محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور ..ليلة القدر من خلال كتاب الاعتكاف في الموطأ للإمام مالك ( 5 )
النوري الصل
خطوة في الاتجاه الصحيح
رغم أنه جاء متأخّرا إلا أن قانون المصالحة الإدارية الذي من المنتظر أن يصادق عليه رئيس الدولة خلال الساعات القليلة القادمة يشكّل بكل المقاييس، من حيث توقيته، كما من حيث دلالاته،...
المزيد >>
محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور ..ليلة القدر من خلال كتاب الاعتكاف في الموطأ للإمام مالك ( 5 )
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 12 ماي 2017

نوه الناس بعدد ما جمع مالك رضي الله عنه وروى من الاحاديث حتى قالوا بالضبط : ان الذي رواه مالك بن انس يربو على مائة الف حديث . وقارنوا ذلك بما اثبت مالك بن انس وبما رواه غيره عنه ، او بما حدث به مالك من جملة ما روى فكان ذلك بالنسبة الى مرويه نزرا يسيرا ، لانهم لم يتجاوزوا به قرابة الاف وسبعمائة وخمسين حديثا . ولم يحدث مالك بغير ذلك من كل ما روى . مما يرجع في مجموعه الى الاخبار المسندة ، والاخبار الموقوفة والمرسلة والبلاغات الفقهية المتعلقة بالعمل وباقوال الفقهاء من الصحابة والتابعين الى غير ذلك .

ولما كان هذا النقد مبنيا من جهة على نقد الاسانيد بما يرجع الى التأمل في قوة الحكاية والرواية باعتبار الجرح والتعديل ، مما يرجع الى الاصول المقررة عند علماء الحديث من العدالة والضبط وثبوت التلاقي الى غير ذلك فانه من حيث المعنى نقد الاحاديث ايضا نقدا لا يقل عن النقد الذي نقدها به من حيث الاسناد . فجعل عنصر الفقه احيانا ، وعنصر العمل المتبع احيانا طريقة للنقد . وبذلك اتى في نقده المعنوي هذا بعمل عجيب اذ جعل السنة منتقدة للسنة . وجعل مصدر الفقه منتقدا بالفقه .
وهذا هو المعنى الناشئ من رسوخ تلك الملكة التي نوهنا بها والتي قلنا انها ملكة تنشا من ممارسة السنة وتعاطي علومها . وذلك ما عبر عنه مالك بن انس بنفسه في قوله « ليس العلم بكثرة الرواية وانما هو نور يقذفه الله في قلب من يشاء « . فان المراد بالقذف الذي نزع اليه الامام الغزالي والذي مال اليه كثير من الصوفية من معنى تحصيل المعرفة بدون الطريق المحصل للمعرفة عادة ، ولكنه عبارة عن قذف الهي بتوفيق الطالب الى الطلب ، واعانته على تحصيل ما طلب والفتح عليه فيما يطلب وتمكينه بحسن تقدير الله تعالى من تحصيل العلوم المتعلقة بالسنة ومن ممارسة الاثار التي تتكون بها تلك الملكة التي عبر عنها بانها نور مقذوف في القلب يقذفه الله في قلب من يشاء .
وبمقتضى هذه الملكة او بمقتضى هذه القوة النورانية استطاع الامام مالك رضي الله عنه ان يتصرف في الاحاديث الصحيحة من حيث الاسناد اثباتا ونفيا واعتمادا على المعاني كما هو مشهور عند علماء الحديث وعلماء الاصول من عمله في حديث خيار المجلس ومن عمله في حديث المسرات وغير ذلك مما عمد فيه الى اخبار صحيحة من حيث الاسناد موثوق برجالها من اركان النقد الاسنادي الراجع الى الجرح والتعديل فاعتبر المعاني الفقهية المنتزعة من ذلك مقياسا لتصحيحها والاخذ بها حتى اعتمد على تركها مع تقرير صحة اسانيدها .
