المسلمون الدّيمقراطيّون في تونس ودرس التّمكين في تركيا الإخوانيّة (2/2)
فاطمة بن عبد الله الكرّاي
في صوْن الجمهورية... جولات
جميل أن تقام للشهيدين محمد البراهمي وشكري بلعيد ساحتين عموميتين باسميهما.. وجميل أن يكون للتونسيين عناوين ومحطات تاريخية، ورغم الآلام التي ترافق حدوثها تحمل في طياتها الموعظة...
المزيد >>
المسلمون الدّيمقراطيّون في تونس ودرس التّمكين في تركيا الإخوانيّة (2/2)
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 08 ماي 2017


• العنوان الثّاني يتمثّل في الأطراف السّياسيّة المكوّنة للخريطة الحزبيّة في تونس ومضمون الرّسالة التي يبعث بها النّهضويّون إلى هؤلاء أنّه لا خوف على "ديمقراطيّتكم من إسلامنا السّياسي" لأنّنا ديمقراطيّون مثلكم. وإذا تمكّنا من بسط نفوذنا السّياسي المتديّن (المسلم) أو عمّمنا تديّننا السّياسي على حساب مدنيّتكم المسيّسة أو تسيّسكم المدني فسوف يكون عن طريق الدّيمقراطيّة التي هي لعبة الجميع مع الجميع في الصّراع من أجل الهيمنة على المجتمع وافتكاك السّلطة. وفي هذا المنحى بالذّات ينبغي أن ننبّه إلى أنّ جولة المراهنة على أسلمة المجتمع "ديمقراطيّا" ستبدأ مباشرة إثر الانتخابات البلديّة وإرساء أركان السّلطات المحليّة لأنّها ستتيح لحركة الاسلام السّياسي في تونس أن تدخل في مسار التّحكّم في المجتمع وإعادة صياغة نموذجه على معنى المجتمع المتديّن إسلاميّا وحسب مقتضياته.
• العنوان الثّالث هو الإسلاميّون السّياسيّون وبالتّحديد الإخوان المسلمون، ولسان حال النّهضويّين يقول لهم "إنّنا نتّبع خطى التّجربة الإخوانيّة التّركيّة التي يقودها بثبات "السّلطان العثماني" أردوغان ولدينا فيها أسوة حسنة". فمعلوم أنّ حزب العدالة والتّنمية قاد تجربة تحوّلت إلى نموذج في العالم الاسلامي، وأثبت أنّه أكثر حرصا على صيانة الجمهوريّة ومبادئ العلمانيّة التركية إلى أن أحكم سيطرته على كلّ مفاصل الدّولة وتوغّل في كلّ المكوّنات الجوفيّة للمجتمع فأجهز على النّقابات وسيطر على الإعلام وتحكّم في كلّ الهيئات المدنيّة والجمعيّات وحوّلها إلى أجنحة تابعة له.
