«أثر ترامب»:فزع أوروبا وذهول العرب (1ـ 2)
فاطمة بن عبد الله الكرّاي
في صوْن الجمهورية... جولات
جميل أن تقام للشهيدين محمد البراهمي وشكري بلعيد ساحتين عموميتين باسميهما.. وجميل أن يكون للتونسيين عناوين ومحطات تاريخية، ورغم الآلام التي ترافق حدوثها تحمل في طياتها الموعظة...
المزيد >>
«أثر ترامب»:فزع أوروبا وذهول العرب (1ـ 2)
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 03 أفريل 2017


في رحلة وصول ترامب إلى سدة الحكم الأمريكي، كل شيء جاء مختلفا عن السابق، احتمال نجاح ضعيف في بداية الحملة الانتخابية، يتحوّل فجأة إلى تفوّق واضح ومريح؟
انتقال نظامي للسلطة تعقبه احتجاجات واسعة؟!
مرشّح جمهوري يميني يُبدي عطفا بالغا على «المنسيّين»، ويصرّح أن السلطة ستنتقل في عهده من النخبة المحظوظة إلى الشعب؟!
ملامح الرجل «رأسمالية نقية ووعوده شعبوية»؟ زعيم لقطب عالمي، يلوّح رغم موقعه المريح بتغيير قوانين اللعبة العالمية، يخلط الأوراق وينشر الكثير من الفزع هنا، والحذر والذهول هناك؟!
في خضم كلّ هذا اللغط واللغو، وبعد الحيرة البديهية للحظة الأولى، لا بد لنا أن ننتقل ـ وقبل فوات الأوان ـ إلى منطقة الأسئلة: البسيط منها والمعقّد، المؤقت والاستراتيجي، الإقليمي والعالمي.
كيف نقرأ ملامح الرئيس الأمريكي دونالد. ج ترامب الاجتماعية والسياسية؟
ما هي مشاربه الفكرية والايديولوجية «عطفِهِ الشعبوي»؟ ما طبيعة برنامجه الاقتصادي الوارد تحت عنوان «الانكفاء الأمريكي، ما انعكاساته على إعادة هيكلة العولمة؟ وما تداعياته على مشهد العلاقات الدولية وبالتالي على الخريطتين الإقليمية والمحلية؟
أسئلة كثيرة، تبدو متداخلة ومعقدة، من منظور الاطمئنان للأمر الواقع، والتسليم بقدرية ما للعولمة الراهنة، سنحاول تناولها تحت العناوين التالية:
ـ ملامح ترامب: «الطاغية» أو «المستبد العادل»
ـ إنقاذ رأس المال وعادة ترتيب أوراق العولمة
ـ دواعي الفزع الأوروبي
ـ ترامب... وذهول العرب
1) ملامح الطاغية أو المستبد العادل
دونالد.ج ترامب العمر70 سنة، متحصل على الإجازة في الاقتصاد، واحد من أكبر المقاولين في العالم، والثري برتبة 37، مرشح الحزب الجمهوري الذي يصرّح في حفل التنصيب أنه فوق الأحزاب ومع الشعب وأمريكا.
إنّ وصول مثل هذه الشخصية الطريفة والإشكالية، لا يجب أن يخرجها مع ذلك من نسق إعادة إنتاج الزعامات السياسية، وصناعة الرؤساء، التيوإن تميّزت هذه المرة بعديد المؤشرات «الغريبة» فإنها لم تخرج عن دائرة النخبة الضيقة، بما هي واجهة للدولة العميقة المتحكمة، وهي تنصرف بما تشترك فيه وما تختلف حوله، في آليات التداول المستمر على الحكم، بين الجمهوريين والديمقراطيين، تحت يافطة ترسيخ ودعم التفوق الأمريكي، الذي بدأ فعليا سنة 1944 مع اتفاقيات «بريتن وودز» ليتوسع سريعا سنة 1945 بنفقات مخطط مرشال» فزعامة الحلف الأطلسي سنة 1949، حتى بلغ أوجه سنة 1990 مع انهيار الاتحاد السوفياتي.
