صفاقس عاصمة الثقافة العربية في مأزق (2 / 2)
فاطمة بن عبد الله الكراي
أمريكا اليوم :السلام لإسرائيل... والعقاب للعرب
نعم، نجحت الامبريالية الأمريكية في تغيير «سيناريوهات» في المنطقة العربية... ونجحت ـ مرة أخرى ـ من خلال خطاب الرئيس الجديد دونالد ترامب في تأمين 75 سنة قادمة على الأقل تكون فيها...
المزيد >>
صفاقس عاصمة الثقافة العربية في مأزق (2 / 2)
02 جانفي 2017 | 21:00

هزال المنجز
بقي ماذا أنجز في سياق هذه الاحتفالية. أبدأ بما أعتقد أنه نجاح للهيئة القديمة وهوكشف الوجه الشمالي للكنيسة والذي كانت تحجبه مبان وقتية لشركة توزيع الماء ولشركة النقل، بحيث ظهرت أناقة المبني من جوانبه الأربعة. فيما عدا هذا تقييمي لعمل الهيئة يخضع لمدى انطباقه مع الأهداف المرسومة لاستقدام هذه الاحتفائية لمدينة صفاقس والتي يمكن تلخيصها في الأهداف التالية : أولا، إبراز الأشكال الثقافية المحلية التي يمكن أن تمثل عنصر تفرد للمدينة وإظهارها بما يمكن أن يمنح سكانها سمكا نفسيا في فترة اضطربت فيها القيم والمرجعيات. وثانيا، خلق ديناميكية إخبار إيجابي عن المدينة يزيد من قيمة رأسمالها الرمزي كمدينة للناجحين منتجي الثروة من لا شيء على غرار ما قام به جدودهم. وثالثا، الزيادة من إشعاع البلاد التونسية على النطاق العالمي كبلاد رائدة في سياقات الحداثة المجتمعية والسياسية... هل حققت الاحتفائية إلى حد الآن جزءا من أهدافها. أبدا ! لا الهيئة القديمة ولا الهيئة الثانية طرحت على نفسها تحقيق أهداف واضحة وجلية من صنف ما طرحناه. ولأن الهيئة الثانية هي التي أشرفت على انطلاق فعاليات التظاهرة فهي التي يمكن تقييم أدائها في المضمار.
الهيئة الثانية تصورت أن نجاحها في مهمتها يقتضى ملء الفراغات بواسطة عروض فرجوية مثل مسيرات الأقنعة العملاقة والعماليق على سيقان خشبية وهي عروض تجاوزها العصر، أوخرجات العيساوية وغيرها من الطرق الصوفية، التي على أهميتها بحكم انغراسها في المخزون الثقافي للمدينة منذ القرن التاسع عشر، إلا أنها بالطريقة الفجة التي عرضت بها لا ترتقي بتاتا لمستوى الحدث، أومشاركة المهرجان الصيفي في استقدام بعض الفنانين العرب... بدايات الفشل الذريع كانت مع الحفل الافتتاحي الذي كان بشهادة الجميع حفلا فاشلا: يوم 28 جويلية 2016 قام محسن عبد الرحمان في جريدة الشروق بعرض جزء من ردود الفعل حول حفل الافتتاح الواردة على لسان بعض من الوجوه الثقافية التونسية فكانت كلها تقييمات سلبية. الباحث خليل قويعة أستاذ علوم وتقنيات الفنون بجامعة صفاقس عاب غياب المضمون الثقافي للاحتفال والتّركيز على الجانب الفرجوي الذي تجسده أشكال استعراضية أصبحت دارجة ولا خيال فيها موجودة مثلما قال في عديد المدن جنوبا شمالا، دون استثناء من حيّ النّصر إلى حي الدّرابك. أما منير الفلاح الوجه الثقافي المعروف والمندوب السابق للمندوبية الجهوية للثقافة بصفاقس فنقد قلة خبرة أفراد الهيئة المديرة الذين لا زاد ثقافي ولا خبرة كبيرة في البرمجة الثّقافيّة ولا باع في إدارة الحدث الثقافي واستغلاله والترويج ليه. ونقل الموسيقار محمد القرفي صورة كاريكاتورية عن الحفل تخجل ذوي الألباب قائلا هل تعلم أن الفرقة الموسيقية جاءها أمر تغيير المكان في آخر لحظة فاستنجدوا بالمارة لينقلوا معهم الآلات وغيرها. أن المنظمين استعادوا قوارير الماء الصغيرة التي وزعوها على الفرقة ليوزعوها من جديد على ضيوفهم. وأن وزيرة الثقافة "حشمت على روحها وألغت الأوبيريت الكلبة" التي أعدوها للافتتاح بعد أن حضرت بروفتها الأخيرة ؟ أما تكاليف اليوم الافتتاحي للتظاهرة، إن صحت، فبلغت أرقاما تكاد تكون عجائبية ناهزت المليار مليم، منها 500 مليون مليم للعرض الضوئي على السور، و120 مليون مليم للأوبيرات التي لم تعرض، 50 مليونا لكل منطاد...
