الفســـــــاد:«المقاول الملعون» و«المقاوم المجنون»
سفيان الأسود
الغاضبون... في الولايات
تبدو الحكومة مصرة على إيجاد حلول للغضب الذي يهز ولايات ومناطق وجهات داخل الجمهورية لكنها لم تنجح الى الان في تقديم حلول ومعالجات يمكن ان تخمد نار الغضب في ولايات يزداد فتيل النار...
المزيد >>
الفســـــــاد:«المقاول الملعون» و«المقاوم المجنون»
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 19 مارس 2017

اللافت للنظر استغراب الملائكة جعل الإنسان خليفة: «قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا»؟! ومن حقّنا الاندهاش من استبصارها فساده قبل خلقه! ويُفترض أنّ مردّ علمها ماديّة هي أسّ تكوينه: «خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ». ورغم تتبّله بالمتعالي: «وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي» إلّا أنّ الطّبع يغلب التّطبّع إذ بترهّل الرّوحيّ يتفشّى الفساد الجزئيّ (السّرقة...) ويكون الفساد الكليّ (الموت...) بمفارقته الطّينيّ. فمردّ الفساد استبدالنا «الّذِي هُوَ أَدْنَىَ بِالّذِي هُوَ خَيْر»، الأدنى الماديّ بالخير الرّوحيّ. هذا وينبئ الفساد بتراجع قيميّ، كما يؤكّد استشراؤه بعد الثّورة على أنّ الأزمة أكبر وأعمق من نظام انقلب وحاكم هرب!
فمن مفارقات ما بعد الثّورة في الوقت الذي دفعت فيه حكومة التّوافق بمشروع «القانون المتعلّق بالتّبليغ عن الفساد» إلى مجلس نوّاب الشّعب أصدرت الأمر التّرتيبيّ «المتعلّق ببرنامج السّكن الأوّل» متضمّنا قائمة حصريّة في الباعثين العقّاريين المستفيدين منه. ملحق أمر تضمّن شبهات فساد تطلّب سحبه بعد يوم من المصادقة على القانون. وبذلك تكون الحكومة أوّل هيكل عموميّ يحدّ، تحت الضّغط وبعد تلكّؤ، من فساد آتاه عبر «صفقة» مريبة لا فقط لتخيّر باعثين بعينهم بل لتضمّن القائمة من جمعته بالرّئيس المخلوع قضيّة فساد لأجلها سجن وخطّئ بسبعة مليارات مما يعني عزم الدّولة تغطية الخطيّة بمنحة!
جعل محمّد عابد الجابري «الغنيمة» ثاني محدّدات «العقل السّياسيّ العربيّ». «غنيمة» (الثّروة) تبزّ الـ"العقيدة" (الثّورة) في صنع التّاريخ. وقد بيّن المنصف ونّاس في «الشّخصيّة التّونسيّة» تميّزنا بـ»زَبُونِيَّةٍ» مشكّلة لـ»جُمْهُورِيَّةِ تَبَادُلِ الغَنِيمَةِ». ومن تجلّيات هكذا «جمهوريّة» المنقول بـ»الشّارع المغاربي» ليوم6 مارس2017 حرفيّا من كلمة السيّد حافظ قائد السّبسي، ابن الرّئيس، في اجتماع الهيئة السّياسيّة للحزب الحاكم إذ قال مستشرفا: «مَا دَامْ عَنْدْنَا الشَّايِبْ فِي قَرْطَاجْ مَا تِتْقَلْقُوشْ مَا يُهْرِبْ عْلِينَا شَيْ». غنيمة زبونيّة أداتها محسوبيّة صوّرها المعرّي في «رسالة الغفران» جارية من «آل