شريان الابداع في ايران (2 ـ 2):اليورانيوم الحقيقي... في طهـران هو الفــن
النوري الصّل
انفصال العراق... والغياب العربي
مثل أحجار الدومينو، ما إن يسقط حجر حتى تتساقط الأحجار الأخرى على الرقعة نفسها، هكذا يبدو حال العراق والمنطقة اليوم بعد أن بات قرار الاستفتاء على استقلال اقليم كردستان خيارا لا...
المزيد >>
شريان الابداع في ايران (2 ـ 2):اليورانيوم الحقيقي... في طهـران هو الفــن
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 17 أفريل 2017

كما نشهد في إيران الاستعمال المكثف للكاميروات الصغيرة لتصوير ما هو حميمي لصعوبة تصويره في الجمهورية الإسلامية أو لمساءلة التطورات السياسية والاجتماعية للبلاد وهذه الأفلام الوثائقية والأفلام القصيرة التي يقع إنتاجها عن طريق وسائل إنتاج بسيطة كالألواح الرقمية أو الهواتف المحمولة لا يقع عرضها في قاعات السينما ولكن تعرض في المهرجانات وتنتشر على الشبكات الموازية .
هنالك إذن وسائل عديدة لمداورة الرقابة ،ففي فيلم شيرين لعباس كيار ستمى لا نرى خلال كامل لقطات هذا الفيلم الطويل سوى وجوه نساء يرتدين الحجاب وهن في قمة التأثر لأنهن ينظرن إلى أنفسهن"وهو فيلم مستوحى من أسطورة شعبية قديمة تروي قصة حب حزينة لشيرين وخسرو" ولكن عباس كيا رستمى أبدع في تجاوز الأسطورة حين وضع في الفيلم وراء وجوه المشاهدات وجوه المشاهدين وهو أمر غير ممكن في الواقع لأن هنالك في إيران فصلا بين النساء والرجال في قاعات السينما.
إذن عن طريق السينما استطاعت إيران أن تنسج علاقات مع بقية بلدان العالم في هذه الفترة الصعبة من تاريخها ومن عزلتها المفروضة عليها.
وبعد موجة القمع الذي شهدتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية والتي رافقت انتخاب محمود احمدى نجاد في سنة2009 وقع سجن العديد من المخرجين السينمائيين مثل جعفر بنهى الذي حكم عليه بالإقامة الجبرية ومنع من العمل لمدة 20 سنة في الوقت الذي وقع استدعاؤه ليكون من بين أعضاء لجنة التحكيم لمهرجان كان السينمائي سنة 2010 فكانت صور كرسيه الفارغ الذي تناقلته القنوات التلفزية في جميع أرجاء العالم شاهدا حيّا على قيمة وقوة السينما الإيرانية من ناحية وفي نفس الوقت شاهدا على ما آل إليه النظام السياسي في إيران من انحراف .
خلال سنة2015 وبعد أن وصل الإصلاحيون إلى السلطة مرة ثانية أحرز جعفر ﭘانهى على الدب الذهبي لمهرجان برلين على فيلم تاكسي طهران، فبالرغم من خضوعه للإقامة الجبرية ورغم منعه من العمل، نجح جعفر ﭙانهى في تصوير فيلم لا نكاد نميّز فيه بين الوثائقي والخيالي . فقد صور فيه نفسه وهو يلعب دور سائق تاكسي يجوب شوارع مدينة طهران حتى أن بعض الركّاب يتعرّفون عليه في بعض اللقطات من الفيلم.لقد وجد نفسه مجبرا على خلق طريقة جديدة على غرار الطريقة التي ابتكرها سنة 2011في تصوير –هذا ليس بفيلم-مع صديقه منتانا ميرتماش الذي تساءل فيه عن ما الذي ينشأ السينما ؟-وقد تعرض في هذا الفيلم الى الصعوبات التي يتعرض لها المخرج في الجمهورية الإسلامية الإيرانية وأهدى الفيلم إلى كل المخرجين الإيرانيين تقديرا لمجهوداتهم ويسأل المتفرج عن الاستعمالات المختلفة للصور وللمعتقدات انطلاقا من سيارة أجرة صفراء تتنقل في مدينة طهران تتعاقب فيها وضعيات وحالات مختلفة ويكتشف من خلالها المشاهد مظاهر مختلفة من المجتمع الإيراني المعاصر .
