الأسطرلاب :«الـمُقيم العام» والـمُتشعبطُ
عبد الحميد الرياحي
انتهازية السياسيين... إلى متى ؟
يعيش المجتمع التونسي حالة انفصام كبيرة وخطيرة بين تجاذبات وصراعات الأطراف السياسية وبين ما يعيشه الشعب وما يكتوي به من نيران أسعار ومشاكل مستعصية... وكذلك بين ما تشهده أوضاع...
المزيد >>
الأسطرلاب :«الـمُقيم العام» والـمُتشعبطُ
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 10 جانفي 2017

«هَا هُو الغوريلا، فوق برج السّاعة. مكان تمثال بورقيبة تماما. يلقي بقميصه ليلوذ بالعري. وصلت سيارةُ المطافئ، اخترقت الجمهور وبدأت ترفع سلّما باتجاه قِمّة السّاعة. انفتحتْ درجاتُه حتى اقتربتْ من الغوريلا الذي تمسّكَ بحزامه الجلدي. « انزل . سنستمعُ إليك «. خاطبه الشرطي في مضخّم الصوت . « (1) ...أجل ... لقد تنبه كمال الرياحي إلى هذا الطقس المتكرّر كلّ مرّة من على برج الساعة وفي وضح النهار . وحسب ما أذكرُ ولمدّة عشر سنوات زمن بن علي لم يتجرأ أحدٌ من التونسيين على تسلّق « برج السّاعة « أو» المنقالة « في الشّارع الرئيسي. أعتقدُ أن الوحيد الذي تجرأ في خياله تسلق هذه المسلة المُشهرة في وجه التونسيين - قبل إنجاز ثورتهم المعروفة اليوم عند البعض وبـ»ثورة 14 جانفي» عند البعض « وثورة الياسمين « أو» ثورة البرويطة « عند البعض الآخر - هوغوريلا كمال الرياحي في روايته « الغوريلا « . ورُبّما أنبأنا الكاتب هو يستعيرُ صورة شريط « كينغ كونغ « الشهير على أن حركة تسلق برج السّاعة في الشارع الرئيسي ستكون عادة يلتجئ إليها كل حسب رغباته وإنتماءاته وهواه ليُمارس هذا «الحج» العمودي الذي يبدُو أنه تحوّل في تونس ما بعد الثورة إلى « طقس عبور « طقس ظهُوري يؤكد كل مرّة أن ثمّة أزمة لم تحل في فضائنا العمومي المشرّع على التناكُب والتنابُز والتدافُع الإجتماعي ... نفس الطقوس كل مرّة كما يذكرها الكاتب في روايته ، تسلقٌ ، ومطالبة وشرطة وسلالمُ ومضخّم صوت ... لقد حدث هذا التألق الأدائي مرات عديدة أمام التونسيين في قلب الشارع الرئيسي ومن على برج السّاعة الفولاذي ... تعليقاتٌ في الصّحافة وأذيالُ أخبار في الشاشات وثرثرة على شبكات التواصل الإجتماعي ... وينتهي الأمر كحادثة عابرة جديرة بحيز المتفرقات تحت عنوان فرنسي « Insolite « يثير الفضول والسّخرية ثمّ يطويه النسيان.
