محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور.. المذاهب الاربعة
فاطمة بن عبد الله الكرّاي
إلى هؤلاء : هنيئا للاستعمار بكُم
المتغيّرات التي وقعت منذ 2011 في البلاد العربية فيها سطو على مطالب شرعية لشعبنا العربي من حيث أنه يطالب ـ ومن حقه ذلك ـ بدولة القانون والمؤسسات والتداول على السلطة بالقانون...
المزيد >>
محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور.. المذاهب الاربعة
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 24 فيفري 2017

بين الأثر والنظر (1)

يرتبط هذا المبحث ببيان ما بين المذاهب الاربعة من الصلات اولا، ثم بما بينها في مجموعها وبين الاصول التي هي مدارك الشريعة من كيفية الارتباط. فانه لا يخفى ان العنصرين اللذين هما الاثر والنظر، هما عنصران ضروريان لكل عمل فقهي .
فلا يمكن لأي عمل من الاعمال الفقهية ان يستقل فيه الاثر عن النظر استقلالا تاما. بحيث لا يكون للنظر مدخل بحال في العمل الفقهي الذي هو استنتاج، ولا يمكن ان يستقل النظر بحيث لا يكون للأثر أي اتصال بذلك العمل الاستنتاجي لان الاستنتاج حينئذ يخرج عن حقيقة الاجتهاد الى حقيقة الهوى .
ولذلك كان العنصران ضروريين - كلا منهما – لكل عمل فقهي، وذلك ان اصول الفقه او مدارك الاحكام كما يسميها الامام الغزالي في « المستصفى «، انما هي نصوص قولية مأخوذة من كلام الوحي المؤدي بطريق القرآن العظيم، او بطريق السنة المشرفة. وهذه النصوص القولية هي التي تعتبر الادلة الاجمالية للاحكام التفصيلية، بحيث انها التي تعتبر أصول الفقه.
فاذا كانت اصول الفقه مدارك قولية فان الفقه لا يمكن ان ينشأ الا من اصوله. واصول الفقه هي تلك النصوص او المدارك التي لا بد لكل فرع من الفروع الفقهية من ان يكون راجعا الى واحد منها، على معنى رجوع الجزئي الى الكلي ورجوع المفصل الى المجمل.
وهذا المعنى من الرجوع الذي يرتبط فيه الحكم بأصله، او يخرج فيه الحكم من اصله خروج الشيء المستنبط منه الذي هو مأخوذ من الاصل الاجمالي لا بد من ان يعتمد على عمل نظري هو الذي يحقق اندراج التفصيلي تحت الاجمالي، وذلك هو ما يشير اليه الامام الشاطبي في القسم الخامس من « الموافقات « الذي هو قسم الاجتهاد اذ يقول في هذا المعنى لضرورة العمل النظري لكل استنباط فقهي : ان الشريعة لم تنص على حكم كل جزئية على حدة، وانما اتت بأمور كلية وعبارات مطلقة تتناول اعدادا لا تنحصر. ومع ذلك فلكل معين خصوصية ليست في غيره، فلم تبق حينئذ صورة من الصور الوجودية المعينة الا وللعالم فيها نظر سهل او صعب حتى يحقق تحت أي دليل تدخل تلك الصورة.
وبهذا يكون من الضروري ان كلا من العنصرين : الاثري والنظري انما هو لازم لكل عمل فقهي لاجتهاده، فليس من المقبول ان يفرض ان فقيها من الفقهاء يكون فقهه غير قائم على الاثر، وليس من المقبول ايضا ان يفرض ان فقيها من الفقهاء – أيا كان – يكون فقهه غير مستند الى النظر.
ومع ذلك فاننا نلاحظ ان الايمة المجتهدين قد اعتبروا في نظر انفسهم بعضهم الى بعض، وفي نظر الناس اليهم من المعاصرين والمتأخرين بعدهم، اعتبروا موزعين على كتلتين او مصنفين الى شقين، باعتبار ان من الفقهاء من يعتبر من اهل الاثر، او اهل الحديث او اهل الرواية، وان منهم من يرجع الى الكتلة المقابلة التي تعتبر اهل النظر او اهل الراي او اهل الدراية .
وعلى ذلك شاع نظر الفقهاء في عصور الاجتهاد التفصيلي بعضهم الى بعض. وشاع نظر الناس اليهم في تلك العصور وبعدها، فكان الذين ينسبون الى الاثر او الحديث او الرواية يعتبرون حجازيين بقطع النظر عن كونهم كانوا في الحقيقة في الحجاز، كما كان المذهب المالكي او كانوا في الشام كما هو مذهب الاوزاعي، او كانوا في مصر كما هو مذهب الليث بن سعد، فهؤلاء جميعا باعتبار كونهم منظورا اليهم نظر الناس الى اهل الاثر او اهل الحديث كانوا يعتبرون حجازيين. والاخرون وهم اهل النظر او اهل الراي انما كانوا العراقيين الذين يتمثلون على الخصوص في المذهب الحنفي.
فكانت المذاهب تنظر الى المذهب الحنفي باعتبار كونه مذهب رأي ونظر، وكان المذهب الحنفي ينظر الى المذاهب الاخرى باعتبار كونها مذاهب رواية او حديث. وكان الناس ايضا يشعرون بهذه التفرقة حتى شاع في اطلاقهم لفظ « الحجازي « ولفظ « العراقي « مترادفين، كما ورد ذلك في مقامات عديدة منها مقامات الجد ومنها مقامات الهزل.
عنصران اساسيان:
وهذا المعنى الذي كان مشعورا به هو معنى في ظاهره يكاد يتنافى مع الاصل الذي بنينا عليه بحثنا اولا وبدأنا به. وهو ان كلا من هذين العنصرين، الاثر والنظر انما هو ضروري لكل اجتهاد. فلا ينبغي ان ننظر الى الامر على ظاهره، وان نعتقد انه من الجائز ان يكون الفقهاء اعتبروا اهل حديث بمعزل عن النظر.
نعم ان الامر يرجع الى تصنيفهم كما هو الواقع داخل هذين الصنفين، باعتبار ان احد الصنفين هو الصنف الذي يكون للعمل الاثري عنده غالبية نسبية على العمل النظري وان الصنف الاخر بالعكس هو الذي يكون للعمل النظري عنده غالبية نسبية على العمل الاثري.
يتبع

محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور... القرآن العظيم ( 3 )
14 جويلية 2017 السّاعة 21:00
اذا وضعنا القرآن العظيم بموضع الدراسة والجدل العلمي، فيما بيننا معشر المسلمين وبين غيرنا من الذين لا يؤمنون...
المزيد >>
الايمان يهدي إلى العمل الصالح
14 جويلية 2017 السّاعة 21:00
الإيمان هو اعتقاد القلب وقول اللّسان والعمل بالجوارح. وصاحب الإيمان ينفع بالمواعظ والتذكير بالآيات، قال...
المزيد >>
الصبــــر نصف الإيمــــان
14 جويلية 2017 السّاعة 21:00
الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر؛ كما وردت به الآثار، وشهدت له الأخبار، وهما أيضًا وصفان من أوصاف الله...
المزيد >>
خطبة الجمعة.. لا إيمان بلا عمل صالح
14 جويلية 2017 السّاعة 21:00
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور.. المذاهب الاربعة
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 24 فيفري 2017

بين الأثر والنظر (1)

يرتبط هذا المبحث ببيان ما بين المذاهب الاربعة من الصلات اولا، ثم بما بينها في مجموعها وبين الاصول التي هي مدارك الشريعة من كيفية الارتباط. فانه لا يخفى ان العنصرين اللذين هما الاثر والنظر، هما عنصران ضروريان لكل عمل فقهي .
فلا يمكن لأي عمل من الاعمال الفقهية ان يستقل فيه الاثر عن النظر استقلالا تاما. بحيث لا يكون للنظر مدخل بحال في العمل الفقهي الذي هو استنتاج، ولا يمكن ان يستقل النظر بحيث لا يكون للأثر أي اتصال بذلك العمل الاستنتاجي لان الاستنتاج حينئذ يخرج عن حقيقة الاجتهاد الى حقيقة الهوى .
ولذلك كان العنصران ضروريين - كلا منهما – لكل عمل فقهي، وذلك ان اصول الفقه او مدارك الاحكام كما يسميها الامام الغزالي في « المستصفى «، انما هي نصوص قولية مأخوذة من كلام الوحي المؤدي بطريق القرآن العظيم، او بطريق السنة المشرفة. وهذه النصوص القولية هي التي تعتبر الادلة الاجمالية للاحكام التفصيلية، بحيث انها التي تعتبر أصول الفقه.
فاذا كانت اصول الفقه مدارك قولية فان الفقه لا يمكن ان ينشأ الا من اصوله. واصول الفقه هي تلك النصوص او المدارك التي لا بد لكل فرع من الفروع الفقهية من ان يكون راجعا الى واحد منها، على معنى رجوع الجزئي الى الكلي ورجوع المفصل الى المجمل.
وهذا المعنى من الرجوع الذي يرتبط فيه الحكم بأصله، او يخرج فيه الحكم من اصله خروج الشيء المستنبط منه الذي هو مأخوذ من الاصل الاجمالي لا بد من ان يعتمد على عمل نظري هو الذي يحقق اندراج التفصيلي تحت الاجمالي، وذلك هو ما يشير اليه الامام الشاطبي في القسم الخامس من « الموافقات « الذي هو قسم الاجتهاد اذ يقول في هذا المعنى لضرورة العمل النظري لكل استنباط فقهي : ان الشريعة لم تنص على حكم كل جزئية على حدة، وانما اتت بأمور كلية وعبارات مطلقة تتناول اعدادا لا تنحصر. ومع ذلك فلكل معين خصوصية ليست في غيره، فلم تبق حينئذ صورة من الصور الوجودية المعينة الا وللعالم فيها نظر سهل او صعب حتى يحقق تحت أي دليل تدخل تلك الصورة.
وبهذا يكون من الضروري ان كلا من العنصرين : الاثري والنظري انما هو لازم لكل عمل فقهي لاجتهاده، فليس من المقبول ان يفرض ان فقيها من الفقهاء يكون فقهه غير قائم على الاثر، وليس من المقبول ايضا ان يفرض ان فقيها من الفقهاء – أيا كان – يكون فقهه غير مستند الى النظر.
