فنّ الوشم بقفصة:رؤية أنثروبولوجية نفسية
النوري الصّل
محــاربة الفساد... مسؤوليــة الجميــع
الحرب التي أطلقها رئيس الحكومة يوسف الشاهد على الفساد، رغم أنها لا تزال في بداياتها، إلا أنها سجلت إلى حد الآن نتائج مبهرة وشكّلت سابقة تاريخية وخطوة جريئة جديرة بالدعم الذي يجب...
المزيد >>
فنّ الوشم بقفصة:رؤية أنثروبولوجية نفسية
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 27 مارس 2017

يعتبر الوشم من الموروثات الشعبية الموغلة في القدم والتي وقع تداولها وانتشارها في عديد المجتمعات الإنسانية عبر العصور. وقد اتّخذ الوشم عديد الدّلالات فكان مظهرا من مظاهر التزيين والجمال عند بعض الشّعوب قديما وحديثا. كما اعتبره بعض النّساء في فترات تاريخية معينة وفي بعض الحضارات بديلا عن الحُليّ ولعلّ الأمر يعود في عصرنا الى تفضيل بعض النّساء أو الفتيات وضع بعض الرمّوز أو أشكال الوشم بدل وضع عقد أو قطعة حُلي .

لقد اتّخذ الوشم أشكالا هندسيّة عديدة تصل حدّ الغرابة والتساؤل عن مرجعياتها الفكرية والثقافية والحضارية بل تكون فائقة البراعة والدقّة كتصوير الزّهور وبعض الحيوانات وخاصة النّسر والأفاعي والذّئاب والوجوه البشريّة. ومنها ما يتّخذ شكل الكواكب والأبراج والاقواس وأنماطا زخرفيّة مختلفة ومتنوّعة قد تغطّي الكاحلين وقد تذكرنا بما يتميّز به الفن الإسلامي من حيث التنوّع وتجنب التكرار لإثارة متعة النظر والجمالية .
إن جمالية الوشم قديما تكمن في الدقّة والبساطة وتنسيق الخطوط والتكامل الهندسي رغم أنّ الوشم قديما وخاصّة في المجتمعات البدوية لم يعتمد الألوان اذ كان يتم بطرق بدائية ومواد طبيعية ويكون اللون واحدا تقريبا وهو اللون الاخضر.
إن العودة الى تاريخ الوشم أكّدت كونه عملية قديمة جدا لم تقتصر على شعب واحد أو حضارة واحدة وإن كانت النسبة الأوفر تعود إلى المجتمعات البدوية وإلى الريفيين ويرى الأنثروبولوجيون أن الوشم الذي يزيّن به الريفيون أياديهم وصدورهم وشفاههم وأرجلهم لم يكن أبدا عمليّة عبثيّة أو اعتباطيّة. فبالإضافة إلى البعد الجمالي الذي غايته الزينة كان الوشم يتّخذ أبعادا مقدّسة أو يدخل في دائرة الطقوس مثلما تفعل بعض القبائل الإفريقية التي تعتبر بعض أشكال الوشم مثل التمائم تدفع الشياطين وتحمي من الأرواح الشريرة أو قد تتخذ أبعادا تعبدية خاصة لدى بعض الشعوب التي تقدس بعض الحيوانات أو تخشى من بعض المظاهر الطبيعية ويبقى هذا الأمر مرتبطا ببعض المعتقدات البدائية .
قد يكون رمز الوشم مرتبطا بـ"الطوطم" وقد تكون مجرد رموز تصويريّة كما نجد لدى بعض السكان الأصليين لأستراليا وهو ما يجعل كلّ عشيرة تتميّز بـ"طوطمها" الخاص الذي هو بمثابة بطاقة هويتها المميّز. واعتبره بعض الشعوب قوة مضادة محققة للتوازن بين الخير والشرّ وتشكيلا ترميزيا مخلّدا للأبطال في الذاكرة الشعبية كصورة خليفة الزناتي أو الزير سالم أو الجازية الهلالية أو جيقيفارا و غيرهم . ولعلّ ذلك ما يبرّر وجود بعض أشكال الوشم على بعض الموميات المصريات .