والأفلام الإيرانية لها وقع وصدى اجتماعي كبيرين ورغم أنها تحرص على احترام القواعد الإسلامية على الشاشة ولكن تكمن قوة السينما الإيرانية في مراهنتها على المسكوت عنه وغير المنطوق به فهي في صراع متواصل مع ما هو متجانس ومع الأيديولوجيا والرقابة .
ما يعطي كذلك للشأن السينمائي الإيراني حيوية كبيرة وتفردا هي ما تولده هذه السينما عند عرض الأفلام من حوارات وصراعات في البرلمان والمجالس البلدية وكذلك في الشوارع والمقاهي فضلا عن المجلات المختصة والصحف اليومية والبرامج التلفزية .
ولقد شهدت السينما سنة 2015 انتاج فيلم محمد رسول الله للمخرج مجيد مجيدى بأكبر ميزانية عرفتها السينما الإيرانية (34 مليون يورو) ووقع عرض الفيلم في مهرجان مونتريال وعرض في نفس الوقت في 140قاعة في إيران. ويسعى هذا الفيلم حسب منتجه إلى تقديم شخصية الرسول على أنها شخصية متسامحة بعيدة كل البعد عن العنف خلال السنة التي ضرب فيها الإسلام السياسي القائم على مبدأ السنة العديد من البلدان في العالم وقد وقع الاعتراض على هذا الفيلم من قبل السلطات السنية التي تحرّم تجسيد الرّسل ووقع منعه من العرض في جلّ البلدان العربية.
إذن سواء أكانت الأفلام الإيرانية شاهدا على لحظات مهمة من التاريخ أم تصور بكل جرأة اللاّوعي الفردي والجمعي لمن هم خارج إيران أوفرّوا منها les outsidersأو تركز على الجانب الشعري والجمالي في الفن فان الفنانين الإيرانيين يعملون على تحويل الحياة إلى فن ويبتكرون بكل حرية فهم يبرزون ويعرضون المفارقات المعقدة المحايثة لمجتمع أسسه تقوم على قيم تقليدية وقوانين دينية ولكنها لا يمكن أن تفلت من موجة الحداثة .
يمكن أن نثق في الفنانين في إيران لأنهم المدافعون والمحافظون والرّاعون للشّريان الإبداعي .
من هنا نفهم انتشار الأروقة تحت الأرض وهي فضاءات عرض وقتية لا تكون دائما تحت الأرض ولكن لها دائما طابعا سريا وتعرض فيها اللّوحات والصور والتركيبات التي تكشف عن رسوم عارية وتعتبر من الأجهزة الرسمية غير اللائقة او المحدثة للشغب . لذلك فإن هذه المعارض لا يمكن مشاهدتها إلا بمواعيد مسبقة مما يجعل أصحابها في خطر دائم .
ففي إيران كل افتتاح معرض هو مخاطرة لأن المراقبين يمكنهم إزالة الأعمال الفنية في كل لحظة واستجواب المبدعين ورغم ذلك فان الاحتفالات مستمرة في إيران فكل الإيرانيين تقريبا يذهبون إلى الأروقة الفنية سواء كانوا من المثقفين أو من الطبقة المتوسطة والشباب الى درجة الزحام واكتظاظ حركة المرور في الشوارع التي توجد فيها الأروقة .
