المواجهة أو الفرار:ضغوطات التحوّلات الديموغرافية
عبد الحميد ا لرياحي
حروب أمريكا... الزرع والحصاد
حروب أمريكا سواء كانت مباشرة مثل غزو العراق أو بالوكالة كما يحدث في سوريا مع المجموعات الارهابية وأساسا تنظيم داعش الارهابي ليست حروبا عبثية ولا مجانية.. بل هي حروب مخطط لها...
المزيد >>
المواجهة أو الفرار:ضغوطات التحوّلات الديموغرافية
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 01 ماي 2017

إلى حد فجر الثورة الصناعية كانت أوروبا العجوز تنظر إلى ارتفاع أعداد السكان كثروة للمجتمعات. يقول جون بودين:«ما بثروة كالرجال». فكلما ازداد حجم السكان إلا وتوسعت الزراعة وتنوعت المنتجات وازدادت المحاصيل، فتعم الرفاهية وتزدهر المجتمعات. ومع مطلع القرن التاسع عشر برزت بضع نظريات تشاؤمية تجاه الاكتظاظ السكاني مع ظهور الفقر والأوبئة والجوع في أواخر القرن الثامن عشر. ولم يعد أمام الفقير الذي لا يجد قوتا يعيش به سوى الموت أنفع. هذا ما ذهب إليه الاقتصادي البريطاني مالتيس الذي أرجع الجوع القاتل إلى التضخم السكاني. يقول مالتيس الذي استخدم استعارة وليمة الطبيعة في كتابه* الصادر عام 1803 لتوضيح علاقة السبب بالنتيجة:« كل إنسان يلد في عالم مكتظ، وإذا هو ينحدر من أسرة فقيرة، وإذا لم يستطع المجتمع تشغيله، ليس له أدنى حق في المطالبة بأي قسط من الغذاء. هو زائد في هذا الكون. وعلى وليمة الطبيعة، ليس له، لا صحن ولا ملعقة ولا شوكة. فتأمره الطبيعة بالرحيل، ولن تتردد في تنفيذ أوامرها» حتى أن فيلسوف الاشتراكية المثالية الفرنسي جوزيف برودون ثار ورد عليه بعنف: «إذا كان هنالك واحد زائد في هذا الكون، فهو مالتيس». أما ماركس صاحب الاشتراكية العلمية فقد وصفه بعدو الطبقة الكادحة. ولم يكن مالتيس وحده الذي غلق الباب أمام المغضوب عليهم. فحتى داروين، وبعد أن اطلع على كتاب* مالتيس في العام 1838، أسس في العام 1858 نظرية التطور والتي تنص على أن الأنماط المتفرعة من عملية التطور ناتجة عن عملية الانتقاء الطبيعي لصالح الأجناس الأكثر أهلية، وأن «الصراع من أجل البقاء» يساهم في التكاثر الانتقائي للكائنات الحية. في حين أن الطبيعة عند مالتيس تسهر على تعديل كمي، وليس كيفي، في المخلوقات البشرية ليحافظ المجتمع على نمو متوازن بين السكان والاقتصاد. وحتى روبار مكنامار وزير الدفاع في أمريكا الديمقراطية زمان كنيدي وخلفه جونسون والقائد العام السابق للبنك العالمي، والذي يعرف الأمن في كتابه «جوهر الأمن» بأنه التنمية وأن بدون تنمية لا يمكن أن يوجد أمن، فقد برر بدوره الفقر في إفريقيا بالانفجار السكاني.
تعيش أكثرية مجتمعات العالم، منذ أواخر ثمانينات القرن الماضي، في صراع مرير مع أكبر مراحل التحولات السكانية في تاريخ البشرية. لعل أبرزها سرعة نمو السكان في البلدان النامية. وتزايد طول الأعمار، وتراجع معدلات الخصوبة، وارتفاع شيخوخة السكان في مناطق أخرى من العالم. إلى جانب التوسع الحضري وازدياد الهجرة الدولية. هذه التغيرات السكانية الضخمة لها تداعيات اقتصادية وسياسية واجتماعية وبيئية جسيمة، إذ هي تهدد النمو والتنمية والأمن وجودة البيئة واستقرار المالية العامة. ولكن صناع القرار قادرون اليوم على كبح كل هذه التحديات إذا ما هم تحركوا وتعاونوا لتصويب الاعوجاج.
