الأسباب الموضوعيّة لسقوط نظام بن علي
خالد الحدّاد
متاهــــات الحكـــــم
للأسف وعلى الرغم من مرور أكثر من ست سنوات على الثورة وانطلاق تجربة سياسية في الانتقال الديمقراطي ما تزال منظومة الحكم غير مكتملة وما تزال مؤسّساتها تعاني من الكثير من الهنات ونقاط...
المزيد >>
الأسباب الموضوعيّة لسقوط نظام بن علي
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 11 جانفي 2017

تونس ـ الشروق:
نمو اقتصادي مبهر، نسب بطالة معقولة، رفاهية اجتماعية مقارنة بالعديد من الدول بالإضافة إلى نظام سياسي على درجة عالية من الاستقرار والتنظيم والحماية... هكذا كان الوضع في تونس حتى سنة 2010 فما الذي تسبب في انهيار نظام بن علي.
نمو اقتصادي يوصف بـ»المعجزة» ندلل على هذه المعجزة بالنسب والأرقام المعترف بها دوليا ففي سنة 2006 كانت نسبة النمو الاقتصادي في تونس 5.5 بالمائة وارتفعت النسبة في السنة الموالية لتبلغ 6.3 بالمائة متقدمة في ذلك على جميع الدول العربية بما فيها دول الخليج. وحتى نفهم أهمية هذه النسبة نشير إلى أننا لم نسجل سنة 2016 إلا ما يقرب من 1.5 بالمائة.
الأكثر من هذا أن معدل الدخل السنوي للمواطن التونسي تجاوز عام 2009 عتبة الـ5 آلاف دينار وهو المعدل الأعلى بين الدول غير النفطية في الوطن العربي وافريقيا.
معدل البطالة كان أواخر العشرية الأولى يقل عن 12 بالمائة ورغم ارتفاع النسبة سنة 2010 إلى 13 بالمائة فقد تعهد نظام بن علي بتخفيضها إلى 10 بالمائة فقط سنة 2016 استنادا إلى الإجراءات والإصلاحات والأهداف التي تم تحديدها في منوال التنمية للعشرية 2007-2016.
نحن إزاء «جنة» استنادا إلى الأرقام ومراعاة للموضوعية فتونس ليست دولة نفطية ولا مصنعة ولكن كيف لنظام سياسي يحقق المعجزات على المستوى الاقتصادي أن ينهار؟ بل كيف تكون المعجزة الاقتصادي والجنة الاجتماعية من أسباب الانهيار السياسي؟.
تفاوت جهوي وفئوي
سنفترض أن الأرقام والنسب المقدمة صادقة بما أنها صادرة عن هيئات عالمية معترف بها لكن المشكلة في تلك النسب أنها عامة أي إنها تنظر إلى ما تحقق في تونس دون تفصيل جهوي ولا فئوي.
فالدخل الخام بلغ فعلا 5 آلاف دينار نتيجة معادلة بين قلة تحقق ملايين الدينارات وأغلبية لم تكن تبلغ الألف دينار في السنة.
كما إن نسبة البطالة المسجلة حتى 2010 لم تكن تعكس حقيقة الوضع الاجتماعي ذلك أنها كانت تقل عن 5 بالمائة في المناطق الساحلية وتقارب العشرين بالمائة في المناطق الداخلية المهمشة أما النمو الاقتصادي الخيالي الذي تم تسجيله خلال النصف الثاني من العشرية الماضية فلم يستفد منه عموم التونسيين بل قلة محظوظة يمكن تحديدها في أسرة بن علي وأصهاره والمقربين منه من الساسة ورجال الأعمال...
هذه الظاهرة تعيشها اليوم عدة دول حيث يتم تسجيل نسب نمو عالية دون أن نرى أثرا للرفاهية على المستوى الاجتماعي فلماذا كانت الثورة على نظام بن علي.
كرامة الإنسان هي التي تعطي معنى للحياة والوجود وفي غيابها يغيب الخوف على النفس فما الذي يغيبها؟.
هناك عناصر مترابطة منها غياب الشغل والتعويل على النفس في الإنفاق والحلم بتأسيس أسرة والاستقلالية المالية وإذا ما غابت يكون الإحساس باليأس لاسيما لدى الفئة التي ربطت أحلامها بالحصول على شهادة جامعية.