أذكر أنه لم يتجرأ أحد من التونسيين تسلق «برج السّاعة» أو» المنقالة « في الشّارع الرئيسي وأنه قبل انتصابها عام 2001 كان «الجنرال» قد أقام ساعته القبيحة عام 1988 بعد انقلابه الأبيض على الزّعيم العجوز ، وأن تلك السّاعة التي كانت شبيهة بمقصلة خرسانية كانت الساعة التونسية الثانية الفريدة في العالم لكونها تحمل رقم «7» بديلا عن رقم «6» إمعانا في تمجيد تاريخ ذلك الإنقلاب. أما الساعة التونسية الفريدة الأولى فالمقصود بها ساعة الجامع الكبير بتستور التي لاتزال عقاربها تدور عكس عقارب السّاعات ربما من فرط حنين أجداد المهندس عبد الحليم الكوندي الأندلسيين بالعودة إلى الوراء عكس الوقت إلى « الفردوس المفقود» الذي رثاه لسان الدين ابن الخطيب في قصيدته الشهيرة والتي غنّتها فيروز . لكن «الجنرال» حين أقام برج السّاعة هذا ما كان ليخطر بباله أن هذه المسلة الفولاذية ستكون مرقى للتونسيين بعد هروبه ، بل إلى مأذنة يتسلقها السلفيون ذات يوم في غزوتهم الشهيرة المعروفة بـ «غزوة المنقالة» . ما الذي يجعل برج الساعة مغريا إلى هذا الحد بالتسلق؟ هل في ذلك من دلالة إجتماعية أومن معنى ديني معراجي أومن «فونتازم» باطني عند التونسيين ؟ هل من دلالة استفزازية « ليبيدية « تجعل من هذا البرج الذي يُحاكي المئذنة والمسلة الفرعونية في نفس الوقت مزارا ديونسيا يقُولُ ما لا يُقال ؟
لقد شهد برج السّاعة منذ الثورة أحداثا جمّة، كما شهد ميلاد رهط من المتشعبطين. والمتشعبطون أناسٌ منخطفون، ومنجذبون، ومتولهون ومتألهون. ويبدو أن لهذا البرج تأثيرا مغناطيسيا على البعض ممّن لحست الخرافاتُ والغيبياتُ عقولهم فباتُوا لا يطيقون صبرا على تسلّق هذا البرج. ولقد قرأت مرّة في بعض الجرائد الإلكترونية كلاما عَجَبا كتبه المغرمُون بنظريات المؤامرة حول هندسة هذا البرج وساعته مفادُه أنّ الهرم الذي في منتهاه هورمزٌ من رموز الماسونية وأن ذلك قد دُسّ دسّا بأيادٍ مشبوهة مرتبطة بالماسونية وبالصهيونية العالميتين وأن تونس يحكمُها سدنة الماسونيةُ وما برجُ السّاعة إلا تدليلٌ عليها وترميزٌ لها. ودون ذلك فإن أهمّ حدث عاشه البرج هوالحادثة التي باتت تعرفُ بـ « غزوة المنقالة « في 27 مارس 2012 ،والتي تسلق فيها من يعرّفُون أنفسهم بـ «السّلفية « هذا المعلم ورفعُوا من عليه الآذان والتكبير والأعلام أمام ذهول الناس وتواطؤ حكومة الترويكا التي ظلت متفرّجة بتواطئ لا تخطئُهُ عينٌ على المشهد مع الناس إلى درجة شجّعت هؤلاء على اقتحام السّفارة الأمريكية في تونس بعد عام والتي قال فيها وزير الداخلية علي العريض قولته الشهيرة وقتذاك « جيناهُمْ من قُدّام يا خي جاوُونا من تالي «...وتكرّر تسلق البرج كل مرّة بطقوسه التي ذكرنا، ففي أواخر العام المنصرم فقط تسلّق شابٌ برج الساعة مُهددا بالإنتحار وقد كان يصرخُ مناديا ببقاء باراك أوباما رئيسا ومندّدا بانتخاب ترامب واقتضى الأمر قرابة السّاعتين لتحوّل عناصر الحماية المدنية والشرطة إقناعه بالنزول. وبعدها تسلق شاب آخر البرج مهددا بإلقاء نفسه ورفع لافتة مجّد فيها فرقة راب فرنسية (هي فرقةPNL) وطالب السلطات باستقدام هذه الفرقة لإقامة حفلات في تونس وانتهى الأمر بإقناعه بالعدُول عن الانتحار وانزاله. وقبل ذلك كله تجرأ الكثيرون على تسلق هذا البرج الفولاذي بسبب وبغير سبب.
