المخدرات ... الخلاف والحل
نورالدين بالطيب
ليبيا .... الأمل الأخير !
تتسارع التطورات في ليبيا بنسق سريع ففي الوقت الذي يقوم فيه الجنرال خليفة حفتر بجولات بين عواصم الجوار الافريقي والعربي والأوروبي يلفظ اتفاق الصخيرات أنفاسه الأخيرة بعد اعلان...
المزيد >>
المخدرات ... الخلاف والحل
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 06 مارس 2017

لا حديث هذه الأيام في القنوات التلفزية التونسية الا على المخدرات وسبب ذلك حوار أجرته قناة نسمة التلفزية مساء يوم الاحد 19 فيفري 2017 مع رئيس الجمهورية التونسية الذي تطرق ضمنه لهذا الموضوع وكشف الخلاف الموجود بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والذي ترتب عنه تعطيل النظر في مشروع القانون الجديد للمخدرات المعروض من الحكومة للمصادقة عليه من نواب الشعب مؤكدا فيما معناه انه غير مرتاح لما يتعرض له الشباب التونسي من الاعتقال والايداع بالسجن من اجل استهلاك المادة المخدرة وخاصة التكروري وانه سيجمع مجلس الامن القومي لوضع حد لتتبع الشباب مستقبلا من اجل استهلاك هذه المادة الى حين إيجاد حل جذري للموضوع 

لئن اعتبر بعض المحللين تصريح رئيس الجمهورية اعلانا عن قرار اتخذه يقضي بتعطيل العمل بقانون المخدرات وتوقيف تطبيقه من المحاكم إلى أن يبدأ العمل بقانون جديد يقع سنه وقد غاب عنهم انه لا يمكن ابطال العمل بالقانون الا اذا تم نسخه بقانون لاحق فان الغريب في الامر ان الحوار بمجرد الإعلان عنه وعن تاريخه اصبح قبل وقوعه وبعده حديثا ذا شجون واغراض.
لقد قيل قبل وقوعه انه يتعلق بالخصوص بالمخدرات وسجن الشباب من اجلها .
كيف حصل العلم بذلك وبالقرار الذي اتخذه رئيس الجمهورية قبل الاعلان عنه والقاضي حسب ذكرهم بإيقاف العمل بقانون المخدرات وتطرقوا الى طرق تنفيذ هذا القرارمنها بالخصوص إعطاء التعليمات للقضاة حتى لا يصدروا الاحكام بالسجن على الشباب من اجل تعاطي المادة المخدرة .
امام هذه المواقف التي جعلت رئيس الحمهورية لا يعرف صلاحياته والقضاة لا يعرفون مهامهم عندها تبادر لي التدخل وبيان انه بالإمكان تحقيق قصد رئيس الجمهورية الرامي الى الحد بصفة هامة من إيداع الشباب التونسي في غياهب السجون من أجل مسك مادة التكروري واستهلاكها والإبقاء على القانون المراد الغاؤه وهو القانون عدد 52 لسنة 1992 المؤرخ في 18 ماي 1992 المتعلق بالمخدرات وتطبيقه على شرط ان يتخلى القضاة عن خرق هذا القانون ويتوقفوا عن الخطإ في تطبيقه وتأويله وبذلك يتحقق قصد رئيس الدولة بصفة قانونية وفي حدود الصلاحيات واحترام الشرعية ويبقى القضاة خاضعين لسلطان القانون في احكامهم ممتثلين فيها لمقاصد المشرع من احكام القانون عدد 52 لسنة 1992 المتعلق بالمخدرات .
وتعزيزا لهذا الرائ اتعرض الى :
اولا : القضاة لا يخضعون في احكامهم الا لسلطان واحد وهو القانون.
ثانيا : الخطا القضائي في تطبيق قانون المخدرات عدد52 لسنة 1992 .
أولا سلطان القضاة.
لا شك في أن اجتهاد القاضي ليس حرا مطلقا وإنما هو اجتهاد مقيد بأحكام مناطها قاعدة دستورية تفيد أن القضاة لا يخضعون في أحكامهم إلا لسلطان واحد وهو القانون وهي حسبما اقره الفصل 59 من دستور 1959 والفصل 102 من دستور 2014 .
ولتحديد الطبيعة القانونية لسلطان القضاة يتعين الوقوف على مفهومه لغة و اصطلاحا.