أهم الأنشطة التي أنجزت شكت من قلة المقبلين عليها : افتتاح المدرسة الشعرية بدار العفاس، وأيام صفاقس السينمائية، ومهرجان المسرح العربي بصفاقس، والأسبوع الثقافي الجزائري، والأيام الثقافية الأردنية، الأسبوع الثقافي المصري، والأسبوع الثقافي العراقي والمهرجان العربي للكاريكاتير، زيارة عادل إمام لا يمكن أن توضع في خانة الأنشطة الثقافية وإنما في باب التنشيط الفرجوي، إذ لا إضافة ثقافة لها، وهذا دون استنقاص من قيمة عادل إمام الذي لا ينكر أحد أنه أدخل ويدخل البهجة على ملايين المشاهدين العرب. هي أنشطة لن يبقى منها شيء بعد أشهر معدودة بينما المطلوب أن يبقى أثر هذه التظاهرة قائما لسنين وسنين.
لإضفاء شرعية على أعمالها جمعت هيئة الاحتفالية الحزام المساند لها وأطلقت عليه تسمية المجلس الجهوي للثقافة الذي أعلن عن نفسه يوم 14 سبتمبر 2016 دون أن يبين صفته القانونية : هل هوجمعية قائمة الذات أم هومؤسسة رسمية أنشأها قرار من قبل وزارة الثقافة، وفي كل الحالات يوم أعلن عن نفسه كان يفتقد لقانون داخلي وهذا ابسط الإيمان . ومنذ لائحة المساندة التي أطلقها تبين أنه بوق للهيئة لا طائل من ورائه دوره المصادقة على تقرير التصرف المالي للهيئة وتصرفها الإداري إلى حد انه اعتبر حفل الافتتاح حفلا ناجحا، والتنديد بمن سماهم مرتزقي الثقافة والدعوة لاستكمال برامج البنية الأساسية بما يكاد يعني حصرا الشروع في انجاز الشيء المسمي عبثا بالمكتبة الرقمية. يوم 15 ديسمبر 2016 أصدر ما يسمى المجلس الثقافي الجهوي بيانا جديدا أقر أن التظاهرة وصلت إلى وضع كارثي لا تتحمل الهيئة الأولى أوالثانية مسؤوليته، ومنحها البيان صك حسن التصرف الإداري والمالي واتهم وزارة المالية بالمسؤولية عما آل إليه الوضع  لأنها أوقفت صرف الاعتمادات المخصصة للتظاهرة، وبعد إعادة المطالبة بال 30 مليار مليم المخصصة للتظاهرة والتأكيد على أن 20 مليار مليم منها مخصصة للبنية التحتية ينتهي البيان بمطالبة السلط الجهويّة والمركزيّة بالبحث عن حلّ لمسألة خلاص مكتب الدراسات الذي قام بدراسة مشاريع البنية التحتيّة حتّى تبدأ الأشغال في أقرب الآجال، وهنا بيت القصيد.
مكتب الدراسات الذي لوث التظاهرة
في الكتيب الذي وزع على مثقفي صفاقس المقيمين بتونس أثناء اجتماع المرسى في 4 جويلية 2015 تبين أن الأنشطة المركزية التي بنت عليها الهيئة الأولى برنامج الاحتفالية صاغها مكتب دراسات فرنسي AP’Culture يعرف بنفسه على الموقع الآتي http://apculture.fr ، ومن المشروع التساؤل عن إلحاحية منح التكليف لمكتب دراسات فرنسي لا لمكتب دراسات تونسي، وعن عدم قيام الهيئة بإصدار إعلان طلب للعروض في الغرض حسب كراس شروط ضبطته. من كل هذا لم يقع شيء حيث تم التفاوض المباشر مع مكتب الدراسات هذا في مخالفة للقانون حيث لم تكن هناك ضرورة ملحة. ومكتب الدراسات قدر في البداية تكلفة تحويل الكنيسة لمكتبة رقمية ب 9،5 مليار مليم، وهورقم مبالغ فيه بصفة جلية حيث لا رقميات بالمكتبة الرقمية عدا ناد للانترنات وإنما زويا للأكل ولشرب القهوة والشاي والاجتماع والدردشة مثلما يبين ذلك فيديوالدعاية لهذه القاعة العملاقة المسماة بهتانا مكتبة. الهيئة الثانية ورثت برنامج الهيئة الأولى والغريب أنها لم تقيم برنامج الهيئة الأولى ولم تطرح عليه تساؤلات من ناحية جدواه ومن جهة مشروعيته، أكثر من ذلك هي بنفسها تشبثت بالعلاقة مع مكتب الدراسات الفرنسي، وأصبحت أكثر شراسة في الدفاع عن هذه المكتبة الرقمية الأسطورية والتلويح بمنح الإشراف على قيادة أشغالها لمكتب الدراسات الذي بقدرة قادر ضاعف تقديرات انجازها من 9،5 مليار مليم إلى 18 مليار مليم تصاحبا مع الوعد بالزيادة في ميزانية التظاهرة من 9 مليار مليم إلى 30 مليار. أمر غريب إن لم يكن عجيبا.
