صفاقس عاصمة الثقافة العربية في مأزق (1 / 2)
عبد الجليل المسعودي
حتى لا يموت التونسي بردا
موجة البرد التي تخيّم منذ أيام على البلاد والتي رافقها تهاطل الثلوج على مناطق عديدة في شرق البلاد وفي شمالها الغربي بالخصوص، لم تكن مفاجئة لا للسُّلط المعنيّة وطنيّا وجهويّا ولا...
المزيد >>
صفاقس عاصمة الثقافة العربية في مأزق (1 / 2)
26 ديسمبر 2016 | 21:00

إن توقف وزارة المالية عن إمداد الهيئة التنفيذية لاحتفائية صفاقس عاصمة الثقافة العربية لسنة 2016 بما خصص لها من مقدرات على ميزانية السنة القائمة حدث أسف له كل من سمعه حيث أنه يعني بكل بساطة الإيذان بانتهاء الاحتفائية. هوإيقاف في جانب منه مبرر إن كان إيقافا مؤقتا حتى تتوضح وجوه انفاقات الهيئة، أما إذا كان إيقافا نهائيا، فهو غير مبرر وغير شرعي ولا يمكن قبوله بالمرة مهما كانت تعلات وزارة المالية حيث أن مقدرات الاحتفائية الثقافية مخصصة لمدينة صفاقس ويجب أن تبقى لها. هي مقدرات غير موجهة بالتخصيص لا الى الهيئة الأولى أوالهيئة الثانية أوحتى الهيئة الألف. وللوصول إلى فهم هذه الوضعية الإشكالية من الضروري تتبع المسار الذي اتبعه خط سير الأحداث الذي أدى إلى المأزق الحالي.
منذ الإعلان عن انطلاق التحضيرات الأولى وهذه الاحتفائية تشكو من عيوب هيكلية. أهمها تركيبة الهيأتين، وغياب الوضوح البرامجي، وتضخم غير مبرر للميزانية المقترحة، والإعلاء من قيمة الفرجوي الوقتي على حساب المنجز الدائم.
كان الإعلان عن رئاسة الهيئة الأولى من قبل وزير الثقافة الأسبق السيد مراد الصكلي بمثابة مفاجأة للرأي العام الثقافي التونسي عموما والصفاقسي خصوصا، حيث أن رئيسها السيد سمير السلامي لم يعرف عنه إشعاع ثقافي واسع عدا إصداره كتابا جماعيا مصورا عن المدينة. وكنا ننتظر احدى الشخصيات التالية من أبناء صفاقس التي عليها اتفاق يخص جدارتها من الناحية العلمية ومعروفة بطبيعتها الوفاقية : عبد السلام المسدي، أوفتحي التريكي، أوعلي الزواري أوتوفيق العيادي، شخصيات لا عداوات ظاهرة لها، مارست الإدارة، ولها قدرة على تحريك السواكن والسواكت، وتستطيع البرمجة على مدى متوسط (عمر الهيئة) وتميز ما بين التافه الزائل وما يمكث في الأرض سنين واعواما. رئاسة الهيئة الثانية عينت من قبل وزيرة الثقافة السابقة السيدة سنية مبارك بعد تأكد عدم مقبولية السيد سمير السلامي من قبل مثقفي صفاقس الذين ساءهم تعامله الفوقي معهم وتجميد بعض أركان الهيئة لنشاطهم. السيدة هدى الشريف الكشو منسقة الهيئة الثانية ووجهها الأبرز رغم أنها ليست رئيستها تتمتع بمقبولية كبيرة ولم تعترضها حملات تجريح صريحة إلا أنها تفتقد الى الخبرة التسييرية الضرورية وينقصها التشبع بآليات البرمجة الثقافية. كما أن كنش عناوينها لا يماثل كنش عناوين واحد من المثقفين الأربعة الذين ذكرتهم في الأعلى، وكل هذا ما سيظهر لاحقا ويتواصل إلى الآن.
