عبيد البريكي لـ«الشروق»:إسقاط الحكومة لا يخدم أحزاب المعارضة وأحزاب الحكم
النوري الصل
فتّش عن المستفيد...في أزمة لبنان
يعيش لبنان هذه الأيام حالة من الصدمة لكنها بالتأكيد ليست تلك «الصدمة الايجابية» التي تحدث عنها رئيس الحكومة سعد الحريري لدى إعلان استقالته. بل هي «صدمة دراماتيكية» بكل المقاييس...
المزيد >>
عبيد البريكي لـ«الشروق»:إسقاط الحكومة لا يخدم أحزاب المعارضة وأحزاب الحكم
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 24 أفريل 2017

* وثيقة قرطاج لا تحتاج إلى مراجعة بل إلى تطبيق

* آن الأوان أن يتحدث رئيس الدولة إلى الشعب

أسابيع بعد مغادرته لحكومة الوحدة الوطنية يتحدث الوزير السابق للوظيفة العمومية عبيد البريكي عن الوضع الاجتماعي والسياسي في ظل حالة التوتر والاحتقان التي تعيشها جهات عديدة ويقدم تشخيصا معمقا لهذا الواقع وحلولا لتجاوزها.

تونس «الشروق»::
* تعيش جهات البلاد تحرّكات شعبية وحالة من الغضب والإحتقان – هل تعتقد أن حكومة يوسف الشاهد قادرة على امتصاص هذا الغضب؟
لا أعتقد أن الإجابة عن هذا السؤال سهلة لتكون بنعم أم لا، لأن الحلول الممكنة رهينة القدرة على التشخيص الموضوعي والدقيق للمشهد العام بمكوناته الإجتماعية والإقتصادية والأمنية، فبقدر ما تحسن التشخيص ندرك ملامح التجاوز.
واضح أن الإحتجاجات التي شملت بعض الجهات والقطاعات مربكة والأخطر أنها في تزايد، فضلا عن أنها إذا استمرت ستحول دون انطلاق الإصلاحات الكبرى باعتبار استحالة وضع الأسس الأولى لأي اصلاح في مناخ ينتفي فيه الإستقرار والهدوء.
لقد أجمع المحللون والخبراء والمتابعون لتطورات الأوضاع بعد ثورة 17 ديسمبر 14 جانفي أن ما يحدث اليوم ناجم عن شعور بيأس من انتفضوا قبل ست سنوات من تحقيق الأهداف الرئيسية التي من أجلها ثاروا : التشغيل والتنمية في المناطق الداخلية إذ رغم تعاقب الحكومات ظلت المؤشرات التنموية على حالها إضافة إلى أن وعودا هامة وردت في شكل إلتزامات وبرامج حول ضرورة مكافحة الفساد بأنواعه ظلت منحصرة فيما أحيل من قضايا على المحاكم.
* ولكنها الإجراءات الطبيعية لمتابعة الفساد والمتهربين ؟
هي بلا شك من الإجراءات الضرورية ولكنها لم تنسجم في نتائج ملموسة تبعث الطمأنينة في المواطن وتخلق الإحساس بالثقة في الدولة ومؤسساتها، حيث تضل منقوصة ما لم تقترن بقرارات أخرى ملحة وملموسة تتخذها الحكومة دون اللجوء إلى القضاء :
أولا إلزام الموردين الذين تخلد بذمتهم أموال بآلاف المليارات بتسوية أوضاعهم لدى الديوانة عبر تجميد الرمز الديواني لكل مهرب مهما كانت الأسماء – اجراء بسيط، عاجل فيه مقاومة لمظاهر الفساد.
ثانيا مراجعة اتفافية التبادل التجاري في اتجاه ترشيد التوريد وليس القصد ما تعلق بتركيا فقط بل مع الصين وغيرها. وهو الإجراء الذي سوف يؤثر ايجابيا على معامل النسيج والأحذية وعلى التجار المحليين الذين انضمّوا إلى المحتجين نتيجة ما يعيشون من منافسة غير متكافئة مع منتوجات التوريد العشوائي.