ونحن، عبر هذا المقال، لسنا بالناقل العصبي «الأدرينالين»، هرمون التوتر الذي ينشط ردود استجابة الجسم في حالات العواطف المكثفة كالخوف والغضب والضغط، ويقلل التفكير والتركيز، ويمهد الجسم لردة فعل من نوع «المواجهة أو الفرار» كفرار الشيخ الغنوشي مع بداية انتصاب النظام البائد إلى لندن أو كهروب المخلوع بن علي إلى السعودية يوم 14 جانفي. ونحن لسنا مع الفرار، كما تأمر الطبيعة الفقراء عند مالتيس بالرحيل. نحن نريد التأكيد على ضرورة مواجهة تداعيات الازدحام واتساع التحضر وتغير هيكل الأعمار بالتنوير والبناء وتشييد البنية التحتية اللازمة للتكوين والإبداع والتعليم والرعاية الصحية وخلق فرص عمل جديدة، وإلا ستزداد المعاناة وعدم استقرار الأحوال الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
كان النمو السكاني بطيئا على امتداد أكثرية فترات تاريخ البشرية، ولم يصل تعداد سكان العالم إلى مليار نسمة إلا مع مطلع القرن التاسع عشر، ليستقر تعدادهم في حدود ملياري نسمة في عشرينات القرن العشرين. ومنذ منتصف القرن الـ 20 بدأ سكان العالم في التزايد بوتيرة أسرع، وقفز تعدادهم من 2.5 مليار ساكن عام 1950 إلى 5.3 مليار نسمة عام 1990. ولم تهدأ هبوب رياح الازدحام خلال العقود الثلاثة الأخيرة حتى أن مجموع سكان العالم فاق 6 مليارات نسمة صبيحة شهر أكتوبر 1999. ليحط التعداد عند الرقم 7 مليارات ساكن في العام 2011. وها هو تعدادنا اليوم قارب 7 مليارات ونصف. ويتوقع أن يصل عدد سكان العالم إلى 8 مليارات نسمة عام 2025، وقد يستقر عددهم في حدود 10 مليارات بحلول عام 2050. هذا الانفجار السكاني راجع بالأساس إلى سرعة وتيرة ازدياد أعداد السكان، خلال العقود الخمسة الأخيرة، في المجتمعات الإفريقية والآسيوية(ماعدا اليابان) وفي أمريكا اللاتينية والكاريبي، أي في الاقتصاديات النامية. وهذا الإنجاب والتكاثر هو نتيجة التخفيضات الكبيرة في متوسط الوفيات وارتفاع معدلات المواليد بفضل تحسن الغذاء والسكن والماء الصالح للشراب والرعاية الصحية بعد طرد الاستعمار القديم من بلدان الجنوب. والملفت للانتباه أن سدس سكان العالم يعيشون اليوم في إفريقيا، وأن أعلى معدلات النمو السكاني تسجل في إفريقيا، تبلغ حاليا 2.45 بالمائة(وهذا يعني أن سكان إفريقيا يتضاعفون كل 28 سنة)، مقابل 0.04 بالمائة في أوروبا(يتضاعف سكانها كل 173 عاما). واليوم بلغ تعداد سكان الوطن العربي 392 مليون نسمة، وهو مضاعفة 5.2 مرات عن العام 1950(75.4 مليون نسمة). وتعتبر تونس واحدة من البلدان النامية الناجحة في ميدان تحديد النسل، حيث وصل تعداد سكان تونس حاليا إلى ما يقارب 11.3 مليون نسمة مقابل 3.5 مليون نسمة عام 1950.