الخلاصة فشلت الهيئة الأولى والهيئة الثانية في إدارة الاحتفالية ولم تقدر على إقناع الأطراف المانحة بقدرتها على البرمجة وضبط الأولويات، وأصبح لا فقط من حق وزارة المالية بل من واجبها إيقاف الدعم حتى يتبين الخيط الأبيض من الأسود. وتصاحبا مع ذلك من واجب وزارة الثقافة الإعلان عن نهاية الاحتفائية يوم 31 ديسمبر2016 لا يوم 23 مارس 2017. لكن هل يعني هذا "طاح الكاف على ظله" ؟ أبدا.
المطلوب إنجازه
المنحة المخصصة قانونا للاحتفالية تبلغ 9 مليار مليم، والمنحة المخصصة سياسيا تم ضبطها في اجتماع وزاري، وكان أعلن عنها يوم 2 جوان 2016 وزير المالية وومقدارها 30 مليار مليم، أصبحت الدولة ملزمة بأدائها للمدينة، ولا مجال للتفصي منها مهما تغيرت الأوضاع والحكومات ومهما تبدلت الهيئات المشرفة على الاحتفالية، كيف يقع التصرف فيها ؟
تقع محاسبة الهيئة الحالية على تعهداتها المقدرة بحوالي 3 مليار مليم، وصرف ما هوسليم منطقيا وإجرائيا وتحت نظر مراقب المصاريف العمومية المعين للغرض، وتكليف أكبر أعضاء الهيئة سنا بإتمام مشوار إنهاء الدورة بسلام ودون ضجيج، مع الإشراف على توظيف مقدرات الدورة حسب الأولويات الآتية :
ـ إتمام تعهد سور المدينة بواسطة إرجاعه إلى الحال الذي كان عليه في القرن التاسع عشر : سور مغطى تماما بطبقة من ملاط "البغلي" التقليدي وتغطيته بثلاث طبقات من الجير الأبيض حتى يسترجع السور بياضه الناصع، بحيث تسترجع المدينة صفتها القديمة : المدينة البيضاء، خصوصا إذا ما تم تطبيق المقترح على المساجد والزوايا مع دهن أبوابها باللونين التقليدين الأحمر والأخضر. وفي هذا تفرد للمدينة عن كل المدن العربية الإسلامية وعنصر جذب للزوار وللسياح ودعوة لبقية مباني حي باب البحر لكي تتجمل حتى يسترجع المكان جاذبيته القديمة، وتكليف جمعية صيانة المدينة بالتعاون مع وزارة التجهيز بالإشراف على العملية.
ـ تنظيف وصيانة المسلك الداخلي لسور المدينة وفتح الانقطاعات فيه، لتحويله لمسلك يدور بالمدينة دورة كاملة، وفي هذا الصدد يمكن الاسترشاد بالنجاحات التي تحققها جمعية صيانة مدينة تونس التي أعادت إحياء رونق بعض أنهج الحاضرة مثل نهج الأندلس.
ـ صيانة مدرسة نهج العدول، وتحويلها لمكتبة عمومية.
ـ تحويل الكنيسة بحكم طبيعتها وشكلها ولونها ومركزها في قلب المدينة لمتحف من طراز عالمي يعوض المتحف الحالي الموجود بمقر البلدية، وهوبالمناسبة مغلق للتعهد والصيانة في سنة عينت طيلتها المدينة لتكون عاصمة للثقافة العربية، وهذا من عجائب هذه الدورة الفاشلة. ويكون هذا العمل تحت إشراف الإدارة العامة للتراث بوزارة الثقافة، حيث من الممكن استجلاب آثار تابعة لتبرورة أوطينة أوإنشلة... موزعة بمتاحف خارج المدينة.
ـ تنظيف شط القراقنة من الأوساخ الكريهة التي تلوثه وحمايته من فضلات المدينة بواسطة مصفيات تفرغ دوريا وإنجاز مجسم أنيق وسطه، وعدم بناء ما أطلقت عليه زورا تسمية المقهى الثقافي مثلما اقترح ذلك مكتب الدراسات حيث لا تنقص المدينة المقاهي كما أم كلمة مقهى ثقافي كلمة لا معنى لها، لا تنطلي إلا على السذج.