برامج هزيلة
على مستوى البرامج أصدرت الهيئة الأولى كتيبا كنا اطلعنا عليه نحن مثقفي صفاقس المقيمين بمدينة تونس أثناء ليلة رمضانية في 4 جويلية 2015، لم يفتنا تنبيه الهيئة إلى أنه برنامج هزيل جدا مقارنة مع برنامج عمل احتفائية القيروان عاصمة للثقافة الإسلامية سنة 2009 حيث أنه ارتكز أساسا على إنارة السور، وإنشاء المكتبة الالكترونية في فضاء الكنيسة الكاتوليكية، وتهيئة شط القراقنة مع تركيز بطة به هوائية عملاقة صفراء اللون. ولاحقا لم تطور الهيئة الأولى برنامجها ولم تشرك مثقفي الجهة في إنتاج محتويات تؤثث المدة التي ستمتد عليها الاحتفائية ما بين 23 جوان 2016 و23 مارس 2017.
وبقيت الهيئة تشتغل بصفة فوقية بعيدة عن مثقفي الجهة. وتفرد رئيسها برأيه عند اتخاذ القرارات الهامة بحيث كانت هيئة معزولة. ولما تزايد اللغط حول وجهة الميزانية المخصصة للتظاهرة وخصوصا حول الميزانية الموجهة الى المكتبة الرقمية والمقدرة ب 9،5 مليارات مليم أي أكثر من الميزانية الأصلية المخصصة للتظاهرة برمتها ب 500 مليون مليم قام بعض مثقفي الجهة بتنظيم اعتصام أمام مقر هيئة تنظيم التظاهرة سموه اعتصام تصحيح مسار صفاقس عاصمة الثقافة العربية. وفي 18 أفريل 2016 أصدروا لائحة من 10 مطالب منها ما هو موجه الى هيئة التظاهرة ومنها مطالب موجهة الى وزارة الثقافة. وإذا ما تم حفظ التزيد القولي تبقى المطالب الحقيقية والمحقة هي المطالب الآتية:
مطالبة الهيئة (الأولى) بالرد على كل من تقدم بملف اقترح فيه إنتاجا أوعرضا وأن تكون الإجابة بمذكرة تشرح أسباب الرفض أوالقبول مع ملاحظات اللجان التي أشرفت على فتح هذه الملفات مع ضرورة نشر تقارير هذه اللجان على موقع التظاهرة ضمانا للشفافية. وتحذير الهيئة من الميل إلى السّطوعلى التّظاهرة واعتمادها لأجل تمويل مشاريع فرديّة وشخصية والعمل بمنطق الغنيمة. وهنا إشارة دون تصريح الى مشروع الكنيسة والى إنارة السور الذي كان مقترحا على شركة أجنبية دون طرح المشروع للتناظر. ومطالبة الهيئة بإعطاء فرصة للفنانين التشكيليين عبر إحداث جداريات ومنحوتات في مداخل المدينة ومفترق طرقاتها الداخلية والخارجية.وطلبت تسوية وضعيات الفنانين قبل انطلاق التظاهرة وخاصة الاجتماعية منها.