ثالثا تجارة الملابس المستعملة : لقد أصبح هذا القطاع من النشاطات المدمرة للإقتصاد حيث أن كبار الموردين لا يلتزمون بتطبيق القانون لا في مجال تصدير ما يوردونه بعد فرزه ولا في احترام البند المتعلق بمنع توريد كل منتوجات الجلد. اجراء بسيط يمكن أن تتخذه الحكومة وهو إخضاعهم للأداء القمرقي عند التوريد على أن ترجع لهم المبالغ المدفوعة عند استظهارهم بما يثبت تصديرهم للمنتوج المورد طبقا للإجراءات والتراتيب القانونية
رابعا فتح تحقيق رقابي واداري في الشركات الوهمية المتلاعبة بتصدير الكوكاكولا والزيوت المدعمة....
* ولكن هذه الإجراءات على أهميتها هل تعتقدها كافية لطمأنة أهالي المناطق الداخلية في هذا الضرف الذي ميزته التوتر والإحتقان؟
قطعا لا ! يجب أن تكون مصحوبة بقرارات أخرى ذات بعد اجتماعي ومنها :
اولا ما تعلق بالتشغيل : لا شك في أن عقد الكرامة والإنتصاب للحساب الخاص هي من الحلول العاجلة ولكنها لن تكفي مالم تقترن بمحاولة تنفيذ بند من بنود الإعلان الوطني للتشغيل والمتمثل في تشغيل فرد من كل عائلة معوزة من الذين طالت بطالتهم في الوظيفة العمومية والقطاع العام شريطة النجاح في خيار المغادرة الطوعية للموظفين، وهو الإجراء الذي لن يكون مجديا مالم يتوفر شرطان أساسيان، أما الأول فهو التشاور وفي أسرع وقت مع قيادة الإتحاد العام التونسي للشغل حتى إذا كان التسريح اختياريا والثاني الإنطلاق في حملة توعوية لتفسير امتيازات المسرحين.
ثانيا لقد تمكنت الحكومة من استرجاع عدد كبير من الأراضي الدولية، ومن أجل أن يتخذ الإجراء بعده الإجتماعي المطلوب، آن الأوان لتأجيرها إلى الشباب المعطل عن العمل مع تمتيعه بإعفاءات طيلة الخمس سنوات الأولى من استغلال الأراضي.
ثالثا عمّال الحضائر المنتدبون بعد سنة 2011 : لا جدال في أن هؤلاء ضحايا خيارات سابقة إذ كان من المفروض ايقاف الإنتداب بهذه الصيغة بعد سنة 2011 ومن الممكن اتخاذ بعض الإجراءات العاجلة التي قد تقلص من حدة التوترات من أهمها تعميم التغطية الإجتماعية باعتبارها حقا دستوريا، وتمتيعهم بالزيادة التي ستشمل الأجر الأدنى وتمتيعهم بالراحة السنوية لمدة شهر مع وعدهم بالنظر في وضعيتهم المهنية المستقبلية بداية من 2018 بعد أن يتم التدقيق فيهم جهة بجهة.
* ولكن الحكومات أخذت العديد من الإجراءات لصالح فئات اجتماعية كثيرة ؟
من الإجحاف التغاضي عنها ومنها التوصل إلى إعادة دورة الإنتاج في المناجم وفي بتروفاك ولو بشيء من التعثر وتمرير قانون المالية والسكن الإجتماعي والتفويت في عدد من المساكن القائمة على ملك الدولة واستصدار عدد من القوانين لتنظيم مقاومة الفساد وتحسين أوضاع الإعلاميين المادية ولكن لماذا لم تجد لها الصدى المطلوب. لأنها لم تمس الشرائح الواسعة التي كانت السبب في الثورة، فالمعطلون عن العمل لن يستفيدوا لا من السكن الإجتماعي ولا من المساكن المفوت فيها وعقد الكرامة على أهميته حل وقتي والمناطق الداخلية والمواطن العادي والتاجر المتذمر لا تهمهم القوانين والأوامر والقرارات على أهميتها على المدى المتوسط والطويل والممتعضون من الإجراءات الإدارية البطيئة ومن غلاء الأسعار لن يهتموا بتلك الإجراءات.