ـ تعهد متحف العادات والتقاليد دار الجلولي بالصيانة ومزيد تأثيثه حيث بدأ يصاب بدوره بمشاكل التقادم.
ـ إنجاز مجسمات بوسط المدينة على نمط مجسم الزيتونة الشهير الذي كان عنصر جذب لزوار المدينة في عشرية السبعينات وبداية الثمانيات، وتكليف المجلس العلمي لمعهد الفنون الجميلة بصفاقس بصياغة كروس الشروط في الغرض وانتقاء المشاريع ومتابعة إنجازها. وفي نفس السياق تجميل المدينة بجداريات من نمط جدارية دار البريد التي أصبحت عنصر فخر للمدينة والمساس بها أحدث ضجة كبيرة سنة 2015.
ـ صيانة المسرح البلدي صيانة كاملة، وإرجاعه لأحسن مما كان عليه.
ـ صيانة مقر الولاية القديم وتحويله لدار للجمعيات الثقافية.
ـ صيانة دور الثقافة بالمعتمديات وتجهيزها لتقبل العروض الفرجوية.
ـ إصدار الكتب التي وصلت لمرحلة النشر وتضعيف المكافأة الممنوحة لمؤلفيها أربع مرات، فالمنحة الحالية هزيلة نستحي من ذكرها، فهي لا تعادل ما يتقاضاه مطرب شعبي أومطربة شعبية عن "نومرو" في عرس. مع الاكتفاء ب 500 كتاب ورقي ووضع نسخة إلكترونية مجانية على الأننترنات، فالغاية من هذه الكتب تطوير البحث العلمي والتعريف بالمدينة وتمتين رأسمالها الرمزي ولا غايات تجارية لها.
ـ تكليف المجلس العلمي لكلية الآداب بصفاقس بانتقاء 10 عروض من العروض التي تقدم بها مبدعوالمدينة في ميادين الموسيقى أوالمسرح وبرمجتها طيلة سنة 2017، مع تسجيلها ومنحها للعرض مجانا في أي قناة تلفزيونية ترغب في ذلك.
كل هذه الأنشطة ستكون لها صفة الديمومة، يستفيد منها الجيل الحالي وتبقى للأجيال القادمة، وبواسطتها تسترجع المدينة ثقتها في الدولة حيث أنها تحس عن حق أنها مدينة مهمشة لم تنجز بها الدولة إلا القليل الهزيل رغم أهميتها البشرية والاقتصادية والجبائية. أنشطة فيها احترام للمال العام، ولن تكون دخانا يتلاشى مع أول هبة هواء، كما أنها لن تتكلف على المجموعة الوطنية أكثر من تكلفة خرافة المكتبة الرقمية المكتوب لها، إن أنجزت، أن تتكلف على المجموعة الوطنية 18 مليار مليم. أرجومن نواب المدينة بمجلس النواب ومثقفيها ونشطاء المجتمع المدني متابعة المسألة بما تستحقه من جدية خدمة للمدينة وللثقافة التونسية لتواصل دورها كصمام أمان ضد كل أشكال التطرف وضد الخواء النفسي الجماعي.
علي بوعزيز مؤرخ،
مدير موقع ابن خلدون للدراسات الإنسانية والاجتماعية
سيصدر عن قريب لكاتب المقال كتابان باللغة الفرنسية ، أولهما مخصص لمدينة صفاقس أثناء القرن التاسع عشر وثانيهما حول الانتقال من مدينة تبرورة إلى مدينة صفاقس.

الطاهر بن عمار رجل دولة(قوّة المثابرة)
15 ماي 2017 السّاعة 21:00
صدر أخيرا وتزامنا مع بداية المعرض الدولي للكتاب مرجع تاريخي لا غنى عنه لدارسي تاريخ تونس المعاصر انطلاقا من...
المزيد >>
لماذا: اضراب الحرية والكرامة للأسرى الفلسطينيين ؟
15 ماي 2017 السّاعة 21:00
لم تكن القضية الفلسطينية كقضية مركزية للأمة العربية خلال القرن الماضي قضية تحرير وطني فحسب، بل هي قضية وجود...
المزيد >>
المواجهة أو الفرار (2 / 3):ضغوطات التحولات الديموغرافية
15 ماي 2017 السّاعة 21:00
تعرضنا أعزائي القراء في الحلقة الأولى من هذا المقال إلى سرعة النمو السكاني، وفي الاقتصاديات النامية بوجه...