وبالمقابل فإن برج السّاعة لم يشهد يوما « متشعبطا « أومتسلقا نادى بفصل الدّين عن الدّولة ، أوبالمساواة في الميراث، أوبتجريم عدم التنصيص في الدّستور على التطبيع مع إسرائيل ، أوبالدّفاع عن حرية التفكير والمعتقد، أومساواة المرأة والرجل في الحقوق السياسية والتناصف ، أوالتمايز الجهوي في مجال التنمية، أو حل ملفات المفروزين أمنيا، أوغلق المدارس القرآنية المنفلتة، أو بحقوق التونسيين التربوية والصّحية والثقافية، أو بتجريم ومحاكمة من شجّع وهرّب وسفّر شباب تونس إلى المحارق أو الكشف عن حقيقة إغتيال الشّهيد شكري بلعيد أو إعادة العلاقات الديبلوماسية مع سورية أومطالبة الحكومة التونسية الإنسلاخ من التحالف الإسلامي إلى جانب السعودية في ضرب الشعب اليمني وتقتيل أطفاله ...ويبدو أن هذه المطالب الغائبة ليست مطالب عمودية وإنما هي أفقية لا تحتاجُ في الحقيقة مُرتقى كالذي يمثله برج السّاعة في الشّارع الرئيسي والذي يبدُو منبرا مُناسبا للمطالب العمودية الغيبية التي تغلب عليها « العقيدة « و» التعصّب « وعادة ما تكون هذه المطالب الغيبية مقترنة بالإبتزاز العاطفي حيث رهان المتشعبط هوالإنتحار والموت. وهي مطالب « نفيرية « تحتاج إلى مرتقى شاهق يتسلقه المتشعبطون بمن في ذلك متشعبطوالتعصب لجمعية رياضية أولفرقة موسيقية كما حدث مع الشاب المحب لفرقة الرّاب « ب. ن .ل « ( PNL).
ويبد وأن سفير فرنسا المقيم في تونس أليفي بوافر دارفور Olivier Poivre d’Arvor قد أحزنه حال الشاب المتشعبط المحب لفرقة الراب الفرنسية ورقّ لحاله. وقد كتب على الفايسبوك تدوينة (بتاريخ 30 ديسمبر) لا تخلو من «سخرية كلبية» ينصح فيها الشباب الذين يودون مشاهدة الفرقة الموسيقية الفرنسية تُقدّمُ عروضها في تونس أن لا يتشعبطوا في برج الساعة بل أن يتوخوا طريقة تجنبهم خسارة أرواحهم وهوأن يتوجهُوا برسالة إلى مكتبه بالسّفارة الفرنسية في نفس الشارع يطلبون فيها توفير هذه الفرق الفرنسية، ويضيف بما أن الحدث – حدث التشعبيط – قد وقع في فترة الإحتفالات بنهاية العام ولأنه لا يرفض طلبا للشباب فإنه يستجيب لهذا « الإبتزاز» بصفة استثنائية ويلتزم استجلاب هذه الفرقة الفرنسية إلى تونس، بل إنه يقترح برمجتها في مهرجان قرطاج الصيفي...وعليه، ولأن السفير متفهم لمطالب التونسيين فعليه أن ينتبه إلى رسالة مفتوحة كتبها المثقف والروائي كمال الزّغباني (2) لسلفه تطالب بضرورة تغيير مكان السفارة الفرنسية من الشارع الرئيسي قدوة بسفاراة الدول الأخرى بسبب تسببها في تشويهه جمالية الشارع وتعطيلها للحركة فيه وفي ما تفرّع عنه من أثر حالة الطوارئ القبيحة التي تثيرها في المكان من أسلاك شائكة وأكياس رملية عسكرية وغيرها من المعطلات التي تحيل السّفارة - التي كانت مقرا للإقامة الإستعمارية منذ ما يقارب قرنا ونصف - على صورة الثكنة العسكرية المنتجة للعنف الرّمزي أمام التونسيين، كما تطالب هذه الرّسالة من تمكين التونسيين من مبنى السفارة من تحويله إلى متحف تاريخي أوثقافي يليق بتطلعات التونسيين بعد ثورتهم... هل بإمكان السفير الفرنسي التفاعل مع هذه الرّسالة التي كتبها مثقف تونسي شاب؟ هل بإمكان السّفير الفرنسي أن يجد حلولا عملية للشباب التونسي الطالبي ليحصل على تأشيرة لإكمال دراساته العليا في الجامعات الفرنسية ؟ هل بإمكان السفير الفرنسي بوصفه كاتبا ومثقفا أن يبلّغ غضب المثقفين التونسيين من السياسة الفرنسية السلبية حيال تونس ما بعد الثورة ؟... إنّي شخصيا لا أعتقد ذلك ما دام السفير يرقّ قلبه لمتشعبط يعشق فرقة راب فرنسية تروّج للبذاءة والعنف تحت شعار مخاتل « السلم والحب « ( Love N’ Peace) .اني أفكر لوحدث وأن تسلق أولئك المتشعبطون الملتحون جدران السفارة الفرنسية كما حدث للسفارة الأمريكية ما كتب هذا السفير تهكمه ذلك. ودون ذلك فإني على يقين أن التونسيين لم يشعرُوا بالفخر وهم يرون علم بلادهم على قامة برج إيفيل التي روّج لها السفير في صفحته في الفايسبووك كمنجز بات منجزا شخصيا . وإنّي أرى ذلك من باب « الرّشوة» المحسوبة على الغزل الديبلوماسي ما دامت تونس يطيب فيها العيش منذ معاهدة باردو. يبقى أنه من الواجب التذكير أن شابا تونسيا وفي مكان قصيّ تسلق قمّة جبل «كاليمانجارو» Kalimanjaro في تانزانيا ورفع فوقه العلم التونسي القاني مذكرا ربما أن تونس منحت إسمها للقارّة كلها .
