التّسريب: الفضـــول والفضيلـــــــة
عبد الحميد الرياحي
قبل حدوث الطامة الكبرى
تتوالى المؤشرات الكبيرة المنذرة بقرب بلوغ اقتصاد البلاد مرحلة العجز الكامل أو حتى الانهيار... فقبل أيام أعلن البنك المركزي أن مدخراتنا من العملة الصعبة لا تكفي لتغطية سوى 90 يوما من...
المزيد >>
التّسريب: الفضـــول والفضيلـــــــة
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 16 أفريل 2017

الإنسان «كَائِنٌ رَغْبُوتِيٌّ» يتشوّف إلى «مَا وَرَاءَ العَرْشِ» وإن حاز فخامته، جبلّة فرّطت في ملك يمين جنّة يحوز لأجل شجرة راودته ولا تجوز؟! كتب أنيس منصور في «كيمياء الفضيحة»: «فِي البَدْءِ كَانَتْ الفَضِيحَةُ... إِنَّهُ الشُّعُورُ بِالعَارِ وَالعُرْيِ» إذ يلج الإنسان ما لا يجب فيتعرّى بالأكل من الشّجرة المحرّمة «فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا».
أعادت التّسريبات الصّوتيّة لاجتماعات نداء تونس إلى الواجهة علاقة «السّياسة» بـ»القيم». فخلاف المنتظر استشرت مع الثّورة ممارسات السّياسة اللاّقيميّة (العنف، الإشاعة...)، و»التّلصّص-التّنصّت» مثال للتّردّي المعرّي سوأة سوئنا. سوء ما قدّرناه في ثوراتنا حقّ قدره أشار إليه الفضل شلق «في مهبّ الثّورة»: «اخْتَفَتْ الحَيَاةُ الخَاصَّةِ. تَتَعَرَّى ذَاتُكَ أَمَامَهُمْ. أَنْتَ لاَ تَعُودُ ذَاتَكَ. الذِي يَفْضِحُ حَرَكَاتكَ الخَاصَّةَ وَأَفْكَاركَ يُسَيْطِرُ عَلَيْكَ». لقد أتى على النّاس حين من الدّهر استشرت بالمدينة مراقبة النّاس في الفكر واللّباس رصدها جورج أورويل في رواية «1984» إذ أصبح شعار «الأَخُ الأَكْبَرُ يَرْقُبُكَ» الأكثر انتشارا «وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ بِالطَّبْعِ مِنْ طَرِيقَةٍ لِمَعْرِفَةِ مَا إِذَا كُنْتَ فِي مَرْمَى المُرَاقَبَةِ أَمْ لاَ فِي أَيَّةِ لَحْظَةٍ». انقلب الرّغبة على الإنسان فصيّرته «كَائِنًا رَهْبُوتِيًّا». رغبة في استراقنا السّمع ومدّنا البصر، ورهبة من هتك ما نحتفظ بالسّرّ. حدّث جمال الغيطاني في «الزّيني بركات» عن انارة الطّرق قال: «الفَوَانِيسُ تَكْشِفُ عَوْرَاتِنَا... خَلَقَ اللَّيْلَ سِتَارًا وَلِبَاسًا، فَهَلْ نُزِيحُ السِّتَارَ؟... تَوَجَّهُوا إِلَي بَيْتِ الزِّينِي بَرَكَاتْ(...) طَالِبُوهُ بِمَنْعِ الفَوَانِيسِ التِي تَهْتِكُ السِّرَّ». انفصاميّة شعب يمجّ من انكشافه في الفضاء العموميّ ويتطلّع إلى فضاء غيره الخصوصيّ. حالة مرضيّة وثّقها صنع الله إبراهيم في «تلصّص»: «نَجْلِسُ فِي الظَّلاَمِ وَعُيُونُنَا عَلَى النَّافِذَةِ المُقَابِلَةِ‏...‏ أُعَدِّلُ وَضْعَ نَظَّارَتِي وَأُضَيِّقُ مِنْ حَدَقَتَيْ عَيْنَيَّ لَكِنِّي لاَ أُمَيِّزُ تِلْكَ الأَشْيَاءَ السَّوْدَاءَ‏..‏ يَمُدُّ أَبِي يَدَهُ دُونَ أَنْ يَلْتَفِتَ نَحْوِي‏. يَهْمِسُ‏:‏ وَرِّينِي نَظَّارَتَكَ‏..‏ أَخْلَعُهَا وَأُعْطِيهَا لَهُ‏..‏ يَهُزُّ رَأْسَهُ يُعِيدُ إِلَيَّ النَّظَّارَةَ قَائِلاً‏:‏ مَفِيشْ فَايْدَةْ‏».
