معركـــــة الأزيــــــاء
عبد الحميد ا لرياحي
حروب أمريكا... الزرع والحصاد
حروب أمريكا سواء كانت مباشرة مثل غزو العراق أو بالوكالة كما يحدث في سوريا مع المجموعات الارهابية وأساسا تنظيم داعش الارهابي ليست حروبا عبثية ولا مجانية.. بل هي حروب مخطط لها...
المزيد >>
معركـــــة الأزيــــــاء
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 03 أفريل 2017

لأننا كائنات مغلوبة لكنها غير مولعة بالاقتداء بالغالب كما كتب العلامة الكبير ابن خلدون ولكنها منبهرة بمتابعة سخافات حقنتنا بها وسائل إعلام يُسيطر عليها تافهون، أتخمتنا بالرداءة وبلَّدت أذهاننا، ثقافة مسلسلات ركيكة، وأفلام سمجة، تافهة، رسخت في أذهاننا وظيفة ورتبة و شكل البطل ماذا يَشتغل ؟ ماذا يرتدي ؟ كيف يأكل ؟ كيف يجلس ؟ كيف يرطن اللهجات الأجنبية ؟ لم تُركز قط على أفعاله ولا مواقفه ولا خصاله كالشهامة والشجاعة والكرم والتعفف صورت لدينا، وأقنعتنا، واقتنعنا أن البطل والمرغوب فيه والمرموق من الجميع هودائما الطبيب والمهندس والطيار والقاضي والضابط السامي.
يكون البطل في المسلسلات و الأفلام التي يُؤلفها ويُنتجها ويُخرجها ويُمثلها فصيلة من كتَّاب حسب الطلب وأثرياء التجارة والمضاربات، وورثة الفن في الإخراج والتمثيل، فلا موهبة ولا إبداع ولا ابتكار. يكون البطل في أعمال هؤلاء، إلى جانب مهنته المرموقة، ذاك الفتى الوسيم، الأنيق، رفيع الذوق، لبق الكلام، تتساقط عليه الفتيات الجميلات كالذباب، يُحييه الضابط، ويهرع لخدمته النادل، وتهتم به الراقصة في الأفراح، ويُفرده المُغني بموّال، ويُواسي حضوره أهل الميت في المآتم، ويفسح له المجال شرطي المرور وقد يتجاوز التقدير شخص البطل فيغمر الأصول والفروع ولا غرابة أن تسمع كلاما كأم الطيار وأب الدكتور وابن الضابط وابنة القاضي.
حددت ثقافة البهرج و القشور نمط البطل والناجح في مجتمعاتنا، فأصبح حلم العائلات أن يُصبح ابنها أوابنتها طبيبا، لا ليُعالج الفقراء ويكتشف أدوية، بل ليضع على سيارته علامة الطبيب وتمسح العرق عن جبينه الممرضة وهويقوم بعملية جراحية، أومهندسا، لا ليستنبط أساليب جديدة في البناء، أويُطوِّر قوة محرَّك، وإنما ليكون الوحيد الذي يرتدي خوذة وزيا وحذاء يُميزه عن العملة ويحميه من الحوادث، أوضابطا كبيرا، لا ليمسك المجرمين ويحمي حدود الوطن واقتصاده، وإنما ليُحيِّيه مرؤوسوه ويُرهبهم مروره أمامهم وهومغتبط بنياشينه ، أوطيارا لكي يختال في زيه وتسهر على خدمته المضيفة، يجلب انتباه المسافرين وخاصة المسافرات فيُشيرون إليه بكل إعجاب، أوقاض ليُمسك المطرقة ويُرسل إلى السجن حتى الذي تخاصم معه في مقابلة لكرة القدم.
لذلك فإن التونسي يحرص على تغيير بطاقة تعريفه ليس بعد تغيير مقر إقامته وإنما عند كل ترقية أونيل منصب يعتبره يجلب الاحترام والتقدير وخاصة التبجيل عند قضاء الحوائج حتى وإن كان متأكدا أن هذه الوضعية مؤقتة جدا.
هنالك رهط لا يترك فرصة لإشهار وظيفته ورتبته ، إذا كانت مرموقة، بل لا ينتظر سؤال أحد، فيحشر في حديثه مهما كان الموضوع المتداول طبيعة منصبه وأهمية نفوذه، ويُعدِّد بطولاته ومغامراته، وخاصة حزمه مع مرؤوسيه وخوفهم منه، فيتلذذ ذلك ذووه وينشرح صدر أبيه وتتهلل أسارير أمه، فالمنصب جاه، والجاه أمر ونهي، والأمر والنهي تسلية للآمر وعذاب للمأمور في البلدان المتخلفة، ولعل حكاية ذلك الباي تختزل مفهومنا للسلطة والنفوذ. ذهب الباي يوما إلى إحدى الإدارات فوجد أحدهم يتجول في بهوها فأمر بطرده ولما قالوا له إنه ليس من الموظفين بهذه الإدارة قال لهم : انتدبوه ثم أطردوه. فما قيمة الباي إذا لم يطرد ويسجن ويضرب ويشتم.