ومع ذلك فاننا نلاحظ ان الايمة المجتهدين قد اعتبروا في نظر انفسهم بعضهم الى بعض، وفي نظر الناس اليهم من المعاصرين والمتأخرين بعدهم، اعتبروا موزعين على كتلتين او مصنفين الى شقين، باعتبار ان من الفقهاء من يعتبر من اهل الاثر، او اهل الحديث او اهل الرواية، وان منهم من يرجع الى الكتلة المقابلة التي تعتبر اهل النظر او اهل الراي او اهل الدراية .
وعلى ذلك شاع نظر الفقهاء في عصور الاجتهاد التفصيلي بعضهم الى بعض. وشاع نظر الناس اليهم في تلك العصور وبعدها، فكان الذين ينسبون الى الاثر او الحديث او الرواية يعتبرون حجازيين بقطع النظر عن كونهم كانوا في الحقيقة في الحجاز، كما كان المذهب المالكي او كانوا في الشام كما هو مذهب الاوزاعي، او كانوا في مصر كما هو مذهب الليث بن سعد، فهؤلاء جميعا باعتبار كونهم منظورا اليهم نظر الناس الى اهل الاثر او اهل الحديث كانوا يعتبرون حجازيين. والاخرون وهم اهل النظر او اهل الراي انما كانوا العراقيين الذين يتمثلون على الخصوص في المذهب الحنفي.
فكانت المذاهب تنظر الى المذهب الحنفي باعتبار كونه مذهب رأي ونظر، وكان المذهب الحنفي ينظر الى المذاهب الاخرى باعتبار كونها مذاهب رواية او حديث. وكان الناس ايضا يشعرون بهذه التفرقة حتى شاع في اطلاقهم لفظ « الحجازي « ولفظ « العراقي « مترادفين، كما ورد ذلك في مقامات عديدة منها مقامات الجد ومنها مقامات الهزل.
عنصران اساسيان:
وهذا المعنى الذي كان مشعورا به هو معنى في ظاهره يكاد يتنافى مع الاصل الذي بنينا عليه بحثنا اولا وبدأنا به. وهو ان كلا من هذين العنصرين، الاثر والنظر انما هو ضروري لكل اجتهاد. فلا ينبغي ان ننظر الى الامر على ظاهره، وان نعتقد انه من الجائز ان يكون الفقهاء اعتبروا اهل حديث بمعزل عن النظر.
نعم ان الامر يرجع الى تصنيفهم كما هو الواقع داخل هذين الصنفين، باعتبار ان احد الصنفين هو الصنف الذي يكون للعمل الاثري عنده غالبية نسبية على العمل النظري وان الصنف الاخر بالعكس هو الذي يكون للعمل النظري عنده غالبية نسبية على العمل الاثري.
يتبع

محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور... القرآن العظيم ( 3 )
14 جويلية 2017 السّاعة 21:00
اذا وضعنا القرآن العظيم بموضع الدراسة والجدل العلمي، فيما بيننا معشر المسلمين وبين غيرنا من الذين لا يؤمنون...
المزيد >>
الايمان يهدي إلى العمل الصالح
14 جويلية 2017 السّاعة 21:00
الإيمان هو اعتقاد القلب وقول اللّسان والعمل بالجوارح. وصاحب الإيمان ينفع بالمواعظ والتذكير بالآيات، قال...
المزيد >>
الصبــــر نصف الإيمــــان
14 جويلية 2017 السّاعة 21:00
الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر؛ كما وردت به الآثار، وشهدت له الأخبار، وهما أيضًا وصفان من أوصاف الله...
المزيد >>
خطبة الجمعة.. لا إيمان بلا عمل صالح
14 جويلية 2017 السّاعة 21:00
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
فاطمة بن عبد الله الكرّاي
إلى هؤلاء : هنيئا للاستعمار بكُم
المتغيّرات التي وقعت منذ 2011 في البلاد العربية فيها سطو على مطالب شرعية لشعبنا العربي من حيث أنه يطالب ـ ومن حقه ذلك ـ بدولة القانون والمؤسسات والتداول على السلطة بالقانون...
المزيد >>