شريان الإبداع في ايران (1ـ2)
خالد الحدّاد
المنظومة التربوية وسياسات التلفيق
أقرّت وزارة التربية مؤخرا بالاتفاق مع الطرف النقابي تعديلات تهمّ الاختبارات التأليفيّة في المدارس الإعدادية والمعاهد الثانوية، بشكل ستطول معه مدّة هذه الفترة الدراسية الاولى...
المزيد >>
شريان الإبداع في ايران (1ـ2)
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 10 أفريل 2017


أن نقف عنده لأنه يجسّد بحق الارتباط الفعلي بين الفن والحياة. بلاد كان الفن فيها دائما جوابا عن التحولات الاجتماعية والحروب والموت . هذه البلاد التي تمتد حضارتها إلى آلاف السنين والتي تطورت فيها الفنون منذ فترة ما قبل ظهور الإسلام( الفن المعماري ، وفنون الخط، والمنمنمات ....) فلقد كانت فيها هذه الفنون متقدمة زاهرة ولازالت كذلك إلى يومنا هذا. هذه البلاد هي الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي تقدم لنا تجربة جمالية رائعة ومتفردة .ففي سنة 1979تم القضاء على نظام الشاه محمد رضا بهلوي الذي حكم البلاد مند سنة 1941والذي لقب نفسه بشاه شاه ملك الملوك على غرار ملوك فارس القديمة .وقد دعمت الولايات المتحدة الأمريكية هذا النظام الذي كان يحكم عن طريق "السافاك" وهو البوليس السياسي الذي كان يقمع كل نفس معارض دون أدنى رحمة أو شفقة .
وتأسست بعد ذلك الجمهورية الإسلامية الإيرانية جمهورية وطنية مناهضة للامبريالية وتعتمد في تشريعها على مبادئ الشريعة الإسلامية.
وقد حاول صدام حسين أن يستغل الوضع السياسي المتردّي للبلاد بعد الثورة ليحتل الأراضي الغنيّة بالنفط لكن هذه الحرب ساهمت في تقوية النظام السياسي الجديد والتفاف الشعب الإيراني حوله للذّود عن حرمة الوطن .وقد تواصلت الحرب الإيرانية-العراقية من سنة 1980 إلى سنة 1988 وسقطت فيها حوالي مليون روح بشرية من الجهتين .
ومع ذلك ازدهر الفن خلال الحرب الإيرانية-العراقية فقد قام الفنانون برسم العديد من الرسوم الحائطية والملصقات التي تروي الملاحم والقصص الدينية والسياسية في الفضاء العام –كان الفضاء العام حافلا بهذه اللوحات -.
لإيران إذن تاريخ فني ضارب في القدم في مجال الموسيقى والشعر والرسم والفلسفة.
وكل الإيرانيين تقريبا الذين صادفتني الفرصة للحوار معهم يجمعون على أن الثقافة هي وحدها التي سمحت لحضارتهم بالعيش رغم كل الاضطرابات والتحولات التي عرفتها بلاد فارس خلال آلاف السنين التي مضت.
سأحدثكم عن مرحلة ما بعد الثورة هذه المرحلة التي رافقت الحرب وسأركز على السينما الإيرانية مع الإشارة إلى بعض التجارب الفنية الأخرى .وسأبين كيف أن الفنانين الإيرانيين هم في مواجهة يومية لمسألة الفن والحياة بما أنهم يعيشون في كل لحظة مسألة الرقابة الذاتية التي هي أعسر من الرقابة نفسها .
لما وصلت السينما إلى إيران في بداية القرن العشرين لم يكن عمرها سوى خمس سنوات .و أول مخرج إيراني هو ميرزا إبراهيم خان . وقد لقيت السينما الإيرانية نجاحا كبيرا بعد الثورة على مستوى المنتديات الدولية لطابعها المتميز وطبيعة القضايا التي تعالجها باعتبارها تعبر عن ثقافة فارسية أصيلة ومتفردة . وقد برز العديد من المخرجين الإيرانيين على الساحة الدولية كعباس كيا رستمي وجعفر ﭙناهى وكانت الأفلام الإيرانية حاضرة دائما في المهرجانات الدولية العريقة كمهرجان كان ولامسترا في البندقية ومهرجان برلين للسينما مما جعلها تخطف أنظار العالم وتشدّ ملايين المشاهدين إليها .