اليائس لا يجد ما يخاف عليه ولا ما يخاف منه بل يبقى منطويا حانقا ثائرا في انتظار الشرارة التي تولد انفجاره، وهذا الانفجار لم يكن يحتاج في تونس إلا إلى الاحتكاك الذي حدث على مستوى ذاتي وضيق بواقعة البوعزيزي وفادية وتوسع ليشمل محيطهما الضيق في مستوى أول ثم مدينتهما فالولاية كلها ومنها إلى الولايات المجاورة قبل أن تشمل صفاقس وتتوسع لتشمل البلاد كلها.
كانت تونس حتى سنة 2010 منقسمة بين قلة حاكمة ومستفيدة من النظام الحاكم وبين أغلبية فقدت الشعور بالكرامة نتيجة البطالة والتهميش والتفقير والتمييز السلبي جهويا وفئويا.
هنا نسأل سؤالا مهما حول نجاح الثورة والحال أنها لم تكن المرة الأولى التي ينتفض فيها الشعب؟.
نجح نظام بن علي في قمع انتفاضة الحوض المنجمي سنة 2008 ومنعها من التوسع إلى كامل الجمهورية فيما فشل في الحيلولة دون نجاح ثورة 2010 ـ 2011.
التفسير الوحيد يكمن في ردة الفعل السياسية فالنظام لم يستفد من المعجزة الاقتصادية والجنة الاجتماعية بل إن الاستفادة انحصرت في رجال النظام (أصهار بن علي والمقربين منه ومسدي الخدمات)، ولو سعى النظام إلى حماية نفسه لما تجاهل الأغلبية الحانقة ولما شرّع للفساد والمحسوبية والانتقائية والاستبداد السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
هذا النظام توهم قدرته على مواجهة المتضررين والغاضبين بالحديد والنار والتعتيم الإعلامي لكنه نسي أن العامين اللذين فصلا انتفاضة الحوض المنجمي عن أحداث سيدي بوزيد شهدا العديد من التطورات منها الثورة الاعلامية (الفضائيات والانترنيت) وتوسع الإحساس باليأس ليشمل أعلب الجهات والفئات بالإضافة إلى تراجع الدعم السياسي الأجنبي وخاصة منه الأمريكي فهل كان بن علي غائبا عن هذا كله؟.
«غلّطوه»
بن علي لم يكن يحكم هذه حقيقة إذ كان يطبق ما يشار عليه. الحكم الحقيقي كان لعدد من المستشارين المبجلين في الأمن والسياسة والاقتصاد والإعلام... فلما حرق البوعزيزي نفسه تم تصوير الحادثة كأي عملية انتحار (قبلها بأسبوع انتحر مواطنان حرقا في المنستير وسيدي حسين غرب العاصمة).
ولما احتج الأهالي في سيدي بوزيد تم إيهام بن علي بأن الأمر تحت السيطرة وتفرغ المستشارون إلى القيام بأدوارهم (التعتيم الإعلامي، مزيد الرقابة على الانترنيت، إسناد قوات مكافحة الشغب...). دون أن يتم إعلام بن علي بحقيقة الوضع.
«غلطوني» هذا ما ردده في خطاباته اللاحقة، دون أن يحدد طبيعة المغالطة إن كانت مقصودة أم بريئة، الأقرب إلى الحقيقة أن بعض المغالطات كانت بريئة فعلا لأن أصحابها كانوا يعيشون في أبراج عاجية بعيدا عن الواقع لكن المغالطات الأخرى كانت مقصودة ذلك أن هناك خيانة للنظام لم يتفطن إليها بن علي ولكن هل كان قادرا على التصرف الحكيم لو لم «يغلطوه»؟.

عادل العوني
أستاذ التاريخ المعاصر الدكتور عبد الجليل بوقرّة :مبادرة الرئيس تطبيق للدستور ... ونحتاج ثورة في الإصلاح...
22 أوت 2017 السّاعة 21:00
ساواة في الميراث في بداية السبعينات لكنه سرعان ما تراجع بسبب ما لقيته مبادرته
المزيد >>
مبادرة السبسي حول الميراث:الخفايا، النوايا والأهداف
22 أوت 2017 السّاعة 21:00
لم يتوقٌف الجدل ليس في تونس فقط بل حتٌى في الوطن...
المزيد >>
المشكلة في التوقيت أم في التحضير؟:هل كان بإمكان السبسي حماية مبادرته من أعدائها؟
22 أوت 2017 السّاعة 21:00
ردود الفعل تجتاز حدود الوطن لتشمل مصر ودول...