إن المطلوب كما ذكرت آنفا البحث بسرعة عن آفاق تشغيل أخرى وتنظيم لقاءات دورية ومنتظمة من الجهات عبر مجالس ولاية موسعة قارة يختص خلالها كل وزير بجهة ليلمسوا اهتمام الحكومة تفكر معهم لا لهم في إطار رؤى استشرافية تقوم على الإستباقية لا على ملاحقة التوترات مجزّأة بعد حصولها.
آن الأوان لتنظيم انتصاب التجارة غير المنظمة في وقت محدد بعيدا عن التوقيت المخصص للتجارة المنظمة، ولتدخل الدولة في مسالك التوزيع وتدخل مباشرة لشراء المنتوجات من صغار الفلاحين ثم عرضها في الأسواق تصدّيا للإحتكار.
تشديد الرقابة والتحكم في مسالك التوزيع والأسعار يجب أن يتسارع نسقها خاصة بعد قرار التخفيض في قيمة الدينار لما لذلك من تأثيرات محتملة على أسعار المنتوجات وخاصة منها الخاضعة إلى المواد الأولية المورّدة وعلى الإستثمار وحتى على المشاريع المبرمجة في مخطط التنمية.
* بيان المركزية النقابية حذّر من أزمة سياسية خطيرة فما مدى صحة هذا التحذير ؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال لا بد من التذكير بأن الإتحاد العام التونسي للشغل راكم من خلال تاريخه الطويل خبرة في المجال السياسي دون أن يتحزّب ويكفي التذكير بتركيبة حكومة 1956 وبالحوار الوطني السياسي وبدوره في وثيقة قرطاج والحديث في البيان مستمد من متابعته للأوضاع الإجتماعية السائدة اليوم ولا يجب أن يلام على تبنيه للحراك الإجتماعي لأن ذلك في جوهر اهتمامات المنظمة. فالمطلوب تفاعلا مع مواقف النقابيين الإسراع بتنظيم حوار اجتماعي من خلال الإسراع ببعث المجلس الوطني للحوار الذي سوف يلعب دورا مجددا في التقليص من حدة التوتر وفي تقريب وجهات النظر بين أطراف الإنتاج الثلاثة دون تهميش المفاوضات. على الحكومة الإنصات إلى الإتحاد العام التونسي للشغل لأن الإتحاد بالفعل كما كنت أشرت إلى ذلك سابقا « ماكينة» تشتغل في ضوء أسلوب التعامل معها، هي «الماكينة» التي قادت الحوار الوطني وحصلت مع بقية المنظمات الراعية للحوار الوطني على جائزة نوبل للسلام وهي التي ساهمت في بناء الدولة الحديثة وقبلها في النضال الوطني وهي التي تفاعلت مع وثيقة قرطاج وطورتها ولكن هي التي وقفت ضد خيارات 1975 و1984 وقادت انتفاضات 17 ديسمبر 14 جانفي.
* إذا سلّمنا بأن من أدوار المنظمة تبني الحراك الإجتماعي. كيف تنساق بقية الأحزاب بما فيها الأحزاب الحاكمة في موجة الإحتجاجات الأخيرة ؟
رغم أن الأمر يبدو غريبا فإني أعتقد أنه أيضا سلوك مفهوم إذا ربطناه اولا بدور المعارضة : دورها بعد رصد الأحداث في تطورها والوقوف مع المطالب المرفوعة ثانيا بالمحطات الإنتخابية المقبلة : إذ يصعب على الأحزاب الحاكمة أن تجدف اليوم ضد التيار وإلّا قد تخسر مناصرين لها وقد يؤثر ذلك على مستقبلها السياسي.
على الحكومة إذا أن تتوجه مباشرة إلى المواطن وإلى الأهالي برسائل واضحة سريعة يلمسها المواطن
* بعد خروجك من الحكومة، كيف تقيّم نقاط الضعف فيها؟
إذا صح الحديث عن بعض الضعف فإنها تتعلق بالمقاربات المعتمدة حيث غلب الجانب الفني التقني على معالجة القضايا العالقة بينما الإصلاح في الطور الإنتقائي يقتضي مقاربة تقوم على التوازن بين الإقتصادي والإجتماعي تحدده رؤيا سياسية واضحة. أضف إلى ذلك السقوط في منهج ملاحقة الأحداث والتوترات لا استباقها والتأثير فيها.
