المواجهة أو الفرار (2 / 3):ضغوطات التحولات الديموغرافية
خالد الحدّاد
المنظومة التربوية وسياسات التلفيق
أقرّت وزارة التربية مؤخرا بالاتفاق مع الطرف النقابي تعديلات تهمّ الاختبارات التأليفيّة في المدارس الإعدادية والمعاهد الثانوية، بشكل ستطول معه مدّة هذه الفترة الدراسية الاولى...
المزيد >>
المواجهة أو الفرار (2 / 3):ضغوطات التحولات الديموغرافية
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 15 ماي 2017

تعرضنا أعزائي القراء في الحلقة الأولى من هذا المقال إلى سرعة النمو السكاني، وفي الاقتصاديات النامية بوجه خاص، منذ طرد الاستعمار القديم. فعدد سكان إفريقيا لوحدها تحول من 100 مليون نسمة مطلع القرن الـ 20 إلى 640 مليون نسمة في عام 1990 ليستقر تعدادهم في حدود 1.2 مليار نسمة في عام 2016، وهم الآن يشكلون سدس سكان العالم. ويبدو أن هذا الانفجار السكاني استفز وأغضب الغرب الصناعي(تضم أوروبا وأمريكا الشمالية15 % من سكان العالم) حتى أن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لسانا دفاع الاقتصاديات المتقدمة أرجعا خسارة مباراة مواجهة الفقر والجوع في الملعب الإفريقي إلى الارتفاع الحاد في نسب الخصوبة خلال الفترة الممتدة من خمسينات القرن الماضي وإلى مطلع الألفية الجديدة نتيجة قصور التعليم والتحديث، ووهن سياسات التوعية والتشجيع على استخدام وسائل منع الحمل. وسنتعرض في هذا الجزء الثاني إلى موضوع الفقر، وهل هو مرتبط بالازدحام السكاني أم أن الفقر من محصول سياسات الإنماء الفاسدة. وبداية دعونا نتعرف عن هوية الفقر والفقراء وعن انعكاسات الفقر؟
الفقراء هم جزء من النسيج الاجتماعي، هم العاطلون عن العمل وعمال الحضائر، وهم المتشردون وصغار اللصوص...، وتعرّف الأمم المتحدة الفقر عبر برامجها الإنمائية بأنه حالة من الحرمان المادي والمالي تتجلى أهم مظاهرها في انخفاض استهلاك الغذاء وتردّي الحالة الصحية والتعليمية والوضع السكني والتكدس في أماكن السكن وفقدان المقدرة على الادخار لمواجهة الأزمات. والتداعيات الرئيسية للفقر هي اكتظاظ حضانات الأمية وانتفاخ ترسانة الإجرام والإرهاب وتضخم قوافل الجوع والتسول كالاختناق داخل حافلات 3 د و55 و56 و42 و16 و58 و14 أ في تونس العاصمة منذ أكثر من العقدين. ويؤكد الخبراء على أن الجوع وسوء التغذية هما في واقع الأمر الخطر الأول الذي يهدد صحة الإنسان في البلدان النامية وهما أشد خطرا من أمراض الإيدز والملاريا والسل مجتمعة. ويؤدي الجوع وسوء التغذية إلى تشويه النمو الجسدي والعقلي ويجعلان الشخص عرضة للأمراض المعدية مما يزيد من خطر الوفاة المبكرة، أضف إلى ذلك أن الفقر والجوع يقللان التركيز في المدارس والمعاهد ويضعفان إنتاجية العمل.
وفي ظل هذا التزايد الضخم في أعداد السكان على امتداد النصف الثاني من القرن العشرين، تفيد إحصائيات البنك الدولي بأن أعداد فقراء العالم وصل، مع مطلع الألفية الجديدة، إلى حوالي مليار ونصف المليار فقير، يعيش 70 في المائة منهم في المناطق الريفية حتى أن لسان التقدميين والوحدويين العرب، ومنهم لساني أنا، بات يردد على مدار الساعة: لعن الله كل من سرق أو أفسد ثروات ومقدرات الشعوب وأنتج الفقر والخصاصة في ظل هذه التنمية المتفاوتة وغير المتكافئة التي تميز النظام الرأسمالي العالمي.
