الأسطرلاب :«اللّيــــــــــــدي» رَجَـــــــــــــاءْ ...
سفيان الأسود
الغاضبون... في الولايات
تبدو الحكومة مصرة على إيجاد حلول للغضب الذي يهز ولايات ومناطق وجهات داخل الجمهورية لكنها لم تنجح الى الان في تقديم حلول ومعالجات يمكن ان تخمد نار الغضب في ولايات يزداد فتيل النار...
المزيد >>
الأسطرلاب :«اللّيــــــــــــدي» رَجَـــــــــــــاءْ ...
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 11 أفريل 2017

(1)
ليست السّيدة رجاء بن عمّار مجرّد ممثلة مسرحية عابرة رحلتْ دلالةُ وُجُودِها المسرحي برحيلها الجسدي, بل أنّه برحيلها ذاك رحلت مسيرةٌ كبرى طولها ما يفوق قرنا من الزّمان في نضال المرأة التونسية الوجودي من خلال الفن المسرحي . أقول الوجودي وأنا أذكر السّير المحرّمة جميعها لظهور المرأة العربية على الخشبة وفي علاقة مواجهتها المباشرة مع كل ما يمكن أن يلغيها, أي يلغي هذه المرأة, لا من على مساحة الخشبة فحسب بل من وجودها الأصلي كفاعل أساسي في المجتمع الذّكوري القامع والمتاجر حتى بفحولته الموهومة في بازارات المسرح نفسه... إن رحيل الفنانة المسرحية رجاء بن عمار خسارة كبرى لا محالة للمسرح التونسي وللعائلة المسرحية التونسية كلها وخاصة العائلة النّسوية المسرحية كلها... رجاء بن عمار رحلت ليرحل معها ذاك الوهج النضالي الكبير الذي دشنته المرأة التونسية من خلال المسرح من أجل مكانة جديدة في المجتمع الحداثي الجديد من خلال الفن . إنها العنوان الأصلي والفريد للمرأة المسرحية التونسية التي قادها الوعي مبكرا لأن تكون المهنة المسرحية مهنة حقيقية , وهي أيضا عنوان للمرأة المسرحية المتعلمة والمثقفة و المحمولة بوعي سياسي لكي يكون المسرح ساحة من ساحات معاركها لا للدفاع عن المرأة , فهذا أمر بديهي, بل للدّفاع عن المعاني الجديدة لمجتمع تبنى لبناته شيئا فشيئا على وهج حداثة مشتهاة وضرورية في آن. رجاء بن عمار سخّرت كل طاقتها للدفاع عن الفرد التونسي الجديد في حلمه بالكرامة والحرية وصورته بتعبيرية عالية في تعثره وانكساراته وأخطائه ومفارقته , وهوما أمر ما كان لامرأة في العالم العربي مثل رجاء بن عمار أن تأديه وتنجزه تمثيلا وكتابة وإخراجا وتكوينا وتنظيما ونضالا حقيقيا في محطات كبرى من تاريخها ومن تاريخ مسيرة الحداثة المسرحية التونسية .
