الأسطرلاب :«ساحات الفنون» :أغورا أم رحبة؟
سفيان الأسود
تعليمنا .... والإصلاح
أعلن وزير التعليم العالي عن اصلاح جديد لنظام التعليم الجامعي بعد اقرار بفشل النظام الحالي والذي كان نتيجة لإصلاح سابق أكدوا حينها انه سيحقق اقلاعا حقيقيا للجامعات التونسية لكن...
المزيد >>
الأسطرلاب :«ساحات الفنون» :أغورا أم رحبة؟
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 18 أفريل 2017

(1)
« ساحات الفنون « المنضوية تحت شعار « مدن الفنون « التي بادر بتأسيسها وزير الثقافة محمد زين العابدين , هي مبادرة ملفتة للنظر ومثيرة التساؤل في نفس الوقت. ملفتة للنظر وجديرة بالاهتمام لأن وزير الثقافة هندس هذا المشروع على ضوء قناعة عميقة بوجوب تقريب الفعل الثقافي من المواطن التونسي خاصة في الجهات توافقا مع فكرة «التمييز الإيجابي» الذي تنادي به الحكومة , وكذلك وفقا لإيمان الوزير بمبدإ حقّ المواطن في الثقافة كحق دستوري ثابت في مدونة الدستور. واعتقد أن فكرة « ساحات الفنون « هذه فكرة مغرية إل أبعد حد , إذ من خلالها يمكن الذهاب في تأصيل فكرة اللامركزية الثقافية كسياسة تحد من تهميش الداخل التونسي على المستوى المشاركة الثقافية . كما تمكن أهالي الجهات والعاملين في القطاع الثقافي من نخب وفنانين و جمهور ثقافي من اتخاذ هذا الفضاء – وهوفضاء رمزي لا محالة – حيزا للفعل الثقافي خاصة وأن الحاجة باتت ماسة لاستيعاب جملة من الفنون البرانية التي يمارسها الجيل الجديد من الشباب الصاعد في احتلال الفضاءات وممارسة الفعل الثقافي والفني بناء على حاجاته التي يشعر به ووفقا لرؤاه الجديدة والتي تخص أساليب وطرق الإبداع الثقافي الذي قد لا يتلاءم مع الطرق المعبدة والفضاءات التقليدية . أعتقد أن مشروع « ساحات الفنون « جاء ليعبر عن انتباه الوزير لهذه الحاجات المستجدة في سياق حياتنا الثقافية ومتطلباتها الإبتكارية والاحتجاجية والاجتماعية . قلت أن مبادرة « ساحات الفنون « مثيرة للتساؤل , أي التساؤل حول جدواها والحال أنها بدت كحملة دعائية تعتمد على إستراتيجية في الاتصال , أي « الكوم « من خلال تلك المعلقات المنجزة غرافيكيا بشكل جيد وترويجها ترويجا لائقا , وتقتصر في إجرائها العمل على تدشين ساحة بشكل احتفالي ووضع حجر تدشيني في كل ساحة مدينة, وانتهى الأمر . والحملة منذ أن شرع الوزير في تنفيذها لم تحقق في رأينا - عدا نجاح هذه البروباغندا الثقافية والتي تألق الوزير في تنفيذها – أي شيء من المبادئ التي أقيمت هذه الساحات من أجلها . فلا نشاطا ثقافيا ملموسا نهض ولا تصورا ثقافيا واضحا رافق هذه الساحات الفارغة التي يستدل عليها برخامة تذكارية أونذرية) ex voto ( اللهم إلا بعض صور التدشين واحتفاله المختزل في تنشيط ساذج لفرق موسيقية أولدمى عملاقة قبيحة .