إنّ الوشم يظلّ تشكيلا فنيّا لا يبتعد عن المظاهر الثقافية المختلفة عند الشعوب كاللباس والطعام والأسلحة والتوابيت والأغطية والخيام والعادات والتقاليد دون أن ندخل في دائرة الحصر الديني لأنّنا نطرق الموضوع من زاوية ثقافية أنثروبولوجية بحتة .
ورغم كلّ الألم الذي يصاحب عملية الوشم و يعقبه لم يقع العزوف عنه. بل إنّ الوشم في شمال إفريقيا يعود خاصّة إلى عهد حنبعل فقد كان الرجال والنساء يضعون الوشم في قرطاجنّة .
ويعود الوشم بقوّة في عصرنا سواء في الغرب أو في المنطقة العربية وخاصة في شمال إفريقيا بتسمية جديدة " تاتو " وبأشكال تتلاءم مع الموضة حسب عشاق هذا التوجّه الفني وبحسب الميولات والأزياء والأفكار والتوجّهات الإيديولوجيّة. وارتبط ببعض الميولات الثورية أحيانا ويذهب بعض علماء النفس وعلماء الاجتماع إلى أن المسألة أصبحت أكثر تعقيدا فقد تعبر عن حالات نفسية أو سلوكية أو إضطرابات كما يمكن أن تعبّر عن مواقف واضحة وأفكار وحالات رفض معلنة. ويمكن أن تحمل أبعادا إيحائية تتجاوز المسموح به أخلاقيا لذلك نرجّح أنّ ظاهرة الوشم المتغيرة من حيث الأشكال والألوان والرموز متلبّسة بتعبيرات ثقافية جديدة فرضتها ظروف عديدة يتداخل فيها السياسي بالاقتصادي والاجتماعي والديني والايديولوجي بل الفلسفي أيضا .
ورغم أنّ ظاهرة الوشم سيئة السمعة في المجتمعات العربية الاسلامية لكنّها تبقى ظاهرة ملفتة للانتباه بكلّ مرجعياتها إلى درجة نحتاج فيها إلى أكثر من زاوية نظر لدراستها. وقد تكون التعبيرة الثقافية الرمزية هي الأقوى على ألاّ تتحوّل إلى تشويه للذات ورفض للجسد وحالة من حالات المرض النفسي أو المساس بالذّوق الجمعي والإفراط في ترجمة التعبير عن الحريّة الشخصيّة على حساب الذوق العام أو الخصوصية الثقافية المشتركة.

بقلم : سميرة سحيمي
الطاهر بن عمار رجل دولة(قوّة المثابرة)
15 ماي 2017 السّاعة 21:00
صدر أخيرا وتزامنا مع بداية المعرض الدولي للكتاب مرجع تاريخي لا غنى عنه لدارسي تاريخ تونس المعاصر انطلاقا من...
المزيد >>
لماذا: اضراب الحرية والكرامة للأسرى الفلسطينيين ؟
15 ماي 2017 السّاعة 21:00
لم تكن القضية الفلسطينية كقضية مركزية للأمة العربية خلال القرن الماضي قضية تحرير وطني فحسب، بل هي قضية وجود...
المزيد >>
المواجهة أو الفرار (2 / 3):ضغوطات التحولات الديموغرافية
15 ماي 2017 السّاعة 21:00
تعرضنا أعزائي القراء في الحلقة الأولى من هذا المقال إلى سرعة النمو السكاني، وفي الاقتصاديات النامية بوجه...