لأننا بالسليقة، نهتم بالشكل والمظاهر لنُكمِّل به مضمونا، عادة ما يكون هزيلا فإن الاستماتة في الدفاع عن التسمية أوالزي تكون غريبة، فيُمكن التساهل وغض الطرف عن ظروف العمل أوتأخر صرف الجرايات، إلا الزي فلا يجب أن يُنافس فيه أحد، ففي الزي القيمة والنخوة والتفرد والإبهار ولعل ما حدث بين الطيارين والفنيين أخيرا يقيم الدليل على أن قضية الزي مصيرية، ولا سبيل حتى للاقتراب منه فكيف بمحاكاته ، فقد اندلعت معارك، وتعطلت أسفار، وضاعت المليارات، وتناقلت وسائل الإعلام في الوطن وفي العالم أطوار معركة حامية الوطيس بين طيارين وفنيين حدثتهم أنفسهم بالاقتراب من خط أحمر صورته ثقافة مسلسلاتنا وأفلامنا ألا وهوالزي، ولا شيء غير الزي، رغم أن الطيار سائق والفني مصلح لآلة لم نخترعها نحن، خير أمة أخرجت للناس، فقد اخترعها أهل الذمة ومازالوا سيخترعون ومازلنا سنتخاصم على الألقاب والأزياء، فحذار أن تنشب مستقبلا معارك أخرى أكثر ضراوة في قاعة العمليات بين دكتور ومبنج على لون الميدعة، أوفي حضيرة بناء بين مهندس وتقني سام على شكل الخوذة فستكون العواقب وخيمة و يموت المريض وينهار الجسر.
إن المناصب في البلدان المتقدمة، على قدر ارتفاعها، يكون عناؤها، فمدير مصرف يُمكن أن ينتحر لوأفلست مؤسسته، ومدرس تحت الضغط أوالإغراء، يُسرِّب امتحانا يفقد نكهة الحياة فيضع حدا لها، وقائد السفينة لا معنى لحياته إذا غرقت ولعلنا شاهدنا كيف رفض قائد سفينة "تيتانيك" الهرب وفضل الموت في قمرة قيادة السفينة وهي تهوي في مياه المحيط، وضابط يُحيي قائده قبل انتحاره لأنه احتقر نفسه عندما أحس أنه لا يحمي إلا الأثرياء، وفنانون يُواصلون العزف قبل الموت بدقائق. شاهدت ذلك في أفلامهم وحتى إن لم تكن حقائق إنها ثقافة الأقوياء وبعد مشاهدة أوقراءة عمل من أعمال هذه الأمم المتقدمة يزداد خوفك من المسؤولية لأنها عناء لا يقوى عليه إلا الأشداء، عكس ثقافتنا التي صورت المناصب العليا جاها ورغد عيش تزحف للوصول إليه كائنات بالتملق لا تنشد لا الإصلاح ولا التطوير ولا التضحية أكداس لحم لا تفكر إلا في فنون الاستبداد على مرؤوسيهم والتمتع بالرخاء.

المولدي عواشرية
قطاع المخابز:بين عجز الدولة وانتكاس أصحاب المخابز
25 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
لا احد يشك أن قطاع مادة الخبز له أهمية كبرى في حياة المواطن التونسي وهو راجع بالأساس إلى العادات الغذائية...
المزيد >>
إستراتيجية الربيع العبري
25 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
لعله من الأهداف القريبة التي كانت وراء مرحلة "الربيع العربي" والتي أطلقت عليه شخصيا مصطلح الربيع العبري هي...
المزيد >>
المساواة في الميراث:لـمَ لا يكون نظاما إضافيا إختياريا؟
18 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
أحدث خطاب الرئيس السبسي يوم 13 أوت جدلا واسعا، بلغ صداه أقصى أقطار الأرض، وأثار ردود أفعال مختلفة داخل الوطن...