البيت» اتّخذها ابن القارح واسطة عبور: «وَمَا كُنْتُ أُقَدِّرُ أَنَّ بَيْنَ يَدَيَّ عَقَبَةَ الصِّرَاطِ(...) وَخِفْتُ السُّقُوطَ فَقُلْتُ لَهَا: احْمِلِينِي زَقَفُونَةَ(...) فَحَمَلَتْنِي، وَجَازَتْ بِي الصِّرَاطَ كَالبَرْقِ الخَاطِفِ، حَتَّى صِرْتُ إِلَى بَابِ الجَنَّةِ». هذه «الزقفونة» دارّة للمال على أصحابها إذ تحدَّث ابن خلدون في «المقدّمة» عن «الجَاهِ الـمُفِيدِ للمَالِ» وأنّه بعض ظلم «والظُّلْمُ مُؤْذِنٌ بِخَرَابِ العِمْرَانِ». حالة من «الاقتصاد السّياسيّ للفساد» تبيّن أنّ «إمبراطوريّة الفساد» أقوى من «جمهوريّة الصّلاح». وأحسن السّيّد محمّد الأزهر العكرمي الوزير المكلّف بالعلاقة مع مجلس نوّاب الشّعب في استقالته الوصف إذ أثبت في نصّها: «إِنَّ الفَسَادَ مُؤَشِّرٌ عَلَى وُجُودِ الاسْتِبْدَادِ وَالعَكْسُ أَيْضًا صَحِيحٌ. فَفِي النِّظَامِ الدِّيمُقْرَاطِيِّ يُمْكِنُ أَنْ يُوجِدَ الفَسَادُ بِـمَنْسُوبٍ ضَعِيفٍ حَتَّى أَنَّهُ يَلْعَبُ دَوْرَ البَكْتِيرْيَا الـمُخَصِّبَةِ. أَمَّا مَا نَحْنُ فِيهِ اليَوْمَ فَهْوَ سَيْطَرَةُ الاِقْطَاعِ السِّيَاسِيِّ وَسِيَادَةُ الفَسَادِ فِي ظِلِّ الفَوْضَى الـمُنَظَّمَةِ وَلَيْسَ الدِّيمُقْرَاطِيَّةَ» (Babnet Tunisie 5oct 2017). الفساد لغة عطب وعدم الانتظام وواقعا هو غير معطوب إذ أمسى منظّما. فالفساد من هذه الزّاوية غير فاسد! إنّ «عقل السّيستام» فاسد، وفساده أكبر من كلّ إصلاح وأقوى ومواجهته ضرب من «الجنون». ففي أواخر 2016 وعلى خلفيّة ادعاء كشفها ملفات فساد بدائرة المحاسبات بقفصة تمّ إيواء الرّئيسة حسيبة حقّي مستشفى الرّازي للأمراض العقليّة. ويبدو أنّ التّبليغ عن «الفساد» جنون إذ لا يأمن المبلّغ حرّيته وعمره. والعاقل من يتّعظ بغيره فيرهب العقوبة والعاقبة وهو الواضح من تصريح السيّد عبيد البريكي وزير الوظيفة العموميّة والحوكمة المقال لـ»هنا الآن» على «قناة التّاسعة» يوم 3 مارس 2017 إذ حين طولب بتفاصيل حول نماذج فساد ادّعاه قال: «آنَا مَا نَّجَمْشْ نْقُولْ حَتَّى شَيْ إِلاَّ مَا يُخْرِجْ قَانُونْ حِمَايِةْ الـمُبَلّْغِينْ».
وفي خلاصة شديدة وتأويليّة لكتابيْ ميشيل فوكو «Surveiller et punir» و»Folie et déraison» نتبيّن أنّ «المعاقبة السّجنيّة» و»المراقبة الصّحيّة» سيّان لتحوّل «العلاج» إلى عقاب بتعليم «المجنون» السّلوك «العاقل». أوليس «العقل» في «لسان العرب» لابن منظور «الحبس» إذ «أُخِذَ مِنْ قَوْلِهِمْ اعْتُقِلَ لِسَانُهُ إِذَا حُبِسَ وَمُنِعَ الْكَلَامَ»؟! الوصم بالجنون بعض تكنولوجيا السّلطة الهادفة إلى السّيطرة والهيمنة. فاتّهام عاقل بالخبل تعذيب له لا فقط لحجزه بل للتّشهير بفقده أحد أهم شروط انسانيته باعتبار «الإنسان كائنا عاقلا». وإنّ في استبدال العقوبة السّجنيّة بتدابير احترازيّة استشفائيّة حؤولا بين النّاطق وعقله من جهة وتقويم عقله ليحسن نطقه إذ «ليس كلّ ما في البال يقال» فقط يقال المسموح به. فهكذا «لطف عقابيّ» تقنية من تقنيات السّلطة التي توظّفه في «الاقتصاد السّياسي للجسد» ابتغاء إنتاج «قيمة» الصّمت و»فائض قيمة» المدح. صرّح يوم12 نوفمبر2015 مساعد وكيل الجمهوريّة النّاطق الرّسميّ باسم المحكمة الابتدائيّة بتونس الرّئيس كمال بربوش لوكالة تونس إفريقيا للأنباء، بأنّ السّيّد معز بن غربية المدّعي في فيديو 5 أكتوبر2015 الشّهير امتلاكه أدلّة على الفساد الكبير (اغتيالات...) «لَـمْ يُدْلِ بِتَصْرِيحَاتٍ مُفِيدَةٍ لَدَى حَاكِمِ التَّحْقِيقِ وَعَبَّرَ عَنْ نَدَمِهِ عَمَّا صَرَّحَ بِهِ بِخُصُوصِ امْتِلاَكِهِ لأَدِلَّةِ...» وَبدل تقديم الأدلّة فإنّ «الـمُسْتَجْوِبَ قَدَّمَ وَثَائِقَ طِبِيَّةً تُفِيدُ بِأَنَّهُ يٌعَانِي مِنْ اكْتِئَابٍ نَفْسِيٍّ» (الشّروق 12 نوفمبر2015). وكأنّ الخوف من تبعات «العقل» جعل المستجوب يلوذ بـ»الهبل» إذ القاعدة المحكّمة: «أَعْمِلْ مَهْبُولْ تْعِيشْ». ونقدّر أنّ ما حال دون تقديم الشّهادة هو خوف التّقدّم على مذبح الحقيقة كشهيد.
يبدو أنّ جنون الكلام ملاذنا حتّى لا نُجنّ بالصّمت ففي آخر «جنون» رائعة الفاضل الجعايبي المسرحيّة قرأت جليلة بكار قصيدة «كلمات» لمنوّر صمادح، نزيل الرّازي وناظمها فيه، ومنها: «...فَتَكَلَّـمْ وَتَأَلَّمْ وَلْتَمُتْ فِي الكَلِمَاتْ...». الصّمت والإخراس بعض ترهّل قيم الثّورة وخيانة نخب حاكمة لوعودها. وعن هكذا نخب روى أبو الفرج الأصفهاني في «مقاتل الطّالبين» أنّ التّابعيّ الزّاهد الثّوريّ بشير الرّحّال قال معرّضا بأبي جعفر المنصور: «أَيُّهَا القَائِلُ بِالأَمْسِ: إِنْ وُلِّينَا عَدَلْنَا، وَفَعَلْنَا وَصَنَعْنَا، فَقَدْ وُلِّيتَ فَأَيُّ عَدْلٍ أَظْهَرْتَ؟ وَأَيُّ جَوْرٍ أَزَلْتَ وَأَيُّ مَظْلُومٍ أَنْصَفْتَ؟ آهٍ مَا أَشْبَهَ اللَّيْلَةَ بِالبَارِحَةِ!»

فوزي الشّعباني ـ باحث تونسيّ
وخزة:حلويات العيد و«نطحها» الشديد!
24 جوان 2017 السّاعة 21:00
في رمضان مفارقتان... الأولى أثناء شهر الصيام بما فيه من غلاء وغش وبالمحصلة المواطن يتذمر ويشتهي لكنه يشتري...
المزيد >>
مسلسل «الشروق» العربي والدولي (25):«أيلول الأسود» وتراجيديا العرب
24 جوان 2017 السّاعة 21:00
لم تتحقق أهداف هنري كيسنجر، حينها بالتدخل العسكري في الأردن وتوجيه غارات جوية أمريكية مكثفة تفضي الى إبادة...
المزيد >>
وخزة
23 جوان 2017 السّاعة 21:00
«الغورة» على الأولوية... المجاوزة الممنوعة و«حرقان الضو» تحولت الى عادة لدى غالبية مستعملي الطريق بل اصبحت...
