قراءة في حزمة الإجراءات الحكومية الخاصة بالفلاحة ( 2)
النوري الصّل
محــاربة الفساد... مسؤوليــة الجميــع
الحرب التي أطلقها رئيس الحكومة يوسف الشاهد على الفساد، رغم أنها لا تزال في بداياتها، إلا أنها سجلت إلى حد الآن نتائج مبهرة وشكّلت سابقة تاريخية وخطوة جريئة جديرة بالدعم الذي يجب...
المزيد >>
قراءة في حزمة الإجراءات الحكومية الخاصة بالفلاحة ( 2)
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 08 ماي 2017


ممّا ورد بالقانون المذكور أعلاه، الترفيع في القيمة القصوى للمشاريع الصغرى(صنف"أ)من 60 إلى 200 ألف دينار مع ضرورة توفير 10% كتمويل ذاتي.فما يمكن ملاحظته في هذا الشأن ما يلي: أولا، أنّ هذا الإجراء هو استحثاث لاستثمار ادخار مفترض !العارف بأوضاع الفلاحين يدرك جيّدا ندرة المنتفعين المفترضين بهكذا شرط؟ ثانيا، الترفيع في القيمة القصوى هو اعتراف ضمني بارتفاع أسعار كلّ عناصر الإنتاج الفلاحي وبالتالي ارتفاع لكلفة الإنتاج.لكن تحسين ظروف الإنتاج لا يعني بالضرورة تحسين الوضع المادي للفلاحين، طالما بقيت منظومة التّسويق وسياسة التّسعير عند الإنتاج على ما هي عليه.فالمتابع للشأن الفلاحي يمكن له تسجيل اعتماد الدوائر المسؤولة على معدّلات المؤشرات دون التّدقيق في طرفي(الأدنى والأقصى)، وطالما بقيت هذه الدوائر حبيسة النظرة السكتارية-التكنوقراطية، متجاهلة التحولات الاجتماعية التي يشهدها الريف التونسي وأسبابها وتأثيراتها، فإنّه لا خير يرجى من كلّ الحوافز المالية والجبائية.فسياسة تسعير الحبوب مثلا، سياسة عرجاء لاعتمادها على الأسلوب التفاضلي، فهي تفضل المستهلك على المنتج وتفضّل انتاج القمح الصّلب على القمح اللّيّن وبالتّالي فهي تفضّل جهات على أخرى. وهذا ما يؤكّده ضعف الإقبال على زراعة القمح اللّيّن(%10-8) وضعف مؤشر الاستهلاك الذاتي من المواد الغذائية(أقلّ من (%5. فإجراء التّرفيع في سعر الحبوب عند التّسليم لمراكز تجميع الحبوب (الأمر الحكومي عدد 416 المؤرخ في 7 أفريل 2017) أدّى إلى ارتفاع الهوّة الفاصلة بين سعر القمح الصلب والقمح اللّيّن إلى مستوى الـ 17د/قنطار! في هذا الإطار يمكن أن نسوق أربع ملاحظات، وهي الآتية : (i) إنّ حجم الزيادة في السّعر لا يغطّي حجم الزيادة الذي شهدته أسعار مستلزمات الإنتاج، فما بالك إذا اعتبرنا حجم تدهور القدرة الشرائية.(ii) لماذا يصرّ المسؤولون على التقليل من شأن زراعة القمح اللّيّن؟ قد تكون المبرّرات التاريخية تعود لحقبة الاستعمار الفرنسي، ففرنسا من أكبر البلدان المنتجة للقمح اللّيّن وهي لا تحبّذ منافسة، والمبرّر التاريخي الثاني في علاقة بنمط الاستهلاك العائلي(من أكبر مستهلكي القمح الصلب).