لقد عرفت السينما الإيرانية نجاحا باهرا واعترافا دوليا متواصلا بتميزها وذلك منذ بداية سنة 1980أي منذ الثورة الإسلامية ، فكيف يمكن أن نفسّر نجاح أعمال سينمائية تعمل تحت رقابة شديدة ؟وكيف يمكن أن نفهم أن الأفلام التي يقع إنتاجها في جمهورية إسلامية تفوز بجوائز عالمية وتتميّز وتتألّق رغم كل القيود المفروضة عليها ؟
لا يمكن لأحد في العالم أن ينكر أن السينما الإيرانية هي منافس بلا منازع وحاضرة في كل المهرجانات والمسابقات الدولية وأنها تحظى دوما بالجوائز والتتويجات. ولكن هذا الحضور لا يقتصر فقط على الساحة العالمية بل إن السينما في إيران تحظى بمكانة مرموقة في المجتمع ، في القاعات ،في الصحافة وحتى في الحياة السياسية : إنها هواية الشعب ومنتجة للصور وللمعاني.
في بداية الثورة الإيرانية وأثناء التحرّكات الشّعبية لم يقع تدمير قاعات السينما التي كانت تعد تقريبا 220 قاعة رغم أن نصفها تقريبا قد عطّل عن العمل لما شهدته هذه الفترة من حراك وحالة عدم استقرار.
ومن المفارقات التي لا يفهمها العديد من الملاحظين خاصة الأجانب منهم أن آيت الله الخميني عند عودته إلى إيران في فيفري 1979 شجّع السينما ودعّمها لكنه اشترط تطهيرها من الرذائل وإنتاجها وفق المعايير الإسلامية .
من هنا نفهم أنه إذا كان النظام السياسي الجديد يطمح إلى سينما عصريّة جديدة فلا بد إذن من تطويرها لأن السينما السّائدة قبل الثورة والتي كانت تعمل وفق نهج الفيلم الفارسي كانت مقتصرة على بعض المشاهد من الرقص والغناء والمشاجرات أو بالأحرى هي ميلودراما محمّلة بالمواعظ وهي لا تختلف بذلك عن السينما التركية والهندية والمصرية.وقد وقع تجاوز هذا النمط من السينما كما منعت كل الأفلام الغربية من العرض .
لذلك فان كانت الدولة تريد المحافظة على الإنتاج السينمائي لا بد من دعم وتشجيع هياكله وتوفير الاعتمادات المالية اللاّزمة .و من هذا المنطلق يتّضح بأن السينما في إيران أصبحت تخضع لمعايير جمالية جديدة وخاصة إلى تحديات مغايرة سواء كان ذلك داخل البلاد أو خارجها وهذه المقاييس متناغمة مع السّياسة الثقافية الجديدة التي انتهجتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية .
إن الإبقاء على السّينما وتدعيمها في الجمهورية الإسلامية الإيرانية تعدّ مسألة أساسيّة بعد الثّورة في الثمانينيات بعد أن أغلقت الحانات والملاهي الليلية ومنعت الحفلات الموسيقية في تلك الفترة . وقد كان أيسر بالنسبة الى النظام السياسي مراقبة السينما من مراقبة مظاهر التسلية الأخرى.
لقد ازدهرت إذن السينما الإيرانية ما بعد الثورة في فترة الحرب مع العراق وفي ظل سياق إبداعي عليه قيود كثيرة حتى وصلت في سنة 1990الى انتاج سبعين فيلما طويلا في السنة والآن الى مائتي فيلم بين كل من القطاعين العام والخاص بتدعيم واعتمادات من الدولة للقطاعين.
وقد رسم محسن مخملباف خطّا جديدا للتعبير السينمائي متماشيا ومتناغما مع سياسة الجمهورية الإسلامية. ووقع التركيز فيه بالأساس على احترام العادات الإسلامية والعدالة الاجتماعية .أما رخشان بنى اعتماد فهو يقدّم لنا في أفلامه مشاهد من اختلال الممارسات الاجتماعية ويتحدث عن المحظورات والممنوعات التي تشغل المجتمع عن طريق أفلام شعبية تتأرجح بين الكوميديا والدراما مثل "الكانري الأصفر" 1989 أما عن عباس كيا رستمى فعن طريق فيلم "أين بيت صديقي ؟ "سنة1987وأمير نادرى بفيلم "المتسابق" 1985 فازا باعتراف دولي في لحظة تاريخية كانت فيها أغلب وسائل الإعلام في العالم تشيطن الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتتجنى على كل ما تنتجه هذه البلاد.فكانت السينما إذن هي التي سمحت للعالم آنذاك بأن يكتشف بلدا غنيا بالفنون وبالصور الإيكوغرافية ذات حركية فنية كبرى وكذلك حوارات حول رهانات الصورة.