وتقدر منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة بأن هنالك حوالي 800 مليون شخص في العالم يعانون في الوقت الحاضر من نقص التغذية، وهذا يعني أن واحدا من بين كل ستة أشخاص تقريبا لا يحصل على ما يكفي من الغذاء. وكم تضخم أعداد الجوعى خلال السنوات الخمس الأخيرة في اليمن وجنوب السودان والعراق وسوريا والصومال نتيجة الصراعات الأهلية، صراعات ملوثة بالإرهاب وفيها حروب بالوكالة! وبالإضافة إلى الجوع الذي يتمثل في معدة فارغة، تؤكد منظمة الأغذية والزراعة على وجود جوع من نوع آخر، وهو الجوع الخفي الناتج عن نقص بعض العناصر الغذائية(المغذيات الدقيقة).
إلى حد الساعة لا توجد برامج اقتصادية وإنمائية لإزالة الفقر واقتلاع جذوره، ولا تصب الجهود المحلية والدولية إلا في ملعب تليين ظاهرة الفقر. فحتى الأهداف الإنمائية للألفية التي وضعتها الأمم المتحدة للقرن الواحد والعشرين يتصدر قائمتها خفض نسبة الجوعى في العالم بمقدار النصف. ومع هذا، وأمام هذا الوضع الرهيب من تواتر الكوارث الطبيعية والاحتباس الحراري وازدهار الإرهاب وازدياد الصراعات وتسابق التسلح وتفاقم المديونية في عديد البلدان النامية ومنها تونس، عجزت عديد البلدان عن تحقيق كثير من أهداف الألفية، وخاصة منها المتعلقة بخفض أعداد الفقراء والتغلب على آفة الجوع. في زمن التحول، من دولة التكافل الاجتماعي إلى دولة التخلي عن توجيه الاقتصاد الوطني، على أساس أن الحكومة عدوة للأسواق بحسب نظرية الليبرالية المحدثة التي صاغها فريد ريش فون هايك في أربعينات القرن الماضي، ليتوج ثمرة طاقته الإنتاجية هذه بجائزة نوبل للاقتصاد في عام 1974. نظرية لطالما عمل ميلتون فريدمان المتحصل على جائزة نوبل للاقتصاد عام 1976، على تطويرها ومن ثم تصديرها للمتخلفين بالاشتراك مع كليات الاقتصاد وصندوق النقد الدولي والبنك العالمي ومنظمة التجارة العالمية.
ورغم تفكيك القيود والتنظيمات الحكومية، لم تمارس الأسواق الحرة التي تشكل الأساس الذي يقوم عليه الازدهار الاقتصادي كما يزعم فريدمان الاقتصادي النافذ وراء التحول الدرامي الذي طرأ على السياسات الاقتصادية منذ عام 1980، تاريخ وصول الرئيس رونالد ريغان للبيت الأبيض والمرأة الحديدية البريطانية مارغريت تاتشر إلى مقر الحكم في 10 شارع دونينغ بالعاصمة اللندنية، سحرها المنتظر. فالاقتصاديون النيو كينيزيون(Néokeynésiens) ومنهم أنا، يؤكدون على أن الأسواق التي يحتاج إليها الاقتصاد الحديث لا تكتسب الشرعية من تلقاء نفسها ولا تنظم نفسها بنفسها ولا تحافظ على استقرارها بنفسها. بل يستوجب على الحكومات أن تعمل على تخفيف ذعر الأزمات المالية والركود الاقتصادي، وأن تعزز حيوية الإنعاش وزخم الإنتاج والتشغيل عبر تحفيز الطلب الفعال وتنشيط عجلة الاستثمار بدفع من قاطرة القطاع العام، وأن تطور جودة التعليم والتكوين ونظم الاستثمار، وأن تضبط الشفافية وتكبح الفساد، وأن تستجيب للمطالب الشعبية بتوفير شبكات الأمان والرعاية الاجتماعية.
