توفيق بكار... معلّم السؤال لذا أعلن الحداد الوطني
النوري الصّـل
هل اقترب الحل السّياسي في ليبيا؟
من حيث توقيتها ومدلولاتها يمكن اعتبار الزيارة التي أداها القائد العام للجيش الليبي خليفة حفتر إلى بلادنا منعرجا هاما ومصيريا في مسار الأزمة الليبية، لا فقط لجهة ماتضمنته من حرص...
المزيد >>
توفيق بكار... معلّم السؤال لذا أعلن الحداد الوطني
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 18 ماي 2017

لو أدرك «بنو وطني» جسامة المصاب، لو عغرفوا توفيق بكّار الإنسان والجامعي والمثقف والمناضل ف سبيل حرية الضمير والظهير، لو فهموا «دروسه» في رحاب الجامعة، في دور الثقافة، في منابر الحوار والنقاش، في الملتقيات والندوات في كلّ شبر من ثرى وطني، لو تعقّلوا مشروعه الفكريّ التنويري الاستراتيجي، بكلّ أبعاده، لتولاّهم الحزن.
لو علم التونسيون، ساسة وناشئة وكفاءات من شتّى الاختصالات، دوره الطلائعي، لأعلنوا الحداد الوطني.
لم يكن توفيق بكار لاهثا ولا انتهازيا ولا زحّافا الى الشهرة والأضواء، كان يعمل دون ادّعاء ولا تعال ولا جلبة.
كان رائدا باحثا، موسوعيا، مطلعا على المدارس الفكرية والنقدية الغربية، عالما بأمهات النصوص الحضارية والأدبية في التراث العربي الإسلامي، كانت لغته الفرنسية عذبة أخّاذة وكانت لغته العربية أعذب.
كان «معلّما». علّم أجيالا معنى «السؤال»، السؤال الفكري، سؤال اللغة سؤال الهويات، سؤال الكونية، سؤال النقد علّمنا «ميكانيزمات» التفكير والتحليل والتعبير في مقاربة النصوص الرمزية، علّمنا النسبيّة. كان عاشقا «للمقاربة الجدلية»، يجمع الى صرامة التناول العلمي المنهجيّ أناقة ـ البيان والعبارة. بين القدامة والحداثة «يتركّح» توفيق بكّار، لا يطمئن الى الأولى ولا الثانية، لكنّه يظفرها ؟؟؟؟ ، جدلا صاعدا نازلا، لم يسيّجه اختصاص ضيّق ولا مسار محدود ولا فنّ بعينه ولا حقل معرفيّ دون آخر. كان محورا دوّارا في نصوصه ومحاضراته ومداخلاته كان طُلعة، كان لمعة. كان يعشّق النصوص والفنون، يستثمر الموسيقى والأدب والرّسم والشّعر والسّردَ والمسرح والنّحت والرّقص والسياسة والفلسفة في مقارباته. يستثمر منجزاتها، حتى الدقائق منها، فرْط، رؤية «بانورامية» للعالم.
أذكر فيما أذكر، بعد خروجه الى التقاعد، طلبت منه كلية الآداب بمنوبة العودة وإلقاء بعض المحاضرات، فافتتح الدرس العام بمقطع من أغنية محمد الجاموسي: «كيف ما يرجع الفلاح للحقل اللّي رّقوا، كيفما يرجع الملاح للبحر اللي غرّقوا، كيفما يرجع الفرططّو للنار التي تحرقوا، يرجع للجامعة التونسية».
لا يقصد «الجامعة» في معناها الأكاديمي التلقيني الضيّق، يقصد «الجامعة» ولاّدة القيم، صانعة الفكر، محضن الكفاءات والابتكار، قاطرة المسارات وصانعة المستقبل دون انبتات ولا اغتراب دون شوفينية ولا تكلّس ولا غلوّ ولا دغمائية.
كان صديقا لطلبته، من كلّ الاتجاهات السياسية، قومييّن وإسلاميين ودستوريين ونقابيين ومن اليسار الكبير، كان سمحا، مرنا وسطيّا، ذا قدرة لامثيلَ لها على التنسيب، لا يهمّه الانتماء الجهويّ ولا الحزبيّ ولا الطبقيّ المهمّ لديه الوطنيّة والإخلاص لتونس وإتقان آليات التفكير النقدي.