* هل تعتقد أن وثيقة قرطاج لا تزال قائمة في ظل هذه الظروف وهل تحتاج إلى مراجعتها وإعادة النظر فيها ؟
وثيقة قرطاج تضمنت جملة من المبادئ الأساسية تكتسي أهمية كبرى بل هي خطوط عامة كان من المفروض أن تتحول إلى برامج عمل فيه ما هو آني وما ينفذ على المدى المتوسط والطويل، والحكومة وحدها هي المؤهلة لإنجاز ذلك بدعم من مكونات اعلان قرطاج، فالوثيقة لا تحتاج إلى مراجعة بل إلى تطبيق.
* كيف تقيّم فترة عملك في الحكومة ؟
أما من حيث العلاقات بأعضائها فكانت ممتازة فضلا عن انبهاري لما وجدته من طاقات لدى المديرين والمديرين العامين والموظفين الذين اشتغلت معهم طيلة الأشهر التي قضيتها في الحكومة وأما من حيث برامج الإصلاح التي انطلقنا فيها فتقييمها متروك للمتابعين سواء من داخل الحكومة أو في الأوساط السياسية والإجتماعية والشعبية.
لم أمارس العمل الحكومي بالاقتصار على نشاط الوزارة التي أشرفت عليها بل دافعت عن خيارات الحكومة التي كنت مقتنعا بها ومؤمنا بأنها الأمل الأخير الذي يجب أن يضمن الإستقرار حتى الإنطلاق في الإصلاحات الكبرى وادراك الإنتخابات المقبلة، وهو الأمر الذي يجعلني أؤكد وأنا خارجها أنه من الخطإ اليوم ومهما كانت درجة التوتر الدعوة إلى إسقاط الحكومة وإلى حلّها لأن في ذلك خطر على مصداقية تونس في علاقة بالعالم وعلى واقع الإرهاب وعلى المحطات الإنتخابية القادمة. إن اسقاط الحكومة لن يخدم لا الأحزاب الحاكمة ولا المعارضة.
لقد خرج رئيس الحكومة للإعلام وقدّم وجهة نظره وآن الأوان أن يخرج للإعلام رئيس الدولة لطمأنة الرأي العام حول حرية الإعلام وطبيعة العلاقة بين الأمن والتحرّكات الإجتماعية وقضايا السيادة الوطنية في علاقة بما يحدث في البلدان العربية وفي العالم، لأن رئيس الدولة هو الضامن للدستور.

حوار سفيان الأسود
لقاء مع... توفيق ومان رئيس الرابطة الوطنية للأدب الشعبي في الجزائر لـ«الشروق»:نعيش الخـراب العربــي .......
16 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
اعتبر الشاعر والباحث في الأدب الشعبي الجزائري توفيق ومان أن مستوى التعاون الثقافي التونسي الجزائري مازال...
المزيد >>
وزير الخارجية خميس الجهيناوي في حديث شامل لـ«الشروق»:نعم، بعض القوى تصرّ على الخيار العسكري في ليبيا
15 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
هادئ، رصين وشجاع، ذكي ويتقن السماع... هكذا بدا وزير الخارجية خميس الجهيناوي خلال استضافته لـ«الشروق» في...
المزيد >>
المرشّح لجزئية المانيا الياس بوعشبة لـ«الشروق»:مصارحتي لحافظ السبسي وراء إقصائي
13 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
يعتبر نفسه الاكثر قربا من الفوز بمقعد المانيا في الانتخابات التشريعية الجزئية ,وانه يمتلك «ماكينة « اقوى من...
المزيد >>
الحوار الديبلوماسي مع:...السفير الليبي بتونس محمد المعلول:مبادرة السبسي «حلحلت»الأزمة الليبية...وقريبا...