(2)
ثمة تقليد عجيب في العاصمة الإيفوارية أبيدجان اسمه « السّربون «... تقليد قد لن تجده في أية منطقة من العالم شاهدته وحظرته وشاركت فيه  وترك عندي انطباعا لن يمّحي . كان ذلك في نهاية تسعينات القرن الماضي حين شاركت لأول مرّة في مهرجان السوق الإفريقية الموسيقى وفنون الفرجة المعروف باسم MASA صحبة المسرحي الراحل عز الدين قنون. وهذا التقليد هوتقليد ثقافي شعبي وفريد من نوعه ويتمثل في انتصاب سوق للنقاش الجماعي يشارك في المواطنون وينشطه مثقفون ويحمل اسم « السّربون « إشارة إلى الجامعة الباريسية العريقة . وسوق النقاش هذا هو موعد ينطلق يوميا في منتصف النهار ويدوم إلى الساعة الواحدة بعد الزوال وتحت الشمس الحارقة ليتشكل في شكل حلقات نقاش متعددة ينشطها مثقفون وجامعيون ومحامون وطلبة وصحافيون وفنانون ومشعوذون و قوّالون وسحرة ومجرمون سابقون و مساجين سياسيون ومتطبّبون ومحاربون قدامى بنياشينهم النحاسية وحتى سماسرة دعارة ... مواضيع النقاش كثيرة ومتنوعة تمس السياسة والإقتصاد والدين والتاريخ والأدب الشعبي العجائبي والشعر و الروحانيات والسحر وفقه اللغة الفرنسية و حياة الأحزاب السياسية والفنون وغيرها , وعلى الزائر أن يختار أية حلقة وأن يكون حريصا على محفظة نقوده و على جيوبه حتى لا ينشل , لكنه سيكتشف نقاشا عجبا من الرصانة والعقلانية إلى حدود السريالية والشعوذة ... إن السّربون مدرسة شعبية مفتوحة تتعلم فيها الأفكار وتتطلع على حكايا الناس ومشاغلهم وأحلامهم وعذاباتهم وبإمكانك أيضا أن تعثر على كتاب نادر مستل من مكتبة أحد المبشرين البيض أوالمعمرين الفرنسيين . إنها أغورا العجائب والغرائب... إنها « السّربون « الإفريقية التي ينشطها عبيد وجان وملائكة في العاصمة أبيدجان .
(3)
الغريب أن لا تقاليد في الثقافة الإفريقية لمثل هذه الممارسة المواطنية التي تعبر بشكل ما عن الحاجة لتأسيس هذا الفضاء العمومي . هذا الفضاء التلقائي المرتجل المقام في منطقة « البلاتو» أين تجمع البنوك والمصارف والمراكز الحكومية والناطحات الشاهقة التي تفخر بها العاصمة الإيفوارية . حين زرت « السّربون « لم أصدق الأمر فقد تراءى لي سراب « الأغورا « الإغريقية بكل استهاماتها وأطيافها وظلالها كما صورها الرومنطقيون الألمان وهم يعيدون تشكيل العصر الأثينيّ الذّهبي كعصر مفقود للعبقرية الإنسانية في فجرها العقلي الذي تطير في ميقاته « بومة مينرفا « Minerve , أي ميقات بدأ التفلسف بعد انقضاء النهار كما يشير إلى ذلك الفيلسوف هيغل , أي بعد اكتمال شروطها . لكن أغورا السّربون الإفريقية هي أغورا القوائل الحرقة والشغف الزنجي بالحديث والجدل والمحاجات و المناظرات و الأحابيل المظللة في كل حلقة وفي طرف لسان كل قول . وسألت نفسي هل هكذا كانت الأغورا الإغريقية ؟ وتساءلت أيضا أية حاجة داخلية دفعت هؤلاء الأفارقة لابتكار هذا النوع من التجمع التواصلي العجيب , طبعا قبل ابتكار شبكات التواصل الاجتماعي ؟ ... تذكرت في تلك اللحظة كيف تفطن الشاعر والمخرج السينمائي الإيطالي الكبير بيار بالوبازوليني P.P. Pasolini إلى المدخرات الخفية القادرة على استحضار الملاحم والتراجيدات الكبرى عند الشعوب الإفريقية وعمد من باب التجربة والمغامرة الجمالية عام 1969 تصوير شريط « كراس تقييدات من أجل أورستيا إفريقية « أراداها تمهيدا لتصوير تراجيديا أورستيا l’Orestie لإسخيلوس بممثلين أفارقة ... لقد انبهر بازوليني في شريطه ذاك بالمستوى الفكري والذهني والشعري لطلبة جامعة كامبلا في أوغندا وكأنه يؤكد أن لا جدوى من البحث عن أثينا المتخيلة في أذهان الفلاسفة هيغل ونيتشه لأنه ثمة أثينا سوداء ماثلة أمام أعيننا بشعرها الملحمي وفلسفتها وتراجيدياتها .