يقول الصحفي رافائيل كلوكسمان: «إن ظاهرة ترامب هي إجابة باهرة على طول تردّد الليبرالية الغربية بين القيمتين المؤسستين لها، وهما الصالح العام من جهة، والفردانية من جهة ثانية، بشكل يبدو فيه ترامب منتصرا للأولى، ليفاجئ النخبة الأوروبية التي غالبا ما لا تفقه البراغمانية الأنغلوساكسونية، وهو ما يفيد بأنقسما من التكنوقراط الأمريكيين ـ الخارجين عن هيمنة النسق ـ انتبهوا لأسلوب ترامب كوصفة لإنقاذ الليبرالية، بعد الوضع الكارثي الذي أفرزته عقود التسليم «بأسطورة نهاية التاريخ» والحلم الامبراطوريالوردي للسلم الأمريكية»!
2 إنقاذ الرأسمالية وإعادة ترتيب أوراق العولمة
«أمريكا أولا»!
ذلك هو الشعار ـ المبدأ، الذي يختزل برنامج ترامب، وهو يقوم في نواته الصلبة،استلهاما من الأب الروحي كارل بوبر،على إعادة بناء الاقتصاد والمجتمع الأمريكيين، في المستوى الأول، في علاقة من التفاعل والتوظيف مع التحوّلات الهيكلية للعولمة، التي يبدو أن الكثيرين من أصحاب القرار في الدوائر العليا للتسيير والتوجيه لا يرونها؟!
أكّد الرئيس المنتخب ترامب، في برنامجه الذي أعلن عن أهم عناوينه في خطاب التنصيب على ما يلي:
ـ الضرورة الملحّة لإعادة تشغيل المصانع المهجورة، وإعادة فروع الشركات الأمريكية للتراب الوطني
ـ تجديد وتطوير البنية التحتية الأمريكية بمد الطرقات وبناء الجسور والموانئ والمطارات
ـ توفير الشغل للمهمشين والمنسيين، ومنح الأمريكيين مدارس وتعليما لائقا...
كل ذلك في إطار «الانكفاء الأمريكي»!
هذا البرنامج الاقتصادي الاجتماعي هو بمثابة الاختبار بالمراهنة على «القومية الاقتصادية» وهي وإن جاءت في ظروف مختلفة، عودة إلى «الجمائية الروزفلتية» وما رافقها من فتح للمشاريع والحضائر الكبرى، وتشغيل الملايين من العاطلين، وتقديم المنح للمعوزين، والرفع من أجور العمال، بهدف التخفيف من حدة أزمة الثلاثينات الاقتصادية، وهي كذلك ذات الإجراءات التي صاغها لاحقا (1936) جون مايتار كاينس، في إطار النظرية الاقتصادية الجديدة، التي أصبحت تعرف بالليبرالية الجديدة أو «الكاينسية».
إنها بشكل ما، الحلول التي تجاهلها عمدا كبار المستفيدين من العولمة في شكلها الحالي من المضاربين ومدراء المؤسسات المالية العملاقة، والمهربين وتجار الأسلحة.
إنّهالاختيار العقلاني، بقطع النظر عن موقفنا من مساوئ الهيمنة الأمريكية وهي عودة للاقتصاد الحقيقي لتثبيت دورة رأس المال حول الإنتاج الفعليّ في المصانع والمزارع والمؤسسات الخدمية الأساسية، من جهة، والانتباه إلى حل الأزمة الراهنة، التي امتدت تقريبا على نفس المدة الزمنية التي امتدت عليها أزمة الثلاثينات (1929ـ1939ـ2008ـ2017) من جهة الاستهلاك لا من جهة الاستثمار كما تتمّ الدعوة إليه حاليا، من جهة ثانية.
أولوية تنشيط الاستهلاك لا أولوية ضمان الشروط الملائمة لعودة الاستثمار، مما يترتب عنه توسيع القدرة الشرائية والسوق، بإعادة الاعتبار للعمل وللطبقة الوسطى، ليزداد الطلب وترتفع نسبة الربح، بما هي المحفّز الهيكلي للاستثمار.