لكن الآن ليس هناك ما يبرّر هكذا سياسة تسعير إذا علمنا أنّ منحى الاستهلاك العائلي بتونس أصبح لصالح القمح الليّن، حيث تشير آخر مؤشرات المعهد الوطني للإحصاء (2015) إلى ارتفاع معدّل حجم الإنفاق المخصّص لاستهلاك القمح الليّن : %61,69 (84,9 كغ/فرد/سنة) مقابل%38,31 للقمح الصلب (63,8 كغ/فرد/سنة). (iii) لماذا الإصرار على التقليل من شأن القمح اللّيّن وهو الذي أشارت به الخارطة الفلاحية باعتبار قدرة هذا الصنف على مقاومة الجفاف الظرفي والقدرة على الصّمود أمام الأمراض الفطرية والأحسن مردودا إذا تساوت ظروف الإنتاج (21 قنطار قمح ليّن/هك مقابل 15 قنطار قمح صلب/هك). فمساحة القمح الليّن لم تتعدّ الـ 10% من جملة مساحة الحبوب]100 ألف هك/1240 ألفا مخصصة للحبوب/سنة 2016-2017(8%)[. (iv) إنّ تقنية التداول الزراعي تقتضي زراعة البقول، والفول المصري إحداها.والتشجيع على مثل هكذا حزمة فنية شأن لا يهمّ سوى الضيعات المتوسطة والكبرى وخاصة تلك المختصّة في زراعة الحبوب.الإشادة بهكذا إجراء لا يختلف حوله فلاّحان، لكن قد يكون من المفيد التفكير في طريقة ثانية، بديلة أو موازية، وذلك بتحفيز شريحة الفلاحين المعنية بزراعة الفول المصري من بوّابة "تسمين العجول والخرفان"، هكذا نحقّق ثلاثة أهداف في ذات الوقت: تثمين البقول عبر التّسمين، تحسين مردود الحبوب في السنة الموالية، انخراط الضيعات المتوسطة والكبرى في منظومة اللّحوم الحمراء.
كذلك، يمثّل إجراء التشجيع على الاستثمار في الميكنة شرطا من الشروط للتقليل من إهدار الطاقة(محروقات)والإنتاج(10% من صابة الحبوب) الذي يعود في جزء هام منه لتقادم الآلات الفلاحية، لكنّه يبقى شرطا للتنقيص من هدر الإنتاج وليس شرطا لتحسينه.فاقتناء الميكنة الفلاحية لا تهمّ سوى فئة قليلة من أصحاب الضيعات الكبرى والمتوسطة، وواقع الحال يؤكّد ذلك، لأنّ أغلب الآلات الفلاحية (جرّار، آلة حصاد، آلة ربط الأعلاف الخشنة) على ملك المستغلات التي تفوق الـ 50 هك. وإذا بقي منحى الاستثمار الفلاحي كما هو عليه الحال، أي إقصائي بطبع الشروط المطلوبة (مساحة، رهن عقاري) فإنّ برنامج تجديد أسطول الميكنة الفلاحية لن يشهد تغييرا يذكر، إلاّ إذا تحرّكت آلة التمويل الموازي (قرض المزوّدين) أي أصحاب المصلحة الكبرى من هذا الإجراء، أي الشركات المختصة في بيع الآلات الفلاحية.وتجدر الإشارة أنّ مثل هذا الإجراء قد يؤدي إلى استفحال ظاهرة التحايل والتلاعب بعقود الإيجار الفلاحي (مساحة ومدّة) وقد تولد ظاهرة المضاربة/المرابحة كأن يشتري صاحب ضيعة آلة بنصف سعرها(باعتبار المنحة)ويبيعها بأقلّ من سعرها لشخص آخر لا تتوفر لديه الشروط المطلوبة، وقد يشهد الوضع تكاثر التعاونيات الفلاحية الوهمية لغاية التحايل للانتفاع بالحوافز ليس إلاّ.أمام هذا الزخم من التّشجيعات لسائل أن يسأل لماذا تتمنّع الدوائر المسؤولة على دعم مستلزمات الإنتاج (بذور، أسمدة، أدوية)وفي المقابل تزيد في حجم منح الاستثمار؟ لماذا يرفض البعض تطبق سياسة حقيقة الكلفة ومن ثمّة حقيقة الأسعار؟ إنّه احد بنود اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمّق : برنامج "تأهيل القطاع الفلاحي"!