1) المفهوم اللغوي
جاء في لسان العرب لابن منظور أن السلطان إنما سمي بالسلطان لأنه حجة الله في أرضه لذلك قيل للأمراء سلاطين لأنهم هم الذين تقام بهم الحجة والحقوق.
وفي هذا المعنى فسّرت الاية 21 من سورة سبا من القرآن الكريم :" وما كان له عليهم من سلطان " بما كان له عليهم من حجّة انتصاب.
2) المفهوم الاصطلاحي
لتفسير قاعدة للقضاة سلطان واحد يخضعون له في احكامهم يتم الرجوع الى مبدإ يفيد ان القانون هو مجموعة قواعد ملزمة تعبّر عن إرادة الشعب .
ولئن كانت أغلب القوانين لا تعبر عن إرادة الشعب وإنما تعبّر في الواقع عن إرادة أصحاب الجاه و النفوذ والطموح وعن أهواء النظام السياسي رغم أنها من صنع أناس هم نواب الشعب فمن المفروض أن يكون في خدمة الشعب وليس في خدمة الاحزاب السياسية والنظام الحاكم.
ومهما كانت طبيعة القانون تجسيما لإرادة الشعب او لرغبة السلطة الحاكمة فلا بد للقاضي أن يطبقه وأن يعتمد في تقدير الموضوع المعروض عليه للحكم على مقاصد المشرع من مقتضيات هذا القانون وأحكامه .
لذلك تكون حرية القاضي في تقدير الأدلة ووسائل الإثبات مقيّده بالمعنى المحدد لها قانونا علما وأن القانون لا يحتاج الى تأويل عند وضوحه وعند غموضه ولا يجوز الابتعاد عن قصد المشرع في تأويله ولا يمكن خلق القاعدة البديلة له عند سكوته.
هذا إذن هو السلطان الوحيد الذي يخضع القضاة له في أحكامهم التي تصدر من المفروض باسم الشعب .
ثانيا الخطأ في تطبيق قانون المخدرات عدد52 لسنة 1992
يتجسم هذا الخطا في المفهوم الذي تعطعيه كل المحاكم التونسية للاستهلاك والمسك بنيّة الإستهلاك لمادة مخدرة مدرجة بالجدول "ب"
يقتضى الفصل الرابع من القانون عدد 52 لسنة 1992 المؤرخ في 18 ماي 1992 المتعلق بالمخدرات أنه يعاقب بالسجن من عام إلى خمسة أعوام وبخطية من ألف إلى ثلاثة آلاف دينار كل من استهلك أو مسك لغاية الاستهلاك الشخصي نباتا أو مادة مخدرة في غير الأحوال المسموح بها قانونا والمحاولة موجبة للعقاب.
يستنتج من هذا الفصل أن المستهدف بالعقاب هو المستهلك أو الماسك على حدّ السواء وأن العقوبة تسلط على مرتكب كلّ فعل من الفعلين المذكورين.
وقد نصّ الفصل المذكور على أن المحاولة موجبة للعقاب.
فبخصوص مدلول المسك والاستهلاك
إن أصدق مصدر للوقوف على مدلول كل جريمة منهما هو القانون اذا كان واضحا و الأعمال التحضيرية عند غموضه .
رغم وضوح احكام الفصل 4 من قانون المخدرات عدد 52 لسنة 1992 المؤرخ في 18 ماي 1992 المتعلقة بجريمتي الاستهلاك والمسك لغاية الاستهلاك لمادة مخدرة فان فقه القضاء يظهرتحريفا متعمدا لمفهوم الجريمتين لجواز وسائل اثبات غير قانونية مثلت ادانة .وسجن الجزء الكبير من الشبان المحكوم عليهم من اجل استهلاك والمسك لغاية الاستهلاك لمادة القنب الهندي أي التكروري وهم قانونا ابرياء
لا شكّ أن الباحث يرجع للأعمال التحضيرية لكلّ قانون قصد معرفة موقف المشرّع من مقتضياته. كما انه من الثابت أن للأعمال التحضيرية القيمة القانونية التي يكتسبها القانون المتعلق بها.
