تونس في حاجة الى أبنائها العلماء
عبد الجليل المسعودي
التونسيّون خائفون
رغم الطقس الربيعي المشمس الذي يخيّم على أرجائها ـ أو ربّما بسببه ـ فإن بلادنا تبدو اليوم مهدّدة من كل جهة، تحتضن المخاطر مثلما تحتضن الحمامة البيض.
المزيد >>
تونس في حاجة الى أبنائها العلماء
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 27 فيفري 2017

ليس بمقدورنا حمل الأبواق الصدئة، أو إغراق أنفسنا في الدرس المدرسي الاول عن الوطنية وحب الوطن... لا، ليس بمقدورنا ذلك، لأننا لا نملك لا الحق ولا الصلاحية لتقييم مشاعر العلماء المهاجرين، وقياس أحاسيس الاخلاص والوفاء لديهم تجاه تراب الأرض التي أكلوا من زرعها لكن الممكن هنا هو محاولة الرؤية في الدوافع القاهرة دون ريب، والتي تدفعهم الى مثل هذه الهجرة. ونبدأ بالاشارة الى ظاهرة بشعة، شاذة، ظاهرة لا شكّ في أن الكثير منا قد سمع بها، او شاهدها في عمل تلفزيوني كوميدي، أعتقد حينها أن ثمة مبالغة في تصوير الواقع، الا ان الأمر ليس كذلك ويبدو ان المهندسين هم أكثر الناس حتى الآن عرضة للمعاناة. فهذا واحد منهم وهو صديق شخصي يعمل في تجارة ألواح الخشب، وقد أمست خبرته في تحديد أنواع الخشب جعلت عينيه تبحثان في جودة الخزائن والمناضد الموجودة.و أهم من ذلك كله فإن دخله الشهري في ظروف الكساد يساوي دخل ثلاثة مهندسين (موظفين) هنا او هناك وذلك مهندس آخر يعمل "جزّارا" لأن الساطور قد اختصر عليه الوقت الذي يلزم عادة القلم والمسطرة لتأمين شقة متواضعة وتكوين عائلة.

إن المأساة الفاجعة في مجتمعنا هي الانقلاب الذي أصاب بنية الهرم الاجتماعي فانقلبت المفاهيم رأسا على عقب، وتبادل الرأس والقاعدة مكانيهما في جو غريب من الفوضى والارتباك. وكثيرة هي المرات التي خال المرء فيها السلطة مسؤولة عن هذا التصميم الاجتماعي الجديد الذي باركته من خلال صمتها المدهش والتزامها الهدوء تجاه هذه المشكلات الشاذة الهدامة والقبيحة في آن واحد.
ماذا يعني ان يكون بوسع صبي لم يتجاوز عقده الثاني بعد تحقيق مدخول يومي بإصلاحه بعض تمديدات المياه فوق ما يمكن لأستاذ جامعي من رتبة (دكتور) أن يحققه في شهرين او أكثر؟ بل ماذا يعني ان يعود أكاديمي مرصعا بأرفع شهائد التقدير والامتياز من أهم جامعات العالم ليبدأ رحلة التخبط والتسكع بحثا عن العمل؟ وماذا يعني ان خريجي المعاهد العليا والجامعات بتونس يتسكعون في الشوارع بحثا عن عمل مهما كان نوعه، فتشرع البيروقراطية تتقاذفه بين هذا وذاك الى أن ينتهي به الأمر في أحسن الأحوال ليكون الرجل غير المناسب في المكان غير المناسب؟
كلا، انه ليس تهكما ولا حسدا لفئة اجتماعية معينة بلغ تطفلها حد الجشع والهيمنة. هذه الفئة المتمثلة في أصحاب المهن اليدوية المطلوبة بشكل حيوي لكل بيت، والتي أخذت أحلامها تتجاوز الواقع، وتخترق الحدود الطبيعية. نحن لا نريد هنا ان نغرق في قضية التوظيف وتعقيداتها وهي المشكلة التي تعاني منها حتى أكثر المجتمعات تطوّرا ورقيا. اننا ببساطة نبحث عن قيمة وموقع الانسان العالم والمفكّر والمبدع، والمهندس الصالح في مثل هذا المناخ الاستهلاكي الموبوء بأمراض العصر الموقع الذي يضمن لهذا الانسان عدم فقدان المناعة ضد القهر اليومي والاغراءات المسمومة حتى الموت، والانسلاخ عن الوطن الأم من أجل الانحلال في أحضان الاخطبوط الخارجي. اننا نتساءل عن اية اجراءات انسانية لا تعسفية، اتخذت لصالح الأدمغة التي تهاجر كالطيور لكنها لا تعود أبدا؟ غريب ان يصير الشمال أكثر دفءا. الى متى ستبقى عملية تسريب العقول تفتك بمجتمعنا؟ هذه العملية التي سببت وتسبب معضلة اجتماعية واقتصادية خطيرة وهي من أهم القضايا التي تعرقل تطوّر ونمو بلدنا وبشكل خاص اذا ما عرفنا أن المهاجرين هم الأكثر نبوغا مستقبلا.