وقد حظي الزيتون ببرنامج خصوصي، نظرا لأهمية هذا النشاط بتونس، سميّ"برنامج مليون زيتونة"، إجراء لا يكمن لعاقل أن يعارضه، لكن يجب تنسيب حجم الجدوى المرجوّة إذا أخذنا بعين الاعتبار ضعف المردود الحالي والتواتر السنوي لحجم الإنتاج وخاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار انخراط بعض بلدان حوض المتوسط في مسار انتاج زيت الزيتون(الجزائر مثلا).ثمّ، أنّ هذا"المشروع"يكتنفه بعض الغموض من حيث الشرائح المستهدفة، فهل هو مشروع لإحداث ضيعات جديدة و/أو توسيعها أم هو مشروع لتشبيب القديم من الضيعات أو الاثنان معًا؟
يمكن الجزم أنّ حزمة الإجراءات المتخذة تذكر فتشكر ولا يستهان بها، بل محبّذة، لكنّها تبقى في خانة الاستجابة لمطالب ظرفية لبعض الفئات من الفلاحين والمستهلكين ولم ترتق بعدُ إلى مستوى المشروع الشامل الذي يقطع مع المقاربة القطاعية والمنظوماتية، بل قد تكون، وهذا الأرجح، بداية فعلية لتجسيد مشروع اتفاقية التبادل الأوروبية-التونسية(آليكا).وما قد يؤشر على هذا المنحى حرص الحكومة على خصخصة البنوك العمومية - البنك الوطني الفلاحي احدها- : هل ستقبل هذه الأخيرة، إن لم يقع خصخصتها، والمدعوّة لفرض نفسها وسط غابة المؤسسات المالية التجارية الخاصة، بالمخاطرة والتنازل عن الشروط الحالية لتمويل الاستثمار الفلاحي (رهن عقاري، جدوى اقتصادية)؟ أم أنّ دورها المحوري في المستقبل سيوجه لدعم مسار التكثيف العقاري وتشجيع المضاربة على العقارات الفلاحية وذلك من خلال نافذة القروض الفلاحية التي قد تورط الفلاحين الصغار والشريحة الدنيا من متوسطي الفلاحين، قروض قد تؤدي إلى إفلاس جزء هام منهم وبالتالي التسليم ببيع ما يملكون من عقارات فلاحية لفائدة شريحة أخرى أيسر حال، بمن في ذلك الأجانب ! إنّ حزمة الإجراءات الحكومية الخاصة بالفلاحة قد تناست الفلاحة العائلية-التقليدية عن قصد لغاية دفنها، وكلّ التّشجيعات موجّهة للفلاحين الكبار (فلاحة صناعية) ومن ورائهم وحدات التجميع والتحويل وشركات توريد الآلات الفلاحية، وهي إجراءات لتعبيد الثنايا للاستثمار الأجنبي كما ورد بمجلّة الاستثمار، ويمكن الجزم أنّ اتفاقية التبادل الحرّ الشامل والمعمّق موضوع قد حلّ أجل حسمه، والإعلان عن ذلك سيكون في قادم الأشهر.

د.عبد المجيد بنقياس
الطاهر بن عمار رجل دولة(قوّة المثابرة)
15 ماي 2017 السّاعة 21:00
صدر أخيرا وتزامنا مع بداية المعرض الدولي للكتاب مرجع تاريخي لا غنى عنه لدارسي تاريخ تونس المعاصر انطلاقا من...
المزيد >>
لماذا: اضراب الحرية والكرامة للأسرى الفلسطينيين ؟
15 ماي 2017 السّاعة 21:00
لم تكن القضية الفلسطينية كقضية مركزية للأمة العربية خلال القرن الماضي قضية تحرير وطني فحسب، بل هي قضية وجود...
المزيد >>
المواجهة أو الفرار (2 / 3):ضغوطات التحولات الديموغرافية
15 ماي 2017 السّاعة 21:00
تعرضنا أعزائي القراء في الحلقة الأولى من هذا المقال إلى سرعة النمو السكاني، وفي الاقتصاديات النامية بوجه...