لا شكّ أن وراء خطّة ترامب «نظرية ما» بالرغم مما يقول عن نفسه أنه ليس «إيديولوجيا»، بل هو «رجل عملي»!
وفي هذا الصدد، لدينا ترجيح قوي يسنده مُعطى التكوين الأكاديمي للرئيس ترامب كدارس لعلم الاقتصاد، بأن خلاصة مشروعه هي «إنقاذ رأس المال الصافي والنقي»، رأس المال كما تصوره ماكس فيبر لا كما فكّكه ماركس، رأس المال الذي قامعلى روح العمل والمبادرة المسيحية»، وبالتحديد البروتستانية، رأس مال الإنتاج والتبادل الحر لا رأس مال المضاربة والمراهنة بـ«ثروة الأمم» في الأسواق المالية، وبنوك المعلومات الافتراضية!
الأمر الذي يؤكدهُ هذا الرأي لأحد رجال الدولة العميقة الأمريكية (X) الموالين لترامب بقوله: «إنّ شركات المعلوماتية لا تساهم في شيء من تقوية الدفاع القومي، وهي ليست سوى خدمة للبيع على شبكة الانترنات...
وكذلك غوغل التي تحسّن تنظيم المعطيات، لكن كل ذلك لا يصنع صاروخا جديدا ودقيقا وإن كانت له مساهمة في ذلك فهي عموما هامشية؟».
صحيح أن ترامب يجاهر بعدائه لزمرة المستفيدين من عولمة المضاربة والاقتصاد الافتراض، لكنه يعلم علم اليقين أن وراء هؤلاء شريك صلب ومتنفذ، وهو فريق المركب العسكري الصناعي، الذي استفاد من تنويع أشكالبيع الأسلحة على خريطة «الفوضى الخلاقة»، لذلك نجده كصاحب مهنة لهم، ينبّه إلى التأخر الأمريكي في مجال التكنولوجيات العسكرية المتطورة، بالمقارنة مع روسيا، وهو ينظر في نفس الوقت إلى اقتراب موعد إنتاج الـS600 وإلى عدم استعداء هذا اللاعب الوطني الأساسي.
ليبقى السؤال الشائك الذي يستخدمه خصوم ترامب للتحدي والتعجيز هو: كيف يمكن التوفيق بين الانكفاء الأمريكي والعولمة؟ بين السياسة الحمائية والانفتاح الذي تفترضه الزعامة الأمريكية للمنظومة الاقتصادية العالمية؟
يمكننا أن نُسوّغ في التطرق إلى هذا المستوى من الاستشكال، مقولة «أثر الفراشة»،لا كما استخدمها الشعراء بل باعتبارها قانونا فيزيائيا مستحدثا، والذي يُعبّر عنذلك الكم الضئيل من الحركة الذي من شأنه أن يولّد، بالتراكم تحولا نوعيا في الطبيعة والمناخ، أثر الفراشة الذيتوظفه بالكناية هنا ضمن عبارة «أثر / مفعول ترامب».
وخلاصة العقول إن المناوئين لتولّي ترامب الرئاسة، لا يزالون في أغلبهم، ينظرون إلى العولمة على أنها نظاما هرميا ممركزا حول الولايات المتحدة، وهم بمعنى آخر يعتبرون محافظين ـ على مصالحهم ضمنا ـ في تعاملهم مع «المنظومة» بما هي نظامللأنظمة المتعددة وقائمة على تعدد مراكز الاستقطاب، والتي تقوم إدارتها لا على أساس التحكم والتوجيه المركزي، بقدر ما يجب فهمها والتصرف تجاهها، طبقا لإكراهات التفاعل والتأثير المتبادل.
وهذا حسب رأينا ما تفطّن له ترامب وفريقه، هو الذي صرّح مؤخرا وبالوضوح الكافي أن «العولمة الأحادية قد انتهت وإلى الأبد!».