(4)
التجربة الإفريقية هذه و المتمثلة في « أغورا السّربون « في أبيدجان قد وئدت واندثرت لأسباب عدة من بينها الصراع السياسوي بين أنصار الرئيس غباغبو وأنصار غريمه الحسن واترا و تآمر الرجعية الإيفوارية المرتبطة بالمستعمر السابق التي ذهبت حتى للترويج إلى أن هذه الساحة هي ساحة للدعارة المقنعة نظرا لخطورة هذه الأغورا في صناعة الرأي العام وتمكين المقهورين والمهمّشين من التعبير والخوض في شؤون السياسة والفكر . ولعل « السّربون « على عفويتها وغرائبيتها لدليل مرة أخرى على حاجة المواطن إلى تحقيق مُواطنيّته إدراكا منه لدائرة الاحتياج للحرية والكرامة . وبالمقابل لا نرى في هذا التقليد الفريد إلا إمكانية الأفق المفتوح على السعي إلى تأسيس « الفضاء العمومي « كإطار لمماحكة الشأن العمومي كشرط تأسيس المواطن الجديد . وهوما لم ننجح في بعثه بهذا الشكل الأخّاذ طوال تاريخنا الشرقي , أي العربي الإسلامي قديما وحديثا اللهم تأسيس « الرّحبة « أوما يسميه الإيرانيون بـ « الميدان « كفضاء فرجوي بامتياز لقهر السلطاني والذي تتمظهر فيه إدارة التوحش الاستبدادي سواء فيما يتعلق بالنخاسة أوإقامة الحد أوقطع الرؤوس أوالجلد أوالاحتفال بذكرى جلوس السلطان على عرشه أوإقامة المناحات على قتلى المعارك أثناء الهزائم ... نعتقد أننا لم نخرج بعد من فكرة الرحبة بدلالتها الرّعوية بالمعنى الذي يشير إليه ميشال فوكو في علاقة الراعي بالقطيع , ولا غرابة أن الرحبة المتأصلة في ثقافتنا وإدراكنا لأحياز العمرانية هي أيضا الساحة التي يباع فيها الغنم , ودونك ما ينشأ على الهامش في هذه الرّحبة حين تتحول إلى مساحة عفوية للحُواة ومروّضي الثعابين والحكواتية والمشعوذين والدراويش و مسابقات نطاح الكباش وصراع الدّيكة كما هو الحال في رحبة جامع الفناء بمراكش وتًنَاهُش الكلاب في النسخة المعاصرة في الأرباض والأحياء الشعبية ... وبين « الأغورا «وبين «الرّحبة « مساحة طويلة من اللا تفكير في الشأن العمومي والثقافي .