المزيد >>
قراءة في حزمة الإجراءات الحكومية الخاصة بالفلاحة ( 2)
08 ماي 2017 السّاعة 21:00
ممّا ورد بالقانون المذكور أعلاه، الترفيع في القيمة القصوى للمشاريع الصغرى(صنف"أ)من 60 إلى 200 ألف دينار مع...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
صفاقس عاصمة الثقافة العربية في مأزق (2 / 2)
02 جانفي 2017 | 21:00

هزال المنجز
بقي ماذا أنجز في سياق هذه الاحتفالية. أبدأ بما أعتقد أنه نجاح للهيئة القديمة وهوكشف الوجه الشمالي للكنيسة والذي كانت تحجبه مبان وقتية لشركة توزيع الماء ولشركة النقل، بحيث ظهرت أناقة المبني من جوانبه الأربعة. فيما عدا هذا تقييمي لعمل الهيئة يخضع لمدى انطباقه مع الأهداف المرسومة لاستقدام هذه الاحتفائية لمدينة صفاقس والتي يمكن تلخيصها في الأهداف التالية : أولا، إبراز الأشكال الثقافية المحلية التي يمكن أن تمثل عنصر تفرد للمدينة وإظهارها بما يمكن أن يمنح سكانها سمكا نفسيا في فترة اضطربت فيها القيم والمرجعيات. وثانيا، خلق ديناميكية إخبار إيجابي عن المدينة يزيد من قيمة رأسمالها الرمزي كمدينة للناجحين منتجي الثروة من لا شيء على غرار ما قام به جدودهم. وثالثا، الزيادة من إشعاع البلاد التونسية على النطاق العالمي كبلاد رائدة في سياقات الحداثة المجتمعية والسياسية... هل حققت الاحتفائية إلى حد الآن جزءا من أهدافها. أبدا ! لا الهيئة القديمة ولا الهيئة الثانية طرحت على نفسها تحقيق أهداف واضحة وجلية من صنف ما طرحناه. ولأن الهيئة الثانية هي التي أشرفت على انطلاق فعاليات التظاهرة فهي التي يمكن تقييم أدائها في المضمار.
الهيئة الثانية تصورت أن نجاحها في مهمتها يقتضى ملء الفراغات بواسطة عروض فرجوية مثل مسيرات الأقنعة العملاقة والعماليق على سيقان خشبية وهي عروض تجاوزها العصر، أوخرجات العيساوية وغيرها من الطرق الصوفية، التي على أهميتها بحكم انغراسها في المخزون الثقافي للمدينة منذ القرن التاسع عشر، إلا أنها بالطريقة الفجة التي عرضت بها لا ترتقي بتاتا لمستوى الحدث، أومشاركة المهرجان الصيفي في استقدام بعض الفنانين العرب... بدايات الفشل الذريع كانت مع الحفل الافتتاحي الذي كان بشهادة الجميع حفلا فاشلا: يوم 28 جويلية 2016 قام محسن عبد الرحمان في جريدة الشروق بعرض جزء من ردود الفعل حول حفل الافتتاح الواردة على لسان بعض من الوجوه الثقافية التونسية فكانت كلها تقييمات سلبية. الباحث خليل قويعة أستاذ علوم وتقنيات الفنون بجامعة صفاقس عاب غياب المضمون الثقافي للاحتفال والتّركيز على الجانب الفرجوي الذي تجسده أشكال استعراضية أصبحت دارجة ولا خيال فيها موجودة مثلما قال في عديد المدن جنوبا شمالا، دون استثناء من حيّ النّصر إلى حي الدّرابك. أما منير الفلاح الوجه الثقافي المعروف والمندوب السابق للمندوبية الجهوية للثقافة بصفاقس فنقد قلة خبرة أفراد الهيئة المديرة الذين لا زاد ثقافي ولا خبرة كبيرة في البرمجة الثّقافيّة ولا باع في إدارة الحدث الثقافي واستغلاله والترويج ليه. ونقل الموسيقار محمد القرفي صورة كاريكاتورية عن الحفل تخجل ذوي الألباب قائلا هل تعلم أن الفرقة الموسيقية جاءها أمر تغيير المكان في آخر لحظة فاستنجدوا بالمارة لينقلوا معهم الآلات وغيرها. أن المنظمين استعادوا قوارير الماء الصغيرة التي وزعوها على الفرقة ليوزعوها من جديد على ضيوفهم. وأن وزيرة الثقافة "حشمت على روحها وألغت الأوبيريت الكلبة" التي أعدوها للافتتاح بعد أن حضرت بروفتها الأخيرة ؟ أما تكاليف اليوم الافتتاحي للتظاهرة، إن صحت، فبلغت أرقاما تكاد تكون عجائبية ناهزت المليار مليم، منها 500 مليون مليم للعرض الضوئي على السور، و120 مليون مليم للأوبيرات التي لم تعرض، 50 مليونا لكل منطاد...