المزيد >>
أهم عشرة إنجازات لحركة نداء تونس خلال خمس سنوات (16 جوان 2012 ـ 16 جوان 2017)
23 جوان 2017 السّاعة 21:00
نعم.. سنحتفل بكل فخر واعتزاز كما أعلنا بالذكرى الخامسة لتأسيس الحركة، فما الذي ساهمت حركة نداء تونس في...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
الفســـــــاد:«المقاول الملعون» و«المقاوم المجنون»
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 19 مارس 2017

اللافت للنظر استغراب الملائكة جعل الإنسان خليفة: «قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا»؟! ومن حقّنا الاندهاش من استبصارها فساده قبل خلقه! ويُفترض أنّ مردّ علمها ماديّة هي أسّ تكوينه: «خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ». ورغم تتبّله بالمتعالي: «وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي» إلّا أنّ الطّبع يغلب التّطبّع إذ بترهّل الرّوحيّ يتفشّى الفساد الجزئيّ (السّرقة...) ويكون الفساد الكليّ (الموت...) بمفارقته الطّينيّ. فمردّ الفساد استبدالنا «الّذِي هُوَ أَدْنَىَ بِالّذِي هُوَ خَيْر»، الأدنى الماديّ بالخير الرّوحيّ. هذا وينبئ الفساد بتراجع قيميّ، كما يؤكّد استشراؤه بعد الثّورة على أنّ الأزمة أكبر وأعمق من نظام انقلب وحاكم هرب!
فمن مفارقات ما بعد الثّورة في الوقت الذي دفعت فيه حكومة التّوافق بمشروع «القانون المتعلّق بالتّبليغ عن الفساد» إلى مجلس نوّاب الشّعب أصدرت الأمر التّرتيبيّ «المتعلّق ببرنامج السّكن الأوّل» متضمّنا قائمة حصريّة في الباعثين العقّاريين المستفيدين منه. ملحق أمر تضمّن شبهات فساد تطلّب سحبه بعد يوم من المصادقة على القانون. وبذلك تكون الحكومة أوّل هيكل عموميّ يحدّ، تحت الضّغط وبعد تلكّؤ، من فساد آتاه عبر «صفقة» مريبة لا فقط لتخيّر باعثين بعينهم بل لتضمّن القائمة من جمعته بالرّئيس المخلوع قضيّة فساد لأجلها سجن وخطّئ بسبعة مليارات مما يعني عزم الدّولة تغطية الخطيّة بمنحة!
جعل محمّد عابد الجابري «الغنيمة» ثاني محدّدات «العقل السّياسيّ العربيّ». «غنيمة» (الثّروة) تبزّ الـ"العقيدة" (الثّورة) في صنع التّاريخ. وقد بيّن المنصف ونّاس في «الشّخصيّة التّونسيّة» تميّزنا بـ»زَبُونِيَّةٍ» مشكّلة لـ»جُمْهُورِيَّةِ تَبَادُلِ الغَنِيمَةِ». ومن تجلّيات هكذا «جمهوريّة» المنقول بـ»الشّارع المغاربي» ليوم6 مارس2017 حرفيّا من كلمة السيّد حافظ قائد السّبسي، ابن الرّئيس، في اجتماع الهيئة السّياسيّة للحزب الحاكم إذ قال مستشرفا: «مَا دَامْ عَنْدْنَا الشَّايِبْ فِي قَرْطَاجْ مَا تِتْقَلْقُوشْ مَا يُهْرِبْ عْلِينَا شَيْ». غنيمة زبونيّة أداتها محسوبيّة صوّرها المعرّي في «رسالة الغفران» جارية من «آل البيت» اتّخذها ابن القارح واسطة عبور: «وَمَا كُنْتُ أُقَدِّرُ أَنَّ بَيْنَ يَدَيَّ عَقَبَةَ الصِّرَاطِ(...) وَخِفْتُ السُّقُوطَ فَقُلْتُ لَهَا: احْمِلِينِي زَقَفُونَةَ(...) فَحَمَلَتْنِي، وَجَازَتْ بِي الصِّرَاطَ كَالبَرْقِ الخَاطِفِ، حَتَّى صِرْتُ إِلَى بَابِ الجَنَّةِ». هذه «الزقفونة» دارّة للمال على أصحابها إذ تحدَّث ابن خلدون في «المقدّمة» عن «الجَاهِ الـمُفِيدِ للمَالِ» وأنّه بعض ظلم «والظُّلْمُ مُؤْذِنٌ بِخَرَابِ العِمْرَانِ». حالة من «الاقتصاد السّياسيّ للفساد» تبيّن أنّ «إمبراطوريّة الفساد» أقوى من «جمهوريّة الصّلاح». وأحسن