أقرّ وزير تكنولوجيا المعلومات والاتصال منجي مرزوق «امْكَانِيَّةَ وُجُودِ بَعْضِ الاخْلاَلاَتِ مِنْ خِلاَلِ عَمَلِيَّاتِ تَنَصُّتٍ عَلَى المُكَالَمَاتِ الهَاتِفِيَّةِ بِتَصَرُّفَاتٍ فَرْدِيَّةٍ لاَ عَلاَقَةَ لَهَا بِأَمْنِ وَحِمَايَةِ سَلاَمَةَ البِلاَدِ» (الشروق أون لاين 1جويلية 2013). لقد عرفت البلاد موجة تسريبات غير مسبوقة. ففي ماي2011 سُرّب فيديو فرحات الرّاجحي وزير الدّاخليّة المقال، كما تمّ في أكتوبر2012 تسريب مقطع صوتيّ بين الوزيرين الباجي قائد السّبسي وحمّادي الجبالي إبّان تسليم السّلطة، وفي جويلية 2015 سرّبت محادثة بين المدوّن ماهر زيد والنّاطق الرّسميّ لوزارة الدّاخليّة محمّد علي العروي، وقمّة الاختراقات المكالمة الهاتفيّة بين عبد الرّحمان الحاج علي مدير الأمن الوطني وعصام الدّردوري النّقابيّ الأمنيّ المسرّبة في ديسمبر2016... تسريبات مسّت هيبة الدّولة في أعلى مؤسّساتها وأشدّها حساسيّة. ولاحقت هكذا تصرّفات «عورات» السّياسيين كهمز النّائبة صابرين القوبنطيني بادّعاء ضبطها في وضع «مخلّ بالآداب»، ولمز النّائب حسن العماري بادّعاء «فضيحة جنسيّة» مع مغربي حاول ابتزازه. وفضلا عن «الأخلاقيّ-الجنسيّ» يحضر «الأخلاقيّ-الماليّ» وقد تعرّض السيّد محسن مرزوق إلى حملة بعد نشر «وثائق بنما». وتبيّن أنّ الحملة ما كانت على الفساد قدر تعقّب أشخاص إذ ما إن مسّت الاتهامات دوائر «الحزب النّظيف» حتّى هدّد برفع قضيّة وأُلجمت الحملة رغم أنّ الأستاذ الغنّوشي صرّح حين مسّت الوثائق غيره أنّ «نَتَائِجَ التَّحْقِيقَاتِ فِي أَوْرَاقِ بَنَمَا سَتُغَيِّرُ المَشْهَدَ السِّيَاسِيَّ فِي تُونِسَ... التُّونِسِيُّيونَ لَيْسُوا أَقَلَّ حِرْصًا مِنْ بَقِيَّةِ الشُّعُوبِ عَلَى نَقَاءِ الحَيَاةِ السِّيَاسِيَّةِ، التِي إِذَا تَلَوَّثَتْ فَلاَبُدَّ مِنْ عَمَلِيَّةِ تَطْهِيرِهَا» (الأناضول 9أفريل 2016). يبدو أنّ التّلصّص على «الفساد الجنسيّ» أمتع من مقاومة «الفساد الماليّ» إذ تراجعت نهاية2012 أخبار كبيرة «الهبة الصّينيّة» أمام أسرار صغيرة «الشّيراتون غايت» المتعلّقتين بالسّيد رفيق عبد السّلام وزير الخارجيّة حينها.