أهم الأنشطة التي أنجزت شكت من قلة المقبلين عليها : افتتاح المدرسة الشعرية بدار العفاس، وأيام صفاقس السينمائية، ومهرجان المسرح العربي بصفاقس، والأسبوع الثقافي الجزائري، والأيام الثقافية الأردنية، الأسبوع الثقافي المصري، والأسبوع الثقافي العراقي والمهرجان العربي للكاريكاتير، زيارة عادل إمام لا يمكن أن توضع في خانة الأنشطة الثقافية وإنما في باب التنشيط الفرجوي، إذ لا إضافة ثقافة لها، وهذا دون استنقاص من قيمة عادل إمام الذي لا ينكر أحد أنه أدخل ويدخل البهجة على ملايين المشاهدين العرب. هي أنشطة لن يبقى منها شيء بعد أشهر معدودة بينما المطلوب أن يبقى أثر هذه التظاهرة قائما لسنين وسنين.
لإضفاء شرعية على أعمالها جمعت هيئة الاحتفالية الحزام المساند لها وأطلقت عليه تسمية المجلس الجهوي للثقافة الذي أعلن عن نفسه يوم 14 سبتمبر 2016 دون أن يبين صفته القانونية : هل هوجمعية قائمة الذات أم هومؤسسة رسمية أنشأها قرار من قبل وزارة الثقافة، وفي كل الحالات يوم أعلن عن نفسه كان يفتقد لقانون داخلي وهذا ابسط الإيمان . ومنذ لائحة المساندة التي أطلقها تبين أنه بوق للهيئة لا طائل من ورائه دوره المصادقة على تقرير التصرف المالي للهيئة وتصرفها الإداري إلى حد انه اعتبر حفل الافتتاح حفلا ناجحا، والتنديد بمن سماهم مرتزقي الثقافة والدعوة لاستكمال برامج البنية الأساسية بما يكاد يعني حصرا الشروع في انجاز الشيء المسمي عبثا بالمكتبة الرقمية. يوم 15 ديسمبر 2016 أصدر ما يسمى المجلس الثقافي الجهوي بيانا جديدا أقر أن التظاهرة وصلت إلى وضع كارثي لا تتحمل الهيئة الأولى أوالثانية مسؤوليته، ومنحها البيان صك حسن التصرف الإداري والمالي واتهم وزارة المالية بالمسؤولية عما آل إليه الوضع  لأنها أوقفت صرف الاعتمادات المخصصة للتظاهرة، وبعد إعادة المطالبة بال 30 مليار مليم المخصصة للتظاهرة والتأكيد على أن 20 مليار مليم منها مخصصة للبنية التحتية ينتهي البيان بمطالبة السلط الجهويّة والمركزيّة بالبحث عن حلّ لمسألة خلاص مكتب الدراسات الذي قام بدراسة مشاريع البنية التحتيّة حتّى تبدأ الأشغال في أقرب الآجال، وهنا بيت القصيد.
مكتب الدراسات الذي لوث التظاهرة
في الكتيب الذي وزع على مثقفي صفاقس المقيمين بتونس أثناء اجتماع المرسى في 4 جويلية 2015 تبين أن الأنشطة المركزية التي بنت عليها الهيئة الأولى برنامج الاحتفالية صاغها مكتب دراسات فرنسي AP’Culture يعرف بنفسه على الموقع الآتي http://apculture.fr ، ومن المشروع التساؤل عن إلحاحية منح التكليف لمكتب دراسات فرنسي لا لمكتب دراسات تونسي، وعن عدم قيام الهيئة بإصدار إعلان طلب للعروض في الغرض حسب كراس شروط ضبطته. من كل هذا لم يقع شيء حيث تم التفاوض المباشر مع مكتب الدراسات هذا في مخالفة للقانون حيث لم تكن هناك ضرورة ملحة. ومكتب الدراسات قدر في البداية تكلفة تحويل الكنيسة لمكتبة رقمية ب 9،5 مليار مليم، وهورقم مبالغ فيه بصفة جلية حيث لا رقميات بالمكتبة الرقمية عدا ناد للانترنات وإنما زويا للأكل ولشرب القهوة والشاي والاجتماع والدردشة مثلما يبين ذلك فيديوالدعاية لهذه القاعة العملاقة المسماة بهتانا مكتبة. الهيئة الثانية ورثت برنامج الهيئة الأولى والغريب أنها لم تقيم برنامج الهيئة الأولى ولم تطرح عليه تساؤلات من ناحية جدواه ومن جهة مشروعيته، أكثر من ذلك هي بنفسها تشبثت بالعلاقة مع مكتب الدراسات الفرنسي، وأصبحت أكثر شراسة في الدفاع عن هذه المكتبة الرقمية الأسطورية والتلويح بمنح الإشراف على قيادة أشغالها لمكتب الدراسات الذي بقدرة قادر ضاعف تقديرات انجازها من 9،5 مليار مليم إلى 18 مليار مليم تصاحبا مع الوعد بالزيادة في ميزانية التظاهرة من 9 مليار مليم إلى 30 مليار. أمر غريب إن لم يكن عجيبا.