13 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
تستضيف صفحة «الشروق الديبلوماسي» في عدد اليوم رئيس البعثة الديبلوماسية الليبية بتونس محمد المعلول للحديث...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
عبيد البريكي لـ«الشروق»:إسقاط الحكومة لا يخدم أحزاب المعارضة وأحزاب الحكم
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 24 أفريل 2017

* وثيقة قرطاج لا تحتاج إلى مراجعة بل إلى تطبيق

* آن الأوان أن يتحدث رئيس الدولة إلى الشعب

أسابيع بعد مغادرته لحكومة الوحدة الوطنية يتحدث الوزير السابق للوظيفة العمومية عبيد البريكي عن الوضع الاجتماعي والسياسي في ظل حالة التوتر والاحتقان التي تعيشها جهات عديدة ويقدم تشخيصا معمقا لهذا الواقع وحلولا لتجاوزها.

تونس «الشروق»::
* تعيش جهات البلاد تحرّكات شعبية وحالة من الغضب والإحتقان – هل تعتقد أن حكومة يوسف الشاهد قادرة على امتصاص هذا الغضب؟
لا أعتقد أن الإجابة عن هذا السؤال سهلة لتكون بنعم أم لا، لأن الحلول الممكنة رهينة القدرة على التشخيص الموضوعي والدقيق للمشهد العام بمكوناته الإجتماعية والإقتصادية والأمنية، فبقدر ما تحسن التشخيص ندرك ملامح التجاوز.
واضح أن الإحتجاجات التي شملت بعض الجهات والقطاعات مربكة والأخطر أنها في تزايد، فضلا عن أنها إذا استمرت ستحول دون انطلاق الإصلاحات الكبرى باعتبار استحالة وضع الأسس الأولى لأي اصلاح في مناخ ينتفي فيه الإستقرار والهدوء.
لقد أجمع المحللون والخبراء والمتابعون لتطورات الأوضاع بعد ثورة 17 ديسمبر 14 جانفي أن ما يحدث اليوم ناجم عن شعور بيأس من انتفضوا قبل ست سنوات من تحقيق الأهداف الرئيسية التي من أجلها ثاروا : التشغيل والتنمية في المناطق الداخلية إذ رغم تعاقب الحكومات ظلت المؤشرات التنموية على حالها إضافة إلى أن وعودا هامة وردت في شكل إلتزامات وبرامج حول ضرورة مكافحة الفساد بأنواعه ظلت منحصرة فيما أحيل من قضايا على المحاكم.
* ولكنها الإجراءات الطبيعية لمتابعة الفساد والمتهربين ؟
هي بلا شك من الإجراءات الضرورية ولكنها لم تنسجم في نتائج ملموسة تبعث الطمأنينة في المواطن وتخلق الإحساس بالثقة في الدولة ومؤسساتها، حيث تضل منقوصة ما لم تقترن بقرارات أخرى ملحة وملموسة تتخذها الحكومة دون اللجوء إلى القضاء :
أولا إلزام الموردين الذين تخلد بذمتهم أموال بآلاف المليارات بتسوية أوضاعهم لدى الديوانة عبر تجميد الرمز الديواني لكل مهرب مهما كانت الأسماء – اجراء بسيط، عاجل فيه مقاومة لمظاهر الفساد.
ثانيا مراجعة اتفافية التبادل التجاري في اتجاه ترشيد التوريد وليس القصد ما تعلق بتركيا فقط بل مع الصين وغيرها. وهو الإجراء الذي سوف يؤثر ايجابيا على معامل النسيج والأحذية وعلى التجار المحليين الذين انضمّوا إلى المحتجين نتيجة ما يعيشون من منافسة غير متكافئة مع منتوجات التوريد العشوائي.
ثالثا تجارة الملابس المستعملة : لقد أصبح هذا القطاع من النشاطات المدمرة للإقتصاد حيث أن كبار الموردين لا يلتزمون بتطبيق القانون لا في مجال تصدير ما يوردونه بعد فرزه ولا في احترام البند المتعلق بمنع توريد كل منتوجات الجلد. اجراء بسيط يمكن أن تتخذه الحكومة وهو إخضاعهم للأداء القمرقي عند التوريد على أن ترجع لهم المبالغ المدفوعة عند استظهارهم بما يثبت تصديرهم للمنتوج المورد طبقا للإجراءات والتراتيب القانونية
رابعا فتح تحقيق رقابي واداري في الشركات الوهمية المتلاعبة بتصدير الكوكاكولا والزيوت المدعمة....