يتبيّن أنّ «إسلاميين» جاؤوا لتطهير السّياسة من رجس الصّغائر والكبائر يؤتون أشدّها بغضا. فـ»الْمَجَالِسُ بِالْأَمَانَةِ» دينيّا وأُمر متديّنون بـ»إنَّمَا يَتَجَالَسُ الـمُتَجَالِسُونُ بِأَمَانَةِ اللهِ، فَلاَ يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُفْشِيَ عَنْ صَاحِبِهِ مَا يَكْرَهُ» لتنزّل الإفشاء منزلة «الخيانة». ومن خيانات إسلاميين لإسلاميين تسريب فيديو الأستاذ الغنّوشي مع سلفيين إذ أَسَرّ لهم: «الجَيْشْ مُوشْ مَضْمُونْ وِالشُّرْطَةْ مُوشْ مَضْمُونَةْ أَرْكَانْ الدَّوْلَةْ وْمَفَاصِلْ الدَّوْلَةْ مِزَّالِتْ بِيدِيهِمْ»، وكذا تسريب بشير بن حسن لمكالمته معه إذ كاشفه: «العِلْمَانيُّونْ فِالبْلاَدْ مِزَّالُوا عِنْدْهُمْ الإِعْلاَمْ والإِدَارةْ مْعَاهُمْ وِالجَيْشْ مْعَاهُمْ». خيانات الإسلاميين للإسلاميين كخيانة العلمانيين للعلمانيين في تسريبات اجتماعات نداء تونس تشي بشكل آخر للفساد السّياسيّ. حادثتان من تراثنا تبرزان تجذر حرمة الحياة الخاصّة. فقد أخرج البيهقيّ في «السّنن الكبرى»: ليلة قال عمر بن الخطاب لعبد الرّحمان بن عوف: «هَذَا بَيْتُ رَبِيعَةَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وَهُمُ الآنَ شُرَّبٌ فَما تَرَى؟ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَرَى قَدْ أَتَيْنَا مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: «وَلاَ تَجَسَّسُوا» فَقَدْ تَجَسَّسْنَا فَانْصَرَفَ عَنْهُمْ عُمَرُ». وأخرج الأصبهانيّ في «التّوبيخ والتّنبيه»: صاحب عمرُ ابن مسعود «فَاتَّبَعَ الضَّوْءَ حَتَّى دَخَلَ دَارًا، فَإِذَا شَيْخٌ جَالِسٌ وَبَيْنَ يَدَيْهِ شَرَابٌ وَقَيْنَةٌ تُغَنِّيهِ، فَقَالَ عُمَرُ: مَا رَأَيْتُ كَاللَّيْلَةَ مُنْكَرًا أَقْبَحُ مِنْ شَيْخٍ يَنْتَظِرُ أَجَلَهُ، فَرَفَعَ الشَّيْخُ رَأْسَهُ إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الـمُؤْمِنِينَ مَا صَنَعْتَ أَنْتَ أَقْبَحُ، إِنَّكَ قَدْ تَجَسَّسْتَ، وَقَدْ نُهِيَ عَنْ التَّجَسُّسِ، وَدَخَلْتَ بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَقَالَ عُمَرُ: صَدَقْتَ، ثُمَّ خَرَجَ عَاضًّا عَلَى يَدَيْهِ يَبْكِي، قَالَ: ثَكَلَتْ عُمَرَ أُمُّهُ إِنْ لَمْ يَغْفِرْ لَهُ رَبَّهُ». ولأنّ «السّتر حقّ»، ورغم أنّ المنافقين «هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ» فإنّ الله لم يهتك سرّهم فإلى اليوم لا نعرف شخوصهم.
مؤلم مضادّتنا تراثا دينيّا محصّنا للخصوصيّات وكذا تطوّرات مستجدّة بالمنظومة الحقوقيّة اعترفت بـ»حقّ الدّخول في طيّ النّسيان» (Droit à l’oubli). إذا وإن كان «الحقّ في الخصوصيّة» يحمي وقائع الحياة الخاصّة الحاضرة فإنّه من باب أولى حماية غير المثارة عبر «الحقّ في الفسخ» (Droit à l’effacement) للواقعة المتغافل عنها.

فوزي الشّعباني باحث تونسي:
وخزة
21 أوت 2017 السّاعة 21:00
وسط زحمة الحرفاء وهم يسرعون الخطى للصعود الى المترو الخفيف وقد غصت بهم الأبواب كان أحدهم يصارع أُضحية كان...
المزيد >>
أولا وأخيرا:«وَشّحْ وِتْرَشّحْ» هنيئا لمجاز الباب
21 أوت 2017 السّاعة 21:00
«وَشّحْ وِتْرَشّحْ» هنيئا لمجاز الباب
المزيد >>
الحديث الديبلوماسي:تونس و سوريا، لا نريد أكثر من التطبيع...
21 أوت 2017 السّاعة 21:00
في أقل من أربعة أشهر ثلاثة وفود هامة تزور سوريا، وفدان نيابيان و وفد نقابي. و في كل مرة يلتقي بهم الرئيس بشار...