الخلاصة فشلت الهيئة الأولى والهيئة الثانية في إدارة الاحتفالية ولم تقدر على إقناع الأطراف المانحة بقدرتها على البرمجة وضبط الأولويات، وأصبح لا فقط من حق وزارة المالية بل من واجبها إيقاف الدعم حتى يتبين الخيط الأبيض من الأسود. وتصاحبا مع ذلك من واجب وزارة الثقافة الإعلان عن نهاية الاحتفائية يوم 31 ديسمبر2016 لا يوم 23 مارس 2017. لكن هل يعني هذا "طاح الكاف على ظله" ؟ أبدا.
المطلوب إنجازه
المنحة المخصصة قانونا للاحتفالية تبلغ 9 مليار مليم، والمنحة المخصصة سياسيا تم ضبطها في اجتماع وزاري، وكان أعلن عنها يوم 2 جوان 2016 وزير المالية وومقدارها 30 مليار مليم، أصبحت الدولة ملزمة بأدائها للمدينة، ولا مجال للتفصي منها مهما تغيرت الأوضاع والحكومات ومهما تبدلت الهيئات المشرفة على الاحتفالية، كيف يقع التصرف فيها ؟
تقع محاسبة الهيئة الحالية على تعهداتها المقدرة بحوالي 3 مليار مليم، وصرف ما هوسليم منطقيا وإجرائيا وتحت نظر مراقب المصاريف العمومية المعين للغرض، وتكليف أكبر أعضاء الهيئة سنا بإتمام مشوار إنهاء الدورة بسلام ودون ضجيج، مع الإشراف على توظيف مقدرات الدورة حسب الأولويات الآتية :
ـ إتمام تعهد سور المدينة بواسطة إرجاعه إلى الحال الذي كان عليه في القرن التاسع عشر : سور مغطى تماما بطبقة من ملاط "البغلي" التقليدي وتغطيته بثلاث طبقات من الجير الأبيض حتى يسترجع السور بياضه الناصع، بحيث تسترجع المدينة صفتها القديمة : المدينة البيضاء، خصوصا إذا ما تم تطبيق المقترح على المساجد والزوايا مع دهن أبوابها باللونين التقليدين الأحمر والأخضر. وفي هذا تفرد للمدينة عن كل المدن العربية الإسلامية وعنصر جذب للزوار وللسياح ودعوة لبقية مباني حي باب البحر لكي تتجمل حتى يسترجع المكان جاذبيته القديمة، وتكليف جمعية صيانة المدينة بالتعاون مع وزارة التجهيز بالإشراف على العملية.
ـ تنظيف وصيانة المسلك الداخلي لسور المدينة وفتح الانقطاعات فيه، لتحويله لمسلك يدور بالمدينة دورة كاملة، وفي هذا الصدد يمكن الاسترشاد بالنجاحات التي تحققها جمعية صيانة مدينة تونس التي أعادت إحياء رونق بعض أنهج الحاضرة مثل نهج الأندلس.
ـ صيانة مدرسة نهج العدول، وتحويلها لمكتبة عمومية.
ـ تحويل الكنيسة بحكم طبيعتها وشكلها ولونها ومركزها في قلب المدينة لمتحف من طراز عالمي يعوض المتحف الحالي الموجود بمقر البلدية، وهوبالمناسبة مغلق للتعهد والصيانة في سنة عينت طيلتها المدينة لتكون عاصمة للثقافة العربية، وهذا من عجائب هذه الدورة الفاشلة. ويكون هذا العمل تحت إشراف الإدارة العامة للتراث بوزارة الثقافة، حيث من الممكن استجلاب آثار تابعة لتبرورة أوطينة أوإنشلة... موزعة بمتاحف خارج المدينة.
ـ تنظيف شط القراقنة من الأوساخ الكريهة التي تلوثه وحمايته من فضلات المدينة بواسطة مصفيات تفرغ دوريا وإنجاز مجسم أنيق وسطه، وعدم بناء ما أطلقت عليه زورا تسمية المقهى الثقافي مثلما اقترح ذلك مكتب الدراسات حيث لا تنقص المدينة المقاهي كما أم كلمة مقهى ثقافي كلمة لا معنى لها، لا تنطلي إلا على السذج.
ـ تعهد متحف العادات والتقاليد دار الجلولي بالصيانة ومزيد تأثيثه حيث بدأ يصاب بدوره بمشاكل التقادم.
