر والتلوث ...... ورافق كل ذلك حركة فكرية وثقافية خصوصا في الغرب وهي حركات مستقلة عن كل المرجعيات الأيديولوجية. لكن اليسار يغط في نوم عميق ومنشغل بالقضايا السياسوية وبتلك المتعلقة بالسلطة.
ما لم يفقهه اليسار هو أن الجديد ينشأ في رحم القديم وأن التغيير الذي سيأتي من فوق بعد أن يستولي اليسار على السلطة هو محض خيال وحتى لو وقع فلن يغيّر ذلك في الأمور شيئا ما دامت الاختيارات الاستهلاكية والإنتاجوية هي ذاتها اختيارات الليبرالية. ولم يفقه اليسار أنه لا يمكن تجاوز اليمين بالوقوف على يساره وترقّب أي حركة من هذا الأخير للرد عليها. فاليمين يقترح واليسار يرفض: لقد تعودنا على هذا المشهد البائس وأصبح الجميع يتنبأ بموقف اليسار بمجرد بروز مشروع ليبرالي. فمشروع المخطط الذي تقدم به اليسار كبديل لا يختلف في عمقه عن المشروع الرسمي ويكمن الفرق فقط وأساسا في مصدر التمويلات (في هذا الشروع يقع الحديث عن تطوير صناعة ثقيلة وتطوير الطرق السيارة وبناء المنشآت الكبرى).
قبل أن يفكر اليسار في اعتلاء السلطة وافتكاك المناصب ألا يجدر به أن يقيّم التجارب السابقة ويتفهم أسباب سقوط التجربة السوفييتية وغيرها من التجارب البيروقراطية؟ ألا يجدر به أن ينفتح على رؤى وتصورات جديدة وفذة عوضا عن التعلق بالرموز والقادة والشعارات الجوفاء؟. فقبل أن نغير النظام كما يحلو لليسار أن يدعي علينا بتغيير أنفسنا فرادى ومجموعات والتأثير بالفعل الإيجابي في المجتمع فكرا وعملا ونشاطا وذلك بالتخلي عن القوالب الجامدة. فإذا استثنينا النقابات وبعض الجمعيات فإن حضور اليسار في المجتمع يكاد يكون منعدما وقد استغلت التيارات المتطرفة واليمين الديني أساسا هذا الفراغ لتشحنه بتصورات تركّز على الهوية والتعصب والمشاريع الهدامة والخطيرة على المجتمع والأفراد. إني أقدّر تعاطف معظم مناضلي اليسار مع الفئات المهمشة والبائسة والعاطلين وضحايا مشاريع التنمية الليبرالية الفاحشة وهذا يحسب لهم ولكني أعاين أنهم ملتزمون بنفس المواقف ويراوحون في نفس المكان. وتكاد تكون شعاراتهم لا تختلف عن سابقاتها في القرن الماضي وكأن العالم لم يشهد تغيرات جوهرية سواء على المستوى السياسي أو الفكري. فلا بد للمناضلين الحقيقيين الذين ليسوا بالضرورة متأدلجين أن يبادروا بنسج شبكات التضامن والتآخي والدعم المتبادل بين مختلف فئات الشعب وبنشاط عملي على الميدان يكون مثالا يحتذى ويستلهموا من التجارب العالمية كما لا بد من القيام بعمل فكري جبار وطرق مختلف مجالات الحياة اليومية. فالأحزاب وأحزاب اليسار بالخصوص هي أعجز من أن تكون البديل للوضع الراهن لأنها محكومة بالأيديولوجيا والممارسات القديمة والشعارات الجوفاء المتآكلة كما أنها أيضا محكومة بطموحات رموزها وقادتها وبالتكلس الذي أصاب أجهزتها وبالتناحر بين أعضائها من أجل البروز والنجومية وهذا هو عين ما يروّج له مجتمع الاستهلاك. فعوضا عن التسابق في سوق السياسة المنقطع عن الشعب والحياة اليومية والذي ملّه الشعب ألا يجدر بالمناضلين الحقيقيين والنزهاء أن يغيروا هذه الوجهة ويعتنوا بالقضايا المصيرية والحقيقية. فقد يرى البعض في ذلك ضربا من المثالية والحلم الطوباوي ولكن أن نحلم خير من أن نربض في ركن مظلم ونكرر ما ثبت بالملموس خوره وعدم قدرته على التجاوز.

بقلم: الدكتور سمير بسباس
إلى روح الطفلة التلميذة رانية ضيفلي:قـسما بالــرَّغيف
09 جانفي 2017 السّاعة 21:00
يذهب لهم الأطباء؟
المزيد >>
الى معز بن غربية
09 جانفي 2017 السّاعة 21:00
أودّ بادئ ذي بدء أن أهنئك بمناسبة تماثلك للشفاء وعودتك الميمونة الى مشاهديك الأوفياء، هذه العودة التي أثلجت...
المزيد >>
أغنية إلى أبي
09 جانفي 2017 السّاعة 21:00
أو حنجرة قبّرة
المزيد >>
استبصارات من وحي رحيل كاسترو
09 جانفي 2017 السّاعة 21:00
مشاركة في التاريخ قادة عظام يبنون أوطانا ويصنعون أمجادا لشعوبهم تستمر في حياتهم وبعد مماتهم. لذا تبقى في...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...