* ولكن هذه الإجراءات على أهميتها هل تعتقدها كافية لطمأنة أهالي المناطق الداخلية في هذا الضرف الذي ميزته التوتر والإحتقان؟
قطعا لا ! يجب أن تكون مصحوبة بقرارات أخرى ذات بعد اجتماعي ومنها :
اولا ما تعلق بالتشغيل : لا شك في أن عقد الكرامة والإنتصاب للحساب الخاص هي من الحلول العاجلة ولكنها لن تكفي مالم تقترن بمحاولة تنفيذ بند من بنود الإعلان الوطني للتشغيل والمتمثل في تشغيل فرد من كل عائلة معوزة من الذين طالت بطالتهم في الوظيفة العمومية والقطاع العام شريطة النجاح في خيار المغادرة الطوعية للموظفين، وهو الإجراء الذي لن يكون مجديا مالم يتوفر شرطان أساسيان، أما الأول فهو التشاور وفي أسرع وقت مع قيادة الإتحاد العام التونسي للشغل حتى إذا كان التسريح اختياريا والثاني الإنطلاق في حملة توعوية لتفسير امتيازات المسرحين.
ثانيا لقد تمكنت الحكومة من استرجاع عدد كبير من الأراضي الدولية، ومن أجل أن يتخذ الإجراء بعده الإجتماعي المطلوب، آن الأوان لتأجيرها إلى الشباب المعطل عن العمل مع تمتيعه بإعفاءات طيلة الخمس سنوات الأولى من استغلال الأراضي.
ثالثا عمّال الحضائر المنتدبون بعد سنة 2011 : لا جدال في أن هؤلاء ضحايا خيارات سابقة إذ كان من المفروض ايقاف الإنتداب بهذه الصيغة بعد سنة 2011 ومن الممكن اتخاذ بعض الإجراءات العاجلة التي قد تقلص من حدة التوترات من أهمها تعميم التغطية الإجتماعية باعتبارها حقا دستوريا، وتمتيعهم بالزيادة التي ستشمل الأجر الأدنى وتمتيعهم بالراحة السنوية لمدة شهر مع وعدهم بالنظر في وضعيتهم المهنية المستقبلية بداية من 2018 بعد أن يتم التدقيق فيهم جهة بجهة.
* ولكن الحكومات أخذت العديد من الإجراءات لصالح فئات اجتماعية كثيرة ؟
من الإجحاف التغاضي عنها ومنها التوصل إلى إعادة دورة الإنتاج في المناجم وفي بتروفاك ولو بشيء من التعثر وتمرير قانون المالية والسكن الإجتماعي والتفويت في عدد من المساكن القائمة على ملك الدولة واستصدار عدد من القوانين لتنظيم مقاومة الفساد وتحسين أوضاع الإعلاميين المادية ولكن لماذا لم تجد لها الصدى المطلوب. لأنها لم تمس الشرائح الواسعة التي كانت السبب في الثورة، فالمعطلون عن العمل لن يستفيدوا لا من السكن الإجتماعي ولا من المساكن المفوت فيها وعقد الكرامة على أهميته حل وقتي والمناطق الداخلية والمواطن العادي والتاجر المتذمر لا تهمهم القوانين والأوامر والقرارات على أهميتها على المدى المتوسط والطويل والممتعضون من الإجراءات الإدارية البطيئة ومن غلاء الأسعار لن يهتموا بتلك الإجراءات.
إن المطلوب كما ذكرت آنفا البحث بسرعة عن آفاق تشغيل أخرى وتنظيم لقاءات دورية ومنتظمة من الجهات عبر مجالس ولاية موسعة قارة يختص خلالها كل وزير بجهة ليلمسوا اهتمام الحكومة تفكر معهم لا لهم في إطار رؤى استشرافية تقوم على الإستباقية لا على ملاحقة التوترات مجزّأة بعد حصولها.