المزيد >>
في الذكرى الثامنة لوفاته: عالـم تونس النووي بشير التركي له علينا حق البقاء في الذاكرة
18 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
غادرنا رحمه اللّه إلى الرّفيق الأعلى يوم الخميس 13 أوت 2009 بعد مسيرة عطاء حافلة بالنّشاط العلمي وجليل الأعمال...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
معركـــــة الأزيــــــاء
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 03 أفريل 2017

لأننا كائنات مغلوبة لكنها غير مولعة بالاقتداء بالغالب كما كتب العلامة الكبير ابن خلدون ولكنها منبهرة بمتابعة سخافات حقنتنا بها وسائل إعلام يُسيطر عليها تافهون، أتخمتنا بالرداءة وبلَّدت أذهاننا، ثقافة مسلسلات ركيكة، وأفلام سمجة، تافهة، رسخت في أذهاننا وظيفة ورتبة و شكل البطل ماذا يَشتغل ؟ ماذا يرتدي ؟ كيف يأكل ؟ كيف يجلس ؟ كيف يرطن اللهجات الأجنبية ؟ لم تُركز قط على أفعاله ولا مواقفه ولا خصاله كالشهامة والشجاعة والكرم والتعفف صورت لدينا، وأقنعتنا، واقتنعنا أن البطل والمرغوب فيه والمرموق من الجميع هودائما الطبيب والمهندس والطيار والقاضي والضابط السامي.
يكون البطل في المسلسلات و الأفلام التي يُؤلفها ويُنتجها ويُخرجها ويُمثلها فصيلة من كتَّاب حسب الطلب وأثرياء التجارة والمضاربات، وورثة الفن في الإخراج والتمثيل، فلا موهبة ولا إبداع ولا ابتكار. يكون البطل في أعمال هؤلاء، إلى جانب مهنته المرموقة، ذاك الفتى الوسيم، الأنيق، رفيع الذوق، لبق الكلام، تتساقط عليه الفتيات الجميلات كالذباب، يُحييه الضابط، ويهرع لخدمته النادل، وتهتم به الراقصة في الأفراح، ويُفرده المُغني بموّال، ويُواسي حضوره أهل الميت في المآتم، ويفسح له المجال شرطي المرور وقد يتجاوز التقدير شخص البطل فيغمر الأصول والفروع ولا غرابة أن تسمع كلاما كأم الطيار وأب الدكتور وابن الضابط وابنة القاضي.
حددت ثقافة البهرج و القشور نمط البطل والناجح في مجتمعاتنا، فأصبح حلم العائلات أن يُصبح ابنها أوابنتها طبيبا، لا ليُعالج الفقراء ويكتشف أدوية، بل ليضع على سيارته علامة الطبيب وتمسح العرق عن جبينه الممرضة وهويقوم بعملية جراحية، أومهندسا، لا ليستنبط أساليب جديدة في البناء، أويُطوِّر قوة محرَّك، وإنما ليكون الوحيد الذي يرتدي خوذة وزيا وحذاء يُميزه عن العملة ويحميه من الحوادث، أوضابطا كبيرا، لا ليمسك المجرمين ويحمي حدود الوطن واقتصاده، وإنما ليُحيِّيه مرؤوسوه ويُرهبهم مروره أمامهم وهومغتبط بنياشينه ، أوطيارا لكي يختال في زيه وتسهر على خدمته المضيفة، يجلب انتباه المسافرين وخاصة المسافرات فيُشيرون إليه بكل إعجاب، أوقاض ليُمسك المطرقة ويُرسل إلى السجن حتى الذي تخاصم معه في مقابلة لكرة القدم.
لذلك فإن التونسي يحرص على تغيير بطاقة تعريفه ليس بعد تغيير مقر إقامته وإنما عند كل ترقية أونيل منصب يعتبره يجلب الاحترام والتقدير وخاصة التبجيل عند قضاء الحوائج حتى وإن كان متأكدا أن هذه الوضعية مؤقتة جدا.
هنالك رهط لا يترك فرصة لإشهار وظيفته ورتبته ، إذا كانت مرموقة، بل لا ينتظر سؤال أحد، فيحشر في حديثه مهما كان الموضوع المتداول طبيعة منصبه وأهمية نفوذه، ويُعدِّد بطولاته ومغامراته، وخاصة حزمه مع مرؤوسيه وخوفهم منه، فيتلذذ ذلك ذووه وينشرح صدر أبيه وتتهلل أسارير أمه، فالمنصب جاه، والجاه أمر ونهي، والأمر والنهي تسلية للآمر وعذاب للمأمور في البلدان المتخلفة، ولعل حكاية ذلك الباي تختزل مفهومنا للسلطة والنفوذ. ذهب الباي يوما إلى إحدى الإدارات فوجد أحدهم يتجول في بهوها فأمر بطرده ولما قالوا له إنه ليس من الموظفين بهذه الإدارة قال لهم : انتدبوه ثم أطردوه. فما قيمة الباي إذا لم يطرد ويسجن ويضرب ويشتم.