ومنذ تسعينات القرن الماضي باتت الهجرة تلعب دورا هاما في التحولات الديموغرافية المعاصرة. وهي تفسر اليوم ثلاثة أخماس النمو السكاني في المجتمعات الغربية. وبالنهاية أصبحت الهجرة تعوض انخفاض المحصول الطبيعي في الاقتصاديات المتقدمة، وصارت المصدر الرئيسي للنمو السكاني في أوروبا، حين قادت سرعة النمو السكاني وهشاشة الاقتصاديات في البلدان النامية إلى تحول عام نحو الغرب مع استقبال أوروبا وشمال أمريكا الجزء الأكبر من المهاجرين. كما باتت الهجرة تمارس دورا رئيسيا في العولمة الثقافية مع التحرك الكبير للهجرة النسائية في البلدان النامية لأسباب اقتصادية واجتماعية أو نتيجة الصراعات. وشهد العالم أكبر موجات الهجرة الجماعية في التاريخ الحديث عقب أحداث 11 سبتمبر وما تلاها من غزو لأفغانستان والعراق تحت مظلة محاربة الإرهاب في جبال طورا بورا وبذريعة أن الشهيد صدام حسين يمتلك الأسلحة الكيماوية ويأوي الإسلاميين المتشددين، لتعترف الإدارة الأمريكية في جانفي 2005 بأن لا وجود لمثل هذه الأسلحة في بغداد. والأكيد وبشهادة عديد المراقبين أن الإرهاب في العراق قد ألهم بالغزو، وأن إدارة بوش الابن استخدمت الحرب لإعادة ضخ الحياة في المركب الصناعي والعسكري، وحماية احتياطات الوقود الأحفوري الأمريكي. وبحسب أرقام الأمم المتحدة والبنك الدولي يقدر عدد اللاجئين والنازحين داخليا خلال الخمس سنوات الأخيرة بـ 16 مليون نسمة يتوزعون كالآتي: 9.6 مليون سوري و 3.4 مليون أفغاني و2.6 مليون عراقي و0.3 مليون يمني و0.1 مليون ليبي نتيجة الحروب ضد الإرهاب ونظم الاستبداد وزمرة الإخوان.
اكتظ العالم بالسكان، كما انتفخ بالون «المناضلين» في تونس غداة سقوط النظام البائد حتى اختلط الحابل بالنابل! انتهازية قديمة، وأخرى وافدة من الداخل ومن وراء البحار، ومن كليهما تفرخ الطيور المهاجرة. الكل يهرول وراء اقتسام غنيمة الحكم والمنافع! حتى أن ثمن المناصب والكراسي بلغ مستويات خيالية، ودائما الشعب هو من يدفع الأسعار! فالأصولية المتطرفة والانتهازية الوصولية هما من شوَها دنيا المال والأعمال وأربكا الأمن والأمان: فلا السياسة مستقرة، ولا الاقتصاد في تعاف، ولا تحسن في الأوضاع الاجتماعية، ولا الأمن في أحسن الأحوال. وها نحن اليوم بدأنا نسجل هبوطا في أسعار سلع بعض المضاربين السياسيين، بعد أن شهدت رواجا لفترات محدودة دون أن تستند إلى قاعدة سياسية صحيحة. والأكيد أن هذا البالون لن يعمر طويلا طالما الهمَ الأول والأخير هو الطمع والجري وراء المنافع والمصالح الضيقة. وستزول كل الآثار التشويهية حين ينفجر البالون على شاكلة انهيار اقتصاد الفقاعة مع تقشع الوهم. وضح الغموض وباح سر النفوس، ولكن دعونا نكون ذلك الناقل العصبي الكابح (GABA) الذي يبطئ إرسال الإشارات العصبية، ويلجم القلق والتشاؤم ويعزز السكون والهدوء، أو كما يتغنى الفنان الليبي محمد حسن:« خفف من جوعك وتسلى ـ بالصبر تحلى...لا تتخلى ». فبالرغم من التزايد الهائل في أعداد السكان، لقد بدأ المعدل الكلي لنمو سكان العالم يسجل خلال الأعوام الأخيرة تراجعا في كل أنحاء المعمورة. لتستقر نسبة النمو حاليا في حدود 1.09 في المائة(وهذا يعني تضاعف سكان العالم كل 64 سنة). مقابل 2.08 بالمائة(تضاعف سكان العالم كل 33 سنة) زمن اعتلاء روبار مكنامارا كرسي القيادة في البنك العالمي.