• العنوان الرّابع يتمثّل في القوى الدّاعمة للإسلام السّياسي في المنطقة عموما ومن ضمنها تونس، وفي مقدّمة تلك القوى نجد الإدارة الأمريكيّة خلال فترة حكم باراك أوباما. فالإسلاميّون الذين حكموا تونس منذ أواخر سنة 2011 كانوا أكثر التزاما بتطبيق التّعليمات الأمريكيّة بما فيها ما تعلّق بصياغة الدّستور الجديد وبالأخصّ طبيعة النّظام السّياسي الذي فرضته حركة النّهضة صاحبة الأكثريّة في المجلس الوطني التّأسيسي. علينا ألاّ ننسى التّأثير اللاّفت لدوائر التّفكير وصناعة القرار على أشغال المجلس وبشكل أدقّ تأثير نوح فيلدمان على أداء المقرّر العام للدّستور حينما قدّم له استشارة تدعَم النظام البرلماني وقد اتّضح ذلك جليّا وافتضح أثناء زيارة العمل التي أدّاها فيلدمان إلى قصر باردو في سبتمبر 2012، وقد سبقتها زيارات ولحقتها أخرى. ولعلّ مسألة إرساء أنظمة برلمانيّة في بلدان التّحوّلات أو الانتقالات السّياسيّة أصبح من اختصاص هذا الخبير الشّاب في مجال القانون، والذي شغل خطّة مساعد بريمر، حاكم العراق زمن الاحتلال الأمريكي، وكتب الدّستور وأرسى النظام البرلماني هناك، وأهمّ ما في الأمر في حالة تونس والعراق أنّه من دعاة "الدولة الاسلامية الديمقراطية". وفي الحقيقة كانت أطروحة الاسلام الدّيمقراطي نتاج بحث عميق وجدّي لدوائر التّفكير الأمريكيّة منذ هجمات 11 سبتمبر 2001، ولعلّ من أبرز أعوان تنفيذ هذا المشروع على الميدان زلماي خليل زاد سفير الولايات المتحدة بأفغانستان ثم بالعراق وأبرز المحافظين الجدد من ذوي الأصول اسلامية. وهو يهدف إلى إنتاج إسلام ديمقراطي على مقاس السياسة الخارجية الأمريكية، وذلك بتقديم الدّعم الكامل للإسلاميين المعتدلين والدّعم الانتقائي للعلمانيين، وهو ما يؤكّده فعلا التّحالف بين مكوّنات التّرويكا بعد انتخابات 23 أكتوبر 2011. في هذا السّياق أيضا علينا أن نتذكّر جيّدا زيارة الغنّوشي لمنظّمة أيباك American Israel Public Affaire Committee ثمّ لقاءه مع مارتن أنديك المستشار الأمريكي الأسبق لدى وزارة الخارجيّة المكلّف بشؤون الشّرق الأوسط (يوم 30 نوفمبر 2011 أي أسبوعا واحدا بعد انعقاد أوّل جلسة للمجلس التأسيسي وثلاثة أسابيع قبل تشكيل حكومة حمادي الجبالي) ثمّ لقاءاته المتكرّرة هناك وهنا مع السّيناتور ماك كاين وكذلك مادلين ألبرايت وزيرة الخارجيّة الأمريكيّة السّابقة مرورا بزيارته لمعهد بروكنغز Brookings Institute بتاريخ 31 ماي 2013، أين ألقى فيه محاضرة حول الاسلام والدّيمقراطيّة... دون أن نغفل حصوله على جائزة من المنظّمة البريطانيّة Chatam House (منظمة بريطانية مختصّة، هي أيضا، في عقد الملتقيات الحوارية والنقاشات بهدف التأثير على القرارات السياسية بالعالم لمصلحة القوى الليبرالية العالمية، وهي ثاني منظّمة مؤثرة في العالم  وقد منحت الغنوشي والمرزوقي جائزة المنظمة يوم 26 نوفمبر 2012). وكلّ تلك اللّقاءات كانت معزّزة بالدّور الوسائطي والاستشاري الخفي الذي كانت تلعبه إحدى أطر/ دوائر التّفكير Think Tanks المتمثّلة في مركز دراسات الإسلام والدّيمقراطيّة (يرأسها التّونسي الأمريكي ذو التّوجّهات الإسلاميّة رضوان المصمودي) والتي كانت تساهم في إعداد الاسلاميّين وتدريبهم على قبول التّعليمات الأمريكيّة وتنفيذها. حصيلة ما ورد في التّحليل السّابق انطلاقا من قراءتنا لمعنى المسلم الدّيمقراطي في قالبه النّهضوي وفق مقوّمات الشّخصيّة الاخوانيّة (بالمعنى السّياسي) وخصائصها الذّهنيّة ومن منظور استراتيجيا التّسميات تؤكّد أنّ التّرويج لمضمون المسلمين الدّيمقراطيّين يحمل في طيّاته ما لا يقلّ عن خمسة أبعاد محرجة للنّهضويّين لا يمكن لأيّ متابع للشّأن السّياسي في تونس ألاّ يتفطّن إليها:
• البعد الأوّل يتعلّق بضمان وحدة الحركة وتحصينها من مخاطر الانشقاق الذي حصل في الحزب الذي يناصفهم الحكم، لأنّها كبقيّة الأحزاب الأخرى مازالت تعاني من عدم توفّر شروط الاستقرار الحزبي في واقع متحرّك وساخن ويصعب الإحاطة به من كلّ الجوانب. وأهمّ تلك الشّروط بالنّسبة إلى النّهضويّين هي الحسم النّهائي في هويّتهم الحزبيّة.