تدقيق علمي
ومن جهة اخرى تقابل هذه فانه اعتمد في « موطئه « على اخبار لا تعتبر عند علماء الحديث من بعده بالغة درجة الصحيح على حسب نقد المتن على القواعد التي تقررت عند علماء الحديث وانما اعتمد مالك على تلك الاحاديث وحدث بها وخرجها ورواها لان المعاني والاعمال الماثورة التي نقد بها احاديث صحيحة فضعفتها تسند هذه الاحاديث وتعضدها فتقويها حتى ترتفع بها الى درجة الصحيح وان كانت من حيث المتن غير بالغة الى درجة الصحيح .
ومن ذلك ما وقع في موطإ الامام مالك من اخراج احاديث من الموقوف ومن المرسل ومن البلاغ ، اعتمادا على انها معضودة اما باحاديث اخرى او باقوال ترجع الى فقهاء الصحابة والتابعين او لمجرد الاكتفاء بالاشتهار حتى اعتبر ذكر المروي عنه كما هو الشان في المراسيل التي ارسلها عن سعيد بن المسيب وهي منقولة عن ابي هريرة رضي الله عنه وان لم يذكره او المراسيل التي ارسلها عن عروة بن الزبير وهي منقولة عن عائشة ام المؤمنين رضي الله عنها وان لم يذكرها .
ولذلك فان هذا الصنيع اوقع المتتبعين للموطإ بعد ان نبهوا بقيمته في حيرة من الجمع بين التحري العظيم الذي اشتهر به مالك ، والصحة التي اخذ بمقتضاها كل حديث مسند خرج في الموطإ مسلما عند اهل الصحيح وبين ما وقع في « الموطا « من اشتمال على مراسيل وبلاغات وموقوفات ومقطوعات ليس من الشان ان تكون ثابتة عند اهل الصحيح .
فذهب الحافظ ابو عمر بن عبد البر الى ان مذهب مالك والسلف حجية تلك الاثار . فبنى على هذا ان مالكا يقول بحجية المرسل ويقول بحجية البلاغ ويقول بحجية الموقوف ، وان كان المحققون من الاصوليين لم يزالوا غير مطمئنين الى هذا المعنى حتى قال الامام الحافظ السيوطي رضي الله عنه ان المعروف من كون هذا مذهبا لمالك وللسلف قبله .- كما ذكره ابن عبد البر – هو امر على فرض كونه ثابتا لا يحتاج الى ذكره وذلك لان هذه الاثار الموقوفة او المرسلة انما هي اثار معضودة من طرق اخرى وهي كلها ثابتة عند اهل الصحيح فلذلك لا يمكن ان نعتبر مخرجها قائلا بحجيتها لانها لو كانت مرسلة ارسالا فقط ولم تكن معضودة باسناد مرفوع من طريق اخر لصح ان يقال ان الذي خرجها يقول بحجية المرسل او بحجية الموقوف ولكن هذا المرسل الذي خرجه مرسلا هو في حقيقته مسند والوقوف الذي خرجه موقوفا هو في حقيقته مسند مرفوع .
ولاجل ذلك اهتم المتتبعون بتتبع احاديث « الموطأ « وكان المجلي في ذلك هو الحافظ ابا عمر بن عبد البر فتتبع جميع احاديث « الموطأ» من الموقوفات والراسيل والبلاغات واستقصى تخريجها من طرق اخرى عن مالك غير مرسلة او غير موقوفة او عن غير مالك بطريق يصل بها الى درجة الصحة ويثبتها .
يتبع

ملف الأسبوع .. دور الزكاة الاقتصادي والاجتماعي
13 أكتوبر 2017 السّاعة 21:00
تعوّد كثير من المسلمين على اخراج مقدار الزكاة من أموالهم خلال الشهر الحالي من كل سنة هجرية أي شهر محرم وهو...
المزيد >>
الزكاة أعظم أشكال التكافل في الاسلام
13 أكتوبر 2017 السّاعة 21:00
جاء الإسلام ليبني مجتمعا إسلاميا متماسكا ومتضامنا
المزيد >>
الزكاة تقلص الفوارق الاجتماعية
13 أكتوبر 2017 السّاعة 21:00
جعل الله تعالى الزكاة إحدى مباني الإسلام وأردف بذكرها الصلاة فقال {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا...