(2)
ولكأن هذه الفنانة المسرحية التونسية وهي تغادرنا تضع حدا تاريخيا – أوهي تُذكرنا - بالمسيرة الطويلة لعلاقة المرأة التونسية بالمسرح التونسي المنطلق منذ بدايات القرن الماضي عندما يضطر المسرحيون الذكور لتقمص الأدوار النسائية, ثم الالتجاء إلى بائعات الهوى لإقحامهم في الأدوار النسائية , ثم مرحلة استئناس المرأة التونسية شيئا فشيئا بالخشبة من خلال الاعتماد على المطربات والمغنيات الأوائل في العشرية الأولى من القرن الماضي من أمثال زبيدة الدّزيرية وبيّة « الحُولة « وعيشة « الصغيرة « ونسرين فراز و شقيقتها رشيدة لطف و حسنية أمير وصولا إلى ظهور النجمة الفريدة حبيبة مسيكة في نهاية العشرية الثانية بداية العشرية الثالثة ومن بعدها كوكبة من الممثلات التونسيات من أمثال فضيلة خيتمي وشافية رشدي ووسيلة صبري وعزيزة نعيم وصولا إلى نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات عندما ساهمت الفنانة المسرحية التونسية الزهرة فايزة في الدفاع عن المسرح التونسي من خلال لجنة الدفاع عن المسرح التونسي وتجربتها في الفرقة البلدية مع دليلة رشدي وفتحية خيري ومنى نور الدين ودون أن ننسى كوكبة الممثلات المسرحيات في تجربة الفرقة البلدية من أمثال نرجس عطية و وفاء سالم وسامية مزالي ورشيدة دبش وغيرها , ولا يكتمل هذا التاريخ إلا بظهور هذا الجيل الجديد من الممثلات المسرحيات التونسيات الذي تنتمي إليه رجاء بن عمار القادمات من الحلقات المترابطة للمسرح التونسي في بداية دولة الاستقلال ونقصد بذلك المسرح المدرس والمسرح الجامعي مرورا بالفرق الجهوية كفرقة الكاف وفرقة قفصة ثم مغامرة الفرق الخاصة.
(3)
المتأمل في هذه المسيرة الطويلة والشاقة للمرأة المسرحية التونسية بدءا بالنساء الأوائل ووصولا إلى الراحلة رجاء بن عمار سيدرك أن هذه المسيرة غير منقطعة عن مسيرة بناء المجتمع التونسي نفسه وضمن تمفصلاته التاريخية الكبرى إذا ما أدركنا سلفا دور الفن المسرحي ومساهمته الفعالة في هذه التحولات . وأعتقد جازما أن رجاء بن عمار الفنانة المسرحية الشاهقة هي اختزال وتتويج لهذه المسارات كلها في تحولها وبشكل مذهل منذ المسرح المدرسي والجامعي والفرق القارة والمسرح الخاص إلى أيقونة لهذا النموذج الحداثي الجديد للمرأة المسرحية التونسية التي يقاس عليها وبها الموقع الحقيقي لدور المرأة في المسرح التونسي ... إن رجاء بن عمار هي سليلة كل هذه التجربة وكل هذا الوعي التحريري للمرأة التونسية من خلال ممارسة الفن المسرحي والناظر في مسيرتها سيقف على حجم المغامرة الكبرى لهذه الفنانة الفريدة التي قدمت من مدرسة ترشيح المعلمين للهواية المسرحية التي أوصلتها لخوض غمار تجربة الفرقة الجهوية بالكاف مع منصف السويسي في نهاية الستينات لتتقمص دور الليدي ماكبث في مسرحية « ماكبث « الشكسبيرية ,ومنها كان الإنطلاق في مغامرة أوسع وأكثر قدرة على التأسيس مع جيل هوجيل تأسيس الحداثة المسرحية بلا منازع في سبعينات القرن الماضي ونقصد بذلك توفيق الجبالي وفاضل الجزيري وفاضل الجعايبي ورفيق دربها المنصف الصايم ومحمد إدريس وجليلة بكار والحبيب المسروقي فكانت مساهمتها في مسرحية « التحقيق « كممثلة مذهلة إلى جانب جليلة بكار والفاضل الجزيري , ثم تجربتها الفريدة مع مسرحية « تمثيل كلام « مع توفيق الجبالي وبعد ذلك تأسيسها في بداية ثمانينات القرن الماضي لفرقتها الخاصة « مسرح فو» صحبة منصف الصايم وفي هذا الإطار أنجزت أعمالا مسرحية كبرى رصّعت سماء الحداثة المسرحية كـ «أمل « و» بستان جمالك « و» ساكن في حي السيدة « و» بياع الهوى « و « فاوست « و» وراء السكة « و» هوى وطني « , ودون ذلك صراع وتأسيس وتكوين و غضب واحتجاج وأرق وعرق وكفاح واستماتة ومواقف وشك ويأس وأمل وجنون وبهاء وذكاء وزهد وتقشف.