لقد دفعت الأزمات الاقتصادية والمالية الحالية في عديد بلدان العالم (ومنها تونس) كتلة واسعة من المواطنين للوقوع في كمين البطالة والفقر. حين أحدثت العولمة، التي تحركها قوى التكنولوجيا والتحرر الاقتصادي والسياسي وتدفقات رؤوس الأموال، تغيرا هيكليا هاما في اقتصاديات العالم وأعادت تحديد قدرة الأمم والشركات على المنافسة الحرة. وأمسى همَ السياسات الاقتصادية يرتكز في المقام الأول على خصخصة مشاريع القطاع العام وتقديم تنازلات ضريبية مغرية لأصحاب الثروة على أمل إغرائهم بالاستثمار، في وقت باتت الاقتصاديات المعولمة تغدق الفقر والبطالة. وبالنهاية أمست عديد البلدان النامية تعاني كثيرا من الضغوط المالية والاجتماعية، لأن وضعها الاقتصادي الهش وقدرتها المالية المحدودة ومواردها البشرية الناشئة، لا يؤهّلها للاندماج في الاقتصاد العالمي.
وحل الخروج من نفق البطالة والفقر والتبعية هو تخطيط البرامج الإنمائية انطلاقا من فهم الواقع المحلي بما أنَ للتنمية خصوصياتها المحلية، حيث يخطط الإنماء في إطار حاجيات المجتمع والسكان بترتيب سلم الأولويات حسب الإمكانات المالية والفنية والموارد البشرية المتوفرة في المجتمع. ونجاح مخططات التنمية في البلدان النامية( ومنها تونس) في حاجة إلى إستراتيجيات وسياسات متكاملة، وفي حاجة إلى تطوير النظم القانونية والقضائية والمالية والإدارية، وفي حاجة إلى الشفافية ومحاربة الفساد المالي والإداري، وفي حاجة إلى إعادة توزيع الثورة بين الفئات والأجناس والجهات، وفي حاجة إلى ضبط الدولة لديونها الخارجية حسب طاقة الاقتصاد وحال المجتمع وسياسات الإقلاع، فلا يعقل أن تفوق نسب ديون البلاد نصف الناتج المحلي الإجمالي كحال ديون تونس الحالية حتى أن الاقتصاد الوطني أصبح مكبلا بشروط وإملاءات وتعليمات الدول الغنية والبنك العالمي وصندوق النقد الدولي.
ما نودَ أعزائي القراء أن نختم به هذا الجزء من المقال الحالي هو أن التضخم السكاني، وفي ظل التنمية المتفاوتة وغير المتكافئة التي تميز النظام الرأسمالي العالمي، تشابك وأربك الإنماء والتشغيل. ولكن سرعة النمو السكاني فرضت أيضا ضغوطا على النظم البيئية والموارد الطبيعية وأضعفت أمن الغذاء والطاقة والمياه. هذا ما سنتعرض إليه في الجزء القادم والأخير من المقال الحالي.

بقلم: علي الجوادي (مدير بنك سابقا وكاتب صحفي، التيار الناصري بتونس)
مع خواتيم الربيع العبري للأمريكان تأتي محاولة انفصال كردستان (2)
13 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
وبالفعل مباشرة بعد عجز الإدارة الأمريكية، وفشلها الذريع في توظيف فيالق جيوشها الجرارة من الدواعش، كانت...
المزيد >>
ملف قديم جديد:6 نقاط في قضية الدروس الخصوصية
13 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
أصبحت الدروس الخصوصية ظاهرة عامة تفشت في كل أنواع التعليم العام وأصبحت مصيبة كبرى على رأس كل أب... وكل أم.. وكل...
المزيد >>
ذكرى معركة «برقو»
13 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
في يوم 14 نوفمبر 2017 نحيي الذكرى الـ63 لمعركة برقو الكبرى.