لأننا بالسليقة، نهتم بالشكل والمظاهر لنُكمِّل به مضمونا، عادة ما يكون هزيلا فإن الاستماتة في الدفاع عن التسمية أوالزي تكون غريبة، فيُمكن التساهل وغض الطرف عن ظروف العمل أوتأخر صرف الجرايات، إلا الزي فلا يجب أن يُنافس فيه أحد، ففي الزي القيمة والنخوة والتفرد والإبهار ولعل ما حدث بين الطيارين والفنيين أخيرا يقيم الدليل على أن قضية الزي مصيرية، ولا سبيل حتى للاقتراب منه فكيف بمحاكاته ، فقد اندلعت معارك، وتعطلت أسفار، وضاعت المليارات، وتناقلت وسائل الإعلام في الوطن وفي العالم أطوار معركة حامية الوطيس بين طيارين وفنيين حدثتهم أنفسهم بالاقتراب من خط أحمر صورته ثقافة مسلسلاتنا وأفلامنا ألا وهوالزي، ولا شيء غير الزي، رغم أن الطيار سائق والفني مصلح لآلة لم نخترعها نحن، خير أمة أخرجت للناس، فقد اخترعها أهل الذمة ومازالوا سيخترعون ومازلنا سنتخاصم على الألقاب والأزياء، فحذار أن تنشب مستقبلا معارك أخرى أكثر ضراوة في قاعة العمليات بين دكتور ومبنج على لون الميدعة، أوفي حضيرة بناء بين مهندس وتقني سام على شكل الخوذة فستكون العواقب وخيمة و يموت المريض وينهار الجسر.
إن المناصب في البلدان المتقدمة، على قدر ارتفاعها، يكون عناؤها، فمدير مصرف يُمكن أن ينتحر لوأفلست مؤسسته، ومدرس تحت الضغط أوالإغراء، يُسرِّب امتحانا يفقد نكهة الحياة فيضع حدا لها، وقائد السفينة لا معنى لحياته إذا غرقت ولعلنا شاهدنا كيف رفض قائد سفينة "تيتانيك" الهرب وفضل الموت في قمرة قيادة السفينة وهي تهوي في مياه المحيط، وضابط يُحيي قائده قبل انتحاره لأنه احتقر نفسه عندما أحس أنه لا يحمي إلا الأثرياء، وفنانون يُواصلون العزف قبل الموت بدقائق. شاهدت ذلك في أفلامهم وحتى إن لم تكن حقائق إنها ثقافة الأقوياء وبعد مشاهدة أوقراءة عمل من أعمال هذه الأمم المتقدمة يزداد خوفك من المسؤولية لأنها عناء لا يقوى عليه إلا الأشداء، عكس ثقافتنا التي صورت المناصب العليا جاها ورغد عيش تزحف للوصول إليه كائنات بالتملق لا تنشد لا الإصلاح ولا التطوير ولا التضحية أكداس لحم لا تفكر إلا في فنون الاستبداد على مرؤوسيهم والتمتع بالرخاء.

المولدي عواشرية
قطاع المخابز:بين عجز الدولة وانتكاس أصحاب المخابز
25 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
لا احد يشك أن قطاع مادة الخبز له أهمية كبرى في حياة المواطن التونسي وهو راجع بالأساس إلى العادات الغذائية...
المزيد >>
إستراتيجية الربيع العبري
25 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
لعله من الأهداف القريبة التي كانت وراء مرحلة "الربيع العربي" والتي أطلقت عليه شخصيا مصطلح الربيع العبري هي...
المزيد >>
المساواة في الميراث:لـمَ لا يكون نظاما إضافيا إختياريا؟
18 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
أحدث خطاب الرئيس السبسي يوم 13 أوت جدلا واسعا، بلغ صداه أقصى أقطار الأرض، وأثار ردود أفعال مختلفة داخل الوطن...
المزيد >>
في الذكرى الثامنة لوفاته: عالـم تونس النووي بشير التركي له علينا حق البقاء في الذاكرة
18 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
غادرنا رحمه اللّه إلى الرّفيق الأعلى يوم الخميس 13 أوت 2009 بعد مسيرة عطاء حافلة بالنّشاط العلمي وجليل الأعمال...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
عبد الحميد ا لرياحي
حروب أمريكا... الزرع والحصاد
حروب أمريكا سواء كانت مباشرة مثل غزو العراق أو بالوكالة كما يحدث في سوريا مع المجموعات الارهابية وأساسا تنظيم داعش الارهابي ليست حروبا عبثية ولا مجانية.. بل هي حروب مخطط لها...
المزيد >>