المزيد >>
وخزة
20 أوت 2017 السّاعة 21:00
بعض تجار الملابس والاحذية يتلاعبون بالأسعار مع حلول موسم التخفيضات مستغلين غياب أعوان المراقبة الاقتصادية...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
التّسريب: الفضـــول والفضيلـــــــة
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 16 أفريل 2017

الإنسان «كَائِنٌ رَغْبُوتِيٌّ» يتشوّف إلى «مَا وَرَاءَ العَرْشِ» وإن حاز فخامته، جبلّة فرّطت في ملك يمين جنّة يحوز لأجل شجرة راودته ولا تجوز؟! كتب أنيس منصور في «كيمياء الفضيحة»: «فِي البَدْءِ كَانَتْ الفَضِيحَةُ... إِنَّهُ الشُّعُورُ بِالعَارِ وَالعُرْيِ» إذ يلج الإنسان ما لا يجب فيتعرّى بالأكل من الشّجرة المحرّمة «فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا».
أعادت التّسريبات الصّوتيّة لاجتماعات نداء تونس إلى الواجهة علاقة «السّياسة» بـ»القيم». فخلاف المنتظر استشرت مع الثّورة ممارسات السّياسة اللاّقيميّة (العنف، الإشاعة...)، و»التّلصّص-التّنصّت» مثال للتّردّي المعرّي سوأة سوئنا. سوء ما قدّرناه في ثوراتنا حقّ قدره أشار إليه الفضل شلق «في مهبّ الثّورة»: «اخْتَفَتْ الحَيَاةُ الخَاصَّةِ. تَتَعَرَّى ذَاتُكَ أَمَامَهُمْ. أَنْتَ لاَ تَعُودُ ذَاتَكَ. الذِي يَفْضِحُ حَرَكَاتكَ الخَاصَّةَ وَأَفْكَاركَ يُسَيْطِرُ عَلَيْكَ». لقد أتى على النّاس حين من الدّهر استشرت بالمدينة مراقبة النّاس في الفكر واللّباس رصدها جورج أورويل في رواية «1984» إذ أصبح شعار «الأَخُ الأَكْبَرُ يَرْقُبُكَ» الأكثر انتشارا «وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ بِالطَّبْعِ مِنْ طَرِيقَةٍ لِمَعْرِفَةِ مَا إِذَا كُنْتَ فِي مَرْمَى المُرَاقَبَةِ أَمْ لاَ فِي أَيَّةِ لَحْظَةٍ». انقلب الرّغبة على الإنسان فصيّرته «كَائِنًا رَهْبُوتِيًّا». رغبة في استراقنا السّمع ومدّنا البصر، ورهبة من هتك ما نحتفظ بالسّرّ. حدّث جمال الغيطاني في «الزّيني بركات» عن انارة الطّرق قال: «الفَوَانِيسُ تَكْشِفُ عَوْرَاتِنَا... خَلَقَ اللَّيْلَ سِتَارًا وَلِبَاسًا، فَهَلْ نُزِيحُ السِّتَارَ؟... تَوَجَّهُوا إِلَي بَيْتِ الزِّينِي بَرَكَاتْ(...) طَالِبُوهُ بِمَنْعِ الفَوَانِيسِ التِي تَهْتِكُ السِّرَّ». انفصاميّة شعب يمجّ من انكشافه في الفضاء العموميّ ويتطلّع إلى فضاء غيره الخصوصيّ. حالة مرضيّة وثّقها صنع الله إبراهيم في «تلصّص»: «نَجْلِسُ فِي الظَّلاَمِ وَعُيُونُنَا عَلَى النَّافِذَةِ المُقَابِلَةِ‏...‏ أُعَدِّلُ وَضْعَ نَظَّارَتِي وَأُضَيِّقُ مِنْ حَدَقَتَيْ عَيْنَيَّ لَكِنِّي لاَ أُمَيِّزُ تِلْكَ الأَشْيَاءَ السَّوْدَاءَ‏..‏ يَمُدُّ أَبِي يَدَهُ دُونَ أَنْ يَلْتَفِتَ نَحْوِي‏. يَهْمِسُ‏:‏ وَرِّينِي نَظَّارَتَكَ‏..‏ أَخْلَعُهَا وَأُعْطِيهَا لَهُ‏..‏ يَهُزُّ رَأْسَهُ يُعِيدُ إِلَيَّ النَّظَّارَةَ قَائِلاً‏:‏ مَفِيشْ فَايْدَةْ‏».