• البعد الثّاني يتعلّق بمحاولة استغفال التّونسيّين (النّخبة منهم قبل العامّة والسّاسة منهم قبل "المستقلّين") في مسألة العلاقة بين الدّين والسّياسة، لذلك أفتوا في المسألة بما يسمّونه بالتّخصّص حسب رغبتهم في تقديمه للجمهور، ويقصدون به أن يتخصّص الحزب المنبثق عن المؤتمر العاشر للحركة في العمل السّياسي بينما ينصرف البعض من مكوّنات الحركة وأتباعها إلى أسلمة التّونسيين المسلمين أصلا سواء ثقافيّا أو عقائديّا و"دعوتهم إلى الإسلام".
• البعد الثّالث يتعلّق بالتّغطية على فشل المؤتمر العاشر في محاولة الإقناع بأنّ حركة النّهضة تحوّلت إلى حزب مدني عندما خلص إلى فصل الدّيني عن الدّعوي، وبكونه كان مؤتمرا ديمقراطيّا. فقد فشل في المهمّة الأولى بمجرّد أن أعاد إنتاج أهم مؤسّسة ذات مضمون وعمق ديني في مجال السّياسة وهي مؤسّسة مجلس الشّورى. وقد فشل كمؤتمر في أن يحوّل الحركة إلى حزب ديمقراطي بمجرّد أن أبقى على صلاحيّة رئيسها في تعيين ثلث أعضاء مجلس الشّورى، الأمر الذي يسمح له بضمان الأكثريّة العدديّة من الموالين له ولجناحه على حساب الأجنحة الأخرى.
• البعد الرّابع يتعلّق بما فرضته التّحوّلات الإقليميّة والدّوليّة على واقع العمل السّياسي في المنطقة العربيّة وفي تونس وبشكل أخصّ على الإسلام السّياسي والحركات والأحزاب التي تنشط في مداره. وفي هذا المنحى يتعامل الإسلاميّون في تونس مع مثالين في غاية التّناظر: المثال التّركي الذي يوحي بأنّهم لا زالوا يمثّلون الطّرف الحاسم في اللّعبة الانتقاليّة وتحديد مآلاتها السّياسيّة وغير السّياسيّة. والمثال المصري الذي ينبّههم إلى ضرورة العمل على تفادي ما حصل لجماعة الإخوان بعد أن انقلبوا على مضامين الوكالة التي منحهم إياّها الشّعب من خلال الإعلان الدّستوري لمحمّد مرسي في ديسمبر 2012.