لقد قاد الرجل، صحبة نخبة نيّرة، مسيرة التحديث في الفكر والنقد والابداع، في تونس، بالتبشير بمنجزات «الآخر» وبعقله الخلاّق الفذّ،بنجاعته وكفاءته في الفهم والتحليل والتفكيك والاستنتاج. لكنه أعلى من دور «الأنا» في الابداع والخلق، لغة وبناء رمزيا تخييليا.
جمع الى «الثقافة العالمة» الثقافة الشعبية والشفوية. يطرب الى شدو حبيبة مسيكة وحسين العفريت ومحمد الجاموسي وصليحة، كما يطرب الى أم كلثوم وعبد الوهاب وفيروز وجاك بريل وسيلين ديون وغيرهم.
كان يؤمن بنجاعة الفكر الانساني، الآخر كما يؤمن بـ«عبقرية» هذا الشعب، وهذه الأمة ومنجزها الخلاّق النيّر ويُبره الصّحو في تاريخها.
أعرفه، أدرك حسّه وحدسه وبرنامجه. جمعتني اليه سنيّ الجامعة في المرحلة الثانية والمرحلة الثالثة.
كنتُ أحد طلبته وأحد أصدقائه جمعني به معرفة بكتاباته. لم يكن غزير الانتاج والتأليف. لكنه كان صاحب مشاريع، مقدماته، محاضراته، تمليحاته، اشارته، اهتماماته، تبشيره بكل جديد خلاّق مغامر، في الرواية، في الشعر، في الرسم وفنون الخط، في الموسيقى، في المسرح... كانت مقدماته للابداعات كبار الكتّاب العرب والتونسيين، بمثابة مقدمة «ابن خلدون» كانت مسارات يفتتحها. يلفت اليها انتباه الباحثين. كان صانعا بل صائغا للمشاريع، نجح في كثير منها، نهض بذلك كثير من طلبته ومريديه.
توفيق بكّار لم يكن عارضا، كان جوهرا خلاّقا. لم يكن جوابا كان سؤالا كبيرا، علّم الناس الحيرة لا الاطمئنان، علّمهم ان الحياة جهاد، بحث عن معنى الانسان، بل عن السؤال الأبديّ، عن «عرق الذهب» في جيولوجيا الحضارة والأدب والفكر. لم يكن شارعا، كان «مدينة» بمعناها القديم. فلتكن «مدينة الثقافة» في تونس مسمّاة باسمه (مدنية الثقافة «توفيق بكّار»).
لقد كان رجل التوافق والوفاق والموقف الحرّ، رجل الاجماع في هذه اللحظات الحزينة، أغالب الذاكرة، أغالب شهوة الحديث والكتابة، لكن لا مجال. سلاما سيدي لك الخلود والسّؤدد.

بقلم : حاتم الفطناسي استاذ جامعي بكلية الآداب والعلوم الانسانية بسوسة.
مدير أيام قرطاج المسرحية حاتم دربال لـ«الشروق»:أعدنا المسابقة الرسمية والافتتاح في المسرح البلدي
19 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
كشف مدير مهرجان ايام قرطاج المسرحية حاتم دربال لـ«الشروق» الملامح العامة للدورة 19 من المهرجان مبرزا عودة...
المزيد >>
بداية من الاثنين القادم:أسبوع ثقافي سوري في تونس لفك الحصار
19 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
تنظّم الهيئة الوطنية لدعم المقاومة العربية ومناهضة التطبيع والصهيونية اسبوعا ثقافيا سوريا يشارك فيه عدد من...
المزيد >>
عروض اليوم
19 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
12:45 – عرض الفيلم المصري «زنقة ستات».