ونشهد على الساحة الفنية نشأة جيل جديد من الفنانين وخاصة العديد من النساء بتوجهات ومطالب جديدة ، هذا الجيل بعيد زمنيا عن الثورة وعن الحرب ولكنه جيل نشأ وترعرع في ظل قيود اجتماعية وسياسية . هذا الجيل ولد في جو شبه ليبرالي سنة 1998 حين وصل الإصلاحيون إلى الحكم .وفي سنة 1992 غطى أربعة رسامين برسومهم أرض وحيطان مبنى كان سيقع هدمه في طهران . كانوا على علم بقرار الهدم وكانوا يعرفون أن أعمالهم ستنقرض ولكنهم أقدموا على هذه التجربة الفريدة .فالعملية ترمز إلى فكرة التدمير الذاتي وتعويض القديم بالجديد . إنها ترمز إلى فكرة تعويض الموت بالحياة . العديد من التجارب المماثلة في السنوات المتتالية، فقد أدان النّحات والفنان الذهني سياه ارمجانى في أعماله الحرب والموت وخلال حرب الخليج الثانية سنة 2004 حين وقع تدمير مدينة الفلوجه العراقية ذات المئتي مسجد وتدمير خمسة آلاف بيت من بيوتها رد ارمغانى الفعل بعمل فني قوي فلوجه 2004-2005 وهو بمثابة قرنيكة لبيكاسو 1937 وهذا العمل يتمثل في حصان قفز وسط اللهب وهو بذلك يستنكر سياسة الولايات المتحدة الأمريكية ومعظم البلدان المتورطة في الحرب على العراق تمانع اليوم بشدة عرض هذا العمل الفني، كما نجد عملا فنيا آخر يدين الجرائم والموت يتمثل في معرض تحت عنوان موت في طهران2009 وهو عربون وفاء للطلبة الإيرانيين الذين قتلوا في الشوارع حتى يظلوا دائما أحياء.
إن الفنانين الإيرانيين الذين جاؤوا بعد الثورة قد أتقنوا دائما مداورة القيود وما هو مسموح بقوله وعرضه وقد استفادوا من الفترات التي يقدمها لهم النظام السياسي خلال مختلف تطوراته لذلك نرى أن المجاز والشاعرية يغلبان على السينما الإيرانية خلال الأربع عقود المنقضية فالسينما هي لعبة تتأرجح بين ضبابية الواقع والخيال وتداخلهما بكشفها وإبرازها لمتناقضات الحياة الثقافية والتاريخية المركبة للبلاد .كل هذا شكل مصدر غنى للإلهام وللإبداع، ,فاليومي دخل تدريجيا في نسيج الفن والإبداع الإيراني فمعظم المخرجين والمصورين الإيرانيين قد اختاروا البقاء في بلادهم رغم كل الصعوبات ."هذا سيختفي" اين نيز مى ﮔذرد" هذا المثل الإيراني يعبر عن قناعة عميقة أن كل شيء : الشباب –الصحة-الجمال –السلطة –الألم-المعاناة واليأس ...كل شيء زائل ولهذا فان قدر الإنسان ان يصبر ويقاوم وينتج ولا يهجر بلاده لأن
المنفى هو نمط حياة ، نحن لا نعود منه أبدا ...لا يوجد مكان نذهب إليه .
هذا هو مصدر قوة وتميز الفنانين الإيرانيين وبهذه القناعة استطاعوا أن يواصلوا ويحافظوا بكل امتياز وتميّز على الشريان الإبداعي للمجتمع .فلقد أخبرني فنّان إيراني في يوم ما بأن الأورانيوم الحقيقي في إيران هو الفن .

بقلم: حــذامي محجـوب كاتب عام جمعية الأخوة والصداقة التونسية –الإيرانية
المساواة في الميراث:لـمَ لا يكون نظاما إضافيا إختياريا؟
18 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
أحدث خطاب الرئيس السبسي يوم 13 أوت جدلا واسعا، بلغ صداه أقصى أقطار الأرض، وأثار ردود أفعال مختلفة داخل الوطن...
المزيد >>
في الذكرى الثامنة لوفاته: عالـم تونس النووي بشير التركي له علينا حق البقاء في الذاكرة
18 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
غادرنا رحمه اللّه إلى الرّفيق الأعلى يوم الخميس 13 أوت 2009 بعد مسيرة عطاء حافلة بالنّشاط العلمي وجليل الأعمال...
المزيد >>
مـشروع مـبادرة لإعادة هـيكلة مـسالك الـتوزيع لـمواد الاخـتصاص
18 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
تعتبر تونس حسب احصائيات المنظمة العالمية للصحة الاولى عربيا في عدد المدخنين وطبقا لاحصائيات المعهد الوطني...