(5)
وبالعودة إلى « ساحات الفنون « , لا يمكن أن أتصور حالتها الآن وهي خاوية على عروشها , تعبث بها رياح أفريل ومن بعدها سترتع فيها رياح الشهيلي سواء في القصرين أوفي الكاف أوتطاوين أوحتى في سوسة . وأعتقد أن المشروع كان متسرعا إلى أبعد حد ربما لأن المشروع نفسه قائم على غواية الشعار نفسه وهو» مدن الفنون « , أي الحلم الكبير بتحويل مدننا البائسة إلى مدن ثقافية منتجة للثقافة وحاجة الوزير في إنجاز شيء ملموس دعما لنجاحه السّياسي . حتى أني قرأت مرّة « ... الساحات منذ تدشينها الى الآن، سنجد أن كل ما بقي منها لا يتعدى «رخامة» التدشين التي تحمل اسم الساحة، ومساحة فارغة أشبه بالبطحاء، قد تصلح لإيواء السيارات أوإقامة سوق أسبوعية أوتنظيم مقابلة رياضية، أما الفنون والأنشطة الثقافية التي بعثت من أجلها فهي تكاد تكون شبه غائبة أومنعدمة، حتى أن إحدى الساحات في الجنوب التونسي عادت إلى سالف نشاطها في إيواء السيارات، مباشرة بعد انتهاء احتفالات التدشين.». وهذا توصيف حقيقي لحالة « ساحات الفنون « . وكان بالجدر أن يكون هذا المشروع في بدايته تجريبيا مقتصرا على مدينة داخلية واحدة ومستندا إلى مشروع ثقافي حقيقي قائم بدوره على تخطيط يستحضر شروط النجاح انطلاقا من الموارد البشرية المحلية لتلك المدينة وانتهاء بدعمها الدّعم المادي اللازم الذي يراعي خصوصية المدينة وجمهورها حتى وإن حققت نسبة من النجاح نلتفت إلى تعميمها في الجهات. كان بالإمكان أن يكون مشروع « ساحات الفنون « برنامجا مفتوحا ودوريا للنقاش الجدي حول الثقافة في تلك المدن بين الفاعلين في الثقافة وبين السّلط المحلية وتأهيلها لكي تكون سلطا فاعلة في الثقافة تتجاوب مع أبعاد هذا المشروع الطموح , أي تحويل هذه الساحات إلى أغورا ثقافية لنقاش الثقافة بأبعادها التنموية والاقتصادية والتنويرية والترفيهية ومخبرا لتلمس الإبداعات المحلية الممكنة والسعي إلى ارتسامها ضمن مشروع ثقافي حقيقي و قابل للتنفيذ وليس مجرد ترديد أكذوبة « اللامركزية الثقافية « الفاشلة أصلا منذ ستينات القرن الماضي . وعليه لا يمكن كفالة الحق في الثقافة لمواطني الجهات بالارتجال والبروباغندا الفارغة التي تخدم نجاح الوزير وتردد صوره ... وعليه فأن وزير الثقافة مدعو اليوم إلى مراجع هذه « الساحات « والتفكر إلى تحويلها إلى ساحات أغورا حتى لا تكون مجرد « رحبات « أو « رُحَبٌ « (جمع « رحبة « ) يغزوها تجار الأغنام قبيل عيد الأضحى ويضل بعدها البعرور منثورا في عرصاتها كأنه حب فلفل .

د. عبد الحليم المسعودي
وخزة
16 ديسمبر 2017 السّاعة 21:00
لم يكن مخترع الـ«سيلفي» يعتقد أن هذه التقنية ستتحوّل عند بعض المجتمعات الى حالة مرضية تعود بالوبال على...
المزيد >>
أفكار للخروج من الفوضى وفشل التجارب
16 ديسمبر 2017 السّاعة 21:00
السطحيون فقط هم من يعتقدون أن قوة جزئية تستطيع تحرير فلسطين وكسر الارادة الاستعمارية التي تمسك بالكيان...
المزيد >>
القدس زهرة المدائن وباب السّماء:جدل الحلم والعلم
16 ديسمبر 2017 السّاعة 21:00
أمران استغرب لهما إبراهيم: بناء البيت الحرام ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ وأن ﴿أَذِّنْ فِي النَّاسِ...