المزيد >>
جندوبة:ممثلان من بوسالـم يفوزان بجائزة أفضل ممثل في مهرجان المسرح بصفاقس
19 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
في سابقة هي الاولى بجندوبة حاز الممثلان مهدي الجمازي وبشير سعيداني عن دار الثقافة ببوسالم من ولاية جندوبة...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
توفيق بكار... معلّم السؤال لذا أعلن الحداد الوطني
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 18 ماي 2017

لو أدرك «بنو وطني» جسامة المصاب، لو عغرفوا توفيق بكّار الإنسان والجامعي والمثقف والمناضل ف سبيل حرية الضمير والظهير، لو فهموا «دروسه» في رحاب الجامعة، في دور الثقافة، في منابر الحوار والنقاش، في الملتقيات والندوات في كلّ شبر من ثرى وطني، لو تعقّلوا مشروعه الفكريّ التنويري الاستراتيجي، بكلّ أبعاده، لتولاّهم الحزن.
لو علم التونسيون، ساسة وناشئة وكفاءات من شتّى الاختصالات، دوره الطلائعي، لأعلنوا الحداد الوطني.
لم يكن توفيق بكار لاهثا ولا انتهازيا ولا زحّافا الى الشهرة والأضواء، كان يعمل دون ادّعاء ولا تعال ولا جلبة.
كان رائدا باحثا، موسوعيا، مطلعا على المدارس الفكرية والنقدية الغربية، عالما بأمهات النصوص الحضارية والأدبية في التراث العربي الإسلامي، كانت لغته الفرنسية عذبة أخّاذة وكانت لغته العربية أعذب.
كان «معلّما». علّم أجيالا معنى «السؤال»، السؤال الفكري، سؤال اللغة سؤال الهويات، سؤال الكونية، سؤال النقد علّمنا «ميكانيزمات» التفكير والتحليل والتعبير في مقاربة النصوص الرمزية، علّمنا النسبيّة. كان عاشقا «للمقاربة الجدلية»، يجمع الى صرامة التناول العلمي المنهجيّ أناقة ـ البيان والعبارة. بين القدامة والحداثة «يتركّح» توفيق بكّار، لا يطمئن الى الأولى ولا الثانية، لكنّه يظفرها ؟؟؟؟ ، جدلا صاعدا نازلا، لم يسيّجه اختصاص ضيّق ولا مسار محدود ولا فنّ بعينه ولا حقل معرفيّ دون آخر. كان محورا دوّارا في نصوصه ومحاضراته ومداخلاته كان طُلعة، كان لمعة. كان يعشّق النصوص والفنون، يستثمر الموسيقى والأدب والرّسم والشّعر والسّردَ والمسرح والنّحت والرّقص والسياسة والفلسفة في مقارباته. يستثمر منجزاتها، حتى الدقائق منها، فرْط، رؤية «بانورامية» للعالم.
أذكر فيما أذكر، بعد خروجه الى التقاعد، طلبت منه كلية الآداب بمنوبة العودة وإلقاء بعض المحاضرات، فافتتح الدرس العام بمقطع من أغنية محمد الجاموسي: «كيف ما يرجع الفلاح للحقل اللّي رّقوا، كيفما يرجع الملاح للبحر اللي غرّقوا، كيفما يرجع الفرططّو للنار التي تحرقوا، يرجع للجامعة التونسية».
لا يقصد «الجامعة» في معناها الأكاديمي التلقيني الضيّق، يقصد «الجامعة» ولاّدة القيم، صانعة الفكر، محضن الكفاءات والابتكار، قاطرة المسارات وصانعة المستقبل دون انبتات ولا اغتراب دون شوفينية ولا تكلّس ولا غلوّ ولا دغمائية.
كان صديقا لطلبته، من كلّ الاتجاهات السياسية، قومييّن وإسلاميين ودستوريين ونقابيين ومن اليسار الكبير، كان سمحا، مرنا وسطيّا، ذا قدرة لامثيلَ لها على التنسيب، لا يهمّه الانتماء الجهويّ ولا الحزبيّ ولا الطبقيّ المهمّ لديه الوطنيّة والإخلاص لتونس وإتقان آليات التفكير النقدي.
لقد قاد الرجل، صحبة نخبة نيّرة، مسيرة التحديث في الفكر والنقد والابداع، في تونس، بالتبشير بمنجزات «الآخر» وبعقله الخلاّق الفذّ،بنجاعته وكفاءته في الفهم والتحليل والتفكيك والاستنتاج. لكنه أعلى من دور «الأنا» في الابداع والخلق، لغة وبناء رمزيا تخييليا.