ومن هنا ندخل في سياق إعادة ترتيب أولويات الفعل في النسخة المرتقبة للعولمة، بما تتطلبه من فارقية وتنسيب، سواء كان ذلك من خلال التلويح، بالتقارب مع روسيا، أو التصريح بالتصادم مع الصين أو مباشركة تفكك الاتحاد الأوروبي... لتتحوّل منزلة الولايات المتحدة ـ حسب ترامب دائما ـ من طرف يتدخل في المجال الجيوسياسي العالمي للدفاع عن مصالح غيره والمحاربة من أجل الدفاع عن حدود الآخرين، إلى نموذج يُحتذى به، من خلال نجاحاته ومظاهر تفوقه الداخلية.
لتعاد بذلك صياغة العلاقات الدولية حسب أولوية مصالح الفرقاء، وليس حول المقولة الفضفاضة والمكلفة لـ«الأمن القومي الأمريكي».

بقلم: نورالدين الخبثاني العنوان الالكتروني: nour2kapp@Gmail.com
دفاعا عن «الشروق»
24 جويلية 2017 السّاعة 21:00
تعرضت جريدة "الشروق" في المدّة الأخيرة لعملية ابتزاز رخيصة من طرف سفير قطر بتونس. وتمثلت تلك العملية الدنيئة...
المزيد >>
الصحافة العربية تواصل تضامنها مع «الشروق»:قطر تسعى لشراء ذمم التونسيين لتلميع صورتها
24 جويلية 2017 السّاعة 21:00
تواصلت امس ردود الفعل المنددة بمحاولة الابتزاز القطرية لصحيفة «الشروق» حيث تناولت عدة صحف تفاصيل القضية...
المزيد >>
هل تتورّط وزارة التعليم العالي في تقويض المنظومة الجامعية ؟
24 جويلية 2017 السّاعة 21:00
مجلس جامعة منوبة الذي يترأسه الاستاذ شكري مبخوت والذي يتألف من كافة مديري المؤسسات الجامعية وعميد الكلية...
المزيد >>
العمل البلدي والتوازن بين الجهات
17 جويلية 2017 السّاعة 21:00
لئن أكد النظام السياسي في تونس بعد الثورة بأن البلديات هي أقرب الهياكل الادارية إلى المواطن وأشدّها التصاقا...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
«أثر ترامب»:فزع أوروبا وذهول العرب (1ـ 2)
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 03 أفريل 2017


في رحلة وصول ترامب إلى سدة الحكم الأمريكي، كل شيء جاء مختلفا عن السابق، احتمال نجاح ضعيف في بداية الحملة الانتخابية، يتحوّل فجأة إلى تفوّق واضح ومريح؟
انتقال نظامي للسلطة تعقبه احتجاجات واسعة؟!
مرشّح جمهوري يميني يُبدي عطفا بالغا على «المنسيّين»، ويصرّح أن السلطة ستنتقل في عهده من النخبة المحظوظة إلى الشعب؟!
ملامح الرجل «رأسمالية نقية ووعوده شعبوية»؟ زعيم لقطب عالمي، يلوّح رغم موقعه المريح بتغيير قوانين اللعبة العالمية، يخلط الأوراق وينشر الكثير من الفزع هنا، والحذر والذهول هناك؟!
في خضم كلّ هذا اللغط واللغو، وبعد الحيرة البديهية للحظة الأولى، لا بد لنا أن ننتقل ـ وقبل فوات الأوان ـ إلى منطقة الأسئلة: البسيط منها والمعقّد، المؤقت والاستراتيجي، الإقليمي والعالمي.
كيف نقرأ ملامح الرئيس الأمريكي دونالد. ج ترامب الاجتماعية والسياسية؟
ما هي مشاربه الفكرية والايديولوجية «عطفِهِ الشعبوي»؟ ما طبيعة برنامجه الاقتصادي الوارد تحت عنوان «الانكفاء الأمريكي، ما انعكاساته على إعادة هيكلة العولمة؟ وما تداعياته على مشهد العلاقات الدولية وبالتالي على الخريطتين الإقليمية والمحلية؟
أسئلة كثيرة، تبدو متداخلة ومعقدة، من منظور الاطمئنان للأمر الواقع، والتسليم بقدرية ما للعولمة الراهنة، سنحاول تناولها تحت العناوين التالية:
ـ ملامح ترامب: «الطاغية» أو «المستبد العادل»
ـ إنقاذ رأس المال وعادة ترتيب أوراق العولمة
ـ دواعي الفزع الأوروبي
ـ ترامب... وذهول العرب
1) ملامح الطاغية أو المستبد العادل
دونالد.ج ترامب العمر70 سنة، متحصل على الإجازة في الاقتصاد، واحد من أكبر المقاولين في العالم، والثري برتبة 37، مرشح الحزب الجمهوري الذي يصرّح في حفل التنصيب أنه فوق الأحزاب ومع الشعب وأمريكا.