المزيد >>
الفساد في تونس بين الديمقراطية المغلوطة والفوضى الهدّامة
13 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
لتفسير حالة الفساد الشامل الذي يسود البلاد اليوم يتحدث البعض عن الديمقراطية ويقدم آخرون عبارة ''الفوضى...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
المواجهة أو الفرار (2 / 3):ضغوطات التحولات الديموغرافية
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 15 ماي 2017

تعرضنا أعزائي القراء في الحلقة الأولى من هذا المقال إلى سرعة النمو السكاني، وفي الاقتصاديات النامية بوجه خاص، منذ طرد الاستعمار القديم. فعدد سكان إفريقيا لوحدها تحول من 100 مليون نسمة مطلع القرن الـ 20 إلى 640 مليون نسمة في عام 1990 ليستقر تعدادهم في حدود 1.2 مليار نسمة في عام 2016، وهم الآن يشكلون سدس سكان العالم. ويبدو أن هذا الانفجار السكاني استفز وأغضب الغرب الصناعي(تضم أوروبا وأمريكا الشمالية15 % من سكان العالم) حتى أن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لسانا دفاع الاقتصاديات المتقدمة أرجعا خسارة مباراة مواجهة الفقر والجوع في الملعب الإفريقي إلى الارتفاع الحاد في نسب الخصوبة خلال الفترة الممتدة من خمسينات القرن الماضي وإلى مطلع الألفية الجديدة نتيجة قصور التعليم والتحديث، ووهن سياسات التوعية والتشجيع على استخدام وسائل منع الحمل. وسنتعرض في هذا الجزء الثاني إلى موضوع الفقر، وهل هو مرتبط بالازدحام السكاني أم أن الفقر من محصول سياسات الإنماء الفاسدة. وبداية دعونا نتعرف عن هوية الفقر والفقراء وعن انعكاسات الفقر؟
الفقراء هم جزء من النسيج الاجتماعي، هم العاطلون عن العمل وعمال الحضائر، وهم المتشردون وصغار اللصوص...، وتعرّف الأمم المتحدة الفقر عبر برامجها الإنمائية بأنه حالة من الحرمان المادي والمالي تتجلى أهم مظاهرها في انخفاض استهلاك الغذاء وتردّي الحالة الصحية والتعليمية والوضع السكني والتكدس في أماكن السكن وفقدان المقدرة على الادخار لمواجهة الأزمات. والتداعيات الرئيسية للفقر هي اكتظاظ حضانات الأمية وانتفاخ ترسانة الإجرام والإرهاب وتضخم قوافل الجوع والتسول كالاختناق داخل حافلات 3 د و55 و56 و42 و16 و58 و14 أ في تونس العاصمة منذ أكثر من العقدين. ويؤكد الخبراء على أن الجوع وسوء التغذية هما في واقع الأمر الخطر الأول الذي يهدد صحة الإنسان في البلدان النامية وهما أشد خطرا من أمراض الإيدز والملاريا والسل مجتمعة. ويؤدي الجوع وسوء التغذية إلى تشويه النمو الجسدي والعقلي ويجعلان الشخص عرضة للأمراض المعدية مما يزيد من خطر الوفاة المبكرة، أضف إلى ذلك أن الفقر والجوع يقللان التركيز في المدارس والمعاهد ويضعفان إنتاجية العمل.
وفي ظل هذا التزايد الضخم في أعداد السكان على امتداد النصف الثاني من القرن العشرين، تفيد إحصائيات البنك الدولي بأن أعداد فقراء العالم وصل، مع مطلع الألفية الجديدة، إلى حوالي مليار ونصف المليار فقير، يعيش 70 في المائة منهم في المناطق الريفية حتى أن لسان التقدميين والوحدويين العرب، ومنهم لساني أنا، بات يردد على مدار الساعة: لعن الله كل من سرق أو أفسد ثروات ومقدرات الشعوب وأنتج الفقر والخصاصة في ظل هذه التنمية المتفاوتة وغير المتكافئة التي تميز النظام الرأسمالي العالمي.