• البعد الخامس يتعلّق بمزيد تجذّر الحركة الاسلاميّة في طابعها الولائي والاستبدادي الذي لا تمثّل الدّيمقراطيّة بالنّسبة إليه سوى أداة لبسط النّفوذ والسّيطرة سواء على مجالهم الحزبي أو على الدّولة والمجتمع. نستنطق ذلك انطلاقا من مجرّد العودة إلى فهم التّزامن الدّقيق باليوم دون السّاعة للمؤتمر العاشر لحركة النّهضة مع مؤتمر (المؤتمر الاستثنائي طبعا) حزب العدالة والتّنمية في تركيا (انتهت أشغاله قبيل انتهاء أشغال مؤتمر حركة النّهضة بساعات معدودة). فرغم اختلاف السّياقات هناك تقاطع وتشابه في بعض المخرجات التي تسعى إلى ترسيخ قدمي كلا الحزبين في ارضيّتهما الجغراسياسيّة وتوطينهما أكثر من منظور هيمني شمولي في الجسم الاجتماعي لكلا البلدين. فهناك وقع انتخاب (تعيين) بن علي يلدريم رئيسا جديدا لحزب العدالة والتّنمية وبمقتضى ذلك رئيسا للحكومة التّركيّة بغرض تيسير الأمر على أردوغان حتّى يفرض نظاما رئاسيّا يتمتّع فيه بسيادة سلطانيّة مطلقة، وهنا تم انتخاب الغنّوشي مجدّدا على رأس حركته ليكون رئيسا مدى الحياة وليكون نموذجا من الرّئاسات الحزبيّة الشّموليّة والأبديّة على طريقة رئاسة الحزب الشّيوعي لكوريا الشّماليّة، لأنّ رئاسة الغنّوشي لحركته عبر أطوارها استمرّت منذ أيّام الجماعة الإسلاميّة التّونسيّة (1972) وستتواصل إلى أربع سنوات أخرى. وما يشيعه النّهضويّون من أسماء أخرى قد تداولت على الرّئاسة لم يكن سوى عمليّة تعويض بعض الجنود الاحتياطيّين للغنّوشي ولم تتجاوز رئاسة كلّ واحد منهم سوى بضعة أشهر إلاّ رئاسة واحدة تجاوزت السّنة وذلك تأكيدا لكونها مجرّد تعويض لغياب الزّعيم الواحد الأوحد الذي لا يضاهيه أحد. وبذلك فإنّ الرّئاسة الحقيقيّة للغنّوشي تجاوزت الأربعين سنة لتشكّل حالة قــذّافيّة (نسبة إلى القذّافي) في قيادة الحزب الذي يتطلّع إلى قيادة البلاد ديمقراطيّا-إسلاميّا بمفرده ودون حالة ائتلافيّة أو شركاء يعطّلون انطلاقته بانشقاقاتهم، خاصّة وأنّ من أبرز مخرجات المؤتمر العاشر لحركة النّهضة أنّ المؤتمرين دعوا الغنّوشي إلى أن يترشّح لرئاسة الجمهوريّة في 2019، لتكون النّهضة بذلك الحزب الذي يتربّع على كلّ العروش ويحتلّ كلّ القصور (باردو والقصبة وقرطاج)... إنّها بشائر الإسلام الدّيمقراطي على الطّريقة النّهضو- أمريكيّة. ولنا في الدّرس التّركي مثالا على ذلك، فهل أتاكم حديث "المسلمين الدّيمقراطيّين" في تونس على هَـدْيٍ من تعاليم التّمكين في تركيا الإخوانيّة؟

المولدي قسّــومي باحث في علم الاجتماع جامعة تونس
دفاعا عن «الشروق»
24 جويلية 2017 السّاعة 21:00
تعرضت جريدة "الشروق" في المدّة الأخيرة لعملية ابتزاز رخيصة من طرف سفير قطر بتونس. وتمثلت تلك العملية الدنيئة...
المزيد >>
الصحافة العربية تواصل تضامنها مع «الشروق»:قطر تسعى لشراء ذمم التونسيين لتلميع صورتها
24 جويلية 2017 السّاعة 21:00
تواصلت امس ردود الفعل المنددة بمحاولة الابتزاز القطرية لصحيفة «الشروق» حيث تناولت عدة صحف تفاصيل القضية...
المزيد >>
هل تتورّط وزارة التعليم العالي في تقويض المنظومة الجامعية ؟
24 جويلية 2017 السّاعة 21:00
مجلس جامعة منوبة الذي يترأسه الاستاذ شكري مبخوت والذي يتألف من كافة مديري المؤسسات الجامعية وعميد الكلية...