السّيّد محمّد الأزهر العكرمي الوزير المكلّف بالعلاقة مع مجلس نوّاب الشّعب في استقالته الوصف إذ أثبت في نصّها: «إِنَّ الفَسَادَ مُؤَشِّرٌ عَلَى وُجُودِ الاسْتِبْدَادِ وَالعَكْسُ أَيْضًا صَحِيحٌ. فَفِي النِّظَامِ الدِّيمُقْرَاطِيِّ يُمْكِنُ أَنْ يُوجِدَ الفَسَادُ بِـمَنْسُوبٍ ضَعِيفٍ حَتَّى أَنَّهُ يَلْعَبُ دَوْرَ البَكْتِيرْيَا الـمُخَصِّبَةِ. أَمَّا مَا نَحْنُ فِيهِ اليَوْمَ فَهْوَ سَيْطَرَةُ الاِقْطَاعِ السِّيَاسِيِّ وَسِيَادَةُ الفَسَادِ فِي ظِلِّ الفَوْضَى الـمُنَظَّمَةِ وَلَيْسَ الدِّيمُقْرَاطِيَّةَ» (Babnet Tunisie 5oct 2017). الفساد لغة عطب وعدم الانتظام وواقعا هو غير معطوب إذ أمسى منظّما. فالفساد من هذه الزّاوية غير فاسد! إنّ «عقل السّيستام» فاسد، وفساده أكبر من كلّ إصلاح وأقوى ومواجهته ضرب من «الجنون». ففي أواخر 2016 وعلى خلفيّة ادعاء كشفها ملفات فساد بدائرة المحاسبات بقفصة تمّ إيواء الرّئيسة حسيبة حقّي مستشفى الرّازي للأمراض العقليّة. ويبدو أنّ التّبليغ عن «الفساد» جنون إذ لا يأمن المبلّغ حرّيته وعمره. والعاقل من يتّعظ بغيره فيرهب العقوبة والعاقبة وهو الواضح من تصريح السيّد عبيد البريكي وزير الوظيفة العموميّة والحوكمة المقال لـ»هنا الآن» على «قناة التّاسعة» يوم 3 مارس 2017 إذ حين طولب بتفاصيل حول نماذج فساد ادّعاه قال: «آنَا مَا نَّجَمْشْ نْقُولْ حَتَّى شَيْ إِلاَّ مَا يُخْرِجْ قَانُونْ حِمَايِةْ الـمُبَلّْغِينْ».
وفي خلاصة شديدة وتأويليّة لكتابيْ ميشيل فوكو «Surveiller et punir» و»Folie et déraison» نتبيّن أنّ «المعاقبة السّجنيّة» و»المراقبة الصّحيّة» سيّان لتحوّل «العلاج» إلى عقاب بتعليم «المجنون» السّلوك «العاقل». أوليس «العقل» في «لسان العرب» لابن منظور «الحبس» إذ «أُخِذَ مِنْ قَوْلِهِمْ اعْتُقِلَ لِسَانُهُ إِذَا حُبِسَ وَمُنِعَ الْكَلَامَ»؟! الوصم بالجنون بعض تكنولوجيا السّلطة الهادفة إلى السّيطرة والهيمنة. فاتّهام عاقل بالخبل تعذيب له لا فقط لحجزه بل للتّشهير بفقده أحد أهم شروط انسانيته باعتبار «الإنسان كائنا عاقلا». وإنّ في استبدال العقوبة السّجنيّة بتدابير احترازيّة استشفائيّة حؤولا بين النّاطق وعقله من جهة وتقويم عقله ليحسن نطقه إذ «ليس كلّ ما في البال يقال» فقط يقال المسموح به. فهكذا «لطف عقابيّ» تقنية من تقنيات السّلطة التي توظّفه في «الاقتصاد السّياسي للجسد» ابتغاء إنتاج «قيمة» الصّمت و»فائض قيمة» المدح. صرّح يوم12 نوفمبر2015 مساعد وكيل الجمهوريّة النّاطق الرّسميّ باسم المحكمة الابتدائيّة بتونس الرّئيس كمال بربوش لوكالة تونس إفريقيا للأنباء، بأنّ السّيّد معز بن غربية المدّعي في فيديو 5 أكتوبر2015 الشّهير امتلاكه أدلّة على الفساد الكبير (اغتيالات...) «لَـمْ يُدْلِ بِتَصْرِيحَاتٍ مُفِيدَةٍ لَدَى حَاكِمِ التَّحْقِيقِ وَعَبَّرَ عَنْ نَدَمِهِ عَمَّا صَرَّحَ بِهِ بِخُصُوصِ امْتِلاَكِهِ لأَدِلَّةِ...» وَبدل تقديم الأدلّة فإنّ «الـمُسْتَجْوِبَ قَدَّمَ وَثَائِقَ طِبِيَّةً تُفِيدُ بِأَنَّهُ يٌعَانِي مِنْ اكْتِئَابٍ نَفْسِيٍّ» (الشّروق 12 نوفمبر2015). وكأنّ الخوف من تبعات «العقل» جعل المستجوب يلوذ بـ»الهبل» إذ القاعدة المحكّمة: «أَعْمِلْ مَهْبُولْ تْعِيشْ». ونقدّر أنّ ما حال دون تقديم الشّهادة هو خوف التّقدّم على مذبح الحقيقة كشهيد.