المزيد >>
وخزة:قبل فوات الأوان ؟
15 ديسمبر 2017 السّاعة 21:00
لم تجد وزارة الصحة حلاّ للحد من انتشار تعاطي المخدّرات داخل الوسط المدرسي غير اطلاق صيحة فزع من الوزير الذي...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
الأسطرلاب :«ساحات الفنون» :أغورا أم رحبة؟
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 18 أفريل 2017

(1)
« ساحات الفنون « المنضوية تحت شعار « مدن الفنون « التي بادر بتأسيسها وزير الثقافة محمد زين العابدين , هي مبادرة ملفتة للنظر ومثيرة التساؤل في نفس الوقت. ملفتة للنظر وجديرة بالاهتمام لأن وزير الثقافة هندس هذا المشروع على ضوء قناعة عميقة بوجوب تقريب الفعل الثقافي من المواطن التونسي خاصة في الجهات توافقا مع فكرة «التمييز الإيجابي» الذي تنادي به الحكومة , وكذلك وفقا لإيمان الوزير بمبدإ حقّ المواطن في الثقافة كحق دستوري ثابت في مدونة الدستور. واعتقد أن فكرة « ساحات الفنون « هذه فكرة مغرية إل أبعد حد , إذ من خلالها يمكن الذهاب في تأصيل فكرة اللامركزية الثقافية كسياسة تحد من تهميش الداخل التونسي على المستوى المشاركة الثقافية . كما تمكن أهالي الجهات والعاملين في القطاع الثقافي من نخب وفنانين و جمهور ثقافي من اتخاذ هذا الفضاء – وهوفضاء رمزي لا محالة – حيزا للفعل الثقافي خاصة وأن الحاجة باتت ماسة لاستيعاب جملة من الفنون البرانية التي يمارسها الجيل الجديد من الشباب الصاعد في احتلال الفضاءات وممارسة الفعل الثقافي والفني بناء على حاجاته التي يشعر به ووفقا لرؤاه الجديدة والتي تخص أساليب وطرق الإبداع الثقافي الذي قد لا يتلاءم مع الطرق المعبدة والفضاءات التقليدية . أعتقد أن مشروع « ساحات الفنون « جاء ليعبر عن انتباه الوزير لهذه الحاجات المستجدة في سياق حياتنا الثقافية ومتطلباتها الإبتكارية والاحتجاجية والاجتماعية . قلت أن مبادرة « ساحات الفنون « مثيرة للتساؤل , أي التساؤل حول جدواها والحال أنها بدت كحملة دعائية تعتمد على إستراتيجية في الاتصال , أي « الكوم « من خلال تلك المعلقات المنجزة غرافيكيا بشكل جيد وترويجها ترويجا لائقا , وتقتصر في إجرائها العمل على تدشين ساحة بشكل احتفالي ووضع حجر تدشيني في كل ساحة مدينة, وانتهى الأمر . والحملة منذ أن شرع الوزير في تنفيذها لم تحقق في رأينا - عدا نجاح هذه البروباغندا الثقافية والتي تألق الوزير في تنفيذها – أي شيء من المبادئ التي أقيمت هذه الساحات من أجلها . فلا نشاطا ثقافيا ملموسا نهض ولا تصورا ثقافيا واضحا رافق هذه الساحات الفارغة التي يستدل عليها برخامة تذكارية أونذرية) ex voto ( اللهم إلا بعض صور التدشين واحتفاله المختزل في تنشيط ساذج لفرق موسيقية أولدمى عملاقة قبيحة .