المزيد >>
العمل البلدي والتوازن بين الجهات
17 جويلية 2017 السّاعة 21:00
لئن أكد النظام السياسي في تونس بعد الثورة بأن البلديات هي أقرب الهياكل الادارية إلى المواطن وأشدّها التصاقا...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
المسلمون الدّيمقراطيّون في تونس ودرس التّمكين في تركيا الإخوانيّة (2/2)
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 08 ماي 2017


• العنوان الثّاني يتمثّل في الأطراف السّياسيّة المكوّنة للخريطة الحزبيّة في تونس ومضمون الرّسالة التي يبعث بها النّهضويّون إلى هؤلاء أنّه لا خوف على "ديمقراطيّتكم من إسلامنا السّياسي" لأنّنا ديمقراطيّون مثلكم. وإذا تمكّنا من بسط نفوذنا السّياسي المتديّن (المسلم) أو عمّمنا تديّننا السّياسي على حساب مدنيّتكم المسيّسة أو تسيّسكم المدني فسوف يكون عن طريق الدّيمقراطيّة التي هي لعبة الجميع مع الجميع في الصّراع من أجل الهيمنة على المجتمع وافتكاك السّلطة. وفي هذا المنحى بالذّات ينبغي أن ننبّه إلى أنّ جولة المراهنة على أسلمة المجتمع "ديمقراطيّا" ستبدأ مباشرة إثر الانتخابات البلديّة وإرساء أركان السّلطات المحليّة لأنّها ستتيح لحركة الاسلام السّياسي في تونس أن تدخل في مسار التّحكّم في المجتمع وإعادة صياغة نموذجه على معنى المجتمع المتديّن إسلاميّا وحسب مقتضياته.
• العنوان الثّالث هو الإسلاميّون السّياسيّون وبالتّحديد الإخوان المسلمون، ولسان حال النّهضويّين يقول لهم "إنّنا نتّبع خطى التّجربة الإخوانيّة التّركيّة التي يقودها بثبات "السّلطان العثماني" أردوغان ولدينا فيها أسوة حسنة". فمعلوم أنّ حزب العدالة والتّنمية قاد تجربة تحوّلت إلى نموذج في العالم الاسلامي، وأثبت أنّه أكثر حرصا على صيانة الجمهوريّة ومبادئ العلمانيّة التركية إلى أن أحكم سيطرته على كلّ مفاصل الدّولة وتوغّل في كلّ المكوّنات الجوفيّة للمجتمع فأجهز على النّقابات وسيطر على الإعلام وتحكّم في كلّ الهيئات المدنيّة والجمعيّات وحوّلها إلى أجنحة تابعة له.
• العنوان الرّابع يتمثّل في القوى الدّاعمة للإسلام السّياسي في المنطقة عموما ومن ضمنها تونس، وفي مقدّمة تلك القوى نجد الإدارة الأمريكيّة خلال فترة حكم باراك أوباما. فالإسلاميّون الذين حكموا تونس منذ أواخر سنة 2011 كانوا أكثر التزاما بتطبيق التّعليمات الأمريكيّة بما فيها ما تعلّق بصياغة الدّستور الجديد وبالأخصّ طبيعة النّظام السّياسي الذي فرضته حركة النّهضة صاحبة الأكثريّة في المجلس الوطني التّأسيسي. علينا ألاّ ننسى التّأثير اللاّفت لدوائر التّفكير وصناعة القرار على أشغال المجلس وبشكل أدقّ تأثير نوح فيلدمان على أداء المقرّر العام للدّستور حينما قدّم له استشارة تدعَم النظام البرلماني وقد اتّضح ذلك جليّا وافتضح أثناء زيارة العمل التي أدّاها فيلدمان إلى قصر باردو في سبتمبر 2012، وقد سبقتها زيارات ولحقتها أخرى. ولعلّ مسألة إرساء أنظمة برلمانيّة في بلدان التّحوّلات أو الانتقالات السّياسيّة أصبح من اختصاص هذا الخبير الشّاب في مجال القانون، والذي