أقرّ وزير تكنولوجيا المعلومات والاتصال منجي مرزوق «امْكَانِيَّةَ وُجُودِ بَعْضِ الاخْلاَلاَتِ مِنْ خِلاَلِ عَمَلِيَّاتِ تَنَصُّتٍ عَلَى المُكَالَمَاتِ الهَاتِفِيَّةِ بِتَصَرُّفَاتٍ فَرْدِيَّةٍ لاَ عَلاَقَةَ لَهَا بِأَمْنِ وَحِمَايَةِ سَلاَمَةَ البِلاَدِ» (الشروق أون لاين 1جويلية 2013). لقد عرفت البلاد موجة تسريبات غير مسبوقة. ففي ماي2011 سُرّب فيديو فرحات الرّاجحي وزير الدّاخليّة المقال، كما تمّ في أكتوبر2012 تسريب مقطع صوتيّ بين الوزيرين الباجي قائد السّبسي وحمّادي الجبالي إبّان تسليم السّلطة، وفي جويلية 2015 سرّبت محادثة بين المدوّن ماهر زيد والنّاطق الرّسميّ لوزارة الدّاخليّة محمّد علي العروي، وقمّة الاختراقات المكالمة الهاتفيّة بين عبد الرّحمان الحاج علي مدير الأمن الوطني وعصام الدّردوري النّقابيّ الأمنيّ المسرّبة في ديسمبر2016... تسريبات مسّت هيبة الدّولة في أعلى مؤسّساتها وأشدّها حساسيّة. ولاحقت هكذا تصرّفات «عورات» السّياسيين كهمز النّائبة صابرين القوبنطيني بادّعاء ضبطها في وضع «مخلّ بالآداب»، ولمز النّائب حسن العماري بادّعاء «فضيحة جنسيّة» مع مغربي حاول ابتزازه. وفضلا عن «الأخلاقيّ-الجنسيّ» يحضر «الأخلاقيّ-الماليّ» وقد تعرّض السيّد محسن مرزوق إلى حملة بعد نشر «وثائق بنما». وتبيّن أنّ الحملة ما كانت على الفساد قدر تعقّب أشخاص إذ ما إن مسّت الاتهامات دوائر «الحزب النّظيف» حتّى هدّد برفع قضيّة وأُلجمت الحملة رغم أنّ الأستاذ الغنّوشي صرّح حين مسّت الوثائق غيره أنّ «نَتَائِجَ التَّحْقِيقَاتِ فِي أَوْرَاقِ بَنَمَا سَتُغَيِّرُ المَشْهَدَ السِّيَاسِيَّ فِي تُونِسَ... التُّونِسِيُّيونَ لَيْسُوا أَقَلَّ حِرْصًا مِنْ بَقِيَّةِ الشُّعُوبِ عَلَى نَقَاءِ الحَيَاةِ السِّيَاسِيَّةِ، التِي إِذَا تَلَوَّثَتْ فَلاَبُدَّ مِنْ عَمَلِيَّةِ تَطْهِيرِهَا» (الأناضول 9أفريل 2016). يبدو أنّ التّلصّص على «الفساد الجنسيّ» أمتع من مقاومة «الفساد الماليّ» إذ تراجعت نهاية2012 أخبار كبيرة «الهبة الصّينيّة» أمام أسرار صغيرة «الشّيراتون غايت» المتعلّقتين بالسّيد رفيق عبد السّلام وزير الخارجيّة حينها.
