مرايـــــــــــــــا:سور الصين الثقافــي...سور عبــث العرب... الخرافـــي
نورالدين بالطيب
الحرب على التّهريب والإرهاب
في خطوة جريئة وشجاعة شهدت الساعات الاخيرة مجموعة من الإيقافات لمشتبه فيهم في قضايا تهريب وبعضهم ملاحقون في قضايا مفتوحة لدى المحاكم منذ سنوات .و بغضّ النظر عن مسارات البحث الامني...
المزيد >>
مرايـــــــــــــــا:سور الصين الثقافــي...سور عبــث العرب... الخرافـــي
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 18 ماي 2017

الصين بلد عظيم وشعب عظيم وتاريخ عظيم وحضارة عظيمة.. هذه الحقائق لن تجد من يجادلك فيها... ذلك أن هذا الشعب العريق عرف على مدى تاريخه بهدوئه وحكمته وتفانيه في العمل وفي اثراء الحضارة الإنسانية. وفوق هذا فإن الشعب الصيني شعب مسالم. ومن فرط تشبثه بطابعه السلمي لم يتردد في بناء ما بات يعرف باسم سور الصين العظيم والذي استكمل بناؤه سنة 221 قبل الميلاد لصدّ القبائل المتوحشة التي تعيش على السلب والنهب والغزو. هذا السور الذي أقيم لدواعي عسكرية ـ استراتيجية والذي يمتد على طول 2400 كلم متعرّجا في الجبال والصحارى ليتخذ شكل تنّين يحمي البلاد ويردع الغزاة... هذا السور تم تكريسه ضمن عجائب الدنيا السبع. وهو لا يزال وسيبقى الى أن يرث الله الارض ومن عليها شاهدا على ابداعات وعلى عبقرية المواطن الصيني.. وسيبقى مقصد السياح من كل بقاع العالم.
الصين التي فاجأت العالم منذ أكثر من ألفي عام بسورها العظيم تتجه الآن الى اتحاف العالم بسور عظيم، لكن من نوع آخر... ولعله سيكون استكمالا للسور الأول او لنقل سيكون الجزء الخفي واللامادي منه.. انه سور الصين الثقافي العظيم.. وهو مشروع ثقافي ضخم وعظيم عظمة السور الاول بقلاعه وحصونه واستحكاماته الدفاعية.. وقد أطلقت الحكومة الصينية بمقتضى هذا المشروع موسوعة رقمية على الانترنيت جنّدت لها 20 ألفا من خيرة المثقفين والباحثين والعلماء والمفكرين لصياغة تصور لهذا المشروع ولتأثيثه بكل المعطيات والمعلومات والتفاصيل عن تاريخ الصين وعن حضارات الصين وعن ابداعات شعب الصين. ويتجه اهتمام المسؤولين الصينيين الى انجاز وادراج ما لا يقل عن 300 ألف مقال تخص 100 فرع من فروع المعرفة في هذا المشروع الذي سيدرج تحت اسم «الموسوعة الصينية» والذي سيتواجد رسميا على الانترنيت العام المقبل.
***
هذا المشروع العملاق الذي ينطلق من التراث الصيني ومن قيم المجتمع الصيني لا يتوقف عند هذا الجانب.. بل هو ينطلق منه لإعادة رسم معالم وملامح عظمة الإنسان الصيني.. وتلك الارادة الحديدية التي تسلّح بها على مرّ العصور لمغالبة الصعاب وفرض الذات بل والتفوق في مجالات الفعل الحضاري والإنساني. وشعب الصين عظيم بتاريخه وبتراثه ولكنه شعب عظيم ايضا بالمقاييس الحالية للتطور وللحضارة. شعب ناهض علميا يمسك بناصية التكنولوجيا ويبني تجربة تنموية فريدة جعلت بلد المليار و400 مليون نسمة يحقق أعلى نسب النمو ويراكم أكبر قدر من العملات الصعبة في خزائنه. الصين الآن هي من يلعب بامتياز وباقتدار في نادي كبار العالم... بل انه في الطريق ليصبح القوة الأولى في العالم لتصدق فيه نبوءة الدبلوماسي الفرنسي الكبير الان بايريفيت «عندما تستيقظ الصين سيرتعد العالم Quand la chine se reveillera le monde tremblera»
وبذلك يكون العالم إزاء عجيبة صينية جديدة تؤرخ لأحدث الابتكارات الصينية في مجالي التقنية والعلوم علاوة على مجالات الثقافة والتراث والعادات والتقاليد وقيم المجتمع الصيني.
وكما فاجأ الصينيون العالم قبل أزيد من ألفي عام بـ«سور الصين العظيم» الذي حمى الصين وردع الغزاة والطامعين فإنهم يجهزون الآن لمفاجأة العالم بـ «سور الصين الثقافي العظيم» الذي سيكون ولا شك استكمالا للمنجز الاول... او لنقل استمرارا له.. الصين بنت السور الاول لتنغلق على نفسها لأسباب دفاعية وهي تبني الآن سورها الثقافي العظيم ليكون جسر عبور الى العالم تماشيا مع العولمة وتماشيا مع ضرورة حياتية باتت تدفع الصين الى الانفتاح على العالم وعلى أسواق العالم.