استقال السيد سمير السلامي ومن بقي معه نهاية أفريل 2016، وفي يوم 2 ماي 2016 قبلت وزارة الثقافة الاستقالة وتم تعيين هيئة جديدة منسقتها العامة السيدة هدى الكشوالشريف. وما بين بداية تعيين الهيئة وانطلاق الاحتفائية رسميا أقل من شهرين كان متعذرا على الهيئة الجديدة إدخال تغييرات جوهرية على برنامج الهيئة الأولى في ظل عدم تنظيمها استشارة موسعة ومستعجلة مع مثقفي المدينة بصفاقس وتونس، بحيث في أول ندوة صحفية للتعريف بنفسها وببرنامجها يوم 12 جويلية 2016 استعادت الهيئة الجديدة برنامج الهيئة القديمة مضافا إليه صهر برنامج مهرجان صفاقس الصيفي مع برنامج الاحتفائية، وترميم مدرسة نهج العدول وتحويلها الى مدرسة حرفية للتكوين في المهن القديمة، وإدماج المعتمديات في التظاهرة بواسطة مشاريع تثمن مخزون التراث الكامن فيها، واستدعاء شخصيات ثقافية عربية وعالمية دون تحديدها، على أساس أن التنمية الثقافية رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية وفق كلام السيدة منسقة الهيئة، وتهيئة مسالك لتثمين المواقع الأثرية مثل بطرية ويونقة وقرقنة وجزر الكنائس وقصر بشكة بمنزل شاكر والمدينة العتيقة بصفاقس. هوبرنامج طموح لكن عند عدم إنجازه تحول الى برنامج لذر الرماد على الأعين.
بقي البرنامج الذي صرحت به رئاسة الهيئة الجديدة هونفس برنامج الهيئة القديمة مع بعض التنويعات التي تدخل في سياق التفخيم الكلامي أكثر مما تنساق داخل البرنامج العملي، مع تضخيمه بمطالب مشطة تمس تكلفة المكتبة الإلكترونية وتهمل تقريبا كل الباقي. وهذا عيب لم تتفطن اليه الهيئة لضعف خبرتها في البرمجة الثقافية وحتى في القدرة على تمييز الأهم على المهم.
خرافة المكتبة الرقمية
في البداية ضبطت وزارة الثقافة لاحتفائية صفاقس عاصمة الثقافة العربية لسنة 2016 ميزانية تقدر ب 9 مليارات مليم، وتركت للهيئة المديرة تقدير أوجه صرفها. والهيئة الأولى كانت متمسكة ببرنامج تنوير السور وتهيئة شط القراقنة والمكتبة الرقمية والمائة كتاب، وكانت تطلب مزيد ترفيع الميزانية حتى تقدر على انجاز ما برمجته. ويوم 26 ماي 2016 قرر مجلس الوزراء الترفيع في ميزانية الاحتفائية من 9 مليارات مليم إلى 30 مليارا من المليمات. وهذا لتغطية التضخم في الميزانية المقدرة للمكتبة الرقمية والتي ارتفعت تقديرات إنجازها بحسب مكتب الدراسات المعين للغرض من 9،5 مليارات مليم إلى 18 مليارا من المليمات.انها ميزانية منتفخة في البداية، تحولت لاحقا إلى ميزانية فلكية، دون أي موجب،و أكثر من ذلك تحولت إلى مشروع لنهب المال العام.
يوم 15 نوفمبر 2016 نشرت في موقع الصحفيين التونسيين بصفاقس مقالا بينت فيه أن الإنفاق على مكتبة رقمية بمقدار 18 مليارا من المليمات يجب أن يزورها 18 مليون شخص حتى تكون ما انفقته الدولة دينارا واحدا على كل زائر. ومثلما يلاحظ كل عاقل ان المطلوب زيارتهم الى المكتبة يساوي 18 مرة عدد سكان الولاية بشيبها وشبابها ونسائها ورجالها، وما يناهز 30 مرة عدد سكان المدينة !!! عندما صدر المقال كنت أتخيل أن الكنيسة ستتحول إلى مكتبة رقمية استثنائية على الصعيد العالمي عالية الكثافة التكنولوجية، يفاجئك داخلها منجز تقني مستحدث في كل متر مربع، لكن باطلاعي لاحقا على العرض التقديمي لهذه المكتبة الرقمية الموجود بقنال هيئة الاحتفائية على موقع اليوتوب، لا فقط ازددت قناعة على قناعة بعبثية المشروع بل تأكدت من صوابية قرار وزارة المالية المتعلق بإيقاف صرف أي مليم لهذه الهيئة حتى تستوضح الصورة : هذا مال عام وليس نقودا ورقية بيد الصبيان لنفشه ورفشه.ويحتوي العرض على الكثير من التهويمات فارغة المحتوى من نوع فضاء تعمه البهجة والانشراح بينما كلنا يعرف أن لون الكنيسة رمادي من الداخل واللون الرمادي لون كنسي جدي يساعد على التركيز لا على إظهار البهجة والانشراح. وفيه الكثير من التكرار واللغووالشقشقات اللفظية على قول أستاذنا الفاضل محمد سحنون من مثل مكان يلبي حاجيات كل فرد- مد جسور التواصل- تعزيز الملكات الفردية.