إنّ وصول مثل هذه الشخصية الطريفة والإشكالية، لا يجب أن يخرجها مع ذلك من نسق إعادة إنتاج الزعامات السياسية، وصناعة الرؤساء، التيوإن تميّزت هذه المرة بعديد المؤشرات «الغريبة» فإنها لم تخرج عن دائرة النخبة الضيقة، بما هي واجهة للدولة العميقة المتحكمة، وهي تنصرف بما تشترك فيه وما تختلف حوله، في آليات التداول المستمر على الحكم، بين الجمهوريين والديمقراطيين، تحت يافطة ترسيخ ودعم التفوق الأمريكي، الذي بدأ فعليا سنة 1944 مع اتفاقيات «بريتن وودز» ليتوسع سريعا سنة 1945 بنفقات مخطط مرشال» فزعامة الحلف الأطلسي سنة 1949، حتى بلغ أوجه سنة 1990 مع انهيار الاتحاد السوفياتي.
يقول الصحفي رافائيل كلوكسمان: «إن ظاهرة ترامب هي إجابة باهرة على طول تردّد الليبرالية الغربية بين القيمتين المؤسستين لها، وهما الصالح العام من جهة، والفردانية من جهة ثانية، بشكل يبدو فيه ترامب منتصرا للأولى، ليفاجئ النخبة الأوروبية التي غالبا ما لا تفقه البراغمانية الأنغلوساكسونية، وهو ما يفيد بأنقسما من التكنوقراط الأمريكيين ـ الخارجين عن هيمنة النسق ـ انتبهوا لأسلوب ترامب كوصفة لإنقاذ الليبرالية، بعد الوضع الكارثي الذي أفرزته عقود التسليم «بأسطورة نهاية التاريخ» والحلم الامبراطوريالوردي للسلم الأمريكية»!
2 إنقاذ الرأسمالية وإعادة ترتيب أوراق العولمة
«أمريكا أولا»!
ذلك هو الشعار ـ المبدأ، الذي يختزل برنامج ترامب، وهو يقوم في نواته الصلبة،استلهاما من الأب الروحي كارل بوبر،على إعادة بناء الاقتصاد والمجتمع الأمريكيين، في المستوى الأول، في علاقة من التفاعل والتوظيف مع التحوّلات الهيكلية للعولمة، التي يبدو أن الكثيرين من أصحاب القرار في الدوائر العليا للتسيير والتوجيه لا يرونها؟!
أكّد الرئيس المنتخب ترامب، في برنامجه الذي أعلن عن أهم عناوينه في خطاب التنصيب على ما يلي:
ـ الضرورة الملحّة لإعادة تشغيل المصانع المهجورة، وإعادة فروع الشركات الأمريكية للتراب الوطني
ـ تجديد وتطوير البنية التحتية الأمريكية بمد الطرقات وبناء الجسور والموانئ والمطارات
ـ توفير الشغل للمهمشين والمنسيين، ومنح الأمريكيين مدارس وتعليما لائقا...
كل ذلك في إطار «الانكفاء الأمريكي»!
هذا البرنامج الاقتصادي الاجتماعي هو بمثابة الاختبار بالمراهنة على «القومية الاقتصادية» وهي وإن جاءت في ظروف مختلفة، عودة إلى «الجمائية الروزفلتية» وما رافقها من فتح للمشاريع والحضائر الكبرى، وتشغيل الملايين من العاطلين، وتقديم المنح للمعوزين، والرفع من أجور العمال، بهدف التخفيف من حدة أزمة الثلاثينات الاقتصادية، وهي كذلك ذات الإجراءات التي صاغها لاحقا (1936) جون مايتار كاينس، في إطار النظرية الاقتصادية الجديدة، التي أصبحت تعرف بالليبرالية الجديدة أو «الكاينسية».