المزيد >>
في إباحة زواج التّونسيّة المسلمة من غير المسلم والمساواة في الميراث:ما لا يقوله لكم فقهاؤنا البررة
11 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
ما من مسلم يدّعي أنّ كلّ النّصوص الدّينيّة يجب أن تؤخذ على ظهرها، عدا فرقة لا يكاد أنصارها لقلّتهم يُذكَرون...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
شريان الابداع في ايران (2 ـ 2):اليورانيوم الحقيقي... في طهـران هو الفــن
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 17 أفريل 2017

كما نشهد في إيران الاستعمال المكثف للكاميروات الصغيرة لتصوير ما هو حميمي لصعوبة تصويره في الجمهورية الإسلامية أو لمساءلة التطورات السياسية والاجتماعية للبلاد وهذه الأفلام الوثائقية والأفلام القصيرة التي يقع إنتاجها عن طريق وسائل إنتاج بسيطة كالألواح الرقمية أو الهواتف المحمولة لا يقع عرضها في قاعات السينما ولكن تعرض في المهرجانات وتنتشر على الشبكات الموازية .
هنالك إذن وسائل عديدة لمداورة الرقابة ،ففي فيلم شيرين لعباس كيار ستمى لا نرى خلال كامل لقطات هذا الفيلم الطويل سوى وجوه نساء يرتدين الحجاب وهن في قمة التأثر لأنهن ينظرن إلى أنفسهن"وهو فيلم مستوحى من أسطورة شعبية قديمة تروي قصة حب حزينة لشيرين وخسرو" ولكن عباس كيا رستمى أبدع في تجاوز الأسطورة حين وضع في الفيلم وراء وجوه المشاهدات وجوه المشاهدين وهو أمر غير ممكن في الواقع لأن هنالك في إيران فصلا بين النساء والرجال في قاعات السينما.
إذن عن طريق السينما استطاعت إيران أن تنسج علاقات مع بقية بلدان العالم في هذه الفترة الصعبة من تاريخها ومن عزلتها المفروضة عليها.
وبعد موجة القمع الذي شهدتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية والتي رافقت انتخاب محمود احمدى نجاد في سنة2009 وقع سجن العديد من المخرجين السينمائيين مثل جعفر بنهى الذي حكم عليه بالإقامة الجبرية ومنع من العمل لمدة 20 سنة في الوقت الذي وقع استدعاؤه ليكون من بين أعضاء لجنة التحكيم لمهرجان كان السينمائي سنة 2010 فكانت صور كرسيه الفارغ الذي تناقلته القنوات التلفزية في جميع أرجاء العالم شاهدا حيّا على قيمة وقوة السينما الإيرانية من ناحية وفي نفس الوقت شاهدا على ما آل إليه النظام السياسي في إيران من انحراف .
خلال سنة2015 وبعد أن وصل الإصلاحيون إلى السلطة مرة ثانية أحرز جعفر ﭘانهى على الدب الذهبي لمهرجان برلين على فيلم تاكسي طهران، فبالرغم من خضوعه للإقامة الجبرية ورغم منعه من العمل، نجح جعفر ﭙانهى في تصوير فيلم لا نكاد نميّز فيه بين الوثائقي والخيالي . فقد صور فيه نفسه وهو يلعب دور سائق تاكسي يجوب شوارع مدينة طهران حتى أن بعض الركّاب يتعرّفون عليه في بعض اللقطات من الفيلم.لقد وجد نفسه مجبرا على خلق طريقة جديدة على غرار الطريقة التي ابتكرها سنة 2011في تصوير –هذا ليس بفيلم-مع صديقه منتانا ميرتماش الذي تساءل فيه عن ما الذي ينشأ السينما ؟-وقد تعرض في هذا الفيلم الى الصعوبات التي يتعرض لها المخرج في الجمهورية الإسلامية الإيرانية وأهدى الفيلم إلى كل المخرجين الإيرانيين تقديرا لمجهوداتهم ويسأل المتفرج عن الاستعمالات المختلفة للصور وللمعتقدات انطلاقا من سيارة أجرة صفراء تتنقل في مدينة طهران تتعاقب فيها وضعيات وحالات مختلفة ويكتشف من خلالها المشاهد مظاهر مختلفة من المجتمع الإيراني المعاصر .
والأفلام الإيرانية لها وقع وصدى اجتماعي كبيرين ورغم أنها تحرص على احترام القواعد الإسلامية على الشاشة ولكن تكمن قوة السينما الإيرانية في مراهنتها على المسكوت عنه وغير المنطوق به فهي في صراع متواصل مع ما هو متجانس ومع الأيديولوجيا والرقابة .