وبالرجوع للغرض إلى مداولات القانون المؤرخ في 18 ماي 1992 المنشورة بالرائد الرسمي للمداولات عدد 31 لجلسة يومي 12 و 13 ماي 1992 نجد حرفيا ما يلي:"
الفصل 44: يعاقب بالسجن من عام إلى خمسة أعوام وبخطية من ألف إلى ثلاثة آلاف دينار كل من استهلك أو مسك لغاية الاستهلاك الشخصي نباتا أو مادة مخدرة في غير الأحوال المسموح بها قانونا والمحاولة موجبة للعقاب.
رئيس مجلس النواب: شكرا، هل من ملاحظة حول هذا الفصل؟
الكلمة للنائب المحترم السيد محمد إسكندر
السيد محمد إسكندر:
شكرا سيدي الرئيس،
أعتقد أن المقصود بالفصل 44 فيما يخص كل من استهلك أو مسك التي وردت هنا في صيغة الماضي، أعتقد من هو بصدد الاستهلاك أو مسك المخدرات وليس المقصود كل من استهلك سنة85او 90 وغير ذلك. لذا المرجو من سيادة الرئيس وسيادة الوزير قبول تنقيح طفيف في الصيغة وأقترح ما يلي:
يعاقب بالسجن مدّة ....الى خمس أعوام ...إلى غير ذلك، وبخطية من ألف إلى ثلاثة آلاف دينار كل من قبض عليه وهو يستهلك أو يمسك لغاية الاستهلاك...إلى آخر النصّ.
وشكرا سيّدي الرئيس،
رئيس مجلس النواب:
السيد وزير العدل أعتبر أن الفصل واضح، سيّدي الرئيس، وأنه فعلا كل من استهلك ومسك وليس بطبيعة الحال أن نحاكم أو نعاقب إنسانا قام بهذه الفعلة سنة 89 أو منذ سنوات خلت لكن يطبق هذا على من وقع إلقاء القبض عليه وهو يستهلك لأن وسيلة الإثبات لا تكون إلا بهذه الطريقة، ولذلك أعتبر أن الفصل واضح وهذا ربما لزيادة الإيضاح بالنسبة لأعمال المجلس التي تعتبر من الأشغال المكملة لمشروع القانون وتوضحه أكثر، مع الإبقاء عليه، وشكرا سيّدي الرئيس.
رئيس مجلس النواب:
شكرا نسجل هذا التوضيح في سجلات المجلس، والفصل معروض على المصادقة، فمن يصادق عليه؟ ومن لا يصادق عليه؟ من يحتفظ؟
تمت المصادقة على الفصل الرابع؟"
تلك اذن هي المداولات المتعلقة بجريمتي الاستهلاك والمسك لغاية الاستهلاك ومن المؤكد ان نص هذه المداولات الذي لا تقل قيمته عن قيمة نص القانون حدد الوسيلة التي يثبت بها قانونا استهلاك المادة المخدرة ومسكها بنية الاستهلاك الشخصي وضبطها بصفة واضحة.
وقد زاد النص وضوحا ورسوخا وقطعية رد وزير العدل على أسئلة النواب واقتراحاتهم والذي طلب الابقاء على النص وعلى رده ليعتبر هذا الرد من الاشغال المكملة لمشروع القانون و الموضحة له اكثر.
تلك اذن هي طريقة الإثبات الوحيدة التي أقرّها المشرع لجريمتي استهلاك المادة المخدرة ومسكها بنية الاستهلاك الشخصي والتي تم تشخيصها بصفة مدققة ضمن المداولات التي هي أعمال تحضيرية لها قيمة النص القانوني.
أن طريقة الإثبات المعتمدة من المحاكم التونسية هي تحليل البول وهي طريقة مخالفة للقانون وغير سليمة من ناحية الإجراء لأنها لا تفيد أن التحليل أجري على سائل تابع لذي الشبهة ـ أولاـ ولا تفيد أن نتيجة التحليل الايجابية تتعلق بالاستهلاك السلبي المعترف به طبيا وغير المعاقب عليه لانتفاء الركن المعنوي للجريمة ـ ثانيا ـ
لقد اصبح من الثابت ان النتيجة الإيجابية لتحليل البول لا تتكون منها جريمة استهلاك المادة المخدرة أو محاولة إرتكابهما لأن الشخص لم يضبط وبيده المادة المخدرة ولم يتوقف عن استهلاكها بأمر خارج عن إرادته.