جمع الى «الثقافة العالمة» الثقافة الشعبية والشفوية. يطرب الى شدو حبيبة مسيكة وحسين العفريت ومحمد الجاموسي وصليحة، كما يطرب الى أم كلثوم وعبد الوهاب وفيروز وجاك بريل وسيلين ديون وغيرهم.
كان يؤمن بنجاعة الفكر الانساني، الآخر كما يؤمن بـ«عبقرية» هذا الشعب، وهذه الأمة ومنجزها الخلاّق النيّر ويُبره الصّحو في تاريخها.
أعرفه، أدرك حسّه وحدسه وبرنامجه. جمعتني اليه سنيّ الجامعة في المرحلة الثانية والمرحلة الثالثة.
كنتُ أحد طلبته وأحد أصدقائه جمعني به معرفة بكتاباته. لم يكن غزير الانتاج والتأليف. لكنه كان صاحب مشاريع، مقدماته، محاضراته، تمليحاته، اشارته، اهتماماته، تبشيره بكل جديد خلاّق مغامر، في الرواية، في الشعر، في الرسم وفنون الخط، في الموسيقى، في المسرح... كانت مقدماته للابداعات كبار الكتّاب العرب والتونسيين، بمثابة مقدمة «ابن خلدون» كانت مسارات يفتتحها. يلفت اليها انتباه الباحثين. كان صانعا بل صائغا للمشاريع، نجح في كثير منها، نهض بذلك كثير من طلبته ومريديه.
توفيق بكّار لم يكن عارضا، كان جوهرا خلاّقا. لم يكن جوابا كان سؤالا كبيرا، علّم الناس الحيرة لا الاطمئنان، علّمهم ان الحياة جهاد، بحث عن معنى الانسان، بل عن السؤال الأبديّ، عن «عرق الذهب» في جيولوجيا الحضارة والأدب والفكر. لم يكن شارعا، كان «مدينة» بمعناها القديم. فلتكن «مدينة الثقافة» في تونس مسمّاة باسمه (مدنية الثقافة «توفيق بكّار»).
لقد كان رجل التوافق والوفاق والموقف الحرّ، رجل الاجماع في هذه اللحظات الحزينة، أغالب الذاكرة، أغالب شهوة الحديث والكتابة، لكن لا مجال. سلاما سيدي لك الخلود والسّؤدد.

بقلم : حاتم الفطناسي استاذ جامعي بكلية الآداب والعلوم الانسانية بسوسة.
مدير أيام قرطاج المسرحية حاتم دربال لـ«الشروق»:أعدنا المسابقة الرسمية والافتتاح في المسرح البلدي
19 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
كشف مدير مهرجان ايام قرطاج المسرحية حاتم دربال لـ«الشروق» الملامح العامة للدورة 19 من المهرجان مبرزا عودة...
المزيد >>
بداية من الاثنين القادم:أسبوع ثقافي سوري في تونس لفك الحصار
19 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
تنظّم الهيئة الوطنية لدعم المقاومة العربية ومناهضة التطبيع والصهيونية اسبوعا ثقافيا سوريا يشارك فيه عدد من...
المزيد >>
عروض اليوم
19 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
12:45 – عرض الفيلم المصري «زنقة ستات».
المزيد >>
جندوبة:ممثلان من بوسالـم يفوزان بجائزة أفضل ممثل في مهرجان المسرح بصفاقس
19 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
في سابقة هي الاولى بجندوبة حاز الممثلان مهدي الجمازي وبشير سعيداني عن دار الثقافة ببوسالم من ولاية جندوبة...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
النوري الصّـل
هل اقترب الحل السّياسي في ليبيا؟
من حيث توقيتها ومدلولاتها يمكن اعتبار الزيارة التي أداها القائد العام للجيش الليبي خليفة حفتر إلى بلادنا منعرجا هاما ومصيريا في مسار الأزمة الليبية، لا فقط لجهة ماتضمنته من حرص...
المزيد >>