ما يعطي كذلك للشأن السينمائي الإيراني حيوية كبيرة وتفردا هي ما تولده هذه السينما عند عرض الأفلام من حوارات وصراعات في البرلمان والمجالس البلدية وكذلك في الشوارع والمقاهي فضلا عن المجلات المختصة والصحف اليومية والبرامج التلفزية .
ولقد شهدت السينما سنة 2015 انتاج فيلم محمد رسول الله للمخرج مجيد مجيدى بأكبر ميزانية عرفتها السينما الإيرانية (34 مليون يورو) ووقع عرض الفيلم في مهرجان مونتريال وعرض في نفس الوقت في 140قاعة في إيران. ويسعى هذا الفيلم حسب منتجه إلى تقديم شخصية الرسول على أنها شخصية متسامحة بعيدة كل البعد عن العنف خلال السنة التي ضرب فيها الإسلام السياسي القائم على مبدأ السنة العديد من البلدان في العالم وقد وقع الاعتراض على هذا الفيلم من قبل السلطات السنية التي تحرّم تجسيد الرّسل ووقع منعه من العرض في جلّ البلدان العربية.
إذن سواء أكانت الأفلام الإيرانية شاهدا على لحظات مهمة من التاريخ أم تصور بكل جرأة اللاّوعي الفردي والجمعي لمن هم خارج إيران أوفرّوا منها les outsidersأو تركز على الجانب الشعري والجمالي في الفن فان الفنانين الإيرانيين يعملون على تحويل الحياة إلى فن ويبتكرون بكل حرية فهم يبرزون ويعرضون المفارقات المعقدة المحايثة لمجتمع أسسه تقوم على قيم تقليدية وقوانين دينية ولكنها لا يمكن أن تفلت من موجة الحداثة .
يمكن أن نثق في الفنانين في إيران لأنهم المدافعون والمحافظون والرّاعون للشّريان الإبداعي .
من هنا نفهم انتشار الأروقة تحت الأرض وهي فضاءات عرض وقتية لا تكون دائما تحت الأرض ولكن لها دائما طابعا سريا وتعرض فيها اللّوحات والصور والتركيبات التي تكشف عن رسوم عارية وتعتبر من الأجهزة الرسمية غير اللائقة او المحدثة للشغب . لذلك فإن هذه المعارض لا يمكن مشاهدتها إلا بمواعيد مسبقة مما يجعل أصحابها في خطر دائم .
ففي إيران كل افتتاح معرض هو مخاطرة لأن المراقبين يمكنهم إزالة الأعمال الفنية في كل لحظة واستجواب المبدعين ورغم ذلك فان الاحتفالات مستمرة في إيران فكل الإيرانيين تقريبا يذهبون إلى الأروقة الفنية سواء كانوا من المثقفين أو من الطبقة المتوسطة والشباب الى درجة الزحام واكتظاظ حركة المرور في الشوارع التي توجد فيها الأروقة .
ونشهد على الساحة الفنية نشأة جيل جديد من الفنانين وخاصة العديد من النساء بتوجهات ومطالب جديدة ، هذا الجيل بعيد زمنيا عن الثورة وعن الحرب ولكنه جيل نشأ وترعرع في ظل قيود اجتماعية وسياسية . هذا الجيل ولد في جو شبه ليبرالي سنة 1998 حين وصل الإصلاحيون إلى الحكم .وفي سنة 1992 غطى أربعة رسامين برسومهم أرض وحيطان مبنى كان سيقع هدمه في طهران . كانوا على علم بقرار الهدم وكانوا يعرفون أن أعمالهم ستنقرض ولكنهم أقدموا على هذه التجربة الفريدة .فالعملية ترمز إلى فكرة التدمير الذاتي وتعويض القديم بالجديد . إنها ترمز إلى فكرة تعويض الموت بالحياة . العديد من التجارب المماثلة في السنوات المتتالية، فقد أدان النّحات والفنان الذهني سياه ارمجانى في أعماله الحرب والموت وخلال حرب الخليج الثانية سنة 2004 حين وقع تدمير مدينة الفلوجه العراقية ذات المئتي مسجد وتدمير خمسة آلاف بيت من بيوتها رد ارمغانى الفعل بعمل فني قوي فلوجه 2004-2005 وهو بمثابة قرنيكة لبيكاسو 1937 وهذا العمل يتمثل في حصان قفز وسط اللهب وهو بذلك يستنكر سياسة الولايات المتحدة الأمريكية ومعظم البلدان المتورطة في الحرب على العراق تمانع اليوم بشدة عرض هذا العمل الفني، كما نجد عملا فنيا آخر يدين الجرائم والموت يتمثل في معرض تحت عنوان موت في طهران2009 وهو عربون وفاء للطلبة الإيرانيين الذين قتلوا في الشوارع حتى يظلوا دائما أحياء.