إنها فكرة عبقرية لا يبدعها الا فكر خلاّق وشعب يحترم تاريخه وجذوره ويعتزّ بحضارته وبإسهامه في الحضارة الكونية.. بل ويحرص على أن يكون حضوره فيها فاعلا ومدويا ومؤثرا.
***
إبداع الشعب الصيني والمسؤولين الصينيين لا يمرّ دون إحالتنا على «ابداعات» شعوبنا العربية ومسؤولينا العرب. والناظر الى المشهد العربي الآن لا تلزمه فطنة ولا حصافة ولا دقة نظر وتشخيص كبيرة ليدرك حجم الفوضى والخراب والعبث التي تطبع هذا المشهد السريالي.
أمة تتربع في سرّة العالم، حباها اللّه بموقع فريد لتكون همزة الوصل بين القارات ولتتحكم في ممرّات التجارة العالمية... أمّة حباها اللّه بالرسالات السماوية لتكون مهبط الرسل والأنبياء وهمزة ا لوصل بين الأرض والسماء... وأمّة منحت من الثروات والخيرات والموارد الطبيعية ما يبوّؤها لتكون الأكثر رخاء والأكثر تطورا ونماء... لكن حساب البيدر لا يوافق بالمرّة حساب الحقل، فرغم كل الخيرات والثروات ورغم التاريخ العريق والطويل ورغم الحضارة العربية ـ الاسلامية العريقة التي سادت الكون فإننا لا نساوي بميزان الفعل أكثر من «رماد حضاري بارد»... حرائق بالجملة... اقتتال لا ينتهي... حروب تلد حروبا أخرى. خلافات لا تتوقف، بل ونتفنّن في استنساخ ونشر بذورها... شعوب هائمة في واد وأنظمة تسبح في واد آخر... شعوب يأكلها الفقر والتهميش والحرمان والبطالة وانسداد الأفق... وطبقات سياسية نازلة من كواكب أخرى تبيع الكلام والأوهام لبطون خاوية ولعقول معطلة ولإرادات مشلولة.
***
من أين يأتينا الفعل في معناه الكبير والمؤثر؟ ومن أين يأتينا الإبداع بمعنى الإشعاع الحضاري والكوني؟ وأنّى لنا أن نحلم (مجرد الحلم) بـ«سور عربي ثقافي عظيم» يكون رباطا مقدسا يشدّ هذه الأمة من محيطها الى خليجها ويذكّرها بأن تاريخها واحد ومستقبلها واحد... وبأن ما زاد عن هذا هو عبث في عبث؟
إذا ذكر «سور الصين الثقافي»... هل يكفينا كعرب لنبرّر عجزنا وتقاعسنا وتخلفنا في الفعل الإنساني أن نختفي وراء سور«عبث العرب الخرافي»؟

كتبها : عبد الحميد الرياحي
مقدمات للمطر:أربعة أيام مع أبناء تونس بباريس
25 ماي 2017 السّاعة 21:00
على امتداد أربعة أيام شرفني السيد محمد الطرابلسي وزير الشؤون الاجتماعية لمرافقته مع السيد حلمي التليلي...
المزيد >>
وخزة:أساءت سمعا... فأساؤوا إجابة
25 ماي 2017 السّاعة 21:00
ما يحدث في الكامور يعني ان الحكومة اساءت سمع المحتجين كما اساء المحتجون اجابة الحكومة وان كانت الاجابة مرة...
المزيد >>
وخزة
24 ماي 2017 السّاعة 21:00
يبدو أن «الكامور» قد حوّلتها جحافل الغربان الى اختزال لعبارة «كلاب مسعورة» تبحث عن «رباط»... رحم اللّه أحمد...
المزيد >>
بكل موضوعيّة:تلاميذ الابتدائي والدّولة الفاطميّة
23 ماي 2017 السّاعة 21:00
المعروف أن الأكل الدسم جدا مضر بالصحة وله مضار أحيانا أخطر من الأكل الفقير من الفيتامينات والبروتين وغير...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
مرايـــــــــــــــا:سور الصين الثقافــي...سور عبــث العرب... الخرافـــي
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 18 ماي 2017

الصين بلد عظيم وشعب عظيم وتاريخ عظيم وحضارة عظيمة.. هذه الحقائق لن تجد من يجادلك فيها... ذلك أن هذا الشعب العريق عرف على مدى تاريخه بهدوئه وحكمته وتفانيه في العمل وفي اثراء الحضارة الإنسانية. وفوق هذا فإن الشعب الصيني شعب مسالم. ومن فرط تشبثه بطابعه السلمي لم يتردد في بناء ما بات يعرف باسم سور الصين العظيم والذي استكمل بناؤه سنة 221 قبل الميلاد لصدّ القبائل المتوحشة التي تعيش على السلب والنهب والغزو. هذا السور الذي أقيم لدواعي عسكرية ـ استراتيجية والذي يمتد على طول 2400 كلم متعرّجا في الجبال والصحارى ليتخذ شكل تنّين يحمي البلاد ويردع الغزاة... هذا السور تم تكريسه ضمن عجائب الدنيا السبع. وهو لا يزال وسيبقى الى أن يرث الله الارض ومن عليها شاهدا على ابداعات وعلى عبقرية المواطن الصيني.. وسيبقى مقصد السياح من كل بقاع العالم.