(4)
رجاء بن عمار نموذج قد يصعب تكراره في تاريخ المسرح التونسي وتحديدا ما أسميه بـ « المسرح التونسي العليم « ... تكوينها المسرحي في ألمانيا صحبة رفيق دربها المنصف الصايم في جامعة لويس وماكسمليان Louis –et- Maximilien في مونيخ متّن علاقتها المعرفية بالمسرح واكتشافها للتعبيرية كرؤية للعالم سلحها بوجوب تأسيس مسرح منفصل عن بقية التعبيرات المسرحية التونسية ,.كما أنّ انتباهها لتجربة بينا باوش Pina Bausch في المسرح الراقص فتح أمامها ضرورة تحرير الجسد عضويا وكبديا فوق الخشبة وهوما كان مختزنا غريزيا في شخصيتها المندفعة والمقاتلة ... ورجاء بن عمار في كل ذلك فنانة ثورية دون أن تعي ذلك ربما , إنها أمازونية بالقوة تحسن الابتعاد عن الإسفاف والسهولة المخيمة على المسرح التونسي منذ تسعينات القرن الماضي على إثر تناسل الفرق المسرحية الخاصة والتهافت اللا منقطع على الإنتاج المسرحي من طرف أشباه مسرحيين وأنصاف تجار وجهلة متحذلقين ... رجاء بن عمار وضعت حلمها الكبير , أي المسرح الحر , على محك التصادمات مع المألوف والمعبد وحتى مع السلطة السياسية التي سعت إلى الاعتداء عليها وعلى مشروعها في فضاء مدار ... لم تجنح هذه المرأة إلى التنازل ولم تثنها المساومات والإغراءات... كانت صلبة ومتماسكة إلى حد الجنون رغم هشاشتها وحالتها الصحية , كانت قد أدركت بغريزة حادة أن مشروعها المسرحي يحتاج « قلب ثور « ولأنها لا تملكه تحولت بكل شراسة إلى محاربة عنيدة لا تتكئ على شيء إلا على رفيق دربها الفنان منصف الصايم ... مسرح رجاء بن عمار مسرح « تحولات « غير منقطع عن تحولات المجتمع فيما هومسكوت عنه وفيما هومتروك للتهميش ويكفي أن نذكر مغامرة مسرحية « وراء السكة « مع شباب 05 شنايدر المهمشين في الكرم لنقف على عمق إيمانها بعضوية الممارسة المسرحية في بعدها الاجتماعي وراء الأزقة الخلفية ... رجاء بن عمار مسرحية ثورية بالغريزة كان صوت دفاعها عن المهنة المسرحية ضد التهميش والمساومات وممارسات الإدارة الرسمية عاليا ملعلعا ومتبوعا بحركات بيوميكانيكية مذهلة حين تحاجج وحين تغضب ... عبارة « Les états généraux « ( أي الهيئات الثورية العامة ) القادمة من سجل الثورة الفرنسية لا تفارق لسانها وهي تدافع عن القطاع المسرحي وكان ذلك قبل الثورة التونسية وقبل بعث هيئة بن عاشور لتحقيق أهداف الثورة .
(5)
رجاء بن عمار , وأكرّر , نموذج قد يصعب تكراره في تاريخ المسرح التونسي ... سيدة السّواد التي ستفتقدها الخشبة المسرحية والذكاء التونسي والإبداع المسرحي كمغامرة جمالية وفعل سياسي يطالب بالحق . وهي في كل ذلك نتاج وتتويج لتلك المسيرة التي ذكرنا في علاقة المرأة التونسية بالخشبة والممارسة المسرحية , وهي في كل ذلك لا تقل شأنا عن مسرحيات عالميات كأريان منوشكين Ariane Mnouchkine وبينا باوش Pina Bausch وإيرينا برووك Irina Brook وآنا لانغوف Anna Langhoff ... ولكننا لا ننتبه لأعلامنا إلا بعد فوات الأوان ... آخر أعمالها المسرحية عنوانها « نافذة على « ولا ندري على ماذا تطل هذه النافذة أوهذه الكوّة . رحلت سيدة السواد بأحلامها وبجنونها وبانكساراتها ... إنها الليدي رجاء بن عمار جزء لا يتجزأ من تراثنا المسرحي ومن أحلامنا المسروقة وآمالنا وانكساراتنا ... لكنها تبقى الليدي رجاء ... هكذا أسميها تذكير بالشخصية الشكسبيرية الليدي ماكبث لا في المعنى بل في الشخصية المشتهاة على الخشبة ... ولأنها امرأة عظيمة فإن الاستثناء يغلب القاعدة هذه المرأة فوراء رجاء بن عمار رجل عظيم اسمه منصف الصايم ... وداعا سيدة السّواد .