عمليا يتكون مشروع المكتبة الرقمية في الأسفل من صندوق بحسب تعبير العرض التقديمي.و ارتفاعه 5 أمتار ونصف ويحتوي مسرح جيب من 200 مقعد وقاعة عروض ومطعما، أي ثلاثة مكونات لا علاقة لها بالرقميات لا من قريب أوبعيد. وفي الأعلى، قريبا من سقف الكنيسة ثلاثة صحون «عائمة» يرتقي اليها بواسطة مدرجات ومصاعد يخيل للناظر أنها معلقة كأن هذه الصحون تعد فتحا تكنولوجيا عظيما، صحون ستكون مجهزة بآلات عرض تستثمر أثناء الندوات والمؤتمرات. إلى حد الآن ما زلنا نبحث عن الرقميات. وفوق صندوق المسرح وقاعة العروض والمطعم توجد أماكن معزولة للعمل ضمن مجموعات تنتهي بطابق علوي مستحدث يمتد على ثلث سقف الطابق السفلي وينتهي بقاعة، وأخيرا، ويا لفرحة أهل صفاقس والجنوب التونسي والبلاد برمتها قاعة مخصصة للمراجع الرقمية، بمعنى نادي أنترنات من نوع النوادي التي ما بقيت مفتوحة إلا بالأحياء الفقيرة، حيث أن الحواسيب والهواتف الذكية ذات الانتشار الواسع استغنت عنها في بقية المناطق. مع العلم أن العرض التقديمي لم يشر بتاتا الى مشكلة التهوئة ولا إلى مشكلة خروج الزوار عند الأخطار.فإذا سمع أحدكم بعبث ب 18 مليار مليم في هكذا مشروع فالرجاء تنوير الرأي العام بمثل هذه السرياليات. 18 مليار مليم تقدر أن تبني بها كلية ل 1000 طالب، بمبيت ومطبخ ومطعم وساحات خضراء ومجهزة بتجهيزات رقمية من أعلى طراز، لا العبث بها في ما أطلق عليه اسم مكتبة رقمية زورا وبهتانا.
علي بوعزيز مؤرخ،
مدير موقع ابن خلدون للدراسات الإنسانية والاجتماعية
في العدد القادم سيتناول المقال تقييم ما أنجز في نطاق هذه الاحتفائية. وسيتطرق الى مكتب الدراسات الذي لوث التظاهرة. ويطرح اقتراحات عملية حول وجهة الأموال المرصودة لها.

إلى روح الطفلة التلميذة رانية ضيفلي:قـسما بالــرَّغيف
09 جانفي 2017 السّاعة 21:00
يذهب لهم الأطباء؟
المزيد >>
الى معز بن غربية
09 جانفي 2017 السّاعة 21:00
أودّ بادئ ذي بدء أن أهنئك بمناسبة تماثلك للشفاء وعودتك الميمونة الى مشاهديك الأوفياء، هذه العودة التي أثلجت...
المزيد >>
أغنية إلى أبي
09 جانفي 2017 السّاعة 21:00
أو حنجرة قبّرة
المزيد >>
استبصارات من وحي رحيل كاسترو
09 جانفي 2017 السّاعة 21:00
مشاركة في التاريخ قادة عظام يبنون أوطانا ويصنعون أمجادا لشعوبهم تستمر في حياتهم وبعد مماتهم. لذا تبقى في...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...