المزيد >>
قراءة في حزمة الإجراءات الحكومية الخاصة بالفلاحة ( 2)
08 ماي 2017 السّاعة 21:00
ممّا ورد بالقانون المذكور أعلاه، الترفيع في القيمة القصوى للمشاريع الصغرى(صنف"أ)من 60 إلى 200 ألف دينار مع...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
قراءة في حزمة الإجراءات الحكومية الخاصة بالفلاحة ( 2)
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 08 ماي 2017


ممّا ورد بالقانون المذكور أعلاه، الترفيع في القيمة القصوى للمشاريع الصغرى(صنف"أ)من 60 إلى 200 ألف دينار مع ضرورة توفير 10% كتمويل ذاتي.فما يمكن ملاحظته في هذا الشأن ما يلي: أولا، أنّ هذا الإجراء هو استحثاث لاستثمار ادخار مفترض !العارف بأوضاع الفلاحين يدرك جيّدا ندرة المنتفعين المفترضين بهكذا شرط؟ ثانيا، الترفيع في القيمة القصوى هو اعتراف ضمني بارتفاع أسعار كلّ عناصر الإنتاج الفلاحي وبالتالي ارتفاع لكلفة الإنتاج.لكن تحسين ظروف الإنتاج لا يعني بالضرورة تحسين الوضع المادي للفلاحين، طالما بقيت منظومة التّسويق وسياسة التّسعير عند الإنتاج على ما هي عليه.فالمتابع للشأن الفلاحي يمكن له تسجيل اعتماد الدوائر المسؤولة على معدّلات المؤشرات دون التّدقيق في طرفي(الأدنى والأقصى)، وطالما بقيت هذه الدوائر حبيسة النظرة السكتارية-التكنوقراطية، متجاهلة التحولات الاجتماعية التي يشهدها الريف التونسي وأسبابها وتأثيراتها، فإنّه لا خير يرجى من كلّ الحوافز المالية والجبائية.فسياسة تسعير الحبوب مثلا، سياسة عرجاء لاعتمادها على الأسلوب التفاضلي، فهي تفضل المستهلك على المنتج وتفضّل انتاج القمح الصّلب على القمح اللّيّن وبالتّالي فهي تفضّل جهات على أخرى. وهذا ما يؤكّده ضعف الإقبال على زراعة القمح اللّيّن(%10-8) وضعف مؤشر الاستهلاك الذاتي من المواد الغذائية(أقلّ من (%5. فإجراء التّرفيع في سعر الحبوب عند التّسليم لمراكز تجميع الحبوب (الأمر الحكومي عدد 416 المؤرخ في 7 أفريل 2017) أدّى إلى ارتفاع الهوّة الفاصلة بين سعر القمح الصلب والقمح اللّيّن إلى مستوى الـ 17د/قنطار! في هذا الإطار يمكن أن نسوق أربع ملاحظات، وهي الآتية : (i) إنّ حجم الزيادة في السّعر لا يغطّي حجم الزيادة الذي شهدته أسعار مستلزمات الإنتاج، فما بالك إذا اعتبرنا حجم تدهور القدرة الشرائية.(ii) لماذا يصرّ المسؤولون على التقليل من شأن زراعة القمح اللّيّن؟ قد تكون المبرّرات التاريخية تعود لحقبة الاستعمار الفرنسي، ففرنسا من أكبر البلدان المنتجة للقمح اللّيّن وهي لا تحبّذ منافسة، والمبرّر التاريخي الثاني في علاقة بنمط الاستهلاك العائلي(من أكبر مستهلكي القمح الصلب).لكن الآن ليس هناك ما يبرّر هكذا سياسة تسعير إذا علمنا أنّ منحى الاستهلاك العائلي بتونس أصبح لصالح القمح الليّن، حيث تشير آخر مؤشرات المعهد الوطني للإحصاء (2015) إلى ارتفاع معدّل حجم الإنفاق المخصّص لاستهلاك القمح الليّن : %61,69 (84,9 كغ/فرد/سنة) مقابل%38,31 للقمح الصلب (63,8 كغ/فرد/سنة). (iii) لماذا الإصرار على التقليل من شأن القمح اللّيّن وهو الذي أشارت به الخارطة الفلاحية باعتبار قدرة هذا الصنف على مقاومة الجفاف الظرفي والقدرة على الصّمود أمام الأمراض الفطرية والأحسن مردودا إذا تساوت ظروف الإنتاج (21 قنطار قمح ليّن/هك مقابل 15 قنطار قمح صلب/هك). فمساحة القمح الليّن لم تتعدّ الـ 10% من جملة مساحة الحبوب]100 ألف هك/1240 ألفا مخصصة للحبوب/سنة 2016-2017(8%)[. (iv) إنّ تقنية التداول الزراعي تقتضي زراعة البقول، والفول المصري إحداها.والتشجيع على مثل هكذا حزمة فنية شأن لا يهمّ سوى الضيعات المتوسطة والكبرى وخاصة تلك المختصّة في زراعة الحبوب.الإشادة بهكذا إجراء لا يختلف حوله فلاّحان، لكن قد يكون من المفيد التفكير في طريقة ثانية، بديلة أو موازية، وذلك بتحفيز شريحة الفلاحين المعنية بزراعة الفول المصري من بوّابة "تسمين العجول والخرفان"، هكذا نحقّق ثلاثة أهداف في ذات الوقت: تثمين البقول عبر التّسمين، تحسين مردود الحبوب في السنة الموالية، انخراط الضيعات المتوسطة والكبرى في منظومة اللّحوم الحمراء.
