من كتاب «المثنوي» لجلال الدين الرومي:سلامة الحسّ
النوري الصّـل
هل اقترب الحل السّياسي في ليبيا؟
من حيث توقيتها ومدلولاتها يمكن اعتبار الزيارة التي أداها القائد العام للجيش الليبي خليفة حفتر إلى بلادنا منعرجا هاما ومصيريا في مسار الأزمة الليبية، لا فقط لجهة ماتضمنته من حرص...
المزيد >>
من كتاب «المثنوي» لجلال الدين الرومي:سلامة الحسّ
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 06 جانفي 2017

وكل من كان صاحب ذوق كان يحس في كلامه بلذة لكنها مقترنة بمرارة. كان يتحدث بالنكات حديثا مختلطا، فلقد صب في ماء الورد الممزوج بالسكر سما. كان ظاهره يقول : كن جلدا في الطريق، لكن تأثيره كان يقول للروح : كوني واهية. كان كأنه فضة ظاهرها ابيض جديد، لكن اليد والثوب كانا يتلوثان بالسواد منها. فالنار وان كانت من شررها متوهجة المظهر، انظر من فعلها الى سوء الفعال. والبرق وان بدا نورا للبصر، من خواصه انه يخطف البصر. وكل أمرئ ـ الا الواعي وصاحب الذوق ـ صار كلام الوزير في عنقه كالطوق.
ولقد ظل طيلة ست سنوات مبتعدا عن الملك، حتى صار ملاذا لاتباع عيسى. وأسلمه الخلق دينهم وقلوبهم، وأخذوا يضحون بارواحهم امتثالا لامره وحكمه. كانت بينه وبين الملك مراسلات، وكان يطمئن الملك خفية. وفي نهاية الامر، من اجل ذلك الهدف، الذي هو تذريتهم جميعا مع الريح كأنهم التراب. وكتب له الملك : يا صاحب اقبالي، لقد حان الوقت، فطمئن فؤادي مسرعا. فرد : انني الان منهمك في هذا الامر يا مليكي، وهو ان القي الفتن في دين عيسى.
وكان يحكم قوم عيسى في هذه المعمعة اثنا عشر أميرا. كان كل فريق يتبع اميرا، والامير جعل نفسه عبدا من الطمع. فصار هؤلاء الامراء الاثناء عشر وقومهم في غل من ذلك الوزير المضل. صار استنادهم جميعا على اقوالهم، وصار جميعها يتأسون بسلوكه. وكان كل امير مستعدا للتضحية بروحه، لو قال له في لحظة : مت. لقد أعد قرطاسا باسم كل واحد منهم، وكتب في كل قرطاس مسلكا مختلفا. كانت احكام كل واحد منها على شاكلة ما، وكل منها يخالف الاخر خلافا جذريا. ففي احدها جعل طريق الرياضة والجوع شرطا للتوبة وللرجوع. وقال في اخر : لا نفع في الرياضة، ولا في هذا الطريق الا الجود وقال في قرطاس : ان جودك وجوعك، يكونان شركا منك مع معبودك. وفيما عدا التوكل، وفيما عدا التسليم التام، وفي السراء والضراء، كل الوسائل مكر وفخ. وقال في قرطاس : بل الخدمة واجبة، وفكرة التوكل فكرة مريبة. وقال في قرطاس : ان الاوامر والنواهي ليست من أجل التنفيذ، انها لابداء عجزنا. حتى ندرك منها عجزنا، فندرك عندئذ قدرة الحق. وقال في قرطاس : لا تنظر الى عجزك، وحذار فان هذا جحود للنعمة. بل انظر الى قدرتك، فهذه القدرة منه، واعتبر قدرتك نعمة منه. وقال في قرطاس : بل دعك منهما معا، فكل ما يبدو للنظر صنم. وقال في قرطاس : لا تطفئ هذه الشمعة، واقصد بها البصر، فهو بمثابة الشمع للجميع. وعندما تترك النظر والخيال، تكون قتيلا في منتصف الليل كشمع الوصال. وقال في قرطاس : بل أطفئه ولا تخش شيئا، حتى تنال عوضا عنه مائة ألف. فمن اطفأ الشمع تزداد الروح، وتصير ليلاك من صبرك مجنونة بك. وكل من ترك الدنيا زهدا منه، تأتيه الدنيا باكثر مما ترك. وقال في قرطاس : ان ما أعطاكه الحق، قد حلله لك مادام قد اوجده. ويسره لك وجعله عذبا مستساغا فخذه بيسر، ولا تلق بنفسك في المحن والشدة. وقال في قرطاس اخر : اترك ما هو لك فهو سيئ ومردود ذلك الذي قبله طبعك. فلقد يسرت طرق مختلفة، وصارت كل منها لامة ما صنوا للروح. فلو كان كل ما يسره الحق قويما، لكان كل يهودي ومجوسي عارفا به. وقال في قرطاس: ان المتيسر هو ما يكون حياة للروح وغذاء للقلب. وكل ما يقبله الطبع ان مضى عنك، يكون كالارض البور لا يثمر ريعا ولا ثمرا. ولا يكون من ريع له الا الندم، ولا يعود بيعه الا بالخسران. وذلك الذي لا تكون عاقبته يسرا، لا بد وان تكون عاقبته عسرا. فميز بين ما تكون نتيجته يسرا وما تكون نتيجته عسرا، وانظر الى جمال هذا او ذاك من عاقبته.