د. عبد الحليم المسعودي
مسلسل الشروق العربي الدولي (26):حرب جوان 1967:يوم «اقتحم» القذافي وعرفات والملك حسين قاعة الاجتماعات......
26 جوان 2017 السّاعة 21:00
كانت الساعة تشير الى الرابعة مساء حين كان عبد الناصر متواجدا في الجناح الذي يقيم به في فندق هيلتون أين نزل...
المزيد >>
وخزة:حلويات العيد و«نطحها» الشديد!
24 جوان 2017 السّاعة 21:00
في رمضان مفارقتان... الأولى أثناء شهر الصيام بما فيه من غلاء وغش وبالمحصلة المواطن يتذمر ويشتهي لكنه يشتري...
المزيد >>
مسلسل «الشروق» العربي والدولي (25):«أيلول الأسود» وتراجيديا العرب
24 جوان 2017 السّاعة 21:00
لم تتحقق أهداف هنري كيسنجر، حينها بالتدخل العسكري في الأردن وتوجيه غارات جوية أمريكية مكثفة تفضي الى إبادة...
المزيد >>
وخزة
23 جوان 2017 السّاعة 21:00
«الغورة» على الأولوية... المجاوزة الممنوعة و«حرقان الضو» تحولت الى عادة لدى غالبية مستعملي الطريق بل اصبحت...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
الأسطرلاب :«اللّيــــــــــــدي» رَجَـــــــــــــاءْ ...
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 11 أفريل 2017

(1)
ليست السّيدة رجاء بن عمّار مجرّد ممثلة مسرحية عابرة رحلتْ دلالةُ وُجُودِها المسرحي برحيلها الجسدي, بل أنّه برحيلها ذاك رحلت مسيرةٌ كبرى طولها ما يفوق قرنا من الزّمان في نضال المرأة التونسية الوجودي من خلال الفن المسرحي . أقول الوجودي وأنا أذكر السّير المحرّمة جميعها لظهور المرأة العربية على الخشبة وفي علاقة مواجهتها المباشرة مع كل ما يمكن أن يلغيها, أي يلغي هذه المرأة, لا من على مساحة الخشبة فحسب بل من وجودها الأصلي كفاعل أساسي في المجتمع الذّكوري القامع والمتاجر حتى بفحولته الموهومة في بازارات المسرح نفسه... إن رحيل الفنانة المسرحية رجاء بن عمار خسارة كبرى لا محالة للمسرح التونسي وللعائلة المسرحية التونسية كلها وخاصة العائلة النّسوية المسرحية كلها... رجاء بن عمار رحلت ليرحل معها ذاك الوهج النضالي الكبير الذي دشنته المرأة التونسية من خلال المسرح من أجل مكانة جديدة في المجتمع الحداثي الجديد من خلال الفن . إنها العنوان الأصلي والفريد للمرأة المسرحية التونسية التي قادها الوعي مبكرا لأن تكون المهنة المسرحية مهنة حقيقية , وهي أيضا عنوان للمرأة المسرحية المتعلمة والمثقفة و المحمولة بوعي سياسي لكي يكون المسرح ساحة من ساحات معاركها لا للدفاع عن المرأة , فهذا أمر بديهي, بل للدّفاع عن المعاني الجديدة لمجتمع تبنى لبناته شيئا فشيئا على وهج حداثة مشتهاة وضرورية في آن. رجاء بن عمار سخّرت كل طاقتها للدفاع عن الفرد التونسي الجديد في حلمه بالكرامة والحرية وصورته بتعبيرية عالية في تعثره وانكساراته وأخطائه ومفارقته , وهوما أمر ما كان لامرأة في العالم العربي مثل رجاء بن عمار أن تأديه وتنجزه تمثيلا وكتابة وإخراجا وتكوينا وتنظيما ونضالا حقيقيا في محطات كبرى من تاريخها ومن تاريخ مسيرة الحداثة المسرحية التونسية .