المزيد >>
محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور ..تجديد الفكر الاسلامي (3)
13 أكتوبر 2017 السّاعة 21:00
والمدركات العقلية معصومة ايضا باسنادها الى اصولها واسسها ومقدماتها التي هي المدركات الحسية .ثم جعل الفكر...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور ..ليلة القدر من خلال كتاب الاعتكاف في الموطأ للإمام مالك ( 5 )
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 12 ماي 2017

نوه الناس بعدد ما جمع مالك رضي الله عنه وروى من الاحاديث حتى قالوا بالضبط : ان الذي رواه مالك بن انس يربو على مائة الف حديث . وقارنوا ذلك بما اثبت مالك بن انس وبما رواه غيره عنه ، او بما حدث به مالك من جملة ما روى فكان ذلك بالنسبة الى مرويه نزرا يسيرا ، لانهم لم يتجاوزوا به قرابة الاف وسبعمائة وخمسين حديثا . ولم يحدث مالك بغير ذلك من كل ما روى . مما يرجع في مجموعه الى الاخبار المسندة ، والاخبار الموقوفة والمرسلة والبلاغات الفقهية المتعلقة بالعمل وباقوال الفقهاء من الصحابة والتابعين الى غير ذلك .

ولما كان هذا النقد مبنيا من جهة على نقد الاسانيد بما يرجع الى التأمل في قوة الحكاية والرواية باعتبار الجرح والتعديل ، مما يرجع الى الاصول المقررة عند علماء الحديث من العدالة والضبط وثبوت التلاقي الى غير ذلك فانه من حيث المعنى نقد الاحاديث ايضا نقدا لا يقل عن النقد الذي نقدها به من حيث الاسناد . فجعل عنصر الفقه احيانا ، وعنصر العمل المتبع احيانا طريقة للنقد . وبذلك اتى في نقده المعنوي هذا بعمل عجيب اذ جعل السنة منتقدة للسنة . وجعل مصدر الفقه منتقدا بالفقه .
وهذا هو المعنى الناشئ من رسوخ تلك الملكة التي نوهنا بها والتي قلنا انها ملكة تنشا من ممارسة السنة وتعاطي علومها . وذلك ما عبر عنه مالك بن انس بنفسه في قوله « ليس العلم بكثرة الرواية وانما هو نور يقذفه الله في قلب من يشاء « . فان المراد بالقذف الذي نزع اليه الامام الغزالي والذي مال اليه كثير من الصوفية من معنى تحصيل المعرفة بدون الطريق المحصل للمعرفة عادة ، ولكنه عبارة عن قذف الهي بتوفيق الطالب الى الطلب ، واعانته على تحصيل ما طلب والفتح عليه فيما يطلب وتمكينه بحسن تقدير الله تعالى من تحصيل العلوم المتعلقة بالسنة ومن ممارسة الاثار التي تتكون بها تلك الملكة التي عبر عنها بانها نور مقذوف في القلب يقذفه الله في قلب من يشاء .
وبمقتضى هذه الملكة او بمقتضى هذه القوة النورانية استطاع الامام مالك رضي الله عنه ان يتصرف في الاحاديث الصحيحة من حيث الاسناد اثباتا ونفيا واعتمادا على المعاني كما هو مشهور عند علماء الحديث وعلماء الاصول من عمله في حديث خيار المجلس ومن عمله في حديث المسرات وغير ذلك مما عمد فيه الى اخبار صحيحة من حيث الاسناد موثوق برجالها من اركان النقد الاسنادي الراجع الى الجرح والتعديل فاعتبر المعاني الفقهية المنتزعة من ذلك مقياسا لتصحيحها والاخذ بها حتى اعتمد على تركها مع تقرير صحة اسانيدها .
تدقيق علمي
ومن جهة اخرى تقابل هذه فانه اعتمد في « موطئه « على اخبار لا تعتبر عند علماء الحديث من بعده بالغة درجة الصحيح على حسب نقد المتن على القواعد التي تقررت عند علماء الحديث وانما اعتمد مالك على تلك الاحاديث وحدث بها وخرجها ورواها لان المعاني والاعمال الماثورة التي نقد بها احاديث صحيحة فضعفتها تسند هذه الاحاديث وتعضدها فتقويها حتى ترتفع بها الى درجة الصحيح وان كانت من حيث المتن غير بالغة الى درجة الصحيح .