يتبع

ملف الأسبوع ..الاسلام دين العلم والعمل
15 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
تعود اليوم السنة الدراسية الى نشاطها المعهود ويعود معها واجب مقدس يقوم به الانسان تجاه نفسه اولا ثم تجاه...
المزيد >>
طلب العلم فرض على كل مسلم
15 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
اعطى الإسلام العلم مكانة عظيمة وأولاه أهمية كبيرة وبدا ذلك واضحا مع أول ما نزل من الوحي على رسولنا النّبيّ...
المزيد >>
المعرفة مسؤولية مقدسة
15 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
عاد اليوم أبناؤنا وبناتنا إلى مقاعد الدراسة في المدارس والمعاهد والجامعات عادوا والعود أحمد للنهل من شتى...
المزيد >>
خطبة الجمعة .. كفالة اليتيم تنجي من النار
15 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
قال الله تعالى ﴿فاما اليتيم فلا تقهر﴾ فالمسلمُ مطالبٌ بالإحسانِ إلى
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
من كتاب «المثنوي» لجلال الدين الرومي:سلامة الحسّ
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 06 جانفي 2017

وكل من كان صاحب ذوق كان يحس في كلامه بلذة لكنها مقترنة بمرارة. كان يتحدث بالنكات حديثا مختلطا، فلقد صب في ماء الورد الممزوج بالسكر سما. كان ظاهره يقول : كن جلدا في الطريق، لكن تأثيره كان يقول للروح : كوني واهية. كان كأنه فضة ظاهرها ابيض جديد، لكن اليد والثوب كانا يتلوثان بالسواد منها. فالنار وان كانت من شررها متوهجة المظهر، انظر من فعلها الى سوء الفعال. والبرق وان بدا نورا للبصر، من خواصه انه يخطف البصر. وكل أمرئ ـ الا الواعي وصاحب الذوق ـ صار كلام الوزير في عنقه كالطوق.
ولقد ظل طيلة ست سنوات مبتعدا عن الملك، حتى صار ملاذا لاتباع عيسى. وأسلمه الخلق دينهم وقلوبهم، وأخذوا يضحون بارواحهم امتثالا لامره وحكمه. كانت بينه وبين الملك مراسلات، وكان يطمئن الملك خفية. وفي نهاية الامر، من اجل ذلك الهدف، الذي هو تذريتهم جميعا مع الريح كأنهم التراب. وكتب له الملك : يا صاحب اقبالي، لقد حان الوقت، فطمئن فؤادي مسرعا. فرد : انني الان منهمك في هذا الامر يا مليكي، وهو ان القي الفتن في دين عيسى.