يبدو أنّ جنون الكلام ملاذنا حتّى لا نُجنّ بالصّمت ففي آخر «جنون» رائعة الفاضل الجعايبي المسرحيّة قرأت جليلة بكار قصيدة «كلمات» لمنوّر صمادح، نزيل الرّازي وناظمها فيه، ومنها: «...فَتَكَلَّـمْ وَتَأَلَّمْ وَلْتَمُتْ فِي الكَلِمَاتْ...». الصّمت والإخراس بعض ترهّل قيم الثّورة وخيانة نخب حاكمة لوعودها. وعن هكذا نخب روى أبو الفرج الأصفهاني في «مقاتل الطّالبين» أنّ التّابعيّ الزّاهد الثّوريّ بشير الرّحّال قال معرّضا بأبي جعفر المنصور: «أَيُّهَا القَائِلُ بِالأَمْسِ: إِنْ وُلِّينَا عَدَلْنَا، وَفَعَلْنَا وَصَنَعْنَا، فَقَدْ وُلِّيتَ فَأَيُّ عَدْلٍ أَظْهَرْتَ؟ وَأَيُّ جَوْرٍ أَزَلْتَ وَأَيُّ مَظْلُومٍ أَنْصَفْتَ؟ آهٍ مَا أَشْبَهَ اللَّيْلَةَ بِالبَارِحَةِ!»

فوزي الشّعباني ـ باحث تونسيّ
وخزة:حلويات العيد و«نطحها» الشديد!
24 جوان 2017 السّاعة 21:00
في رمضان مفارقتان... الأولى أثناء شهر الصيام بما فيه من غلاء وغش وبالمحصلة المواطن يتذمر ويشتهي لكنه يشتري...
المزيد >>
مسلسل «الشروق» العربي والدولي (25):«أيلول الأسود» وتراجيديا العرب
24 جوان 2017 السّاعة 21:00
لم تتحقق أهداف هنري كيسنجر، حينها بالتدخل العسكري في الأردن وتوجيه غارات جوية أمريكية مكثفة تفضي الى إبادة...
المزيد >>
وخزة
23 جوان 2017 السّاعة 21:00
«الغورة» على الأولوية... المجاوزة الممنوعة و«حرقان الضو» تحولت الى عادة لدى غالبية مستعملي الطريق بل اصبحت...
المزيد >>
أهم عشرة إنجازات لحركة نداء تونس خلال خمس سنوات (16 جوان 2012 ـ 16 جوان 2017)
23 جوان 2017 السّاعة 21:00
نعم.. سنحتفل بكل فخر واعتزاز كما أعلنا بالذكرى الخامسة لتأسيس الحركة، فما الذي ساهمت حركة نداء تونس في...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
سفيان الأسود
الغاضبون... في الولايات
تبدو الحكومة مصرة على إيجاد حلول للغضب الذي يهز ولايات ومناطق وجهات داخل الجمهورية لكنها لم تنجح الى الان في تقديم حلول ومعالجات يمكن ان تخمد نار الغضب في ولايات يزداد فتيل النار...
المزيد >>