ـ إنجاز مجسمات بوسط المدينة على نمط مجسم الزيتونة الشهير الذي كان عنصر جذب لزوار المدينة في عشرية السبعينات وبداية الثمانيات، وتكليف المجلس العلمي لمعهد الفنون الجميلة بصفاقس بصياغة كروس الشروط في الغرض وانتقاء المشاريع ومتابعة إنجازها. وفي نفس السياق تجميل المدينة بجداريات من نمط جدارية دار البريد التي أصبحت عنصر فخر للمدينة والمساس بها أحدث ضجة كبيرة سنة 2015.
ـ صيانة المسرح البلدي صيانة كاملة، وإرجاعه لأحسن مما كان عليه.
ـ صيانة مقر الولاية القديم وتحويله لدار للجمعيات الثقافية.
ـ صيانة دور الثقافة بالمعتمديات وتجهيزها لتقبل العروض الفرجوية.
ـ إصدار الكتب التي وصلت لمرحلة النشر وتضعيف المكافأة الممنوحة لمؤلفيها أربع مرات، فالمنحة الحالية هزيلة نستحي من ذكرها، فهي لا تعادل ما يتقاضاه مطرب شعبي أومطربة شعبية عن "نومرو" في عرس. مع الاكتفاء ب 500 كتاب ورقي ووضع نسخة إلكترونية مجانية على الأننترنات، فالغاية من هذه الكتب تطوير البحث العلمي والتعريف بالمدينة وتمتين رأسمالها الرمزي ولا غايات تجارية لها.
ـ تكليف المجلس العلمي لكلية الآداب بصفاقس بانتقاء 10 عروض من العروض التي تقدم بها مبدعوالمدينة في ميادين الموسيقى أوالمسرح وبرمجتها طيلة سنة 2017، مع تسجيلها ومنحها للعرض مجانا في أي قناة تلفزيونية ترغب في ذلك.
كل هذه الأنشطة ستكون لها صفة الديمومة، يستفيد منها الجيل الحالي وتبقى للأجيال القادمة، وبواسطتها تسترجع المدينة ثقتها في الدولة حيث أنها تحس عن حق أنها مدينة مهمشة لم تنجز بها الدولة إلا القليل الهزيل رغم أهميتها البشرية والاقتصادية والجبائية. أنشطة فيها احترام للمال العام، ولن تكون دخانا يتلاشى مع أول هبة هواء، كما أنها لن تتكلف على المجموعة الوطنية أكثر من تكلفة خرافة المكتبة الرقمية المكتوب لها، إن أنجزت، أن تتكلف على المجموعة الوطنية 18 مليار مليم. أرجومن نواب المدينة بمجلس النواب ومثقفيها ونشطاء المجتمع المدني متابعة المسألة بما تستحقه من جدية خدمة للمدينة وللثقافة التونسية لتواصل دورها كصمام أمان ضد كل أشكال التطرف وضد الخواء النفسي الجماعي.
علي بوعزيز مؤرخ،
مدير موقع ابن خلدون للدراسات الإنسانية والاجتماعية
سيصدر عن قريب لكاتب المقال كتابان باللغة الفرنسية ، أولهما مخصص لمدينة صفاقس أثناء القرن التاسع عشر وثانيهما حول الانتقال من مدينة تبرورة إلى مدينة صفاقس.

الطاهر بن عمار رجل دولة(قوّة المثابرة)
15 ماي 2017 السّاعة 21:00
صدر أخيرا وتزامنا مع بداية المعرض الدولي للكتاب مرجع تاريخي لا غنى عنه لدارسي تاريخ تونس المعاصر انطلاقا من...
المزيد >>
لماذا: اضراب الحرية والكرامة للأسرى الفلسطينيين ؟
15 ماي 2017 السّاعة 21:00
لم تكن القضية الفلسطينية كقضية مركزية للأمة العربية خلال القرن الماضي قضية تحرير وطني فحسب، بل هي قضية وجود...
المزيد >>
المواجهة أو الفرار (2 / 3):ضغوطات التحولات الديموغرافية
15 ماي 2017 السّاعة 21:00
تعرضنا أعزائي القراء في الحلقة الأولى من هذا المقال إلى سرعة النمو السكاني، وفي الاقتصاديات النامية بوجه...
المزيد >>
قراءة في حزمة الإجراءات الحكومية الخاصة بالفلاحة ( 2)
08 ماي 2017 السّاعة 21:00
ممّا ورد بالقانون المذكور أعلاه، الترفيع في القيمة القصوى للمشاريع الصغرى(صنف"أ)من 60 إلى 200 ألف دينار مع...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
فاطمة بن عبد الله الكراي
أمريكا اليوم :السلام لإسرائيل... والعقاب للعرب
نعم، نجحت الامبريالية الأمريكية في تغيير «سيناريوهات» في المنطقة العربية... ونجحت ـ مرة أخرى ـ من خلال خطاب الرئيس الجديد دونالد ترامب في تأمين 75 سنة قادمة على الأقل تكون فيها...
المزيد >>