وتقدر منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة بأن هنالك حوالي 800 مليون شخص في العالم يعانون في الوقت الحاضر من نقص التغذية، وهذا يعني أن واحدا من بين كل ستة أشخاص تقريبا لا يحصل على ما يكفي من الغذاء. وكم تضخم أعداد الجوعى خلال السنوات الخمس الأخيرة في اليمن وجنوب السودان والعراق وسوريا والصومال نتيجة الصراعات الأهلية، صراعات ملوثة بالإرهاب وفيها حروب بالوكالة! وبالإضافة إلى الجوع الذي يتمثل في معدة فارغة، تؤكد منظمة الأغذية والزراعة على وجود جوع من نوع آخر، وهو الجوع الخفي الناتج عن نقص بعض العناصر الغذائية(المغذيات الدقيقة).
إلى حد الساعة لا توجد برامج اقتصادية وإنمائية لإزالة الفقر واقتلاع جذوره، ولا تصب الجهود المحلية والدولية إلا في ملعب تليين ظاهرة الفقر. فحتى الأهداف الإنمائية للألفية التي وضعتها الأمم المتحدة للقرن الواحد والعشرين يتصدر قائمتها خفض نسبة الجوعى في العالم بمقدار النصف. ومع هذا، وأمام هذا الوضع الرهيب من تواتر الكوارث الطبيعية والاحتباس الحراري وازدهار الإرهاب وازدياد الصراعات وتسابق التسلح وتفاقم المديونية في عديد البلدان النامية ومنها تونس، عجزت عديد البلدان عن تحقيق كثير من أهداف الألفية، وخاصة منها المتعلقة بخفض أعداد الفقراء والتغلب على آفة الجوع. في زمن التحول، من دولة التكافل الاجتماعي إلى دولة التخلي عن توجيه الاقتصاد الوطني، على أساس أن الحكومة عدوة للأسواق بحسب نظرية الليبرالية المحدثة التي صاغها فريد ريش فون هايك في أربعينات القرن الماضي، ليتوج ثمرة طاقته الإنتاجية هذه بجائزة نوبل للاقتصاد في عام 1974. نظرية لطالما عمل ميلتون فريدمان المتحصل على جائزة نوبل للاقتصاد عام 1976، على تطويرها ومن ثم تصديرها للمتخلفين بالاشتراك مع كليات الاقتصاد وصندوق النقد الدولي والبنك العالمي ومنظمة التجارة العالمية.
ورغم تفكيك القيود والتنظيمات الحكومية، لم تمارس الأسواق الحرة التي تشكل الأساس الذي يقوم عليه الازدهار الاقتصادي كما يزعم فريدمان الاقتصادي النافذ وراء التحول الدرامي الذي طرأ على السياسات الاقتصادية منذ عام 1980، تاريخ وصول الرئيس رونالد ريغان للبيت الأبيض والمرأة الحديدية البريطانية مارغريت تاتشر إلى مقر الحكم في 10 شارع دونينغ بالعاصمة اللندنية، سحرها المنتظر. فالاقتصاديون النيو كينيزيون(Néokeynésiens) ومنهم أنا، يؤكدون على أن الأسواق التي يحتاج إليها الاقتصاد الحديث لا تكتسب الشرعية من تلقاء نفسها ولا تنظم نفسها بنفسها ولا تحافظ على استقرارها بنفسها. بل يستوجب على الحكومات أن تعمل على تخفيف ذعر الأزمات المالية والركود الاقتصادي، وأن تعزز حيوية الإنعاش وزخم الإنتاج والتشغيل عبر تحفيز الطلب الفعال وتنشيط عجلة الاستثمار بدفع من قاطرة القطاع العام، وأن تطور جودة التعليم والتكوين ونظم الاستثمار، وأن تضبط الشفافية وتكبح الفساد، وأن تستجيب للمطالب الشعبية بتوفير شبكات الأمان والرعاية الاجتماعية.