شغل خطّة مساعد بريمر، حاكم العراق زمن الاحتلال الأمريكي، وكتب الدّستور وأرسى النظام البرلماني هناك، وأهمّ ما في الأمر في حالة تونس والعراق أنّه من دعاة "الدولة الاسلامية الديمقراطية". وفي الحقيقة كانت أطروحة الاسلام الدّيمقراطي نتاج بحث عميق وجدّي لدوائر التّفكير الأمريكيّة منذ هجمات 11 سبتمبر 2001، ولعلّ من أبرز أعوان تنفيذ هذا المشروع على الميدان زلماي خليل زاد سفير الولايات المتحدة بأفغانستان ثم بالعراق وأبرز المحافظين الجدد من ذوي الأصول اسلامية. وهو يهدف إلى إنتاج إسلام ديمقراطي على مقاس السياسة الخارجية الأمريكية، وذلك بتقديم الدّعم الكامل للإسلاميين المعتدلين والدّعم الانتقائي للعلمانيين، وهو ما يؤكّده فعلا التّحالف بين مكوّنات التّرويكا بعد انتخابات 23 أكتوبر 2011. في هذا السّياق أيضا علينا أن نتذكّر جيّدا زيارة الغنّوشي لمنظّمة أيباك American Israel Public Affaire Committee ثمّ لقاءه مع مارتن أنديك المستشار الأمريكي الأسبق لدى وزارة الخارجيّة المكلّف بشؤون الشّرق الأوسط (يوم 30 نوفمبر 2011 أي أسبوعا واحدا بعد انعقاد أوّل جلسة للمجلس التأسيسي وثلاثة أسابيع قبل تشكيل حكومة حمادي الجبالي) ثمّ لقاءاته المتكرّرة هناك وهنا مع السّيناتور ماك كاين وكذلك مادلين ألبرايت وزيرة الخارجيّة الأمريكيّة السّابقة مرورا بزيارته لمعهد بروكنغز Brookings Institute بتاريخ 31 ماي 2013، أين ألقى فيه محاضرة حول الاسلام والدّيمقراطيّة... دون أن نغفل حصوله على جائزة من المنظّمة البريطانيّة Chatam House (منظمة بريطانية مختصّة، هي أيضا، في عقد الملتقيات الحوارية والنقاشات بهدف التأثير على القرارات السياسية بالعالم لمصلحة القوى الليبرالية العالمية، وهي ثاني منظّمة مؤثرة في العالم  وقد منحت الغنوشي والمرزوقي جائزة المنظمة يوم 26 نوفمبر 2012). وكلّ تلك اللّقاءات كانت معزّزة بالدّور الوسائطي والاستشاري الخفي الذي كانت تلعبه إحدى أطر/ دوائر التّفكير Think Tanks المتمثّلة في مركز دراسات الإسلام والدّيمقراطيّة (يرأسها التّونسي الأمريكي ذو التّوجّهات الإسلاميّة رضوان المصمودي) والتي كانت تساهم في إعداد الاسلاميّين وتدريبهم على قبول التّعليمات الأمريكيّة وتنفيذها. حصيلة ما ورد في التّحليل السّابق انطلاقا من قراءتنا لمعنى المسلم الدّيمقراطي في قالبه النّهضوي وفق مقوّمات الشّخصيّة الاخوانيّة (بالمعنى السّياسي) وخصائصها الذّهنيّة ومن منظور استراتيجيا التّسميات تؤكّد أنّ التّرويج لمضمون المسلمين الدّيمقراطيّين يحمل في طيّاته ما لا يقلّ عن خمسة أبعاد محرجة للنّهضويّين لا يمكن لأيّ متابع للشّأن السّياسي في تونس ألاّ يتفطّن إليها:
• البعد الأوّل يتعلّق بضمان وحدة الحركة وتحصينها من مخاطر الانشقاق الذي حصل في الحزب الذي يناصفهم الحكم، لأنّها كبقيّة الأحزاب الأخرى مازالت تعاني من عدم توفّر شروط الاستقرار الحزبي في واقع متحرّك وساخن ويصعب الإحاطة به من كلّ الجوانب. وأهمّ تلك الشّروط بالنّسبة إلى النّهضويّين هي الحسم النّهائي في هويّتهم الحزبيّة.