ومن العوامل التي قادت إلى انخفاض نسق النمو السكاني خلال السنوات الأخيرة في أكثرية البلدان النامية تنوع وسائل تنظيم النسل، وانتشار التعليم، وتحسن معدل بقاء الأطفال، وارتفاع نسبة موارد الأسرة المخصصة للأبناء، ودخول المرأة لسوق الشغل وعالم السياسية. كما أثرت الصراعات والمجاعة في بعض البلدان التابعة بدورهما على معدلات الخصوبة والإنجاب. ولكن، وبالرغم من تراجع نسق نمو السكان عاد الجوع منذ توديع الألفية الثانية، عاد بازدياد بطيء ولكنه باطراد. بعد أن تمَ إحراز تقدم جيد في الحد من الفقر والجوع خلال فترة الثمانينات والنصف الأول من تسعينات القرن الماضي. فهل التضخم السكاني هو الذي أنتج الفقر والجوع؟ أم أن سبب الفقر والبطالة راجع إلى ارتفاع الديون واتساع الفساد وعولمة الاقتصاديات؟ هذا ما سنتعرض إليه في الجزء القادم من المقال الحالي.

 

 

قطاع المخابز:بين عجز الدولة وانتكاس أصحاب المخابز
25 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
لا احد يشك أن قطاع مادة الخبز له أهمية كبرى في حياة المواطن التونسي وهو راجع بالأساس إلى العادات الغذائية...
المزيد >>
إستراتيجية الربيع العبري
25 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
لعله من الأهداف القريبة التي كانت وراء مرحلة "الربيع العربي" والتي أطلقت عليه شخصيا مصطلح الربيع العبري هي...
المزيد >>
المساواة في الميراث:لـمَ لا يكون نظاما إضافيا إختياريا؟
18 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
أحدث خطاب الرئيس السبسي يوم 13 أوت جدلا واسعا، بلغ صداه أقصى أقطار الأرض، وأثار ردود أفعال مختلفة داخل الوطن...
المزيد >>
في الذكرى الثامنة لوفاته: عالـم تونس النووي بشير التركي له علينا حق البقاء في الذاكرة
18 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
غادرنا رحمه اللّه إلى الرّفيق الأعلى يوم الخميس 13 أوت 2009 بعد مسيرة عطاء حافلة بالنّشاط العلمي وجليل الأعمال...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
المواجهة أو الفرار:ضغوطات التحوّلات الديموغرافية
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 01 ماي 2017

إلى حد فجر الثورة الصناعية كانت أوروبا العجوز تنظر إلى ارتفاع أعداد السكان كثروة للمجتمعات. يقول جون بودين:«ما بثروة كالرجال». فكلما ازداد حجم السكان إلا وتوسعت الزراعة وتنوعت المنتجات وازدادت المحاصيل، فتعم الرفاهية وتزدهر المجتمعات. ومع مطلع القرن التاسع عشر برزت بضع نظريات تشاؤمية تجاه الاكتظاظ السكاني مع ظهور الفقر والأوبئة والجوع في أواخر القرن الثامن عشر. ولم يعد أمام الفقير الذي لا يجد قوتا يعيش به سوى الموت أنفع. هذا ما ذهب إليه الاقتصادي البريطاني مالتيس الذي أرجع الجوع القاتل إلى التضخم السكاني. يقول مالتيس الذي استخدم استعارة وليمة الطبيعة في كتابه* الصادر عام 1803 لتوضيح علاقة السبب بالنتيجة:« كل إنسان يلد في عالم مكتظ، وإذا هو ينحدر من أسرة فقيرة، وإذا لم يستطع المجتمع تشغيله، ليس له أدنى حق في المطالبة بأي قسط من الغذاء. هو زائد في هذا الكون. وعلى وليمة الطبيعة، ليس له، لا صحن ولا ملعقة ولا شوكة. فتأمره الطبيعة بالرحيل، ولن تتردد في تنفيذ أوامرها» حتى أن فيلسوف الاشتراكية المثالية الفرنسي جوزيف برودون ثار ورد عليه بعنف: «إذا كان هنالك واحد زائد في هذا الكون، فهو مالتيس». أما ماركس صاحب الاشتراكية العلمية فقد وصفه بعدو الطبقة الكادحة. ولم يكن مالتيس وحده الذي غلق الباب أمام المغضوب عليهم. فحتى داروين، وبعد أن اطلع على كتاب* مالتيس في العام 1838، أسس في العام 1858 نظرية التطور والتي تنص على أن الأنماط المتفرعة من عملية التطور ناتجة عن عملية الانتقاء الطبيعي لصالح الأجناس الأكثر أهلية، وأن «الصراع من أجل البقاء» يساهم في التكاثر الانتقائي للكائنات الحية. في حين أن الطبيعة عند مالتيس تسهر على تعديل كمي، وليس كيفي، في المخلوقات البشرية ليحافظ المجتمع على نمو متوازن بين السكان والاقتصاد. وحتى روبار مكنامار وزير الدفاع في أمريكا الديمقراطية زمان كنيدي وخلفه جونسون والقائد العام السابق للبنك العالمي، والذي يعرف الأمن في كتابه «جوهر الأمن» بأنه التنمية وأن بدون تنمية لا يمكن أن يوجد أمن، فقد برر بدوره الفقر في إفريقيا بالانفجار السكاني.