علما وان المسك هو فعل مادي والماسك هو الذي بيده وفي حوزته البضاعة كما أن المستهلك فاعل لأنه تسبب في استهلاك البضاعة كالذي دخّن سيجارة من التكروري أما الماسك فهو الذي كانت السيجارة بين أصابعه.
و في النهاية لا جدال انه طبقا لأحكام الفصل الرابع من قانون المخدرات عدد 52 لسنة 1992 المؤرخ في 8 ماي 1992 فان الفانون لا يمكن قطعا توجيه تهمة استهلاك المادة المخدرة بالخصوص الا على من القي القبض عليه وهو يستهلك او يحاول ان يستهلك المادة المخدرة التي هي في حوزته .
ولذا يكون مظلوما كل من سجن وثبتت ادانته بطريقة غير التي ضبطها المشرع.
يتبع

بقلم الهادي كرو
المساواة في الميراث:لـمَ لا يكون نظاما إضافيا إختياريا؟
18 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
أحدث خطاب الرئيس السبسي يوم 13 أوت جدلا واسعا، بلغ صداه أقصى أقطار الأرض، وأثار ردود أفعال مختلفة داخل الوطن...
المزيد >>
في الذكرى الثامنة لوفاته: عالـم تونس النووي بشير التركي له علينا حق البقاء في الذاكرة
18 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
غادرنا رحمه اللّه إلى الرّفيق الأعلى يوم الخميس 13 أوت 2009 بعد مسيرة عطاء حافلة بالنّشاط العلمي وجليل الأعمال...
المزيد >>
مـشروع مـبادرة لإعادة هـيكلة مـسالك الـتوزيع لـمواد الاخـتصاص
18 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
تعتبر تونس حسب احصائيات المنظمة العالمية للصحة الاولى عربيا في عدد المدخنين وطبقا لاحصائيات المعهد الوطني...
المزيد >>
في إباحة زواج التّونسيّة المسلمة من غير المسلم والمساواة في الميراث:ما لا يقوله لكم فقهاؤنا البررة
11 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
ما من مسلم يدّعي أنّ كلّ النّصوص الدّينيّة يجب أن تؤخذ على ظهرها، عدا فرقة لا يكاد أنصارها لقلّتهم يُذكَرون...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
المخدرات ... الخلاف والحل
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 06 مارس 2017

لا حديث هذه الأيام في القنوات التلفزية التونسية الا على المخدرات وسبب ذلك حوار أجرته قناة نسمة التلفزية مساء يوم الاحد 19 فيفري 2017 مع رئيس الجمهورية التونسية الذي تطرق ضمنه لهذا الموضوع وكشف الخلاف الموجود بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والذي ترتب عنه تعطيل النظر في مشروع القانون الجديد للمخدرات المعروض من الحكومة للمصادقة عليه من نواب الشعب مؤكدا فيما معناه انه غير مرتاح لما يتعرض له الشباب التونسي من الاعتقال والايداع بالسجن من اجل استهلاك المادة المخدرة وخاصة التكروري وانه سيجمع مجلس الامن القومي لوضع حد لتتبع الشباب مستقبلا من اجل استهلاك هذه المادة الى حين إيجاد حل جذري للموضوع 

لئن اعتبر بعض المحللين تصريح رئيس الجمهورية اعلانا عن قرار اتخذه يقضي بتعطيل العمل بقانون المخدرات وتوقيف تطبيقه من المحاكم إلى أن يبدأ العمل بقانون جديد يقع سنه وقد غاب عنهم انه لا يمكن ابطال العمل بالقانون الا اذا تم نسخه بقانون لاحق فان الغريب في الامر ان الحوار بمجرد الإعلان عنه وعن تاريخه اصبح قبل وقوعه وبعده حديثا ذا شجون واغراض.
لقد قيل قبل وقوعه انه يتعلق بالخصوص بالمخدرات وسجن الشباب من اجلها .
كيف حصل العلم بذلك وبالقرار الذي اتخذه رئيس الجمهورية قبل الاعلان عنه والقاضي حسب ذكرهم بإيقاف العمل بقانون المخدرات وتطرقوا الى طرق تنفيذ هذا القرارمنها بالخصوص إعطاء التعليمات للقضاة حتى لا يصدروا الاحكام بالسجن على الشباب من اجل تعاطي المادة المخدرة .