فعن طريق فيلم "اغلق" لعباس كيارستمى و"تاكسي طهران" لجعفر ﭘانهى أكد هذان المخرجان على العلاقة بين الفيلم الوثائقي والفيلم الخيالي وكأن العلاقة بين الحقيقي والخاطئ متقلبة ومتغيرة وتاريخية.ففي ظل نظام إسلامي يرى البعض أنه يحتكر الحقيقة بشكل ما تنتج السينما رسالة سياسية لزعزعة هذه القيود وهذه الممنوعات .وهذه الطريقة أطلق عليها المشتغلون بالسينما الإيرانية اللمسة الإيرانية iranian touch أي الطابع الخاص المتفرد والمتميز للسينما الإيرانية . انه يعكس حيوية الإبداع ويفسر النجاح الباهر للسينما الإيرانية بعد الثورة .و هذه الحيوية تتجدد في كل لحظة وترافق التطورات السياسية التي تحصل في البلاد .
كما نسجل أن للتداول على الحكم وتسلم السلطة من قبل الإصلاحيين في سنة 1997على يد محمد خاتمي الذي كان وزيرا للثقافة والإرشاد الإسلامي ما بين 1992- 1982 قد صادف نفس الفترة تقريبا إسناد السعف الذهبي لمهرجان كان الدولي لعباس كيا رستمي عن فيلمه "طعم الكرز1997" وحصد المخرجون الإيرانيون العديد من الجوائز الدولية بعد هذه الجائزة العالية فلقد حصل جعفر ﭙانهى في البندقية على جائزة الأسد الذهبي عن فيلم "الدائرة "سنة2000 وكذلك اقتسم كل من حسن يكتاﭙناه وبهمن قدبى بالتساوي جائزة الكاميرا الذهبية لمهرجان كان سنة 2000
أما مرجانه ستراﭘى فان أعمالها تدل على قدرة الصورة على رسم تجربة ذاتية تطرح مسالة الهوية والسياسة وهذا ما يفسر نجاح ورواج برسبوليس أو ذكريات مرجانه ستراﭙى 2000فأعمالها رغم أنها لم تكن تعكس رأي أغلبية الشعب بعد الثورة الاأنها تعبر عن وجهة نظر فئة من الإيرانيين وهي الفئة التي فقدت امتيازاتها بعد الثورة. وكعمل فني يبقى شديد الدقة في تصوير ما يمكن أن تفعله الأحداث التاريخية والتغيرات السياسية على الواقع المعيش والتناقضات الصادرة عما يحصل من تضارب بين الحياة الخاصة والحياة العامة في بلد ما .لقد صورت مرجانه ستراﭙى على طريقتها مناخ الريبة وعدم الاستقرار الذي ساد في فترة الحرب والذي تزامن مع تأسيس نظام سياسي جديد قائم على مفاهيم جديدة وقوانين صارمة.

حــذام محجـوب كاتب عام جمعية الأخوة والصداقة التونسية –الإيرانية
مع خواتيم الربيع العبري للأمريكان تأتي محاولة انفصال كردستان (2)
13 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
وبالفعل مباشرة بعد عجز الإدارة الأمريكية، وفشلها الذريع في توظيف فيالق جيوشها الجرارة من الدواعش، كانت...
المزيد >>
ملف قديم جديد:6 نقاط في قضية الدروس الخصوصية
13 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
أصبحت الدروس الخصوصية ظاهرة عامة تفشت في كل أنواع التعليم العام وأصبحت مصيبة كبرى على رأس كل أب... وكل أم.. وكل...
المزيد >>
ذكرى معركة «برقو»
13 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
في يوم 14 نوفمبر 2017 نحيي الذكرى الـ63 لمعركة برقو الكبرى.