(2)
ولكأن هذه الفنانة المسرحية التونسية وهي تغادرنا تضع حدا تاريخيا – أوهي تُذكرنا - بالمسيرة الطويلة لعلاقة المرأة التونسية بالمسرح التونسي المنطلق منذ بدايات القرن الماضي عندما يضطر المسرحيون الذكور لتقمص الأدوار النسائية, ثم الالتجاء إلى بائعات الهوى لإقحامهم في الأدوار النسائية , ثم مرحلة استئناس المرأة التونسية شيئا فشيئا بالخشبة من خلال الاعتماد على المطربات والمغنيات الأوائل في العشرية الأولى من القرن الماضي من أمثال زبيدة الدّزيرية وبيّة « الحُولة « وعيشة « الصغيرة « ونسرين فراز و شقيقتها رشيدة لطف و حسنية أمير وصولا إلى ظهور النجمة الفريدة حبيبة مسيكة في نهاية العشرية الثانية بداية العشرية الثالثة ومن بعدها كوكبة من الممثلات التونسيات من أمثال فضيلة خيتمي وشافية رشدي ووسيلة صبري وعزيزة نعيم وصولا إلى نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات عندما ساهمت الفنانة المسرحية التونسية الزهرة فايزة في الدفاع عن المسرح التونسي من خلال لجنة الدفاع عن المسرح التونسي وتجربتها في الفرقة البلدية مع دليلة رشدي وفتحية خيري ومنى نور الدين ودون أن ننسى كوكبة الممثلات المسرحيات في تجربة الفرقة البلدية من أمثال نرجس عطية و وفاء سالم وسامية مزالي ورشيدة دبش وغيرها , ولا يكتمل هذا التاريخ إلا بظهور هذا الجيل الجديد من الممثلات المسرحيات التونسيات الذي تنتمي إليه رجاء بن عمار القادمات من الحلقات المترابطة للمسرح التونسي في بداية دولة الاستقلال ونقصد بذلك المسرح المدرس والمسرح الجامعي مرورا بالفرق الجهوية كفرقة الكاف وفرقة قفصة ثم مغامرة الفرق الخاصة.
(3)
المتأمل في هذه المسيرة الطويلة والشاقة للمرأة المسرحية التونسية بدءا بالنساء الأوائل ووصولا إلى الراحلة رجاء بن عمار سيدرك أن هذه المسيرة غير منقطعة عن مسيرة بناء المجتمع التونسي نفسه وضمن تمفصلاته التاريخية الكبرى إذا ما أدركنا سلفا دور الفن المسرحي ومساهمته الفعالة في هذه التحولات . وأعتقد جازما أن رجاء بن عمار الفنانة المسرحية الشاهقة هي اختزال وتتويج لهذه المسارات كلها في تحولها وبشكل مذهل منذ المسرح المدرسي والجامعي والفرق القارة والمسرح الخاص إلى أيقونة لهذا النموذج الحداثي الجديد للمرأة المسرحية التونسية التي يقاس عليها وبها الموقع الحقيقي لدور المرأة في المسرح التونسي ... إن رجاء بن عمار هي سليلة كل هذه التجربة وكل هذا الوعي التحريري للمرأة التونسية من خلال ممارسة الفن المسرحي والناظر في مسيرتها سيقف على حجم المغامرة الكبرى لهذه الفنانة الفريدة التي قدمت من مدرسة ترشيح المعلمين للهواية المسرحية التي أوصلتها لخوض غمار تجربة الفرقة الجهوية بالكاف مع منصف السويسي في نهاية الستينات لتتقمص دور الليدي ماكبث في مسرحية « ماكبث « الشكسبيرية ,ومنها كان الإنطلاق في مغامرة أوسع وأكثر قدرة على التأسيس مع جيل هوجيل تأسيس الحداثة المسرحية بلا منازع في سبعينات القرن الماضي ونقصد بذلك توفيق الجبالي وفاضل الجزيري وفاضل الجعايبي ورفيق دربها المنصف