(2)
ثمة تقليد عجيب في العاصمة الإيفوارية أبيدجان اسمه « السّربون «... تقليد قد لن تجده في أية منطقة من العالم شاهدته وحظرته وشاركت فيه  وترك عندي انطباعا لن يمّحي . كان ذلك في نهاية تسعينات القرن الماضي حين شاركت لأول مرّة في مهرجان السوق الإفريقية الموسيقى وفنون الفرجة المعروف باسم MASA صحبة المسرحي الراحل عز الدين قنون. وهذا التقليد هوتقليد ثقافي شعبي وفريد من نوعه ويتمثل في انتصاب سوق للنقاش الجماعي يشارك في المواطنون وينشطه مثقفون ويحمل اسم « السّربون « إشارة إلى الجامعة الباريسية العريقة . وسوق النقاش هذا هو موعد ينطلق يوميا في منتصف النهار ويدوم إلى الساعة الواحدة بعد الزوال وتحت الشمس الحارقة ليتشكل في شكل حلقات نقاش متعددة ينشطها مثقفون وجامعيون ومحامون وطلبة وصحافيون وفنانون ومشعوذون و قوّالون وسحرة ومجرمون سابقون و مساجين سياسيون ومتطبّبون ومحاربون قدامى بنياشينهم النحاسية وحتى سماسرة دعارة ... مواضيع النقاش كثيرة ومتنوعة تمس السياسة والإقتصاد والدين والتاريخ والأدب الشعبي العجائبي والشعر و الروحانيات والسحر وفقه اللغة الفرنسية و حياة الأحزاب السياسية والفنون وغيرها , وعلى الزائر أن يختار أية حلقة وأن يكون حريصا على محفظة نقوده و على جيوبه حتى لا ينشل , لكنه سيكتشف نقاشا عجبا من الرصانة والعقلانية إلى حدود السريالية والشعوذة ... إن السّربون مدرسة شعبية مفتوحة تتعلم فيها الأفكار وتتطلع على حكايا الناس ومشاغلهم وأحلامهم وعذاباتهم وبإمكانك أيضا أن تعثر على كتاب نادر مستل من مكتبة أحد المبشرين البيض أوالمعمرين الفرنسيين . إنها أغورا العجائب والغرائب... إنها « السّربون « الإفريقية التي ينشطها عبيد وجان وملائكة في العاصمة أبيدجان .
(3)
الغريب أن لا تقاليد في الثقافة الإفريقية لمثل هذه الممارسة المواطنية التي تعبر بشكل ما عن الحاجة لتأسيس هذا الفضاء العمومي . هذا الفضاء التلقائي المرتجل المقام في منطقة « البلاتو» أين تجمع البنوك والمصارف والمراكز الحكومية والناطحات الشاهقة التي تفخر بها العاصمة الإيفوارية . حين زرت « السّربون « لم أصدق الأمر فقد تراءى لي سراب « الأغورا « الإغريقية بكل استهاماتها وأطيافها وظلالها كما صورها الرومنطقيون الألمان وهم يعيدون تشكيل العصر الأثينيّ الذّهبي كعصر مفقود للعبقرية الإنسانية في فجرها العقلي الذي تطير في ميقاته « بومة مينرفا « Minerve , أي ميقات بدأ التفلسف بعد انقضاء النهار كما يشير إلى ذلك الفيلسوف هيغل , أي بعد اكتمال شروطها . لكن أغورا السّربون الإفريقية هي أغورا القوائل الحرقة والشغف الزنجي بالحديث والجدل والمحاجات و المناظرات و الأحابيل المظللة في كل حلقة وفي طرف لسان كل قول . وسألت نفسي هل هكذا كانت الأغورا الإغريقية ؟ وتساءلت أيضا أية حاجة داخلية دفعت هؤلاء الأفارقة لابتكار هذا النوع من التجمع التواصلي العجيب , طبعا قبل ابتكار شبكات التواصل الاجتماعي ؟ ... تذكرت في تلك اللحظة كيف تفطن الشاعر والمخرج السينمائي الإيطالي الكبير بيار بالوبازوليني P.P. Pasolini إلى المدخرات الخفية القادرة على استحضار الملاحم والتراجيدات الكبرى عند الشعوب الإفريقية وعمد من باب التجربة والمغامرة الجمالية عام 1969 تصوير شريط « كراس تقييدات من أجل أورستيا إفريقية « أراداها تمهيدا لتصوير تراجيديا أورستيا l’Orestie لإسخيلوس بممثلين أفارقة ... لقد انبهر بازوليني في شريطه ذاك بالمستوى الفكري والذهني والشعري لطلبة جامعة كامبلا في أوغندا وكأنه يؤكد أن لا جدوى من البحث عن أثينا المتخيلة في أذهان الفلاسفة هيغل ونيتشه لأنه ثمة أثينا سوداء ماثلة أمام أعيننا بشعرها الملحمي وفلسفتها وتراجيدياتها .