• البعد الثّاني يتعلّق بمحاولة استغفال التّونسيّين (النّخبة منهم قبل العامّة والسّاسة منهم قبل "المستقلّين") في مسألة العلاقة بين الدّين والسّياسة، لذلك أفتوا في المسألة بما يسمّونه بالتّخصّص حسب رغبتهم في تقديمه للجمهور، ويقصدون به أن يتخصّص الحزب المنبثق عن المؤتمر العاشر للحركة في العمل السّياسي بينما ينصرف البعض من مكوّنات الحركة وأتباعها إلى أسلمة التّونسيين المسلمين أصلا سواء ثقافيّا أو عقائديّا و"دعوتهم إلى الإسلام".
• البعد الثّالث يتعلّق بالتّغطية على فشل المؤتمر العاشر في محاولة الإقناع بأنّ حركة النّهضة تحوّلت إلى حزب مدني عندما خلص إلى فصل الدّيني عن الدّعوي، وبكونه كان مؤتمرا ديمقراطيّا. فقد فشل في المهمّة الأولى بمجرّد أن أعاد إنتاج أهم مؤسّسة ذات مضمون وعمق ديني في مجال السّياسة وهي مؤسّسة مجلس الشّورى. وقد فشل كمؤتمر في أن يحوّل الحركة إلى حزب ديمقراطي بمجرّد أن أبقى على صلاحيّة رئيسها في تعيين ثلث أعضاء مجلس الشّورى، الأمر الذي يسمح له بضمان الأكثريّة العدديّة من الموالين له ولجناحه على حساب الأجنحة الأخرى.
• البعد الرّابع يتعلّق بما فرضته التّحوّلات الإقليميّة والدّوليّة على واقع العمل السّياسي في المنطقة العربيّة وفي تونس وبشكل أخصّ على الإسلام السّياسي والحركات والأحزاب التي تنشط في مداره. وفي هذا المنحى يتعامل الإسلاميّون في تونس مع مثالين في غاية التّناظر: المثال التّركي الذي يوحي بأنّهم لا زالوا يمثّلون الطّرف الحاسم في اللّعبة الانتقاليّة وتحديد مآلاتها السّياسيّة وغير السّياسيّة. والمثال المصري الذي ينبّههم إلى ضرورة العمل على تفادي ما حصل لجماعة الإخوان بعد أن انقلبوا على مضامين الوكالة التي منحهم إياّها الشّعب من خلال الإعلان الدّستوري لمحمّد مرسي في ديسمبر 2012.
• البعد الخامس يتعلّق بمزيد تجذّر الحركة الاسلاميّة في طابعها الولائي والاستبدادي الذي لا تمثّل الدّيمقراطيّة بالنّسبة إليه سوى أداة لبسط النّفوذ والسّيطرة سواء على مجالهم الحزبي أو على الدّولة والمجتمع. نستنطق ذلك انطلاقا من مجرّد العودة إلى فهم التّزامن الدّقيق باليوم دون السّاعة للمؤتمر العاشر لحركة النّهضة مع مؤتمر (المؤتمر الاستثنائي طبعا) حزب العدالة والتّنمية في تركيا (انتهت أشغاله قبيل انتهاء أشغال مؤتمر حركة النّهضة بساعات معدودة). فرغم اختلاف السّياقات هناك تقاطع وتشابه في بعض المخرجات التي تسعى إلى ترسيخ قدمي كلا الحزبين في ارضيّتهما الجغراسياسيّة وتوطينهما أكثر من منظور هيمني شمولي في الجسم الاجتماعي لكلا البلدين. فهناك وقع انتخاب (تعيين) بن علي يلدريم رئيسا جديدا لحزب العدالة والتّنمية وبمقتضى ذلك رئيسا للحكومة التّركيّة بغرض تيسير الأمر على أردوغان حتّى يفرض نظاما رئاسيّا يتمتّع فيه بسيادة سلطانيّة مطلقة، وهنا