ومن ذلك ما وقع في موطإ الامام مالك من اخراج احاديث من الموقوف ومن المرسل ومن البلاغ ، اعتمادا على انها معضودة اما باحاديث اخرى او باقوال ترجع الى فقهاء الصحابة والتابعين او لمجرد الاكتفاء بالاشتهار حتى اعتبر ذكر المروي عنه كما هو الشان في المراسيل التي ارسلها عن سعيد بن المسيب وهي منقولة عن ابي هريرة رضي الله عنه وان لم يذكره او المراسيل التي ارسلها عن عروة بن الزبير وهي منقولة عن عائشة ام المؤمنين رضي الله عنها وان لم يذكرها .
ولذلك فان هذا الصنيع اوقع المتتبعين للموطإ بعد ان نبهوا بقيمته في حيرة من الجمع بين التحري العظيم الذي اشتهر به مالك ، والصحة التي اخذ بمقتضاها كل حديث مسند خرج في الموطإ مسلما عند اهل الصحيح وبين ما وقع في « الموطا « من اشتمال على مراسيل وبلاغات وموقوفات ومقطوعات ليس من الشان ان تكون ثابتة عند اهل الصحيح .
فذهب الحافظ ابو عمر بن عبد البر الى ان مذهب مالك والسلف حجية تلك الاثار . فبنى على هذا ان مالكا يقول بحجية المرسل ويقول بحجية البلاغ ويقول بحجية الموقوف ، وان كان المحققون من الاصوليين لم يزالوا غير مطمئنين الى هذا المعنى حتى قال الامام الحافظ السيوطي رضي الله عنه ان المعروف من كون هذا مذهبا لمالك وللسلف قبله .- كما ذكره ابن عبد البر – هو امر على فرض كونه ثابتا لا يحتاج الى ذكره وذلك لان هذه الاثار الموقوفة او المرسلة انما هي اثار معضودة من طرق اخرى وهي كلها ثابتة عند اهل الصحيح فلذلك لا يمكن ان نعتبر مخرجها قائلا بحجيتها لانها لو كانت مرسلة ارسالا فقط ولم تكن معضودة باسناد مرفوع من طريق اخر لصح ان يقال ان الذي خرجها يقول بحجية المرسل او بحجية الموقوف ولكن هذا المرسل الذي خرجه مرسلا هو في حقيقته مسند والوقوف الذي خرجه موقوفا هو في حقيقته مسند مرفوع .
ولاجل ذلك اهتم المتتبعون بتتبع احاديث « الموطأ « وكان المجلي في ذلك هو الحافظ ابا عمر بن عبد البر فتتبع جميع احاديث « الموطأ» من الموقوفات والراسيل والبلاغات واستقصى تخريجها من طرق اخرى عن مالك غير مرسلة او غير موقوفة او عن غير مالك بطريق يصل بها الى درجة الصحة ويثبتها .
يتبع

ملف الأسبوع .. دور الزكاة الاقتصادي والاجتماعي
13 أكتوبر 2017 السّاعة 21:00
تعوّد كثير من المسلمين على اخراج مقدار الزكاة من أموالهم خلال الشهر الحالي من كل سنة هجرية أي شهر محرم وهو...
المزيد >>
الزكاة أعظم أشكال التكافل في الاسلام
13 أكتوبر 2017 السّاعة 21:00
جاء الإسلام ليبني مجتمعا إسلاميا متماسكا ومتضامنا
المزيد >>
الزكاة تقلص الفوارق الاجتماعية
13 أكتوبر 2017 السّاعة 21:00
جعل الله تعالى الزكاة إحدى مباني الإسلام وأردف بذكرها الصلاة فقال {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا...
المزيد >>
محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور ..تجديد الفكر الاسلامي (3)
13 أكتوبر 2017 السّاعة 21:00
والمدركات العقلية معصومة ايضا باسنادها الى اصولها واسسها ومقدماتها التي هي المدركات الحسية .ثم جعل الفكر...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
النوري الصل
خطوة في الاتجاه الصحيح
رغم أنه جاء متأخّرا إلا أن قانون المصالحة الإدارية الذي من المنتظر أن يصادق عليه رئيس الدولة خلال الساعات القليلة القادمة يشكّل بكل المقاييس، من حيث توقيته، كما من حيث دلالاته،...
المزيد >>