آن الأوان لتنظيم انتصاب التجارة غير المنظمة في وقت محدد بعيدا عن التوقيت المخصص للتجارة المنظمة، ولتدخل الدولة في مسالك التوزيع وتدخل مباشرة لشراء المنتوجات من صغار الفلاحين ثم عرضها في الأسواق تصدّيا للإحتكار.
تشديد الرقابة والتحكم في مسالك التوزيع والأسعار يجب أن يتسارع نسقها خاصة بعد قرار التخفيض في قيمة الدينار لما لذلك من تأثيرات محتملة على أسعار المنتوجات وخاصة منها الخاضعة إلى المواد الأولية المورّدة وعلى الإستثمار وحتى على المشاريع المبرمجة في مخطط التنمية.
* بيان المركزية النقابية حذّر من أزمة سياسية خطيرة فما مدى صحة هذا التحذير ؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال لا بد من التذكير بأن الإتحاد العام التونسي للشغل راكم من خلال تاريخه الطويل خبرة في المجال السياسي دون أن يتحزّب ويكفي التذكير بتركيبة حكومة 1956 وبالحوار الوطني السياسي وبدوره في وثيقة قرطاج والحديث في البيان مستمد من متابعته للأوضاع الإجتماعية السائدة اليوم ولا يجب أن يلام على تبنيه للحراك الإجتماعي لأن ذلك في جوهر اهتمامات المنظمة. فالمطلوب تفاعلا مع مواقف النقابيين الإسراع بتنظيم حوار اجتماعي من خلال الإسراع ببعث المجلس الوطني للحوار الذي سوف يلعب دورا مجددا في التقليص من حدة التوتر وفي تقريب وجهات النظر بين أطراف الإنتاج الثلاثة دون تهميش المفاوضات. على الحكومة الإنصات إلى الإتحاد العام التونسي للشغل لأن الإتحاد بالفعل كما كنت أشرت إلى ذلك سابقا « ماكينة» تشتغل في ضوء أسلوب التعامل معها، هي «الماكينة» التي قادت الحوار الوطني وحصلت مع بقية المنظمات الراعية للحوار الوطني على جائزة نوبل للسلام وهي التي ساهمت في بناء الدولة الحديثة وقبلها في النضال الوطني وهي التي تفاعلت مع وثيقة قرطاج وطورتها ولكن هي التي وقفت ضد خيارات 1975 و1984 وقادت انتفاضات 17 ديسمبر 14 جانفي.
* إذا سلّمنا بأن من أدوار المنظمة تبني الحراك الإجتماعي. كيف تنساق بقية الأحزاب بما فيها الأحزاب الحاكمة في موجة الإحتجاجات الأخيرة ؟
رغم أن الأمر يبدو غريبا فإني أعتقد أنه أيضا سلوك مفهوم إذا ربطناه اولا بدور المعارضة : دورها بعد رصد الأحداث في تطورها والوقوف مع المطالب المرفوعة ثانيا بالمحطات الإنتخابية المقبلة : إذ يصعب على الأحزاب الحاكمة أن تجدف اليوم ضد التيار وإلّا قد تخسر مناصرين لها وقد يؤثر ذلك على مستقبلها السياسي.
على الحكومة إذا أن تتوجه مباشرة إلى المواطن وإلى الأهالي برسائل واضحة سريعة يلمسها المواطن
* بعد خروجك من الحكومة، كيف تقيّم نقاط الضعف فيها؟
إذا صح الحديث عن بعض الضعف فإنها تتعلق بالمقاربات المعتمدة حيث غلب الجانب الفني التقني على معالجة القضايا العالقة بينما الإصلاح في الطور الإنتقائي يقتضي مقاربة تقوم على التوازن بين الإقتصادي والإجتماعي تحدده رؤيا سياسية واضحة. أضف إلى ذلك السقوط في منهج ملاحقة الأحداث والتوترات لا استباقها والتأثير فيها.