المزيد >>
الفساد في تونس بين الديمقراطية المغلوطة والفوضى الهدّامة
13 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
لتفسير حالة الفساد الشامل الذي يسود البلاد اليوم يتحدث البعض عن الديمقراطية ويقدم آخرون عبارة ''الفوضى...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
شريان الإبداع في ايران (1ـ2)
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 10 أفريل 2017


أن نقف عنده لأنه يجسّد بحق الارتباط الفعلي بين الفن والحياة. بلاد كان الفن فيها دائما جوابا عن التحولات الاجتماعية والحروب والموت . هذه البلاد التي تمتد حضارتها إلى آلاف السنين والتي تطورت فيها الفنون منذ فترة ما قبل ظهور الإسلام( الفن المعماري ، وفنون الخط، والمنمنمات ....) فلقد كانت فيها هذه الفنون متقدمة زاهرة ولازالت كذلك إلى يومنا هذا. هذه البلاد هي الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي تقدم لنا تجربة جمالية رائعة ومتفردة .ففي سنة 1979تم القضاء على نظام الشاه محمد رضا بهلوي الذي حكم البلاد مند سنة 1941والذي لقب نفسه بشاه شاه ملك الملوك على غرار ملوك فارس القديمة .وقد دعمت الولايات المتحدة الأمريكية هذا النظام الذي كان يحكم عن طريق "السافاك" وهو البوليس السياسي الذي كان يقمع كل نفس معارض دون أدنى رحمة أو شفقة .
وتأسست بعد ذلك الجمهورية الإسلامية الإيرانية جمهورية وطنية مناهضة للامبريالية وتعتمد في تشريعها على مبادئ الشريعة الإسلامية.
وقد حاول صدام حسين أن يستغل الوضع السياسي المتردّي للبلاد بعد الثورة ليحتل الأراضي الغنيّة بالنفط لكن هذه الحرب ساهمت في تقوية النظام السياسي الجديد والتفاف الشعب الإيراني حوله للذّود عن حرمة الوطن .وقد تواصلت الحرب الإيرانية-العراقية من سنة 1980 إلى سنة 1988 وسقطت فيها حوالي مليون روح بشرية من الجهتين .
ومع ذلك ازدهر الفن خلال الحرب الإيرانية-العراقية فقد قام الفنانون برسم العديد من الرسوم الحائطية والملصقات التي تروي الملاحم والقصص الدينية والسياسية في الفضاء العام –كان الفضاء العام حافلا بهذه اللوحات -.
لإيران إذن تاريخ فني ضارب في القدم في مجال الموسيقى والشعر والرسم والفلسفة.
وكل الإيرانيين تقريبا الذين صادفتني الفرصة للحوار معهم يجمعون على أن الثقافة هي وحدها التي سمحت لحضارتهم بالعيش رغم كل الاضطرابات والتحولات التي عرفتها بلاد فارس خلال آلاف السنين التي مضت.
سأحدثكم عن مرحلة ما بعد الثورة هذه المرحلة التي رافقت الحرب وسأركز على السينما الإيرانية مع الإشارة إلى بعض التجارب الفنية الأخرى .وسأبين كيف أن الفنانين الإيرانيين هم في مواجهة يومية لمسألة الفن والحياة بما أنهم يعيشون في كل لحظة مسألة الرقابة الذاتية التي هي أعسر من الرقابة نفسها .
لما وصلت السينما إلى إيران في بداية القرن العشرين لم يكن عمرها سوى خمس سنوات .و أول مخرج إيراني هو ميرزا إبراهيم خان . وقد لقيت السينما الإيرانية نجاحا كبيرا بعد الثورة على مستوى المنتديات الدولية لطابعها المتميز وطبيعة القضايا التي تعالجها باعتبارها تعبر عن ثقافة فارسية أصيلة ومتفردة . وقد برز العديد من المخرجين الإيرانيين على الساحة الدولية كعباس كيا رستمي وجعفر ﭙناهى وكانت الأفلام الإيرانية حاضرة دائما في المهرجانات الدولية العريقة كمهرجان كان ولامسترا في البندقية ومهرجان برلين للسينما مما جعلها تخطف أنظار العالم وتشدّ ملايين المشاهدين إليها .