امام هذه المواقف التي جعلت رئيس الحمهورية لا يعرف صلاحياته والقضاة لا يعرفون مهامهم عندها تبادر لي التدخل وبيان انه بالإمكان تحقيق قصد رئيس الجمهورية الرامي الى الحد بصفة هامة من إيداع الشباب التونسي في غياهب السجون من أجل مسك مادة التكروري واستهلاكها والإبقاء على القانون المراد الغاؤه وهو القانون عدد 52 لسنة 1992 المؤرخ في 18 ماي 1992 المتعلق بالمخدرات وتطبيقه على شرط ان يتخلى القضاة عن خرق هذا القانون ويتوقفوا عن الخطإ في تطبيقه وتأويله وبذلك يتحقق قصد رئيس الدولة بصفة قانونية وفي حدود الصلاحيات واحترام الشرعية ويبقى القضاة خاضعين لسلطان القانون في احكامهم ممتثلين فيها لمقاصد المشرع من احكام القانون عدد 52 لسنة 1992 المتعلق بالمخدرات .
وتعزيزا لهذا الرائ اتعرض الى :
اولا : القضاة لا يخضعون في احكامهم الا لسلطان واحد وهو القانون.
ثانيا : الخطا القضائي في تطبيق قانون المخدرات عدد52 لسنة 1992 .
أولا سلطان القضاة.
لا شك في أن اجتهاد القاضي ليس حرا مطلقا وإنما هو اجتهاد مقيد بأحكام مناطها قاعدة دستورية تفيد أن القضاة لا يخضعون في أحكامهم إلا لسلطان واحد وهو القانون وهي حسبما اقره الفصل 59 من دستور 1959 والفصل 102 من دستور 2014 .
ولتحديد الطبيعة القانونية لسلطان القضاة يتعين الوقوف على مفهومه لغة و اصطلاحا.
1) المفهوم اللغوي
جاء في لسان العرب لابن منظور أن السلطان إنما سمي بالسلطان لأنه حجة الله في أرضه لذلك قيل للأمراء سلاطين لأنهم هم الذين تقام بهم الحجة والحقوق.
وفي هذا المعنى فسّرت الاية 21 من سورة سبا من القرآن الكريم :" وما كان له عليهم من سلطان " بما كان له عليهم من حجّة انتصاب.
2) المفهوم الاصطلاحي
لتفسير قاعدة للقضاة سلطان واحد يخضعون له في احكامهم يتم الرجوع الى مبدإ يفيد ان القانون هو مجموعة قواعد ملزمة تعبّر عن إرادة الشعب .
ولئن كانت أغلب القوانين لا تعبر عن إرادة الشعب وإنما تعبّر في الواقع عن إرادة أصحاب الجاه و النفوذ والطموح وعن أهواء النظام السياسي رغم أنها من صنع أناس هم نواب الشعب فمن المفروض أن يكون في خدمة الشعب وليس في خدمة الاحزاب السياسية والنظام الحاكم.
ومهما كانت طبيعة القانون تجسيما لإرادة الشعب او لرغبة السلطة الحاكمة فلا بد للقاضي أن يطبقه وأن يعتمد في تقدير الموضوع المعروض عليه للحكم على مقاصد المشرع من مقتضيات هذا القانون وأحكامه .
لذلك تكون حرية القاضي في تقدير الأدلة ووسائل الإثبات مقيّده بالمعنى المحدد لها قانونا علما وأن القانون لا يحتاج الى تأويل عند وضوحه وعند غموضه ولا يجوز الابتعاد عن قصد المشرع في تأويله ولا يمكن خلق القاعدة البديلة له عند سكوته.
هذا إذن هو السلطان الوحيد الذي يخضع القضاة له في أحكامهم التي تصدر من المفروض باسم الشعب .
ثانيا الخطأ في تطبيق قانون المخدرات عدد52 لسنة 1992
يتجسم هذا الخطا في المفهوم الذي تعطعيه كل المحاكم التونسية للاستهلاك والمسك بنيّة الإستهلاك لمادة مخدرة مدرجة بالجدول "ب"
يقتضى الفصل الرابع من القانون عدد 52 لسنة 1992 المؤرخ في 18 ماي 1992 المتعلق بالمخدرات أنه يعاقب بالسجن من عام إلى خمسة أعوام وبخطية من ألف إلى ثلاثة آلاف دينار كل من استهلك أو مسك لغاية الاستهلاك الشخصي نباتا أو مادة مخدرة في غير الأحوال المسموح بها قانونا والمحاولة موجبة للعقاب.