الصايم ومحمد إدريس وجليلة بكار والحبيب المسروقي فكانت مساهمتها في مسرحية « التحقيق « كممثلة مذهلة إلى جانب جليلة بكار والفاضل الجزيري , ثم تجربتها الفريدة مع مسرحية « تمثيل كلام « مع توفيق الجبالي وبعد ذلك تأسيسها في بداية ثمانينات القرن الماضي لفرقتها الخاصة « مسرح فو» صحبة منصف الصايم وفي هذا الإطار أنجزت أعمالا مسرحية كبرى رصّعت سماء الحداثة المسرحية كـ «أمل « و» بستان جمالك « و» ساكن في حي السيدة « و» بياع الهوى « و « فاوست « و» وراء السكة « و» هوى وطني « , ودون ذلك صراع وتأسيس وتكوين و غضب واحتجاج وأرق وعرق وكفاح واستماتة ومواقف وشك ويأس وأمل وجنون وبهاء وذكاء وزهد وتقشف.
(4)
رجاء بن عمار نموذج قد يصعب تكراره في تاريخ المسرح التونسي وتحديدا ما أسميه بـ « المسرح التونسي العليم « ... تكوينها المسرحي في ألمانيا صحبة رفيق دربها المنصف الصايم في جامعة لويس وماكسمليان Louis –et- Maximilien في مونيخ متّن علاقتها المعرفية بالمسرح واكتشافها للتعبيرية كرؤية للعالم سلحها بوجوب تأسيس مسرح منفصل عن بقية التعبيرات المسرحية التونسية ,.كما أنّ انتباهها لتجربة بينا باوش Pina Bausch في المسرح الراقص فتح أمامها ضرورة تحرير الجسد عضويا وكبديا فوق الخشبة وهوما كان مختزنا غريزيا في شخصيتها المندفعة والمقاتلة ... ورجاء بن عمار في كل ذلك فنانة ثورية دون أن تعي ذلك ربما , إنها أمازونية بالقوة تحسن الابتعاد عن الإسفاف والسهولة المخيمة على المسرح التونسي منذ تسعينات القرن الماضي على إثر تناسل الفرق المسرحية الخاصة والتهافت اللا منقطع على الإنتاج المسرحي من طرف أشباه مسرحيين وأنصاف تجار وجهلة متحذلقين ... رجاء بن عمار وضعت حلمها الكبير , أي المسرح الحر , على محك التصادمات مع المألوف والمعبد وحتى مع السلطة السياسية التي سعت إلى الاعتداء عليها وعلى مشروعها في فضاء مدار ... لم تجنح هذه المرأة إلى التنازل ولم تثنها المساومات والإغراءات... كانت صلبة ومتماسكة إلى حد الجنون رغم هشاشتها وحالتها الصحية , كانت قد أدركت بغريزة حادة أن مشروعها المسرحي يحتاج « قلب ثور « ولأنها لا تملكه تحولت بكل شراسة إلى محاربة عنيدة لا تتكئ على شيء إلا على رفيق دربها الفنان منصف الصايم ... مسرح رجاء بن عمار مسرح « تحولات « غير منقطع عن تحولات المجتمع فيما هومسكوت عنه وفيما هومتروك للتهميش ويكفي أن نذكر مغامرة مسرحية « وراء السكة « مع شباب 05 شنايدر المهمشين في الكرم لنقف على عمق إيمانها بعضوية الممارسة المسرحية في بعدها الاجتماعي وراء الأزقة الخلفية ... رجاء بن عمار مسرحية ثورية بالغريزة كان صوت دفاعها عن المهنة المسرحية ضد التهميش والمساومات وممارسات الإدارة الرسمية عاليا ملعلعا ومتبوعا بحركات بيوميكانيكية مذهلة حين تحاجج وحين تغضب ... عبارة « Les états généraux « ( أي الهيئات الثورية العامة ) القادمة من سجل الثورة الفرنسية لا تفارق لسانها وهي تدافع عن القطاع المسرحي وكان ذلك قبل الثورة التونسية وقبل بعث هيئة بن عاشور لتحقيق أهداف الثورة .