(1) – من رواية « الغوريلا « لكمال الرياحي ، دار الساقي 2011 بيروت ، ص،25 – 26 .
(2) - انظر رسالة كمال الزغباني على موقعه الرسمي في الفايسبوك تحت عنوان « Lettre Ouverte à son excellence l’ambassadeur de la France en Tunisie « بتاريخ 19 ماي 2016 .

د .عبد الحليم المسعودي
وخزة:ضمير... غائب
27 مارس 2017 السّاعة 21:00
تسيّب... انحلال أخلاقي... سجائر وكلام بذيء في القسم... وربما «زطلة» في الساحة أو في محيط المعهد... تلاميذ بلا...
المزيد >>
أولا وأخيرا:كم توجد في تونس من دولة؟
27 مارس 2017 السّاعة 21:00
لقد مات «حمارنا» الوطني منهوشا من الكلاب السائبة في مزابل الحقوق والحريات.
المزيد >>
الحديث الديبلوماسي:زيارة دمشق: أين الديبلوماسية الرسمية من الملف السوري ؟
27 مارس 2017 السّاعة 21:00
زيارة الوفد النيابي إلى دمشق تبقى، موضوعيا، مؤشرا على التنكر لنواميس السيادة الوطنية. ولكنها تمثل في نفس...
المزيد >>
وخزة:نقـــل جماعــــي... أو رعب جماعي ؟!
26 مارس 2017 السّاعة 21:00
إذا رأيت سائق سيارة بارعا في التهوّر يتصرّف بفوضى ولقوانين المرور لا يراعي.. فثق بأنه يقود سيارة نقل جماعي.
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
الأسطرلاب :«الـمُقيم العام» والـمُتشعبطُ
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 10 جانفي 2017

«هَا هُو الغوريلا، فوق برج السّاعة. مكان تمثال بورقيبة تماما. يلقي بقميصه ليلوذ بالعري. وصلت سيارةُ المطافئ، اخترقت الجمهور وبدأت ترفع سلّما باتجاه قِمّة السّاعة. انفتحتْ درجاتُه حتى اقتربتْ من الغوريلا الذي تمسّكَ بحزامه الجلدي. « انزل . سنستمعُ إليك «. خاطبه الشرطي في مضخّم الصوت . « (1) ...أجل ... لقد تنبه كمال الرياحي إلى هذا الطقس المتكرّر كلّ مرّة من على برج الساعة وفي وضح النهار . وحسب ما أذكرُ ولمدّة عشر سنوات زمن بن علي لم يتجرأ أحدٌ من التونسيين على تسلّق « برج السّاعة « أو» المنقالة « في الشّارع الرئيسي. أعتقدُ أن الوحيد الذي تجرأ في خياله تسلق هذه المسلة المُشهرة في وجه التونسيين - قبل إنجاز ثورتهم المعروفة اليوم عند البعض وبـ»ثورة 14 جانفي» عند البعض « وثورة الياسمين « أو» ثورة البرويطة « عند البعض الآخر - هوغوريلا كمال الرياحي في روايته « الغوريلا « . ورُبّما أنبأنا الكاتب هو يستعيرُ صورة شريط « كينغ كونغ « الشهير على أن حركة تسلق برج السّاعة في الشارع الرئيسي ستكون عادة يلتجئ إليها كل حسب رغباته وإنتماءاته وهواه ليُمارس هذا «الحج» العمودي الذي يبدُو أنه تحوّل في تونس ما بعد الثورة إلى « طقس عبور « طقس ظهُوري يؤكد كل مرّة أن ثمّة أزمة لم تحل في فضائنا العمومي المشرّع على التناكُب والتنابُز والتدافُع الإجتماعي ... نفس الطقوس كل مرّة كما يذكرها الكاتب في روايته ، تسلقٌ ، ومطالبة وشرطة وسلالمُ ومضخّم صوت ... لقد حدث هذا التألق الأدائي مرات عديدة أمام التونسيين في قلب الشارع الرئيسي ومن على برج السّاعة الفولاذي ... تعليقاتٌ في الصّحافة وأذيالُ أخبار في الشاشات وثرثرة على شبكات التواصل الإجتماعي ... وينتهي الأمر كحادثة عابرة جديرة بحيز المتفرقات تحت عنوان فرنسي « Insolite « يثير الفضول والسّخرية ثمّ يطويه النسيان.