المزيد >>
قراءة في حزمة الإجراءات الحكومية الخاصة بالفلاحة ( 2)
08 ماي 2017 السّاعة 21:00
ممّا ورد بالقانون المذكور أعلاه، الترفيع في القيمة القصوى للمشاريع الصغرى(صنف"أ)من 60 إلى 200 ألف دينار مع...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
فنّ الوشم بقفصة:رؤية أنثروبولوجية نفسية
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 27 مارس 2017

يعتبر الوشم من الموروثات الشعبية الموغلة في القدم والتي وقع تداولها وانتشارها في عديد المجتمعات الإنسانية عبر العصور. وقد اتّخذ الوشم عديد الدّلالات فكان مظهرا من مظاهر التزيين والجمال عند بعض الشّعوب قديما وحديثا. كما اعتبره بعض النّساء في فترات تاريخية معينة وفي بعض الحضارات بديلا عن الحُليّ ولعلّ الأمر يعود في عصرنا الى تفضيل بعض النّساء أو الفتيات وضع بعض الرمّوز أو أشكال الوشم بدل وضع عقد أو قطعة حُلي .

لقد اتّخذ الوشم أشكالا هندسيّة عديدة تصل حدّ الغرابة والتساؤل عن مرجعياتها الفكرية والثقافية والحضارية بل تكون فائقة البراعة والدقّة كتصوير الزّهور وبعض الحيوانات وخاصة النّسر والأفاعي والذّئاب والوجوه البشريّة. ومنها ما يتّخذ شكل الكواكب والأبراج والاقواس وأنماطا زخرفيّة مختلفة ومتنوّعة قد تغطّي الكاحلين وقد تذكرنا بما يتميّز به الفن الإسلامي من حيث التنوّع وتجنب التكرار لإثارة متعة النظر والجمالية .
إن جمالية الوشم قديما تكمن في الدقّة والبساطة وتنسيق الخطوط والتكامل الهندسي رغم أنّ الوشم قديما وخاصّة في المجتمعات البدوية لم يعتمد الألوان اذ كان يتم بطرق بدائية ومواد طبيعية ويكون اللون واحدا تقريبا وهو اللون الاخضر.
إن العودة الى تاريخ الوشم أكّدت كونه عملية قديمة جدا لم تقتصر على شعب واحد أو حضارة واحدة وإن كانت النسبة الأوفر تعود إلى المجتمعات البدوية وإلى الريفيين ويرى الأنثروبولوجيون أن الوشم الذي يزيّن به الريفيون أياديهم وصدورهم وشفاههم وأرجلهم لم يكن أبدا عمليّة عبثيّة أو اعتباطيّة. فبالإضافة إلى البعد الجمالي الذي غايته الزينة كان الوشم يتّخذ أبعادا مقدّسة أو يدخل في دائرة الطقوس مثلما تفعل بعض القبائل الإفريقية التي تعتبر بعض أشكال الوشم مثل التمائم تدفع الشياطين وتحمي من الأرواح الشريرة أو قد تتخذ أبعادا تعبدية خاصة لدى بعض الشعوب التي تقدس بعض الحيوانات أو تخشى من بعض المظاهر الطبيعية ويبقى هذا الأمر مرتبطا ببعض المعتقدات البدائية .
قد يكون رمز الوشم مرتبطا بـ"الطوطم" وقد تكون مجرد رموز تصويريّة كما نجد لدى بعض السكان الأصليين لأستراليا وهو ما يجعل كلّ عشيرة تتميّز بـ"طوطمها" الخاص الذي هو بمثابة بطاقة هويتها المميّز. واعتبره بعض الشعوب قوة مضادة محققة للتوازن بين الخير والشرّ وتشكيلا ترميزيا مخلّدا للأبطال في الذاكرة الشعبية كصورة خليفة الزناتي أو الزير سالم أو الجازية الهلالية أو جيقيفارا و غيرهم . ولعلّ ذلك ما يبرّر وجود بعض أشكال الوشم على بعض الموميات المصريات .
إنّ الوشم يظلّ تشكيلا فنيّا لا يبتعد عن المظاهر الثقافية المختلفة عند الشعوب كاللباس والطعام والأسلحة والتوابيت والأغطية والخيام والعادات والتقاليد دون أن ندخل في دائرة الحصر الديني لأنّنا نطرق الموضوع من زاوية ثقافية أنثروبولوجية بحتة .