يتبيّن أنّ «إسلاميين» جاؤوا لتطهير السّياسة من رجس الصّغائر والكبائر يؤتون أشدّها بغضا. فـ»الْمَجَالِسُ بِالْأَمَانَةِ» دينيّا وأُمر متديّنون بـ»إنَّمَا يَتَجَالَسُ الـمُتَجَالِسُونُ بِأَمَانَةِ اللهِ، فَلاَ يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُفْشِيَ عَنْ صَاحِبِهِ مَا يَكْرَهُ» لتنزّل الإفشاء منزلة «الخيانة». ومن خيانات إسلاميين لإسلاميين تسريب فيديو الأستاذ الغنّوشي مع سلفيين إذ أَسَرّ لهم: «الجَيْشْ مُوشْ مَضْمُونْ وِالشُّرْطَةْ مُوشْ مَضْمُونَةْ أَرْكَانْ الدَّوْلَةْ وْمَفَاصِلْ الدَّوْلَةْ مِزَّالِتْ بِيدِيهِمْ»، وكذا تسريب بشير بن حسن لمكالمته معه إذ كاشفه: «العِلْمَانيُّونْ فِالبْلاَدْ مِزَّالُوا عِنْدْهُمْ الإِعْلاَمْ والإِدَارةْ مْعَاهُمْ وِالجَيْشْ مْعَاهُمْ». خيانات الإسلاميين للإسلاميين كخيانة العلمانيين للعلمانيين في تسريبات اجتماعات نداء تونس تشي بشكل آخر للفساد السّياسيّ. حادثتان من تراثنا تبرزان تجذر حرمة الحياة الخاصّة. فقد أخرج البيهقيّ في «السّنن الكبرى»: ليلة قال عمر بن الخطاب لعبد الرّحمان بن عوف: «هَذَا بَيْتُ رَبِيعَةَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وَهُمُ الآنَ شُرَّبٌ فَما تَرَى؟ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَرَى قَدْ أَتَيْنَا مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: «وَلاَ تَجَسَّسُوا» فَقَدْ تَجَسَّسْنَا فَانْصَرَفَ عَنْهُمْ عُمَرُ». وأخرج الأصبهانيّ في «التّوبيخ والتّنبيه»: صاحب عمرُ ابن مسعود «فَاتَّبَعَ الضَّوْءَ حَتَّى دَخَلَ دَارًا، فَإِذَا شَيْخٌ جَالِسٌ وَبَيْنَ يَدَيْهِ شَرَابٌ وَقَيْنَةٌ تُغَنِّيهِ، فَقَالَ عُمَرُ: مَا رَأَيْتُ كَاللَّيْلَةَ مُنْكَرًا أَقْبَحُ مِنْ شَيْخٍ يَنْتَظِرُ أَجَلَهُ، فَرَفَعَ الشَّيْخُ رَأْسَهُ إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الـمُؤْمِنِينَ مَا صَنَعْتَ أَنْتَ أَقْبَحُ، إِنَّكَ قَدْ تَجَسَّسْتَ، وَقَدْ نُهِيَ عَنْ التَّجَسُّسِ، وَدَخَلْتَ بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَقَالَ عُمَرُ: صَدَقْتَ، ثُمَّ خَرَجَ عَاضًّا عَلَى يَدَيْهِ يَبْكِي، قَالَ: ثَكَلَتْ عُمَرَ أُمُّهُ إِنْ لَمْ يَغْفِرْ لَهُ رَبَّهُ». ولأنّ «السّتر حقّ»، ورغم أنّ المنافقين «هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ» فإنّ الله لم يهتك سرّهم فإلى اليوم لا نعرف شخوصهم.
مؤلم مضادّتنا تراثا دينيّا محصّنا للخصوصيّات وكذا تطوّرات مستجدّة بالمنظومة الحقوقيّة اعترفت بـ»حقّ الدّخول في طيّ النّسيان» (Droit à l’oubli). إذا وإن كان «الحقّ في الخصوصيّة» يحمي وقائع الحياة الخاصّة الحاضرة فإنّه من باب أولى حماية غير المثارة عبر «الحقّ في الفسخ» (Droit à l’effacement) للواقعة المتغافل عنها.

فوزي الشّعباني باحث تونسي:
وخزة
21 أوت 2017 السّاعة 21:00
وسط زحمة الحرفاء وهم يسرعون الخطى للصعود الى المترو الخفيف وقد غصت بهم الأبواب كان أحدهم يصارع أُضحية كان...
المزيد >>
أولا وأخيرا:«وَشّحْ وِتْرَشّحْ» هنيئا لمجاز الباب
21 أوت 2017 السّاعة 21:00
«وَشّحْ وِتْرَشّحْ» هنيئا لمجاز الباب
المزيد >>
الحديث الديبلوماسي:تونس و سوريا، لا نريد أكثر من التطبيع...
21 أوت 2017 السّاعة 21:00
في أقل من أربعة أشهر ثلاثة وفود هامة تزور سوريا، وفدان نيابيان و وفد نقابي. و في كل مرة يلتقي بهم الرئيس بشار...
المزيد >>
وخزة
20 أوت 2017 السّاعة 21:00
بعض تجار الملابس والاحذية يتلاعبون بالأسعار مع حلول موسم التخفيضات مستغلين غياب أعوان المراقبة الاقتصادية...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
عبد الحميد الرياحي
قبل حدوث الطامة الكبرى
تتوالى المؤشرات الكبيرة المنذرة بقرب بلوغ اقتصاد البلاد مرحلة العجز الكامل أو حتى الانهيار... فقبل أيام أعلن البنك المركزي أن مدخراتنا من العملة الصعبة لا تكفي لتغطية سوى 90 يوما من...
المزيد >>