أذكر أنه لم يتجرأ أحد من التونسيين تسلق «برج السّاعة» أو» المنقالة « في الشّارع الرئيسي وأنه قبل انتصابها عام 2001 كان «الجنرال» قد أقام ساعته القبيحة عام 1988 بعد انقلابه الأبيض على الزّعيم العجوز ، وأن تلك السّاعة التي كانت شبيهة بمقصلة خرسانية كانت الساعة التونسية الثانية الفريدة في العالم لكونها تحمل رقم «7» بديلا عن رقم «6» إمعانا في تمجيد تاريخ ذلك الإنقلاب. أما الساعة التونسية الفريدة الأولى فالمقصود بها ساعة الجامع الكبير بتستور التي لاتزال عقاربها تدور عكس عقارب السّاعات ربما من فرط حنين أجداد المهندس عبد الحليم الكوندي الأندلسيين بالعودة إلى الوراء عكس الوقت إلى « الفردوس المفقود» الذي رثاه لسان الدين ابن الخطيب في قصيدته الشهيرة والتي غنّتها فيروز . لكن «الجنرال» حين أقام برج السّاعة هذا ما كان ليخطر بباله أن هذه المسلة الفولاذية ستكون مرقى للتونسيين بعد هروبه ، بل إلى مأذنة يتسلقها السلفيون ذات يوم في غزوتهم الشهيرة المعروفة بـ «غزوة المنقالة» . ما الذي يجعل برج الساعة مغريا إلى هذا الحد بالتسلق؟ هل في ذلك من دلالة إجتماعية أومن معنى ديني معراجي أومن «فونتازم» باطني عند التونسيين ؟ هل من دلالة استفزازية « ليبيدية « تجعل من هذا البرج الذي يُحاكي المئذنة والمسلة الفرعونية في نفس الوقت مزارا ديونسيا يقُولُ ما لا يُقال ؟
لقد شهد برج السّاعة منذ الثورة أحداثا جمّة، كما شهد ميلاد رهط من المتشعبطين. والمتشعبطون أناسٌ منخطفون، ومنجذبون، ومتولهون ومتألهون. ويبدو أن لهذا البرج تأثيرا مغناطيسيا على البعض ممّن لحست الخرافاتُ والغيبياتُ عقولهم فباتُوا لا يطيقون صبرا على تسلّق هذا البرج. ولقد قرأت مرّة في بعض الجرائد الإلكترونية كلاما عَجَبا كتبه المغرمُون بنظريات المؤامرة حول هندسة هذا البرج وساعته مفادُه أنّ الهرم الذي في منتهاه هورمزٌ من رموز الماسونية وأن ذلك قد دُسّ دسّا بأيادٍ مشبوهة مرتبطة بالماسونية وبالصهيونية العالميتين وأن تونس يحكمُها سدنة الماسونيةُ وما برجُ السّاعة إلا تدليلٌ عليها وترميزٌ لها. ودون ذلك فإن أهمّ حدث عاشه البرج هوالحادثة التي باتت تعرفُ بـ « غزوة المنقالة « في 27 مارس 2012 ،والتي تسلق فيها من يعرّفُون أنفسهم بـ «السّلفية « هذا المعلم ورفعُوا من عليه الآذان والتكبير والأعلام أمام ذهول الناس وتواطؤ حكومة الترويكا التي ظلت متفرّجة بتواطئ لا تخطئُهُ عينٌ على المشهد مع الناس إلى درجة شجّعت هؤلاء على اقتحام السّفارة الأمريكية في تونس بعد عام والتي قال فيها وزير الداخلية علي العريض قولته الشهيرة وقتذاك « جيناهُمْ من قُدّام يا خي جاوُونا من تالي «...وتكرّر تسلق البرج كل مرّة بطقوسه التي ذكرنا، ففي أواخر العام المنصرم فقط تسلّق شابٌ برج الساعة مُهددا بالإنتحار وقد كان يصرخُ مناديا ببقاء باراك أوباما رئيسا ومندّدا بانتخاب ترامب واقتضى الأمر قرابة السّاعتين لتحوّل عناصر الحماية المدنية والشرطة إقناعه بالنزول. وبعدها تسلق شاب آخر البرج مهددا بإلقاء نفسه ورفع لافتة مجّد فيها فرقة راب فرنسية (هي فرقةPNL) وطالب السلطات باستقدام هذه الفرقة لإقامة حفلات في تونس وانتهى الأمر بإقناعه بالعدُول عن الانتحار وانزاله. وقبل ذلك كله تجرأ الكثيرون على تسلق هذا البرج الفولاذي بسبب وبغير سبب.