إنها بشكل ما، الحلول التي تجاهلها عمدا كبار المستفيدين من العولمة في شكلها الحالي من المضاربين ومدراء المؤسسات المالية العملاقة، والمهربين وتجار الأسلحة.
إنّهالاختيار العقلاني، بقطع النظر عن موقفنا من مساوئ الهيمنة الأمريكية وهي عودة للاقتصاد الحقيقي لتثبيت دورة رأس المال حول الإنتاج الفعليّ في المصانع والمزارع والمؤسسات الخدمية الأساسية، من جهة، والانتباه إلى حل الأزمة الراهنة، التي امتدت تقريبا على نفس المدة الزمنية التي امتدت عليها أزمة الثلاثينات (1929ـ1939ـ2008ـ2017) من جهة الاستهلاك لا من جهة الاستثمار كما تتمّ الدعوة إليه حاليا، من جهة ثانية.
أولوية تنشيط الاستهلاك لا أولوية ضمان الشروط الملائمة لعودة الاستثمار، مما يترتب عنه توسيع القدرة الشرائية والسوق، بإعادة الاعتبار للعمل وللطبقة الوسطى، ليزداد الطلب وترتفع نسبة الربح، بما هي المحفّز الهيكلي للاستثمار.
لا شكّ أن وراء خطّة ترامب «نظرية ما» بالرغم مما يقول عن نفسه أنه ليس «إيديولوجيا»، بل هو «رجل عملي»!
وفي هذا الصدد، لدينا ترجيح قوي يسنده مُعطى التكوين الأكاديمي للرئيس ترامب كدارس لعلم الاقتصاد، بأن خلاصة مشروعه هي «إنقاذ رأس المال الصافي والنقي»، رأس المال كما تصوره ماكس فيبر لا كما فكّكه ماركس، رأس المال الذي قامعلى روح العمل والمبادرة المسيحية»، وبالتحديد البروتستانية، رأس مال الإنتاج والتبادل الحر لا رأس مال المضاربة والمراهنة بـ«ثروة الأمم» في الأسواق المالية، وبنوك المعلومات الافتراضية!
الأمر الذي يؤكدهُ هذا الرأي لأحد رجال الدولة العميقة الأمريكية (X) الموالين لترامب بقوله: «إنّ شركات المعلوماتية لا تساهم في شيء من تقوية الدفاع القومي، وهي ليست سوى خدمة للبيع على شبكة الانترنات...
وكذلك غوغل التي تحسّن تنظيم المعطيات، لكن كل ذلك لا يصنع صاروخا جديدا ودقيقا وإن كانت له مساهمة في ذلك فهي عموما هامشية؟».
صحيح أن ترامب يجاهر بعدائه لزمرة المستفيدين من عولمة المضاربة والاقتصاد الافتراض، لكنه يعلم علم اليقين أن وراء هؤلاء شريك صلب ومتنفذ، وهو فريق المركب العسكري الصناعي، الذي استفاد من تنويع أشكالبيع الأسلحة على خريطة «الفوضى الخلاقة»، لذلك نجده كصاحب مهنة لهم، ينبّه إلى التأخر الأمريكي في مجال التكنولوجيات العسكرية المتطورة، بالمقارنة مع روسيا، وهو ينظر في نفس الوقت إلى اقتراب موعد إنتاج الـS600 وإلى عدم استعداء هذا اللاعب الوطني الأساسي.