المزيد >>
بكل موضوعيـة:نقاش دون أقنعة وبلا قفازات
22 أوت 2017 السّاعة 21:00
تتناقش المجتمعات المتقدمة التي جُبلت منذ عقود...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
الأسباب الموضوعيّة لسقوط نظام بن علي
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 11 جانفي 2017

تونس ـ الشروق:
نمو اقتصادي مبهر، نسب بطالة معقولة، رفاهية اجتماعية مقارنة بالعديد من الدول بالإضافة إلى نظام سياسي على درجة عالية من الاستقرار والتنظيم والحماية... هكذا كان الوضع في تونس حتى سنة 2010 فما الذي تسبب في انهيار نظام بن علي.
نمو اقتصادي يوصف بـ»المعجزة» ندلل على هذه المعجزة بالنسب والأرقام المعترف بها دوليا ففي سنة 2006 كانت نسبة النمو الاقتصادي في تونس 5.5 بالمائة وارتفعت النسبة في السنة الموالية لتبلغ 6.3 بالمائة متقدمة في ذلك على جميع الدول العربية بما فيها دول الخليج. وحتى نفهم أهمية هذه النسبة نشير إلى أننا لم نسجل سنة 2016 إلا ما يقرب من 1.5 بالمائة.
الأكثر من هذا أن معدل الدخل السنوي للمواطن التونسي تجاوز عام 2009 عتبة الـ5 آلاف دينار وهو المعدل الأعلى بين الدول غير النفطية في الوطن العربي وافريقيا.
معدل البطالة كان أواخر العشرية الأولى يقل عن 12 بالمائة ورغم ارتفاع النسبة سنة 2010 إلى 13 بالمائة فقد تعهد نظام بن علي بتخفيضها إلى 10 بالمائة فقط سنة 2016 استنادا إلى الإجراءات والإصلاحات والأهداف التي تم تحديدها في منوال التنمية للعشرية 2007-2016.
نحن إزاء «جنة» استنادا إلى الأرقام ومراعاة للموضوعية فتونس ليست دولة نفطية ولا مصنعة ولكن كيف لنظام سياسي يحقق المعجزات على المستوى الاقتصادي أن ينهار؟ بل كيف تكون المعجزة الاقتصادي والجنة الاجتماعية من أسباب الانهيار السياسي؟.
تفاوت جهوي وفئوي
سنفترض أن الأرقام والنسب المقدمة صادقة بما أنها صادرة عن هيئات عالمية معترف بها لكن المشكلة في تلك النسب أنها عامة أي إنها تنظر إلى ما تحقق في تونس دون تفصيل جهوي ولا فئوي.
فالدخل الخام بلغ فعلا 5 آلاف دينار نتيجة معادلة بين قلة تحقق ملايين الدينارات وأغلبية لم تكن تبلغ الألف دينار في السنة.
كما إن نسبة البطالة المسجلة حتى 2010 لم تكن تعكس حقيقة الوضع الاجتماعي ذلك أنها كانت تقل عن 5 بالمائة في المناطق الساحلية وتقارب العشرين بالمائة في المناطق الداخلية المهمشة أما النمو الاقتصادي الخيالي الذي تم تسجيله خلال النصف الثاني من العشرية الماضية فلم يستفد منه عموم التونسيين بل قلة محظوظة يمكن تحديدها في أسرة بن علي وأصهاره والمقربين منه من الساسة ورجال الأعمال...
هذه الظاهرة تعيشها اليوم عدة دول حيث يتم تسجيل نسب نمو عالية دون أن نرى أثرا للرفاهية على المستوى الاجتماعي فلماذا كانت الثورة على نظام بن علي.
كرامة الإنسان هي التي تعطي معنى للحياة والوجود وفي غيابها يغيب الخوف على النفس فما الذي يغيبها؟.
هناك عناصر مترابطة منها غياب الشغل والتعويل على النفس في الإنفاق والحلم بتأسيس أسرة والاستقلالية المالية وإذا ما غابت يكون الإحساس باليأس لاسيما لدى الفئة التي ربطت أحلامها بالحصول على شهادة جامعية.
اليائس لا يجد ما يخاف عليه ولا ما يخاف منه بل يبقى منطويا حانقا ثائرا في انتظار الشرارة التي تولد انفجاره، وهذا الانفجار لم يكن يحتاج في تونس إلا إلى الاحتكاك الذي حدث على مستوى ذاتي وضيق بواقعة البوعزيزي وفادية وتوسع ليشمل محيطهما الضيق في مستوى أول ثم مدينتهما فالولاية كلها ومنها إلى الولايات المجاورة قبل أن تشمل صفاقس وتتوسع لتشمل البلاد كلها.