إن عشق الوطن وحده ليس عاملا كافيا لإنشاء المؤسسة العلمية ومن أجل ان نقتحم العالم من جديد ونغذي حضارته بدماء نظيفة كما سبق ان فعل الأجداد لا بد من أن يتملك القائمين على ريادة الحركة العلمية احساس منعش من نوع آخر، احساس بالزمن القادم احساس أكثر عمقا بالعلم وبضرورته الحضارية... ولابدّ ايضا من ان يتشكل في أعماقهم شعور أصدق بالغير والحرص على هويتنا العريقة فهم القادة المرحليون الذين تسلموا بشكل او بآخر دقة هذا القارب، ولسوف تتحمل الأجيال الآتية جميع نتائج هذه الرحلة.
الأكيد هنا ان تتحوّل جذريا ما مطلوب بحرارة ولن يتم هذا التحويل من خلال الدعاء والصلاة ولأنه سيكون ـ ان حدث ـ فاتحة عصر جديد، فهو سيكون بمثابة ولادة لمفاهيم وتصوّرات عصرية وعلمية بكل ما تعنيه الولادة من عسر وآلام مخاض... إذا، مزيدا من الاحترام والتفهم لمتطلباته الحيوية المشروعة كي يبدع وهو في أتم عافيته الانسانية مفردات جديدة في سياق التطوّر الذي يراقبه من بعيد بكل حياد وبرود وحتى لو قدر له أحيانا أن يضع بصمته هنا أو هناك فما هذا الا بواسطة حبر أجنبي، وقفاز يد أجنبي.

حامد براهم
شرط العازب عالهجّالة
27 مارس 2017 السّاعة 21:00
سأقول جهرا ما يقوله البعض سرّا لأسباب يطول شرحها وتشريحها أنا لا أعرف السيد ناجي جلول وزير التربية شخصيا....
المزيد >>
لتكن الوطنية الثانية... تلفزة حيوية مستعدة للمستقبل من خلال إعلام نوعي
27 مارس 2017 السّاعة 21:00
أنا مؤمن بأن النسخ الثقافي وحده هو الذي يربط بين جينات التونسيين وأنه الوحيد القادر على حفظ النسل لهذا الشعب...
المزيد >>
فنّ الوشم بقفصة:رؤية أنثروبولوجية نفسية
27 مارس 2017 السّاعة 21:00
يعتبر الوشم من الموروثات الشعبية الموغلة في القدم والتي وقع تداولها وانتشارها في عديد المجتمعات الإنسانية...