تم انتخاب الغنّوشي مجدّدا على رأس حركته ليكون رئيسا مدى الحياة وليكون نموذجا من الرّئاسات الحزبيّة الشّموليّة والأبديّة على طريقة رئاسة الحزب الشّيوعي لكوريا الشّماليّة، لأنّ رئاسة الغنّوشي لحركته عبر أطوارها استمرّت منذ أيّام الجماعة الإسلاميّة التّونسيّة (1972) وستتواصل إلى أربع سنوات أخرى. وما يشيعه النّهضويّون من أسماء أخرى قد تداولت على الرّئاسة لم يكن سوى عمليّة تعويض بعض الجنود الاحتياطيّين للغنّوشي ولم تتجاوز رئاسة كلّ واحد منهم سوى بضعة أشهر إلاّ رئاسة واحدة تجاوزت السّنة وذلك تأكيدا لكونها مجرّد تعويض لغياب الزّعيم الواحد الأوحد الذي لا يضاهيه أحد. وبذلك فإنّ الرّئاسة الحقيقيّة للغنّوشي تجاوزت الأربعين سنة لتشكّل حالة قــذّافيّة (نسبة إلى القذّافي) في قيادة الحزب الذي يتطلّع إلى قيادة البلاد ديمقراطيّا-إسلاميّا بمفرده ودون حالة ائتلافيّة أو شركاء يعطّلون انطلاقته بانشقاقاتهم، خاصّة وأنّ من أبرز مخرجات المؤتمر العاشر لحركة النّهضة أنّ المؤتمرين دعوا الغنّوشي إلى أن يترشّح لرئاسة الجمهوريّة في 2019، لتكون النّهضة بذلك الحزب الذي يتربّع على كلّ العروش ويحتلّ كلّ القصور (باردو والقصبة وقرطاج)... إنّها بشائر الإسلام الدّيمقراطي على الطّريقة النّهضو- أمريكيّة. ولنا في الدّرس التّركي مثالا على ذلك، فهل أتاكم حديث "المسلمين الدّيمقراطيّين" في تونس على هَـدْيٍ من تعاليم التّمكين في تركيا الإخوانيّة؟

المولدي قسّــومي باحث في علم الاجتماع جامعة تونس
دفاعا عن «الشروق»
24 جويلية 2017 السّاعة 21:00
تعرضت جريدة "الشروق" في المدّة الأخيرة لعملية ابتزاز رخيصة من طرف سفير قطر بتونس. وتمثلت تلك العملية الدنيئة...
المزيد >>
الصحافة العربية تواصل تضامنها مع «الشروق»:قطر تسعى لشراء ذمم التونسيين لتلميع صورتها
24 جويلية 2017 السّاعة 21:00
تواصلت امس ردود الفعل المنددة بمحاولة الابتزاز القطرية لصحيفة «الشروق» حيث تناولت عدة صحف تفاصيل القضية...
المزيد >>
هل تتورّط وزارة التعليم العالي في تقويض المنظومة الجامعية ؟
24 جويلية 2017 السّاعة 21:00
مجلس جامعة منوبة الذي يترأسه الاستاذ شكري مبخوت والذي يتألف من كافة مديري المؤسسات الجامعية وعميد الكلية...
المزيد >>
العمل البلدي والتوازن بين الجهات
17 جويلية 2017 السّاعة 21:00
لئن أكد النظام السياسي في تونس بعد الثورة بأن البلديات هي أقرب الهياكل الادارية إلى المواطن وأشدّها التصاقا...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
فاطمة بن عبد الله الكرّاي
في صوْن الجمهورية... جولات
جميل أن تقام للشهيدين محمد البراهمي وشكري بلعيد ساحتين عموميتين باسميهما.. وجميل أن يكون للتونسيين عناوين ومحطات تاريخية، ورغم الآلام التي ترافق حدوثها تحمل في طياتها الموعظة...
المزيد >>