وكان يحكم قوم عيسى في هذه المعمعة اثنا عشر أميرا. كان كل فريق يتبع اميرا، والامير جعل نفسه عبدا من الطمع. فصار هؤلاء الامراء الاثناء عشر وقومهم في غل من ذلك الوزير المضل. صار استنادهم جميعا على اقوالهم، وصار جميعها يتأسون بسلوكه. وكان كل امير مستعدا للتضحية بروحه، لو قال له في لحظة : مت. لقد أعد قرطاسا باسم كل واحد منهم، وكتب في كل قرطاس مسلكا مختلفا. كانت احكام كل واحد منها على شاكلة ما، وكل منها يخالف الاخر خلافا جذريا. ففي احدها جعل طريق الرياضة والجوع شرطا للتوبة وللرجوع. وقال في اخر : لا نفع في الرياضة، ولا في هذا الطريق الا الجود وقال في قرطاس : ان جودك وجوعك، يكونان شركا منك مع معبودك. وفيما عدا التوكل، وفيما عدا التسليم التام، وفي السراء والضراء، كل الوسائل مكر وفخ. وقال في قرطاس : بل الخدمة واجبة، وفكرة التوكل فكرة مريبة. وقال في قرطاس : ان الاوامر والنواهي ليست من أجل التنفيذ، انها لابداء عجزنا. حتى ندرك منها عجزنا، فندرك عندئذ قدرة الحق. وقال في قرطاس : لا تنظر الى عجزك، وحذار فان هذا جحود للنعمة. بل انظر الى قدرتك، فهذه القدرة منه، واعتبر قدرتك نعمة منه. وقال في قرطاس : بل دعك منهما معا، فكل ما يبدو للنظر صنم. وقال في قرطاس : لا تطفئ هذه الشمعة، واقصد بها البصر، فهو بمثابة الشمع للجميع. وعندما تترك النظر والخيال، تكون قتيلا في منتصف الليل كشمع الوصال. وقال في قرطاس : بل أطفئه ولا تخش شيئا، حتى تنال عوضا عنه مائة ألف. فمن اطفأ الشمع تزداد الروح، وتصير ليلاك من صبرك مجنونة بك. وكل من ترك الدنيا زهدا منه، تأتيه الدنيا باكثر مما ترك. وقال في قرطاس : ان ما أعطاكه الحق، قد حلله لك مادام قد اوجده. ويسره لك وجعله عذبا مستساغا فخذه بيسر، ولا تلق بنفسك في المحن والشدة. وقال في قرطاس اخر : اترك ما هو لك فهو سيئ ومردود ذلك الذي قبله طبعك. فلقد يسرت طرق مختلفة، وصارت كل منها لامة ما صنوا للروح. فلو كان كل ما يسره الحق قويما، لكان كل يهودي ومجوسي عارفا به. وقال في قرطاس: ان المتيسر هو ما يكون حياة للروح وغذاء للقلب. وكل ما يقبله الطبع ان مضى عنك، يكون كالارض البور لا يثمر ريعا ولا ثمرا. ولا يكون من ريع له الا الندم، ولا يعود بيعه الا بالخسران. وذلك الذي لا تكون عاقبته يسرا، لا بد وان تكون عاقبته عسرا. فميز بين ما تكون نتيجته يسرا وما تكون نتيجته عسرا، وانظر الى جمال هذا او ذاك من عاقبته.
يتبع

ملف الأسبوع ..الاسلام دين العلم والعمل
15 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
تعود اليوم السنة الدراسية الى نشاطها المعهود ويعود معها واجب مقدس يقوم به الانسان تجاه نفسه اولا ثم تجاه...
المزيد >>
طلب العلم فرض على كل مسلم
15 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
اعطى الإسلام العلم مكانة عظيمة وأولاه أهمية كبيرة وبدا ذلك واضحا مع أول ما نزل من الوحي على رسولنا النّبيّ...
المزيد >>
المعرفة مسؤولية مقدسة
15 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
عاد اليوم أبناؤنا وبناتنا إلى مقاعد الدراسة في المدارس والمعاهد والجامعات عادوا والعود أحمد للنهل من شتى...
المزيد >>
خطبة الجمعة .. كفالة اليتيم تنجي من النار
15 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
قال الله تعالى ﴿فاما اليتيم فلا تقهر﴾ فالمسلمُ مطالبٌ بالإحسانِ إلى
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
النوري الصّـل
هل اقترب الحل السّياسي في ليبيا؟
من حيث توقيتها ومدلولاتها يمكن اعتبار الزيارة التي أداها القائد العام للجيش الليبي خليفة حفتر إلى بلادنا منعرجا هاما ومصيريا في مسار الأزمة الليبية، لا فقط لجهة ماتضمنته من حرص...
المزيد >>