المزيد >>
الطّعن بالتّعقيب في أحكام التّسجيل
13 مارس 2017 السّاعة 21:00
تتولى إدارة الملكية العقارية النظر في جميع مطالب الترسيم المتعلقة بالعقارات المسجلة فقط وتنظم هذه العقارات...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
تونس في حاجة الى أبنائها العلماء
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 27 فيفري 2017

ليس بمقدورنا حمل الأبواق الصدئة، أو إغراق أنفسنا في الدرس المدرسي الاول عن الوطنية وحب الوطن... لا، ليس بمقدورنا ذلك، لأننا لا نملك لا الحق ولا الصلاحية لتقييم مشاعر العلماء المهاجرين، وقياس أحاسيس الاخلاص والوفاء لديهم تجاه تراب الأرض التي أكلوا من زرعها لكن الممكن هنا هو محاولة الرؤية في الدوافع القاهرة دون ريب، والتي تدفعهم الى مثل هذه الهجرة. ونبدأ بالاشارة الى ظاهرة بشعة، شاذة، ظاهرة لا شكّ في أن الكثير منا قد سمع بها، او شاهدها في عمل تلفزيوني كوميدي، أعتقد حينها أن ثمة مبالغة في تصوير الواقع، الا ان الأمر ليس كذلك ويبدو ان المهندسين هم أكثر الناس حتى الآن عرضة للمعاناة. فهذا واحد منهم وهو صديق شخصي يعمل في تجارة ألواح الخشب، وقد أمست خبرته في تحديد أنواع الخشب جعلت عينيه تبحثان في جودة الخزائن والمناضد الموجودة.و أهم من ذلك كله فإن دخله الشهري في ظروف الكساد يساوي دخل ثلاثة مهندسين (موظفين) هنا او هناك وذلك مهندس آخر يعمل "جزّارا" لأن الساطور قد اختصر عليه الوقت الذي يلزم عادة القلم والمسطرة لتأمين شقة متواضعة وتكوين عائلة.

إن المأساة الفاجعة في مجتمعنا هي الانقلاب الذي أصاب بنية الهرم الاجتماعي فانقلبت المفاهيم رأسا على عقب، وتبادل الرأس والقاعدة مكانيهما في جو غريب من الفوضى والارتباك. وكثيرة هي المرات التي خال المرء فيها السلطة مسؤولة عن هذا التصميم الاجتماعي الجديد الذي باركته من خلال صمتها المدهش والتزامها الهدوء تجاه هذه المشكلات الشاذة الهدامة والقبيحة في آن واحد.
ماذا يعني ان يكون بوسع صبي لم يتجاوز عقده الثاني بعد تحقيق مدخول يومي بإصلاحه بعض تمديدات المياه فوق ما يمكن لأستاذ جامعي من رتبة (دكتور) أن يحققه في شهرين او أكثر؟ بل ماذا يعني ان يعود أكاديمي مرصعا بأرفع شهائد التقدير والامتياز من أهم جامعات العالم ليبدأ رحلة التخبط والتسكع بحثا عن العمل؟ وماذا يعني ان خريجي المعاهد العليا والجامعات بتونس يتسكعون في الشوارع بحثا عن عمل مهما كان نوعه، فتشرع البيروقراطية تتقاذفه بين هذا وذاك الى أن ينتهي به الأمر في أحسن الأحوال ليكون الرجل غير المناسب في المكان غير المناسب؟
كلا، انه ليس تهكما ولا حسدا لفئة اجتماعية معينة بلغ تطفلها حد الجشع والهيمنة. هذه الفئة المتمثلة في أصحاب المهن اليدوية المطلوبة بشكل حيوي لكل بيت، والتي أخذت أحلامها تتجاوز الواقع، وتخترق الحدود الطبيعية. نحن لا نريد هنا ان نغرق في قضية التوظيف وتعقيداتها وهي المشكلة التي تعاني منها حتى أكثر المجتمعات تطوّرا ورقيا. اننا ببساطة نبحث عن قيمة وموقع الانسان العالم والمفكّر والمبدع، والمهندس الصالح في مثل هذا المناخ الاستهلاكي الموبوء بأمراض العصر الموقع الذي يضمن لهذا الانسان عدم فقدان المناعة ضد القهر اليومي والاغراءات المسمومة حتى الموت، والانسلاخ عن الوطن الأم من أجل الانحلال في أحضان الاخطبوط الخارجي. اننا نتساءل عن اية اجراءات انسانية لا تعسفية، اتخذت لصالح الأدمغة التي تهاجر كالطيور لكنها لا تعود أبدا؟ غريب ان يصير الشمال أكثر دفءا. الى متى ستبقى عملية تسريب العقول تفتك بمجتمعنا؟ هذه العملية التي سببت وتسبب معضلة اجتماعية واقتصادية خطيرة وهي من أهم القضايا التي تعرقل تطوّر ونمو بلدنا وبشكل خاص اذا ما عرفنا أن المهاجرين هم الأكثر نبوغا مستقبلا.