يستنتج من هذا الفصل أن المستهدف بالعقاب هو المستهلك أو الماسك على حدّ السواء وأن العقوبة تسلط على مرتكب كلّ فعل من الفعلين المذكورين.
وقد نصّ الفصل المذكور على أن المحاولة موجبة للعقاب.
فبخصوص مدلول المسك والاستهلاك
إن أصدق مصدر للوقوف على مدلول كل جريمة منهما هو القانون اذا كان واضحا و الأعمال التحضيرية عند غموضه .
رغم وضوح احكام الفصل 4 من قانون المخدرات عدد 52 لسنة 1992 المؤرخ في 18 ماي 1992 المتعلقة بجريمتي الاستهلاك والمسك لغاية الاستهلاك لمادة مخدرة فان فقه القضاء يظهرتحريفا متعمدا لمفهوم الجريمتين لجواز وسائل اثبات غير قانونية مثلت ادانة .وسجن الجزء الكبير من الشبان المحكوم عليهم من اجل استهلاك والمسك لغاية الاستهلاك لمادة القنب الهندي أي التكروري وهم قانونا ابرياء
لا شكّ أن الباحث يرجع للأعمال التحضيرية لكلّ قانون قصد معرفة موقف المشرّع من مقتضياته. كما انه من الثابت أن للأعمال التحضيرية القيمة القانونية التي يكتسبها القانون المتعلق بها.
وبالرجوع للغرض إلى مداولات القانون المؤرخ في 18 ماي 1992 المنشورة بالرائد الرسمي للمداولات عدد 31 لجلسة يومي 12 و 13 ماي 1992 نجد حرفيا ما يلي:"
الفصل 44: يعاقب بالسجن من عام إلى خمسة أعوام وبخطية من ألف إلى ثلاثة آلاف دينار كل من استهلك أو مسك لغاية الاستهلاك الشخصي نباتا أو مادة مخدرة في غير الأحوال المسموح بها قانونا والمحاولة موجبة للعقاب.
رئيس مجلس النواب: شكرا، هل من ملاحظة حول هذا الفصل؟
الكلمة للنائب المحترم السيد محمد إسكندر
السيد محمد إسكندر:
شكرا سيدي الرئيس،
أعتقد أن المقصود بالفصل 44 فيما يخص كل من استهلك أو مسك التي وردت هنا في صيغة الماضي، أعتقد من هو بصدد الاستهلاك أو مسك المخدرات وليس المقصود كل من استهلك سنة85او 90 وغير ذلك. لذا المرجو من سيادة الرئيس وسيادة الوزير قبول تنقيح طفيف في الصيغة وأقترح ما يلي:
يعاقب بالسجن مدّة ....الى خمس أعوام ...إلى غير ذلك، وبخطية من ألف إلى ثلاثة آلاف دينار كل من قبض عليه وهو يستهلك أو يمسك لغاية الاستهلاك...إلى آخر النصّ.
وشكرا سيّدي الرئيس،
رئيس مجلس النواب:
السيد وزير العدل أعتبر أن الفصل واضح، سيّدي الرئيس، وأنه فعلا كل من استهلك ومسك وليس بطبيعة الحال أن نحاكم أو نعاقب إنسانا قام بهذه الفعلة سنة 89 أو منذ سنوات خلت لكن يطبق هذا على من وقع إلقاء القبض عليه وهو يستهلك لأن وسيلة الإثبات لا تكون إلا بهذه الطريقة، ولذلك أعتبر أن الفصل واضح وهذا ربما لزيادة الإيضاح بالنسبة لأعمال المجلس التي تعتبر من الأشغال المكملة لمشروع القانون وتوضحه أكثر، مع الإبقاء عليه، وشكرا سيّدي الرئيس.
رئيس مجلس النواب:
شكرا نسجل هذا التوضيح في سجلات المجلس، والفصل معروض على المصادقة، فمن يصادق عليه؟ ومن لا يصادق عليه؟ من يحتفظ؟
تمت المصادقة على الفصل الرابع؟"
تلك اذن هي المداولات المتعلقة بجريمتي الاستهلاك والمسك لغاية الاستهلاك ومن المؤكد ان نص هذه المداولات الذي لا تقل قيمته عن قيمة نص القانون حدد الوسيلة التي يثبت بها قانونا استهلاك المادة المخدرة ومسكها بنية الاستهلاك الشخصي وضبطها بصفة واضحة.