ورغم كلّ الألم الذي يصاحب عملية الوشم و يعقبه لم يقع العزوف عنه. بل إنّ الوشم في شمال إفريقيا يعود خاصّة إلى عهد حنبعل فقد كان الرجال والنساء يضعون الوشم في قرطاجنّة .
ويعود الوشم بقوّة في عصرنا سواء في الغرب أو في المنطقة العربية وخاصة في شمال إفريقيا بتسمية جديدة " تاتو " وبأشكال تتلاءم مع الموضة حسب عشاق هذا التوجّه الفني وبحسب الميولات والأزياء والأفكار والتوجّهات الإيديولوجيّة. وارتبط ببعض الميولات الثورية أحيانا ويذهب بعض علماء النفس وعلماء الاجتماع إلى أن المسألة أصبحت أكثر تعقيدا فقد تعبر عن حالات نفسية أو سلوكية أو إضطرابات كما يمكن أن تعبّر عن مواقف واضحة وأفكار وحالات رفض معلنة. ويمكن أن تحمل أبعادا إيحائية تتجاوز المسموح به أخلاقيا لذلك نرجّح أنّ ظاهرة الوشم المتغيرة من حيث الأشكال والألوان والرموز متلبّسة بتعبيرات ثقافية جديدة فرضتها ظروف عديدة يتداخل فيها السياسي بالاقتصادي والاجتماعي والديني والايديولوجي بل الفلسفي أيضا .
ورغم أنّ ظاهرة الوشم سيئة السمعة في المجتمعات العربية الاسلامية لكنّها تبقى ظاهرة ملفتة للانتباه بكلّ مرجعياتها إلى درجة نحتاج فيها إلى أكثر من زاوية نظر لدراستها. وقد تكون التعبيرة الثقافية الرمزية هي الأقوى على ألاّ تتحوّل إلى تشويه للذات ورفض للجسد وحالة من حالات المرض النفسي أو المساس بالذّوق الجمعي والإفراط في ترجمة التعبير عن الحريّة الشخصيّة على حساب الذوق العام أو الخصوصية الثقافية المشتركة.

بقلم : سميرة سحيمي
الطاهر بن عمار رجل دولة(قوّة المثابرة)
15 ماي 2017 السّاعة 21:00
صدر أخيرا وتزامنا مع بداية المعرض الدولي للكتاب مرجع تاريخي لا غنى عنه لدارسي تاريخ تونس المعاصر انطلاقا من...
المزيد >>
لماذا: اضراب الحرية والكرامة للأسرى الفلسطينيين ؟
15 ماي 2017 السّاعة 21:00
لم تكن القضية الفلسطينية كقضية مركزية للأمة العربية خلال القرن الماضي قضية تحرير وطني فحسب، بل هي قضية وجود...
المزيد >>
المواجهة أو الفرار (2 / 3):ضغوطات التحولات الديموغرافية
15 ماي 2017 السّاعة 21:00
تعرضنا أعزائي القراء في الحلقة الأولى من هذا المقال إلى سرعة النمو السكاني، وفي الاقتصاديات النامية بوجه...
المزيد >>
قراءة في حزمة الإجراءات الحكومية الخاصة بالفلاحة ( 2)
08 ماي 2017 السّاعة 21:00
ممّا ورد بالقانون المذكور أعلاه، الترفيع في القيمة القصوى للمشاريع الصغرى(صنف"أ)من 60 إلى 200 ألف دينار مع...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
النوري الصّل
محــاربة الفساد... مسؤوليــة الجميــع
الحرب التي أطلقها رئيس الحكومة يوسف الشاهد على الفساد، رغم أنها لا تزال في بداياتها، إلا أنها سجلت إلى حد الآن نتائج مبهرة وشكّلت سابقة تاريخية وخطوة جريئة جديرة بالدعم الذي يجب...
المزيد >>