إن عشق الوطن وحده ليس عاملا كافيا لإنشاء المؤسسة العلمية ومن أجل ان نقتحم العالم من جديد ونغذي حضارته بدماء نظيفة كما سبق ان فعل الأجداد لا بد من أن يتملك القائمين على ريادة الحركة العلمية احساس منعش من نوع آخر، احساس بالزمن القادم احساس أكثر عمقا بالعلم وبضرورته الحضارية... ولابدّ ايضا من ان يتشكل في أعماقهم شعور أصدق بالغير والحرص على هويتنا العريقة فهم القادة المرحليون الذين تسلموا بشكل او بآخر دقة هذا القارب، ولسوف تتحمل الأجيال الآتية جميع نتائج هذه الرحلة.
الأكيد هنا ان تتحوّل جذريا ما مطلوب بحرارة ولن يتم هذا التحويل من خلال الدعاء والصلاة ولأنه سيكون ـ ان حدث ـ فاتحة عصر جديد، فهو سيكون بمثابة ولادة لمفاهيم وتصوّرات عصرية وعلمية بكل ما تعنيه الولادة من عسر وآلام مخاض... إذا، مزيدا من الاحترام والتفهم لمتطلباته الحيوية المشروعة كي يبدع وهو في أتم عافيته الانسانية مفردات جديدة في سياق التطوّر الذي يراقبه من بعيد بكل حياد وبرود وحتى لو قدر له أحيانا أن يضع بصمته هنا أو هناك فما هذا الا بواسطة حبر أجنبي، وقفاز يد أجنبي.

حامد براهم
شرط العازب عالهجّالة
27 مارس 2017 السّاعة 21:00
سأقول جهرا ما يقوله البعض سرّا لأسباب يطول شرحها وتشريحها أنا لا أعرف السيد ناجي جلول وزير التربية شخصيا....
المزيد >>
لتكن الوطنية الثانية... تلفزة حيوية مستعدة للمستقبل من خلال إعلام نوعي
27 مارس 2017 السّاعة 21:00
أنا مؤمن بأن النسخ الثقافي وحده هو الذي يربط بين جينات التونسيين وأنه الوحيد القادر على حفظ النسل لهذا الشعب...
المزيد >>
فنّ الوشم بقفصة:رؤية أنثروبولوجية نفسية
27 مارس 2017 السّاعة 21:00
يعتبر الوشم من الموروثات الشعبية الموغلة في القدم والتي وقع تداولها وانتشارها في عديد المجتمعات الإنسانية...
المزيد >>
الطّعن بالتّعقيب في أحكام التّسجيل
13 مارس 2017 السّاعة 21:00
تتولى إدارة الملكية العقارية النظر في جميع مطالب الترسيم المتعلقة بالعقارات المسجلة فقط وتنظم هذه العقارات...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
عبد الجليل المسعودي
التونسيّون خائفون
رغم الطقس الربيعي المشمس الذي يخيّم على أرجائها ـ أو ربّما بسببه ـ فإن بلادنا تبدو اليوم مهدّدة من كل جهة، تحتضن المخاطر مثلما تحتضن الحمامة البيض.
المزيد >>