(4)
التجربة الإفريقية هذه و المتمثلة في « أغورا السّربون « في أبيدجان قد وئدت واندثرت لأسباب عدة من بينها الصراع السياسوي بين أنصار الرئيس غباغبو وأنصار غريمه الحسن واترا و تآمر الرجعية الإيفوارية المرتبطة بالمستعمر السابق التي ذهبت حتى للترويج إلى أن هذه الساحة هي ساحة للدعارة المقنعة نظرا لخطورة هذه الأغورا في صناعة الرأي العام وتمكين المقهورين والمهمّشين من التعبير والخوض في شؤون السياسة والفكر . ولعل « السّربون « على عفويتها وغرائبيتها لدليل مرة أخرى على حاجة المواطن إلى تحقيق مُواطنيّته إدراكا منه لدائرة الاحتياج للحرية والكرامة . وبالمقابل لا نرى في هذا التقليد الفريد إلا إمكانية الأفق المفتوح على السعي إلى تأسيس « الفضاء العمومي « كإطار لمماحكة الشأن العمومي كشرط تأسيس المواطن الجديد . وهوما لم ننجح في بعثه بهذا الشكل الأخّاذ طوال تاريخنا الشرقي , أي العربي الإسلامي قديما وحديثا اللهم تأسيس « الرّحبة « أوما يسميه الإيرانيون بـ « الميدان « كفضاء فرجوي بامتياز لقهر السلطاني والذي تتمظهر فيه إدارة التوحش الاستبدادي سواء فيما يتعلق بالنخاسة أوإقامة الحد أوقطع الرؤوس أوالجلد أوالاحتفال بذكرى جلوس السلطان على عرشه أوإقامة المناحات على قتلى المعارك أثناء الهزائم ... نعتقد أننا لم نخرج بعد من فكرة الرحبة بدلالتها الرّعوية بالمعنى الذي يشير إليه ميشال فوكو في علاقة الراعي بالقطيع , ولا غرابة أن الرحبة المتأصلة في ثقافتنا وإدراكنا لأحياز العمرانية هي أيضا الساحة التي يباع فيها الغنم , ودونك ما ينشأ على الهامش في هذه الرّحبة حين تتحول إلى مساحة عفوية للحُواة ومروّضي الثعابين والحكواتية والمشعوذين والدراويش و مسابقات نطاح الكباش وصراع الدّيكة كما هو الحال في رحبة جامع الفناء بمراكش وتًنَاهُش الكلاب في النسخة المعاصرة في الأرباض والأحياء الشعبية ... وبين « الأغورا «وبين «الرّحبة « مساحة طويلة من اللا تفكير في الشأن العمومي والثقافي .