كذلك، يمثّل إجراء التشجيع على الاستثمار في الميكنة شرطا من الشروط للتقليل من إهدار الطاقة(محروقات)والإنتاج(10% من صابة الحبوب) الذي يعود في جزء هام منه لتقادم الآلات الفلاحية، لكنّه يبقى شرطا للتنقيص من هدر الإنتاج وليس شرطا لتحسينه.فاقتناء الميكنة الفلاحية لا تهمّ سوى فئة قليلة من أصحاب الضيعات الكبرى والمتوسطة، وواقع الحال يؤكّد ذلك، لأنّ أغلب الآلات الفلاحية (جرّار، آلة حصاد، آلة ربط الأعلاف الخشنة) على ملك المستغلات التي تفوق الـ 50 هك. وإذا بقي منحى الاستثمار الفلاحي كما هو عليه الحال، أي إقصائي بطبع الشروط المطلوبة (مساحة، رهن عقاري) فإنّ برنامج تجديد أسطول الميكنة الفلاحية لن يشهد تغييرا يذكر، إلاّ إذا تحرّكت آلة التمويل الموازي (قرض المزوّدين) أي أصحاب المصلحة الكبرى من هذا الإجراء، أي الشركات المختصة في بيع الآلات الفلاحية.وتجدر الإشارة أنّ مثل هذا الإجراء قد يؤدي إلى استفحال ظاهرة التحايل والتلاعب بعقود الإيجار الفلاحي (مساحة ومدّة) وقد تولد ظاهرة المضاربة/المرابحة كأن يشتري صاحب ضيعة آلة بنصف سعرها(باعتبار المنحة)ويبيعها بأقلّ من سعرها لشخص آخر لا تتوفر لديه الشروط المطلوبة، وقد يشهد الوضع تكاثر التعاونيات الفلاحية الوهمية لغاية التحايل للانتفاع بالحوافز ليس إلاّ.أمام هذا الزخم من التّشجيعات لسائل أن يسأل لماذا تتمنّع الدوائر المسؤولة على دعم مستلزمات الإنتاج (بذور، أسمدة، أدوية)وفي المقابل تزيد في حجم منح الاستثمار؟ لماذا يرفض البعض تطبق سياسة حقيقة الكلفة ومن ثمّة حقيقة الأسعار؟ إنّه احد بنود اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمّق : برنامج "تأهيل القطاع الفلاحي"!