(5)
رجاء بن عمار , وأكرّر , نموذج قد يصعب تكراره في تاريخ المسرح التونسي ... سيدة السّواد التي ستفتقدها الخشبة المسرحية والذكاء التونسي والإبداع المسرحي كمغامرة جمالية وفعل سياسي يطالب بالحق . وهي في كل ذلك نتاج وتتويج لتلك المسيرة التي ذكرنا في علاقة المرأة التونسية بالخشبة والممارسة المسرحية , وهي في كل ذلك لا تقل شأنا عن مسرحيات عالميات كأريان منوشكين Ariane Mnouchkine وبينا باوش Pina Bausch وإيرينا برووك Irina Brook وآنا لانغوف Anna Langhoff ... ولكننا لا ننتبه لأعلامنا إلا بعد فوات الأوان ... آخر أعمالها المسرحية عنوانها « نافذة على « ولا ندري على ماذا تطل هذه النافذة أوهذه الكوّة . رحلت سيدة السواد بأحلامها وبجنونها وبانكساراتها ... إنها الليدي رجاء بن عمار جزء لا يتجزأ من تراثنا المسرحي ومن أحلامنا المسروقة وآمالنا وانكساراتنا ... لكنها تبقى الليدي رجاء ... هكذا أسميها تذكير بالشخصية الشكسبيرية الليدي ماكبث لا في المعنى بل في الشخصية المشتهاة على الخشبة ... ولأنها امرأة عظيمة فإن الاستثناء يغلب القاعدة هذه المرأة فوراء رجاء بن عمار رجل عظيم اسمه منصف الصايم ... وداعا سيدة السّواد .

د. عبد الحليم المسعودي
مسلسل الشروق العربي الدولي (26):حرب جوان 1967:يوم «اقتحم» القذافي وعرفات والملك حسين قاعة الاجتماعات......
26 جوان 2017 السّاعة 21:00
كانت الساعة تشير الى الرابعة مساء حين كان عبد الناصر متواجدا في الجناح الذي يقيم به في فندق هيلتون أين نزل...
المزيد >>
وخزة:حلويات العيد و«نطحها» الشديد!
24 جوان 2017 السّاعة 21:00
في رمضان مفارقتان... الأولى أثناء شهر الصيام بما فيه من غلاء وغش وبالمحصلة المواطن يتذمر ويشتهي لكنه يشتري...
المزيد >>
مسلسل «الشروق» العربي والدولي (25):«أيلول الأسود» وتراجيديا العرب
24 جوان 2017 السّاعة 21:00
لم تتحقق أهداف هنري كيسنجر، حينها بالتدخل العسكري في الأردن وتوجيه غارات جوية أمريكية مكثفة تفضي الى إبادة...
المزيد >>
وخزة
23 جوان 2017 السّاعة 21:00
«الغورة» على الأولوية... المجاوزة الممنوعة و«حرقان الضو» تحولت الى عادة لدى غالبية مستعملي الطريق بل اصبحت...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
سفيان الأسود
الغاضبون... في الولايات
تبدو الحكومة مصرة على إيجاد حلول للغضب الذي يهز ولايات ومناطق وجهات داخل الجمهورية لكنها لم تنجح الى الان في تقديم حلول ومعالجات يمكن ان تخمد نار الغضب في ولايات يزداد فتيل النار...
المزيد >>