تعيش أكثرية مجتمعات العالم، منذ أواخر ثمانينات القرن الماضي، في صراع مرير مع أكبر مراحل التحولات السكانية في تاريخ البشرية. لعل أبرزها سرعة نمو السكان في البلدان النامية. وتزايد طول الأعمار، وتراجع معدلات الخصوبة، وارتفاع شيخوخة السكان في مناطق أخرى من العالم. إلى جانب التوسع الحضري وازدياد الهجرة الدولية. هذه التغيرات السكانية الضخمة لها تداعيات اقتصادية وسياسية واجتماعية وبيئية جسيمة، إذ هي تهدد النمو والتنمية والأمن وجودة البيئة واستقرار المالية العامة. ولكن صناع القرار قادرون اليوم على كبح كل هذه التحديات إذا ما هم تحركوا وتعاونوا لتصويب الاعوجاج.
ونحن، عبر هذا المقال، لسنا بالناقل العصبي «الأدرينالين»، هرمون التوتر الذي ينشط ردود استجابة الجسم في حالات العواطف المكثفة كالخوف والغضب والضغط، ويقلل التفكير والتركيز، ويمهد الجسم لردة فعل من نوع «المواجهة أو الفرار» كفرار الشيخ الغنوشي مع بداية انتصاب النظام البائد إلى لندن أو كهروب المخلوع بن علي إلى السعودية يوم 14 جانفي. ونحن لسنا مع الفرار، كما تأمر الطبيعة الفقراء عند مالتيس بالرحيل. نحن نريد التأكيد على ضرورة مواجهة تداعيات الازدحام واتساع التحضر وتغير هيكل الأعمار بالتنوير والبناء وتشييد البنية التحتية اللازمة للتكوين والإبداع والتعليم والرعاية الصحية وخلق فرص عمل جديدة، وإلا ستزداد المعاناة وعدم استقرار الأحوال الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
كان النمو السكاني بطيئا على امتداد أكثرية فترات تاريخ البشرية، ولم يصل تعداد سكان العالم إلى مليار نسمة إلا مع مطلع القرن التاسع عشر، ليستقر تعدادهم في حدود ملياري نسمة في عشرينات القرن العشرين. ومنذ منتصف القرن الـ 20 بدأ سكان العالم في التزايد بوتيرة أسرع، وقفز تعدادهم من 2.5 مليار ساكن عام 1950 إلى 5.3 مليار نسمة عام 1990. ولم تهدأ هبوب رياح الازدحام خلال العقود الثلاثة الأخيرة حتى أن مجموع سكان العالم فاق 6 مليارات نسمة صبيحة شهر أكتوبر 1999. ليحط التعداد عند الرقم 7 مليارات ساكن في العام 2011. وها هو تعدادنا اليوم قارب 7 مليارات ونصف. ويتوقع أن يصل عدد سكان العالم إلى 8 مليارات نسمة عام 2025، وقد يستقر عددهم في حدود 10 مليارات بحلول عام 2050. هذا الانفجار السكاني راجع بالأساس إلى سرعة وتيرة ازدياد أعداد السكان، خلال العقود الخمسة الأخيرة، في المجتمعات الإفريقية والآسيوية(ماعدا اليابان) وفي أمريكا اللاتينية والكاريبي، أي في الاقتصاديات النامية. وهذا الإنجاب والتكاثر هو نتيجة التخفيضات الكبيرة في متوسط الوفيات وارتفاع معدلات المواليد بفضل تحسن الغذاء والسكن والماء الصالح للشراب والرعاية الصحية بعد طرد الاستعمار القديم من بلدان الجنوب. والملفت للانتباه أن سدس سكان العالم يعيشون اليوم في إفريقيا، وأن أعلى معدلات النمو السكاني تسجل في إفريقيا، تبلغ حاليا 2.45 بالمائة(وهذا يعني أن سكان إفريقيا يتضاعفون كل 28 سنة)، مقابل 0.04 بالمائة في أوروبا(يتضاعف سكانها كل 173 عاما). واليوم بلغ تعداد سكان الوطن العربي 392 مليون نسمة، وهو مضاعفة 5.2 مرات عن العام 1950(75.4 مليون نسمة). وتعتبر تونس واحدة من البلدان النامية الناجحة في ميدان تحديد النسل، حيث وصل تعداد سكان تونس حاليا إلى ما يقارب 11.3 مليون نسمة مقابل 3.5 مليون نسمة عام 1950.