لقد عرفت السينما الإيرانية نجاحا باهرا واعترافا دوليا متواصلا بتميزها وذلك منذ بداية سنة 1980أي منذ الثورة الإسلامية ، فكيف يمكن أن نفسّر نجاح أعمال سينمائية تعمل تحت رقابة شديدة ؟وكيف يمكن أن نفهم أن الأفلام التي يقع إنتاجها في جمهورية إسلامية تفوز بجوائز عالمية وتتميّز وتتألّق رغم كل القيود المفروضة عليها ؟
لا يمكن لأحد في العالم أن ينكر أن السينما الإيرانية هي منافس بلا منازع وحاضرة في كل المهرجانات والمسابقات الدولية وأنها تحظى دوما بالجوائز والتتويجات. ولكن هذا الحضور لا يقتصر فقط على الساحة العالمية بل إن السينما في إيران تحظى بمكانة مرموقة في المجتمع ، في القاعات ،في الصحافة وحتى في الحياة السياسية : إنها هواية الشعب ومنتجة للصور وللمعاني.
في بداية الثورة الإيرانية وأثناء التحرّكات الشّعبية لم يقع تدمير قاعات السينما التي كانت تعد تقريبا 220 قاعة رغم أن نصفها تقريبا قد عطّل عن العمل لما شهدته هذه الفترة من حراك وحالة عدم استقرار.
ومن المفارقات التي لا يفهمها العديد من الملاحظين خاصة الأجانب منهم أن آيت الله الخميني عند عودته إلى إيران في فيفري 1979 شجّع السينما ودعّمها لكنه اشترط تطهيرها من الرذائل وإنتاجها وفق المعايير الإسلامية .
من هنا نفهم أنه إذا كان النظام السياسي الجديد يطمح إلى سينما عصريّة جديدة فلا بد إذن من تطويرها لأن السينما السّائدة قبل الثورة والتي كانت تعمل وفق نهج الفيلم الفارسي كانت مقتصرة على بعض المشاهد من الرقص والغناء والمشاجرات أو بالأحرى هي ميلودراما محمّلة بالمواعظ وهي لا تختلف بذلك عن السينما التركية والهندية والمصرية.وقد وقع تجاوز هذا النمط من السينما كما منعت كل الأفلام الغربية من العرض .
لذلك فان كانت الدولة تريد المحافظة على الإنتاج السينمائي لا بد من دعم وتشجيع هياكله وتوفير الاعتمادات المالية اللاّزمة .و من هذا المنطلق يتّضح بأن السينما في إيران أصبحت تخضع لمعايير جمالية جديدة وخاصة إلى تحديات مغايرة سواء كان ذلك داخل البلاد أو خارجها وهذه المقاييس متناغمة مع السّياسة الثقافية الجديدة التي انتهجتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية .
إن الإبقاء على السّينما وتدعيمها في الجمهورية الإسلامية الإيرانية تعدّ مسألة أساسيّة بعد الثّورة في الثمانينيات بعد أن أغلقت الحانات والملاهي الليلية ومنعت الحفلات الموسيقية في تلك الفترة . وقد كان أيسر بالنسبة الى النظام السياسي مراقبة السينما من مراقبة مظاهر التسلية الأخرى.
لقد ازدهرت إذن السينما الإيرانية ما بعد الثورة في فترة الحرب مع العراق وفي ظل سياق إبداعي عليه قيود كثيرة حتى وصلت في سنة 1990الى انتاج سبعين فيلما طويلا في السنة والآن الى مائتي فيلم بين كل من القطاعين العام والخاص بتدعيم واعتمادات من الدولة للقطاعين.
وقد رسم محسن مخملباف خطّا جديدا للتعبير السينمائي متماشيا ومتناغما مع سياسة الجمهورية الإسلامية. ووقع التركيز فيه بالأساس على احترام العادات الإسلامية والعدالة الاجتماعية .أما رخشان بنى اعتماد فهو يقدّم لنا في أفلامه مشاهد من اختلال الممارسات الاجتماعية ويتحدث عن المحظورات والممنوعات التي تشغل المجتمع عن طريق أفلام شعبية تتأرجح بين الكوميديا والدراما مثل "الكانري الأصفر" 1989 أما عن عباس كيا رستمى فعن طريق فيلم "أين بيت صديقي ؟ "سنة1987وأمير نادرى بفيلم "المتسابق" 1985 فازا باعتراف دولي في لحظة تاريخية كانت فيها أغلب وسائل الإعلام في العالم تشيطن الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتتجنى على كل ما تنتجه هذه البلاد.فكانت السينما إذن هي التي سمحت للعالم آنذاك بأن يكتشف بلدا غنيا بالفنون وبالصور الإيكوغرافية ذات حركية فنية كبرى وكذلك حوارات حول رهانات الصورة.