(5)
وبالعودة إلى « ساحات الفنون « , لا يمكن أن أتصور حالتها الآن وهي خاوية على عروشها , تعبث بها رياح أفريل ومن بعدها سترتع فيها رياح الشهيلي سواء في القصرين أوفي الكاف أوتطاوين أوحتى في سوسة . وأعتقد أن المشروع كان متسرعا إلى أبعد حد ربما لأن المشروع نفسه قائم على غواية الشعار نفسه وهو» مدن الفنون « , أي الحلم الكبير بتحويل مدننا البائسة إلى مدن ثقافية منتجة للثقافة وحاجة الوزير في إنجاز شيء ملموس دعما لنجاحه السّياسي . حتى أني قرأت مرّة « ... الساحات منذ تدشينها الى الآن، سنجد أن كل ما بقي منها لا يتعدى «رخامة» التدشين التي تحمل اسم الساحة، ومساحة فارغة أشبه بالبطحاء، قد تصلح لإيواء السيارات أوإقامة سوق أسبوعية أوتنظيم مقابلة رياضية، أما الفنون والأنشطة الثقافية التي بعثت من أجلها فهي تكاد تكون شبه غائبة أومنعدمة، حتى أن إحدى الساحات في الجنوب التونسي عادت إلى سالف نشاطها في إيواء السيارات، مباشرة بعد انتهاء احتفالات التدشين.». وهذا توصيف حقيقي لحالة « ساحات الفنون « . وكان بالجدر أن يكون هذا المشروع في بدايته تجريبيا مقتصرا على مدينة داخلية واحدة ومستندا إلى مشروع ثقافي حقيقي قائم بدوره على تخطيط يستحضر شروط النجاح انطلاقا من الموارد البشرية المحلية لتلك المدينة وانتهاء بدعمها الدّعم المادي اللازم الذي يراعي خصوصية المدينة وجمهورها حتى وإن حققت نسبة من النجاح نلتفت إلى تعميمها في الجهات. كان بالإمكان أن يكون مشروع « ساحات الفنون « برنامجا مفتوحا ودوريا للنقاش الجدي حول الثقافة في تلك المدن بين الفاعلين في الثقافة وبين السّلط المحلية وتأهيلها لكي تكون سلطا فاعلة في الثقافة تتجاوب مع أبعاد هذا المشروع الطموح , أي تحويل هذه الساحات إلى أغورا ثقافية لنقاش الثقافة بأبعادها التنموية والاقتصادية والتنويرية والترفيهية ومخبرا لتلمس الإبداعات المحلية الممكنة والسعي إلى ارتسامها ضمن مشروع ثقافي حقيقي و قابل للتنفيذ وليس مجرد ترديد أكذوبة « اللامركزية الثقافية « الفاشلة أصلا منذ ستينات القرن الماضي . وعليه لا يمكن كفالة الحق في الثقافة لمواطني الجهات بالارتجال والبروباغندا الفارغة التي تخدم نجاح الوزير وتردد صوره ... وعليه فأن وزير الثقافة مدعو اليوم إلى مراجع هذه « الساحات « والتفكر إلى تحويلها إلى ساحات أغورا حتى لا تكون مجرد « رحبات « أو « رُحَبٌ « (جمع « رحبة « ) يغزوها تجار الأغنام قبيل عيد الأضحى ويضل بعدها البعرور منثورا في عرصاتها كأنه حب فلفل .

د. عبد الحليم المسعودي
وخزة
16 ديسمبر 2017 السّاعة 21:00
لم يكن مخترع الـ«سيلفي» يعتقد أن هذه التقنية ستتحوّل عند بعض المجتمعات الى حالة مرضية تعود بالوبال على...
المزيد >>
أفكار للخروج من الفوضى وفشل التجارب
16 ديسمبر 2017 السّاعة 21:00
السطحيون فقط هم من يعتقدون أن قوة جزئية تستطيع تحرير فلسطين وكسر الارادة الاستعمارية التي تمسك بالكيان...
المزيد >>
القدس زهرة المدائن وباب السّماء:جدل الحلم والعلم
16 ديسمبر 2017 السّاعة 21:00
أمران استغرب لهما إبراهيم: بناء البيت الحرام ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ وأن ﴿أَذِّنْ فِي النَّاسِ...
المزيد >>
وخزة:قبل فوات الأوان ؟
15 ديسمبر 2017 السّاعة 21:00
لم تجد وزارة الصحة حلاّ للحد من انتشار تعاطي المخدّرات داخل الوسط المدرسي غير اطلاق صيحة فزع من الوزير الذي...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
سفيان الأسود
تعليمنا .... والإصلاح
أعلن وزير التعليم العالي عن اصلاح جديد لنظام التعليم الجامعي بعد اقرار بفشل النظام الحالي والذي كان نتيجة لإصلاح سابق أكدوا حينها انه سيحقق اقلاعا حقيقيا للجامعات التونسية لكن...
المزيد >>