* هل تعتقد أن وثيقة قرطاج لا تزال قائمة في ظل هذه الظروف وهل تحتاج إلى مراجعتها وإعادة النظر فيها ؟
وثيقة قرطاج تضمنت جملة من المبادئ الأساسية تكتسي أهمية كبرى بل هي خطوط عامة كان من المفروض أن تتحول إلى برامج عمل فيه ما هو آني وما ينفذ على المدى المتوسط والطويل، والحكومة وحدها هي المؤهلة لإنجاز ذلك بدعم من مكونات اعلان قرطاج، فالوثيقة لا تحتاج إلى مراجعة بل إلى تطبيق.
* كيف تقيّم فترة عملك في الحكومة ؟
أما من حيث العلاقات بأعضائها فكانت ممتازة فضلا عن انبهاري لما وجدته من طاقات لدى المديرين والمديرين العامين والموظفين الذين اشتغلت معهم طيلة الأشهر التي قضيتها في الحكومة وأما من حيث برامج الإصلاح التي انطلقنا فيها فتقييمها متروك للمتابعين سواء من داخل الحكومة أو في الأوساط السياسية والإجتماعية والشعبية.
لم أمارس العمل الحكومي بالاقتصار على نشاط الوزارة التي أشرفت عليها بل دافعت عن خيارات الحكومة التي كنت مقتنعا بها ومؤمنا بأنها الأمل الأخير الذي يجب أن يضمن الإستقرار حتى الإنطلاق في الإصلاحات الكبرى وادراك الإنتخابات المقبلة، وهو الأمر الذي يجعلني أؤكد وأنا خارجها أنه من الخطإ اليوم ومهما كانت درجة التوتر الدعوة إلى إسقاط الحكومة وإلى حلّها لأن في ذلك خطر على مصداقية تونس في علاقة بالعالم وعلى واقع الإرهاب وعلى المحطات الإنتخابية القادمة. إن اسقاط الحكومة لن يخدم لا الأحزاب الحاكمة ولا المعارضة.
لقد خرج رئيس الحكومة للإعلام وقدّم وجهة نظره وآن الأوان أن يخرج للإعلام رئيس الدولة لطمأنة الرأي العام حول حرية الإعلام وطبيعة العلاقة بين الأمن والتحرّكات الإجتماعية وقضايا السيادة الوطنية في علاقة بما يحدث في البلدان العربية وفي العالم، لأن رئيس الدولة هو الضامن للدستور.

حوار سفيان الأسود
لقاء مع... توفيق ومان رئيس الرابطة الوطنية للأدب الشعبي في الجزائر لـ«الشروق»:نعيش الخـراب العربــي .......
16 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
اعتبر الشاعر والباحث في الأدب الشعبي الجزائري توفيق ومان أن مستوى التعاون الثقافي التونسي الجزائري مازال...
المزيد >>
وزير الخارجية خميس الجهيناوي في حديث شامل لـ«الشروق»:نعم، بعض القوى تصرّ على الخيار العسكري في ليبيا
15 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
هادئ، رصين وشجاع، ذكي ويتقن السماع... هكذا بدا وزير الخارجية خميس الجهيناوي خلال استضافته لـ«الشروق» في...
المزيد >>
المرشّح لجزئية المانيا الياس بوعشبة لـ«الشروق»:مصارحتي لحافظ السبسي وراء إقصائي
13 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
يعتبر نفسه الاكثر قربا من الفوز بمقعد المانيا في الانتخابات التشريعية الجزئية ,وانه يمتلك «ماكينة « اقوى من...
المزيد >>
الحوار الديبلوماسي مع:...السفير الليبي بتونس محمد المعلول:مبادرة السبسي «حلحلت»الأزمة الليبية...وقريبا...
13 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
تستضيف صفحة «الشروق الديبلوماسي» في عدد اليوم رئيس البعثة الديبلوماسية الليبية بتونس محمد المعلول للحديث...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
النوري الصل
فتّش عن المستفيد...في أزمة لبنان
يعيش لبنان هذه الأيام حالة من الصدمة لكنها بالتأكيد ليست تلك «الصدمة الايجابية» التي تحدث عنها رئيس الحكومة سعد الحريري لدى إعلان استقالته. بل هي «صدمة دراماتيكية» بكل المقاييس...
المزيد >>