فعن طريق فيلم "اغلق" لعباس كيارستمى و"تاكسي طهران" لجعفر ﭘانهى أكد هذان المخرجان على العلاقة بين الفيلم الوثائقي والفيلم الخيالي وكأن العلاقة بين الحقيقي والخاطئ متقلبة ومتغيرة وتاريخية.ففي ظل نظام إسلامي يرى البعض أنه يحتكر الحقيقة بشكل ما تنتج السينما رسالة سياسية لزعزعة هذه القيود وهذه الممنوعات .وهذه الطريقة أطلق عليها المشتغلون بالسينما الإيرانية اللمسة الإيرانية iranian touch أي الطابع الخاص المتفرد والمتميز للسينما الإيرانية . انه يعكس حيوية الإبداع ويفسر النجاح الباهر للسينما الإيرانية بعد الثورة .و هذه الحيوية تتجدد في كل لحظة وترافق التطورات السياسية التي تحصل في البلاد .
كما نسجل أن للتداول على الحكم وتسلم السلطة من قبل الإصلاحيين في سنة 1997على يد محمد خاتمي الذي كان وزيرا للثقافة والإرشاد الإسلامي ما بين 1992- 1982 قد صادف نفس الفترة تقريبا إسناد السعف الذهبي لمهرجان كان الدولي لعباس كيا رستمي عن فيلمه "طعم الكرز1997" وحصد المخرجون الإيرانيون العديد من الجوائز الدولية بعد هذه الجائزة العالية فلقد حصل جعفر ﭙانهى في البندقية على جائزة الأسد الذهبي عن فيلم "الدائرة "سنة2000 وكذلك اقتسم كل من حسن يكتاﭙناه وبهمن قدبى بالتساوي جائزة الكاميرا الذهبية لمهرجان كان سنة 2000
أما مرجانه ستراﭘى فان أعمالها تدل على قدرة الصورة على رسم تجربة ذاتية تطرح مسالة الهوية والسياسة وهذا ما يفسر نجاح ورواج برسبوليس أو ذكريات مرجانه ستراﭙى 2000فأعمالها رغم أنها لم تكن تعكس رأي أغلبية الشعب بعد الثورة الاأنها تعبر عن وجهة نظر فئة من الإيرانيين وهي الفئة التي فقدت امتيازاتها بعد الثورة. وكعمل فني يبقى شديد الدقة في تصوير ما يمكن أن تفعله الأحداث التاريخية والتغيرات السياسية على الواقع المعيش والتناقضات الصادرة عما يحصل من تضارب بين الحياة الخاصة والحياة العامة في بلد ما .لقد صورت مرجانه ستراﭙى على طريقتها مناخ الريبة وعدم الاستقرار الذي ساد في فترة الحرب والذي تزامن مع تأسيس نظام سياسي جديد قائم على مفاهيم جديدة وقوانين صارمة.

حــذام محجـوب كاتب عام جمعية الأخوة والصداقة التونسية –الإيرانية
مع خواتيم الربيع العبري للأمريكان تأتي محاولة انفصال كردستان (2)
13 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
وبالفعل مباشرة بعد عجز الإدارة الأمريكية، وفشلها الذريع في توظيف فيالق جيوشها الجرارة من الدواعش، كانت...
المزيد >>
ملف قديم جديد:6 نقاط في قضية الدروس الخصوصية
13 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
أصبحت الدروس الخصوصية ظاهرة عامة تفشت في كل أنواع التعليم العام وأصبحت مصيبة كبرى على رأس كل أب... وكل أم.. وكل...
المزيد >>
ذكرى معركة «برقو»
13 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
في يوم 14 نوفمبر 2017 نحيي الذكرى الـ63 لمعركة برقو الكبرى.
المزيد >>
الفساد في تونس بين الديمقراطية المغلوطة والفوضى الهدّامة
13 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
لتفسير حالة الفساد الشامل الذي يسود البلاد اليوم يتحدث البعض عن الديمقراطية ويقدم آخرون عبارة ''الفوضى...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
خالد الحدّاد
المنظومة التربوية وسياسات التلفيق
أقرّت وزارة التربية مؤخرا بالاتفاق مع الطرف النقابي تعديلات تهمّ الاختبارات التأليفيّة في المدارس الإعدادية والمعاهد الثانوية، بشكل ستطول معه مدّة هذه الفترة الدراسية الاولى...
المزيد >>