ليبقى السؤال الشائك الذي يستخدمه خصوم ترامب للتحدي والتعجيز هو: كيف يمكن التوفيق بين الانكفاء الأمريكي والعولمة؟ بين السياسة الحمائية والانفتاح الذي تفترضه الزعامة الأمريكية للمنظومة الاقتصادية العالمية؟
يمكننا أن نُسوّغ في التطرق إلى هذا المستوى من الاستشكال، مقولة «أثر الفراشة»،لا كما استخدمها الشعراء بل باعتبارها قانونا فيزيائيا مستحدثا، والذي يُعبّر عنذلك الكم الضئيل من الحركة الذي من شأنه أن يولّد، بالتراكم تحولا نوعيا في الطبيعة والمناخ، أثر الفراشة الذيتوظفه بالكناية هنا ضمن عبارة «أثر / مفعول ترامب».
وخلاصة العقول إن المناوئين لتولّي ترامب الرئاسة، لا يزالون في أغلبهم، ينظرون إلى العولمة على أنها نظاما هرميا ممركزا حول الولايات المتحدة، وهم بمعنى آخر يعتبرون محافظين ـ على مصالحهم ضمنا ـ في تعاملهم مع «المنظومة» بما هي نظامللأنظمة المتعددة وقائمة على تعدد مراكز الاستقطاب، والتي تقوم إدارتها لا على أساس التحكم والتوجيه المركزي، بقدر ما يجب فهمها والتصرف تجاهها، طبقا لإكراهات التفاعل والتأثير المتبادل.
وهذا حسب رأينا ما تفطّن له ترامب وفريقه، هو الذي صرّح مؤخرا وبالوضوح الكافي أن «العولمة الأحادية قد انتهت وإلى الأبد!».
ومن هنا ندخل في سياق إعادة ترتيب أولويات الفعل في النسخة المرتقبة للعولمة، بما تتطلبه من فارقية وتنسيب، سواء كان ذلك من خلال التلويح، بالتقارب مع روسيا، أو التصريح بالتصادم مع الصين أو مباشركة تفكك الاتحاد الأوروبي... لتتحوّل منزلة الولايات المتحدة ـ حسب ترامب دائما ـ من طرف يتدخل في المجال الجيوسياسي العالمي للدفاع عن مصالح غيره والمحاربة من أجل الدفاع عن حدود الآخرين، إلى نموذج يُحتذى به، من خلال نجاحاته ومظاهر تفوقه الداخلية.
لتعاد بذلك صياغة العلاقات الدولية حسب أولوية مصالح الفرقاء، وليس حول المقولة الفضفاضة والمكلفة لـ«الأمن القومي الأمريكي».

بقلم: نورالدين الخبثاني العنوان الالكتروني: nour2kapp@Gmail.com
دفاعا عن «الشروق»
24 جويلية 2017 السّاعة 21:00
تعرضت جريدة "الشروق" في المدّة الأخيرة لعملية ابتزاز رخيصة من طرف سفير قطر بتونس. وتمثلت تلك العملية الدنيئة...
المزيد >>
الصحافة العربية تواصل تضامنها مع «الشروق»:قطر تسعى لشراء ذمم التونسيين لتلميع صورتها
24 جويلية 2017 السّاعة 21:00
تواصلت امس ردود الفعل المنددة بمحاولة الابتزاز القطرية لصحيفة «الشروق» حيث تناولت عدة صحف تفاصيل القضية...
المزيد >>
هل تتورّط وزارة التعليم العالي في تقويض المنظومة الجامعية ؟
24 جويلية 2017 السّاعة 21:00
مجلس جامعة منوبة الذي يترأسه الاستاذ شكري مبخوت والذي يتألف من كافة مديري المؤسسات الجامعية وعميد الكلية...
المزيد >>
العمل البلدي والتوازن بين الجهات
17 جويلية 2017 السّاعة 21:00
لئن أكد النظام السياسي في تونس بعد الثورة بأن البلديات هي أقرب الهياكل الادارية إلى المواطن وأشدّها التصاقا...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
فاطمة بن عبد الله الكرّاي
في صوْن الجمهورية... جولات
جميل أن تقام للشهيدين محمد البراهمي وشكري بلعيد ساحتين عموميتين باسميهما.. وجميل أن يكون للتونسيين عناوين ومحطات تاريخية، ورغم الآلام التي ترافق حدوثها تحمل في طياتها الموعظة...
المزيد >>