ومنذ تسعينات القرن الماضي باتت الهجرة تلعب دورا هاما في التحولات الديموغرافية المعاصرة. وهي تفسر اليوم ثلاثة أخماس النمو السكاني في المجتمعات الغربية. وبالنهاية أصبحت الهجرة تعوض انخفاض المحصول الطبيعي في الاقتصاديات المتقدمة، وصارت المصدر الرئيسي للنمو السكاني في أوروبا، حين قادت سرعة النمو السكاني وهشاشة الاقتصاديات في البلدان النامية إلى تحول عام نحو الغرب مع استقبال أوروبا وشمال أمريكا الجزء الأكبر من المهاجرين. كما باتت الهجرة تمارس دورا رئيسيا في العولمة الثقافية مع التحرك الكبير للهجرة النسائية في البلدان النامية لأسباب اقتصادية واجتماعية أو نتيجة الصراعات. وشهد العالم أكبر موجات الهجرة الجماعية في التاريخ الحديث عقب أحداث 11 سبتمبر وما تلاها من غزو لأفغانستان والعراق تحت مظلة محاربة الإرهاب في جبال طورا بورا وبذريعة أن الشهيد صدام حسين يمتلك الأسلحة الكيماوية ويأوي الإسلاميين المتشددين، لتعترف الإدارة الأمريكية في جانفي 2005 بأن لا وجود لمثل هذه الأسلحة في بغداد. والأكيد وبشهادة عديد المراقبين أن الإرهاب في العراق قد ألهم بالغزو، وأن إدارة بوش الابن استخدمت الحرب لإعادة ضخ الحياة في المركب الصناعي والعسكري، وحماية احتياطات الوقود الأحفوري الأمريكي. وبحسب أرقام الأمم المتحدة والبنك الدولي يقدر عدد اللاجئين والنازحين داخليا خلال الخمس سنوات الأخيرة بـ 16 مليون نسمة يتوزعون كالآتي: 9.6 مليون سوري و 3.4 مليون أفغاني و2.6 مليون عراقي و0.3 مليون يمني و0.1 مليون ليبي نتيجة الحروب ضد الإرهاب ونظم الاستبداد وزمرة الإخوان.