لقد دفعت الأزمات الاقتصادية والمالية الحالية في عديد بلدان العالم (ومنها تونس) كتلة واسعة من المواطنين للوقوع في كمين البطالة والفقر. حين أحدثت العولمة، التي تحركها قوى التكنولوجيا والتحرر الاقتصادي والسياسي وتدفقات رؤوس الأموال، تغيرا هيكليا هاما في اقتصاديات العالم وأعادت تحديد قدرة الأمم والشركات على المنافسة الحرة. وأمسى همَ السياسات الاقتصادية يرتكز في المقام الأول على خصخصة مشاريع القطاع العام وتقديم تنازلات ضريبية مغرية لأصحاب الثروة على أمل إغرائهم بالاستثمار، في وقت باتت الاقتصاديات المعولمة تغدق الفقر والبطالة. وبالنهاية أمست عديد البلدان النامية تعاني كثيرا من الضغوط المالية والاجتماعية، لأن وضعها الاقتصادي الهش وقدرتها المالية المحدودة ومواردها البشرية الناشئة، لا يؤهّلها للاندماج في الاقتصاد العالمي.
وحل الخروج من نفق البطالة والفقر والتبعية هو تخطيط البرامج الإنمائية انطلاقا من فهم الواقع المحلي بما أنَ للتنمية خصوصياتها المحلية، حيث يخطط الإنماء في إطار حاجيات المجتمع والسكان بترتيب سلم الأولويات حسب الإمكانات المالية والفنية والموارد البشرية المتوفرة في المجتمع. ونجاح مخططات التنمية في البلدان النامية( ومنها تونس) في حاجة إلى إستراتيجيات وسياسات متكاملة، وفي حاجة إلى تطوير النظم القانونية والقضائية والمالية والإدارية، وفي حاجة إلى الشفافية ومحاربة الفساد المالي والإداري، وفي حاجة إلى إعادة توزيع الثورة بين الفئات والأجناس والجهات، وفي حاجة إلى ضبط الدولة لديونها الخارجية حسب طاقة الاقتصاد وحال المجتمع وسياسات الإقلاع، فلا يعقل أن تفوق نسب ديون البلاد نصف الناتج المحلي الإجمالي كحال ديون تونس الحالية حتى أن الاقتصاد الوطني أصبح مكبلا بشروط وإملاءات وتعليمات الدول الغنية والبنك العالمي وصندوق النقد الدولي.
ما نودَ أعزائي القراء أن نختم به هذا الجزء من المقال الحالي هو أن التضخم السكاني، وفي ظل التنمية المتفاوتة وغير المتكافئة التي تميز النظام الرأسمالي العالمي، تشابك وأربك الإنماء والتشغيل. ولكن سرعة النمو السكاني فرضت أيضا ضغوطا على النظم البيئية والموارد الطبيعية وأضعفت أمن الغذاء والطاقة والمياه. هذا ما سنتعرض إليه في الجزء القادم والأخير من المقال الحالي.

بقلم: علي الجوادي (مدير بنك سابقا وكاتب صحفي، التيار الناصري بتونس)
مع خواتيم الربيع العبري للأمريكان تأتي محاولة انفصال كردستان (2)
13 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
وبالفعل مباشرة بعد عجز الإدارة الأمريكية، وفشلها الذريع في توظيف فيالق جيوشها الجرارة من الدواعش، كانت...
المزيد >>
ملف قديم جديد:6 نقاط في قضية الدروس الخصوصية
13 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
أصبحت الدروس الخصوصية ظاهرة عامة تفشت في كل أنواع التعليم العام وأصبحت مصيبة كبرى على رأس كل أب... وكل أم.. وكل...
المزيد >>
ذكرى معركة «برقو»
13 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
في يوم 14 نوفمبر 2017 نحيي الذكرى الـ63 لمعركة برقو الكبرى.
المزيد >>
الفساد في تونس بين الديمقراطية المغلوطة والفوضى الهدّامة
13 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
لتفسير حالة الفساد الشامل الذي يسود البلاد اليوم يتحدث البعض عن الديمقراطية ويقدم آخرون عبارة ''الفوضى...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
خالد الحدّاد
المنظومة التربوية وسياسات التلفيق
أقرّت وزارة التربية مؤخرا بالاتفاق مع الطرف النقابي تعديلات تهمّ الاختبارات التأليفيّة في المدارس الإعدادية والمعاهد الثانوية، بشكل ستطول معه مدّة هذه الفترة الدراسية الاولى...
المزيد >>