وقد حظي الزيتون ببرنامج خصوصي، نظرا لأهمية هذا النشاط بتونس، سميّ"برنامج مليون زيتونة"، إجراء لا يكمن لعاقل أن يعارضه، لكن يجب تنسيب حجم الجدوى المرجوّة إذا أخذنا بعين الاعتبار ضعف المردود الحالي والتواتر السنوي لحجم الإنتاج وخاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار انخراط بعض بلدان حوض المتوسط في مسار انتاج زيت الزيتون(الجزائر مثلا).ثمّ، أنّ هذا"المشروع"يكتنفه بعض الغموض من حيث الشرائح المستهدفة، فهل هو مشروع لإحداث ضيعات جديدة و/أو توسيعها أم هو مشروع لتشبيب القديم من الضيعات أو الاثنان معًا؟
يمكن الجزم أنّ حزمة الإجراءات المتخذة تذكر فتشكر ولا يستهان بها، بل محبّذة، لكنّها تبقى في خانة الاستجابة لمطالب ظرفية لبعض الفئات من الفلاحين والمستهلكين ولم ترتق بعدُ إلى مستوى المشروع الشامل الذي يقطع مع المقاربة القطاعية والمنظوماتية، بل قد تكون، وهذا الأرجح، بداية فعلية لتجسيد مشروع اتفاقية التبادل الأوروبية-التونسية(آليكا).وما قد يؤشر على هذا المنحى حرص الحكومة على خصخصة البنوك العمومية - البنك الوطني الفلاحي احدها- : هل ستقبل هذه الأخيرة، إن لم يقع خصخصتها، والمدعوّة لفرض نفسها وسط غابة المؤسسات المالية التجارية الخاصة، بالمخاطرة والتنازل عن الشروط الحالية لتمويل الاستثمار الفلاحي (رهن عقاري، جدوى اقتصادية)؟ أم أنّ دورها المحوري في المستقبل سيوجه لدعم مسار التكثيف العقاري وتشجيع المضاربة على العقارات الفلاحية وذلك من خلال نافذة القروض الفلاحية التي قد تورط الفلاحين الصغار والشريحة الدنيا من متوسطي الفلاحين، قروض قد تؤدي إلى إفلاس جزء هام منهم وبالتالي التسليم ببيع ما يملكون من عقارات فلاحية لفائدة شريحة أخرى أيسر حال، بمن في ذلك الأجانب ! إنّ حزمة الإجراءات الحكومية الخاصة بالفلاحة قد تناست الفلاحة العائلية-التقليدية عن قصد لغاية دفنها، وكلّ التّشجيعات موجّهة للفلاحين الكبار (فلاحة صناعية) ومن ورائهم وحدات التجميع والتحويل وشركات توريد الآلات الفلاحية، وهي إجراءات لتعبيد الثنايا للاستثمار الأجنبي كما ورد بمجلّة الاستثمار، ويمكن الجزم أنّ اتفاقية التبادل الحرّ الشامل والمعمّق موضوع قد حلّ أجل حسمه، والإعلان عن ذلك سيكون في قادم الأشهر.

د.عبد المجيد بنقياس
الطاهر بن عمار رجل دولة(قوّة المثابرة)
15 ماي 2017 السّاعة 21:00
صدر أخيرا وتزامنا مع بداية المعرض الدولي للكتاب مرجع تاريخي لا غنى عنه لدارسي تاريخ تونس المعاصر انطلاقا من...
المزيد >>
لماذا: اضراب الحرية والكرامة للأسرى الفلسطينيين ؟
15 ماي 2017 السّاعة 21:00
لم تكن القضية الفلسطينية كقضية مركزية للأمة العربية خلال القرن الماضي قضية تحرير وطني فحسب، بل هي قضية وجود...
المزيد >>
المواجهة أو الفرار (2 / 3):ضغوطات التحولات الديموغرافية
15 ماي 2017 السّاعة 21:00
تعرضنا أعزائي القراء في الحلقة الأولى من هذا المقال إلى سرعة النمو السكاني، وفي الاقتصاديات النامية بوجه...
المزيد >>
قراءة في حزمة الإجراءات الحكومية الخاصة بالفلاحة ( 2)
08 ماي 2017 السّاعة 21:00
ممّا ورد بالقانون المذكور أعلاه، الترفيع في القيمة القصوى للمشاريع الصغرى(صنف"أ)من 60 إلى 200 ألف دينار مع...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
النوري الصّل
محــاربة الفساد... مسؤوليــة الجميــع
الحرب التي أطلقها رئيس الحكومة يوسف الشاهد على الفساد، رغم أنها لا تزال في بداياتها، إلا أنها سجلت إلى حد الآن نتائج مبهرة وشكّلت سابقة تاريخية وخطوة جريئة جديرة بالدعم الذي يجب...
المزيد >>