وبالمقابل فإن برج السّاعة لم يشهد يوما « متشعبطا « أومتسلقا نادى بفصل الدّين عن الدّولة ، أوبالمساواة في الميراث، أوبتجريم عدم التنصيص في الدّستور على التطبيع مع إسرائيل ، أوبالدّفاع عن حرية التفكير والمعتقد، أومساواة المرأة والرجل في الحقوق السياسية والتناصف ، أوالتمايز الجهوي في مجال التنمية، أو حل ملفات المفروزين أمنيا، أوغلق المدارس القرآنية المنفلتة، أو بحقوق التونسيين التربوية والصّحية والثقافية، أو بتجريم ومحاكمة من شجّع وهرّب وسفّر شباب تونس إلى المحارق أو الكشف عن حقيقة إغتيال الشّهيد شكري بلعيد أو إعادة العلاقات الديبلوماسية مع سورية أومطالبة الحكومة التونسية الإنسلاخ من التحالف الإسلامي إلى جانب السعودية في ضرب الشعب اليمني وتقتيل أطفاله ...ويبدو أن هذه المطالب الغائبة ليست مطالب عمودية وإنما هي أفقية لا تحتاجُ في الحقيقة مُرتقى كالذي يمثله برج السّاعة في الشّارع الرئيسي والذي يبدُو منبرا مُناسبا للمطالب العمودية الغيبية التي تغلب عليها « العقيدة « و» التعصّب « وعادة ما تكون هذه المطالب الغيبية مقترنة بالإبتزاز العاطفي حيث رهان المتشعبط هوالإنتحار والموت. وهي مطالب « نفيرية « تحتاج إلى مرتقى شاهق يتسلقه المتشعبطون بمن في ذلك متشعبطوالتعصب لجمعية رياضية أولفرقة موسيقية كما حدث مع الشاب المحب لفرقة الرّاب « ب. ن .ل « ( PNL).
ويبد وأن سفير فرنسا المقيم في تونس أليفي بوافر دارفور Olivier Poivre d’Arvor قد أحزنه حال الشاب المتشعبط المحب لفرقة الراب الفرنسية ورقّ لحاله. وقد كتب على الفايسبوك تدوينة (بتاريخ 30 ديسمبر) لا تخلو من «سخرية كلبية» ينصح فيها الشباب الذين يودون مشاهدة الفرقة الموسيقية الفرنسية تُقدّمُ عروضها في تونس أن لا يتشعبطوا في برج الساعة بل أن يتوخوا طريقة تجنبهم خسارة أرواحهم وهوأن يتوجهُوا برسالة إلى مكتبه بالسّفارة الفرنسية في نفس الشارع يطلبون فيها توفير هذه الفرق الفرنسية، ويضيف بما أن الحدث – حدث التشعبيط – قد وقع في فترة الإحتفالات بنهاية العام ولأنه لا يرفض طلبا للشباب فإنه يستجيب لهذا « الإبتزاز» بصفة استثنائية ويلتزم استجلاب هذه الفرقة الفرنسية إلى تونس، بل إنه يقترح برمجتها في مهرجان قرطاج الصيفي...وعليه، ولأن السفير متفهم لمطالب التونسيين فعليه أن ينتبه إلى رسالة مفتوحة كتبها المثقف والروائي كمال الزّغباني (2) لسلفه تطالب بضرورة تغيير مكان السفارة الفرنسية من الشارع الرئيسي قدوة بسفاراة الدول الأخرى بسبب تسببها في تشويهه جمالية الشارع وتعطيلها للحركة فيه وفي ما تفرّع عنه من أثر حالة الطوارئ القبيحة التي تثيرها في المكان من أسلاك شائكة وأكياس رملية عسكرية وغيرها من المعطلات التي تحيل السّفارة - التي كانت مقرا للإقامة الإستعمارية منذ ما يقارب قرنا ونصف - على صورة الثكنة العسكرية المنتجة للعنف الرّمزي أمام التونسيين، كما تطالب هذه الرّسالة من تمكين التونسيين من مبنى السفارة من تحويله إلى متحف تاريخي أوثقافي يليق بتطلعات التونسيين بعد ثورتهم... هل بإمكان السفير الفرنسي التفاعل مع هذه الرّسالة التي كتبها مثقف تونسي شاب؟ هل بإمكان السّفير الفرنسي أن يجد حلولا عملية للشباب التونسي الطالبي ليحصل على تأشيرة لإكمال دراساته العليا في الجامعات الفرنسية ؟ هل بإمكان السفير الفرنسي بوصفه كاتبا ومثقفا أن يبلّغ غضب المثقفين التونسيين من السياسة الفرنسية السلبية حيال تونس ما بعد الثورة ؟... إنّي شخصيا لا أعتقد ذلك ما دام السفير يرقّ قلبه لمتشعبط يعشق فرقة راب فرنسية تروّج للبذاءة والعنف تحت شعار مخاتل « السلم والحب « ( Love N’ Peace) .اني أفكر لوحدث وأن تسلق أولئك المتشعبطون الملتحون جدران السفارة الفرنسية كما حدث للسفارة الأمريكية ما كتب هذا السفير تهكمه ذلك. ودون ذلك فإني على يقين أن التونسيين لم يشعرُوا بالفخر وهم يرون علم بلادهم على قامة برج إيفيل التي روّج لها السفير في صفحته في الفايسبووك كمنجز بات منجزا شخصيا . وإنّي أرى ذلك من باب « الرّشوة» المحسوبة على الغزل الديبلوماسي ما دامت تونس يطيب فيها العيش منذ معاهدة باردو. يبقى أنه من الواجب التذكير أن شابا تونسيا وفي مكان قصيّ تسلق قمّة جبل «كاليمانجارو» Kalimanjaro في تانزانيا ورفع فوقه العلم التونسي القاني مذكرا ربما أن تونس منحت إسمها للقارّة كلها .
(1) – من رواية « الغوريلا « لكمال الرياحي ، دار الساقي 2011 بيروت ، ص،25 – 26 .
(2) - انظر رسالة كمال الزغباني على موقعه الرسمي في الفايسبوك تحت عنوان « Lettre Ouverte à son excellence l’ambassadeur de la France en Tunisie « بتاريخ 19 ماي 2016 .

د .عبد الحليم المسعودي
وخزة:ضمير... غائب
27 مارس 2017 السّاعة 21:00
تسيّب... انحلال أخلاقي... سجائر وكلام بذيء في القسم... وربما «زطلة» في الساحة أو في محيط المعهد... تلاميذ بلا...
المزيد >>
أولا وأخيرا:كم توجد في تونس من دولة؟
27 مارس 2017 السّاعة 21:00
لقد مات «حمارنا» الوطني منهوشا من الكلاب السائبة في مزابل الحقوق والحريات.
المزيد >>
الحديث الديبلوماسي:زيارة دمشق: أين الديبلوماسية الرسمية من الملف السوري ؟
27 مارس 2017 السّاعة 21:00
زيارة الوفد النيابي إلى دمشق تبقى، موضوعيا، مؤشرا على التنكر لنواميس السيادة الوطنية. ولكنها تمثل في نفس...
المزيد >>
وخزة:نقـــل جماعــــي... أو رعب جماعي ؟!
26 مارس 2017 السّاعة 21:00
إذا رأيت سائق سيارة بارعا في التهوّر يتصرّف بفوضى ولقوانين المرور لا يراعي.. فثق بأنه يقود سيارة نقل جماعي.
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
عبد الحميد الرياحي
انتهازية السياسيين... إلى متى ؟
يعيش المجتمع التونسي حالة انفصام كبيرة وخطيرة بين تجاذبات وصراعات الأطراف السياسية وبين ما يعيشه الشعب وما يكتوي به من نيران أسعار ومشاكل مستعصية... وكذلك بين ما تشهده أوضاع...
المزيد >>