كانت تونس حتى سنة 2010 منقسمة بين قلة حاكمة ومستفيدة من النظام الحاكم وبين أغلبية فقدت الشعور بالكرامة نتيجة البطالة والتهميش والتفقير والتمييز السلبي جهويا وفئويا.
هنا نسأل سؤالا مهما حول نجاح الثورة والحال أنها لم تكن المرة الأولى التي ينتفض فيها الشعب؟.
نجح نظام بن علي في قمع انتفاضة الحوض المنجمي سنة 2008 ومنعها من التوسع إلى كامل الجمهورية فيما فشل في الحيلولة دون نجاح ثورة 2010 ـ 2011.
التفسير الوحيد يكمن في ردة الفعل السياسية فالنظام لم يستفد من المعجزة الاقتصادية والجنة الاجتماعية بل إن الاستفادة انحصرت في رجال النظام (أصهار بن علي والمقربين منه ومسدي الخدمات)، ولو سعى النظام إلى حماية نفسه لما تجاهل الأغلبية الحانقة ولما شرّع للفساد والمحسوبية والانتقائية والاستبداد السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
هذا النظام توهم قدرته على مواجهة المتضررين والغاضبين بالحديد والنار والتعتيم الإعلامي لكنه نسي أن العامين اللذين فصلا انتفاضة الحوض المنجمي عن أحداث سيدي بوزيد شهدا العديد من التطورات منها الثورة الاعلامية (الفضائيات والانترنيت) وتوسع الإحساس باليأس ليشمل أعلب الجهات والفئات بالإضافة إلى تراجع الدعم السياسي الأجنبي وخاصة منه الأمريكي فهل كان بن علي غائبا عن هذا كله؟.
«غلّطوه»
بن علي لم يكن يحكم هذه حقيقة إذ كان يطبق ما يشار عليه. الحكم الحقيقي كان لعدد من المستشارين المبجلين في الأمن والسياسة والاقتصاد والإعلام... فلما حرق البوعزيزي نفسه تم تصوير الحادثة كأي عملية انتحار (قبلها بأسبوع انتحر مواطنان حرقا في المنستير وسيدي حسين غرب العاصمة).
ولما احتج الأهالي في سيدي بوزيد تم إيهام بن علي بأن الأمر تحت السيطرة وتفرغ المستشارون إلى القيام بأدوارهم (التعتيم الإعلامي، مزيد الرقابة على الانترنيت، إسناد قوات مكافحة الشغب...). دون أن يتم إعلام بن علي بحقيقة الوضع.
«غلطوني» هذا ما ردده في خطاباته اللاحقة، دون أن يحدد طبيعة المغالطة إن كانت مقصودة أم بريئة، الأقرب إلى الحقيقة أن بعض المغالطات كانت بريئة فعلا لأن أصحابها كانوا يعيشون في أبراج عاجية بعيدا عن الواقع لكن المغالطات الأخرى كانت مقصودة ذلك أن هناك خيانة للنظام لم يتفطن إليها بن علي ولكن هل كان قادرا على التصرف الحكيم لو لم «يغلطوه»؟.

عادل العوني
أستاذ التاريخ المعاصر الدكتور عبد الجليل بوقرّة :مبادرة الرئيس تطبيق للدستور ... ونحتاج ثورة في الإصلاح...
22 أوت 2017 السّاعة 21:00
ساواة في الميراث في بداية السبعينات لكنه سرعان ما تراجع بسبب ما لقيته مبادرته
المزيد >>
مبادرة السبسي حول الميراث:الخفايا، النوايا والأهداف
22 أوت 2017 السّاعة 21:00
لم يتوقٌف الجدل ليس في تونس فقط بل حتٌى في الوطن...
المزيد >>
المشكلة في التوقيت أم في التحضير؟:هل كان بإمكان السبسي حماية مبادرته من أعدائها؟
22 أوت 2017 السّاعة 21:00
ردود الفعل تجتاز حدود الوطن لتشمل مصر ودول...
المزيد >>
بكل موضوعيـة:نقاش دون أقنعة وبلا قفازات
22 أوت 2017 السّاعة 21:00
تتناقش المجتمعات المتقدمة التي جُبلت منذ عقود...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
خالد الحدّاد
متاهــــات الحكـــــم
للأسف وعلى الرغم من مرور أكثر من ست سنوات على الثورة وانطلاق تجربة سياسية في الانتقال الديمقراطي ما تزال منظومة الحكم غير مكتملة وما تزال مؤسّساتها تعاني من الكثير من الهنات ونقاط...
المزيد >>