وقد زاد النص وضوحا ورسوخا وقطعية رد وزير العدل على أسئلة النواب واقتراحاتهم والذي طلب الابقاء على النص وعلى رده ليعتبر هذا الرد من الاشغال المكملة لمشروع القانون و الموضحة له اكثر.
تلك اذن هي طريقة الإثبات الوحيدة التي أقرّها المشرع لجريمتي استهلاك المادة المخدرة ومسكها بنية الاستهلاك الشخصي والتي تم تشخيصها بصفة مدققة ضمن المداولات التي هي أعمال تحضيرية لها قيمة النص القانوني.
أن طريقة الإثبات المعتمدة من المحاكم التونسية هي تحليل البول وهي طريقة مخالفة للقانون وغير سليمة من ناحية الإجراء لأنها لا تفيد أن التحليل أجري على سائل تابع لذي الشبهة ـ أولاـ ولا تفيد أن نتيجة التحليل الايجابية تتعلق بالاستهلاك السلبي المعترف به طبيا وغير المعاقب عليه لانتفاء الركن المعنوي للجريمة ـ ثانيا ـ
لقد اصبح من الثابت ان النتيجة الإيجابية لتحليل البول لا تتكون منها جريمة استهلاك المادة المخدرة أو محاولة إرتكابهما لأن الشخص لم يضبط وبيده المادة المخدرة ولم يتوقف عن استهلاكها بأمر خارج عن إرادته.
علما وان المسك هو فعل مادي والماسك هو الذي بيده وفي حوزته البضاعة كما أن المستهلك فاعل لأنه تسبب في استهلاك البضاعة كالذي دخّن سيجارة من التكروري أما الماسك فهو الذي كانت السيجارة بين أصابعه.
و في النهاية لا جدال انه طبقا لأحكام الفصل الرابع من قانون المخدرات عدد 52 لسنة 1992 المؤرخ في 8 ماي 1992 فان الفانون لا يمكن قطعا توجيه تهمة استهلاك المادة المخدرة بالخصوص الا على من القي القبض عليه وهو يستهلك او يحاول ان يستهلك المادة المخدرة التي هي في حوزته .
ولذا يكون مظلوما كل من سجن وثبتت ادانته بطريقة غير التي ضبطها المشرع.
يتبع

بقلم الهادي كرو
المساواة في الميراث:لـمَ لا يكون نظاما إضافيا إختياريا؟
18 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
أحدث خطاب الرئيس السبسي يوم 13 أوت جدلا واسعا، بلغ صداه أقصى أقطار الأرض، وأثار ردود أفعال مختلفة داخل الوطن...
المزيد >>
في الذكرى الثامنة لوفاته: عالـم تونس النووي بشير التركي له علينا حق البقاء في الذاكرة
18 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
غادرنا رحمه اللّه إلى الرّفيق الأعلى يوم الخميس 13 أوت 2009 بعد مسيرة عطاء حافلة بالنّشاط العلمي وجليل الأعمال...
المزيد >>
مـشروع مـبادرة لإعادة هـيكلة مـسالك الـتوزيع لـمواد الاخـتصاص
18 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
تعتبر تونس حسب احصائيات المنظمة العالمية للصحة الاولى عربيا في عدد المدخنين وطبقا لاحصائيات المعهد الوطني...
المزيد >>
في إباحة زواج التّونسيّة المسلمة من غير المسلم والمساواة في الميراث:ما لا يقوله لكم فقهاؤنا البررة
11 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
ما من مسلم يدّعي أنّ كلّ النّصوص الدّينيّة يجب أن تؤخذ على ظهرها، عدا فرقة لا يكاد أنصارها لقلّتهم يُذكَرون...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
نورالدين بالطيب
ليبيا .... الأمل الأخير !
تتسارع التطورات في ليبيا بنسق سريع ففي الوقت الذي يقوم فيه الجنرال خليفة حفتر بجولات بين عواصم الجوار الافريقي والعربي والأوروبي يلفظ اتفاق الصخيرات أنفاسه الأخيرة بعد اعلان...
المزيد >>