اكتظ العالم بالسكان، كما انتفخ بالون «المناضلين» في تونس غداة سقوط النظام البائد حتى اختلط الحابل بالنابل! انتهازية قديمة، وأخرى وافدة من الداخل ومن وراء البحار، ومن كليهما تفرخ الطيور المهاجرة. الكل يهرول وراء اقتسام غنيمة الحكم والمنافع! حتى أن ثمن المناصب والكراسي بلغ مستويات خيالية، ودائما الشعب هو من يدفع الأسعار! فالأصولية المتطرفة والانتهازية الوصولية هما من شوَها دنيا المال والأعمال وأربكا الأمن والأمان: فلا السياسة مستقرة، ولا الاقتصاد في تعاف، ولا تحسن في الأوضاع الاجتماعية، ولا الأمن في أحسن الأحوال. وها نحن اليوم بدأنا نسجل هبوطا في أسعار سلع بعض المضاربين السياسيين، بعد أن شهدت رواجا لفترات محدودة دون أن تستند إلى قاعدة سياسية صحيحة. والأكيد أن هذا البالون لن يعمر طويلا طالما الهمَ الأول والأخير هو الطمع والجري وراء المنافع والمصالح الضيقة. وستزول كل الآثار التشويهية حين ينفجر البالون على شاكلة انهيار اقتصاد الفقاعة مع تقشع الوهم. وضح الغموض وباح سر النفوس، ولكن دعونا نكون ذلك الناقل العصبي الكابح (GABA) الذي يبطئ إرسال الإشارات العصبية، ويلجم القلق والتشاؤم ويعزز السكون والهدوء، أو كما يتغنى الفنان الليبي محمد حسن:« خفف من جوعك وتسلى ـ بالصبر تحلى...لا تتخلى ». فبالرغم من التزايد الهائل في أعداد السكان، لقد بدأ المعدل الكلي لنمو سكان العالم يسجل خلال الأعوام الأخيرة تراجعا في كل أنحاء المعمورة. لتستقر نسبة النمو حاليا في حدود 1.09 في المائة(وهذا يعني تضاعف سكان العالم كل 64 سنة). مقابل 2.08 بالمائة(تضاعف سكان العالم كل 33 سنة) زمن اعتلاء روبار مكنامارا كرسي القيادة في البنك العالمي.
ومن العوامل التي قادت إلى انخفاض نسق النمو السكاني خلال السنوات الأخيرة في أكثرية البلدان النامية تنوع وسائل تنظيم النسل، وانتشار التعليم، وتحسن معدل بقاء الأطفال، وارتفاع نسبة موارد الأسرة المخصصة للأبناء، ودخول المرأة لسوق الشغل وعالم السياسية. كما أثرت الصراعات والمجاعة في بعض البلدان التابعة بدورهما على معدلات الخصوبة والإنجاب. ولكن، وبالرغم من تراجع نسق نمو السكان عاد الجوع منذ توديع الألفية الثانية، عاد بازدياد بطيء ولكنه باطراد. بعد أن تمَ إحراز تقدم جيد في الحد من الفقر والجوع خلال فترة الثمانينات والنصف الأول من تسعينات القرن الماضي. فهل التضخم السكاني هو الذي أنتج الفقر والجوع؟ أم أن سبب الفقر والبطالة راجع إلى ارتفاع الديون واتساع الفساد وعولمة الاقتصاديات؟ هذا ما سنتعرض إليه في الجزء القادم من المقال الحالي.

 

 

قطاع المخابز:بين عجز الدولة وانتكاس أصحاب المخابز
25 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
لا احد يشك أن قطاع مادة الخبز له أهمية كبرى في حياة المواطن التونسي وهو راجع بالأساس إلى العادات الغذائية...
المزيد >>
إستراتيجية الربيع العبري
25 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
لعله من الأهداف القريبة التي كانت وراء مرحلة "الربيع العربي" والتي أطلقت عليه شخصيا مصطلح الربيع العبري هي...
المزيد >>
المساواة في الميراث:لـمَ لا يكون نظاما إضافيا إختياريا؟
18 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
أحدث خطاب الرئيس السبسي يوم 13 أوت جدلا واسعا، بلغ صداه أقصى أقطار الأرض، وأثار ردود أفعال مختلفة داخل الوطن...
المزيد >>
في الذكرى الثامنة لوفاته: عالـم تونس النووي بشير التركي له علينا حق البقاء في الذاكرة
18 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
غادرنا رحمه اللّه إلى الرّفيق الأعلى يوم الخميس 13 أوت 2009 بعد مسيرة عطاء حافلة بالنّشاط العلمي وجليل الأعمال...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
عبد الحميد ا لرياحي
حروب أمريكا... الزرع والحصاد
حروب أمريكا سواء كانت مباشرة مثل غزو العراق أو بالوكالة كما يحدث في سوريا مع المجموعات الارهابية وأساسا تنظيم داعش الارهابي ليست حروبا عبثية ولا مجانية.. بل هي حروب مخطط لها...
المزيد >>