إن الفنانين الإيرانيين الذين جاؤوا بعد الثورة قد أتقنوا دائما مداورة القيود وما هو مسموح بقوله وعرضه وقد استفادوا من الفترات التي يقدمها لهم النظام السياسي خلال مختلف تطوراته لذلك نرى أن المجاز والشاعرية يغلبان على السينما الإيرانية خلال الأربع عقود المنقضية فالسينما هي لعبة تتأرجح بين ضبابية الواقع والخيال وتداخلهما بكشفها وإبرازها لمتناقضات الحياة الثقافية والتاريخية المركبة للبلاد .كل هذا شكل مصدر غنى للإلهام وللإبداع، ,فاليومي دخل تدريجيا في نسيج الفن والإبداع الإيراني فمعظم المخرجين والمصورين الإيرانيين قد اختاروا البقاء في بلادهم رغم كل الصعوبات ."هذا سيختفي" اين نيز مى ﮔذرد" هذا المثل الإيراني يعبر عن قناعة عميقة أن كل شيء : الشباب –الصحة-الجمال –السلطة –الألم-المعاناة واليأس ...كل شيء زائل ولهذا فان قدر الإنسان ان يصبر ويقاوم وينتج ولا يهجر بلاده لأن
المنفى هو نمط حياة ، نحن لا نعود منه أبدا ...لا يوجد مكان نذهب إليه .
هذا هو مصدر قوة وتميز الفنانين الإيرانيين وبهذه القناعة استطاعوا أن يواصلوا ويحافظوا بكل امتياز وتميّز على الشريان الإبداعي للمجتمع .فلقد أخبرني فنّان إيراني في يوم ما بأن الأورانيوم الحقيقي في إيران هو الفن .

بقلم: حــذامي محجـوب كاتب عام جمعية الأخوة والصداقة التونسية –الإيرانية
المساواة في الميراث:لـمَ لا يكون نظاما إضافيا إختياريا؟
18 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
أحدث خطاب الرئيس السبسي يوم 13 أوت جدلا واسعا، بلغ صداه أقصى أقطار الأرض، وأثار ردود أفعال مختلفة داخل الوطن...
المزيد >>
في الذكرى الثامنة لوفاته: عالـم تونس النووي بشير التركي له علينا حق البقاء في الذاكرة
18 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
غادرنا رحمه اللّه إلى الرّفيق الأعلى يوم الخميس 13 أوت 2009 بعد مسيرة عطاء حافلة بالنّشاط العلمي وجليل الأعمال...
المزيد >>
مـشروع مـبادرة لإعادة هـيكلة مـسالك الـتوزيع لـمواد الاخـتصاص
18 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
تعتبر تونس حسب احصائيات المنظمة العالمية للصحة الاولى عربيا في عدد المدخنين وطبقا لاحصائيات المعهد الوطني...
المزيد >>
في إباحة زواج التّونسيّة المسلمة من غير المسلم والمساواة في الميراث:ما لا يقوله لكم فقهاؤنا البررة
11 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
ما من مسلم يدّعي أنّ كلّ النّصوص الدّينيّة يجب أن تؤخذ على ظهرها، عدا فرقة لا يكاد أنصارها لقلّتهم يُذكَرون...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
النوري الصّل
انفصال العراق... والغياب العربي
مثل أحجار الدومينو، ما إن يسقط حجر حتى تتساقط الأحجار الأخرى على الرقعة نفسها، هكذا يبدو حال العراق والمنطقة اليوم بعد أن بات قرار الاستفتاء على استقلال اقليم كردستان خيارا لا...
المزيد >>