الصين التي فاجأت العالم منذ أكثر من ألفي عام بسورها العظيم تتجه الآن الى اتحاف العالم بسور عظيم، لكن من نوع آخر... ولعله سيكون استكمالا للسور الأول او لنقل سيكون الجزء الخفي واللامادي منه.. انه سور الصين الثقافي العظيم.. وهو مشروع ثقافي ضخم وعظيم عظمة السور الاول بقلاعه وحصونه واستحكاماته الدفاعية.. وقد أطلقت الحكومة الصينية بمقتضى هذا المشروع موسوعة رقمية على الانترنيت جنّدت لها 20 ألفا من خيرة المثقفين والباحثين والعلماء والمفكرين لصياغة تصور لهذا المشروع ولتأثيثه بكل المعطيات والمعلومات والتفاصيل عن تاريخ الصين وعن حضارات الصين وعن ابداعات شعب الصين. ويتجه اهتمام المسؤولين الصينيين الى انجاز وادراج ما لا يقل عن 300 ألف مقال تخص 100 فرع من فروع المعرفة في هذا المشروع الذي سيدرج تحت اسم «الموسوعة الصينية» والذي سيتواجد رسميا على الانترنيت العام المقبل.
***
هذا المشروع العملاق الذي ينطلق من التراث الصيني ومن قيم المجتمع الصيني لا يتوقف عند هذا الجانب.. بل هو ينطلق منه لإعادة رسم معالم وملامح عظمة الإنسان الصيني.. وتلك الارادة الحديدية التي تسلّح بها على مرّ العصور لمغالبة الصعاب وفرض الذات بل والتفوق في مجالات الفعل الحضاري والإنساني. وشعب الصين عظيم بتاريخه وبتراثه ولكنه شعب عظيم ايضا بالمقاييس الحالية للتطور وللحضارة. شعب ناهض علميا يمسك بناصية التكنولوجيا ويبني تجربة تنموية فريدة جعلت بلد المليار و400 مليون نسمة يحقق أعلى نسب النمو ويراكم أكبر قدر من العملات الصعبة في خزائنه. الصين الآن هي من يلعب بامتياز وباقتدار في نادي كبار العالم... بل انه في الطريق ليصبح القوة الأولى في العالم لتصدق فيه نبوءة الدبلوماسي الفرنسي الكبير الان بايريفيت «عندما تستيقظ الصين سيرتعد العالم Quand la chine se reveillera le monde tremblera»
وبذلك يكون العالم إزاء عجيبة صينية جديدة تؤرخ لأحدث الابتكارات الصينية في مجالي التقنية والعلوم علاوة على مجالات الثقافة والتراث والعادات والتقاليد وقيم المجتمع الصيني.
وكما فاجأ الصينيون العالم قبل أزيد من ألفي عام بـ«سور الصين العظيم» الذي حمى الصين وردع الغزاة والطامعين فإنهم يجهزون الآن لمفاجأة العالم بـ «سور الصين الثقافي العظيم» الذي سيكون ولا شك استكمالا للمنجز الاول... او لنقل استمرارا له.. الصين بنت السور الاول لتنغلق على نفسها لأسباب دفاعية وهي تبني الآن سورها الثقافي العظيم ليكون جسر عبور الى العالم تماشيا مع العولمة وتماشيا مع ضرورة حياتية باتت تدفع الصين الى الانفتاح على العالم وعلى أسواق العالم.
إنها فكرة عبقرية لا يبدعها الا فكر خلاّق وشعب يحترم تاريخه وجذوره ويعتزّ بحضارته وبإسهامه في الحضارة الكونية.. بل ويحرص على أن يكون حضوره فيها فاعلا ومدويا ومؤثرا.
***
إبداع الشعب الصيني والمسؤولين الصينيين لا يمرّ دون إحالتنا على «ابداعات» شعوبنا العربية ومسؤولينا العرب. والناظر الى المشهد العربي الآن لا تلزمه فطنة ولا حصافة ولا دقة نظر وتشخيص كبيرة ليدرك حجم الفوضى والخراب والعبث التي تطبع هذا المشهد السريالي.
أمة تتربع في سرّة العالم، حباها اللّه بموقع فريد لتكون همزة الوصل بين القارات ولتتحكم في ممرّات التجارة العالمية... أمّة حباها اللّه بالرسالات السماوية لتكون مهبط الرسل والأنبياء وهمزة ا لوصل بين الأرض والسماء... وأمّة منحت من الثروات والخيرات والموارد الطبيعية ما يبوّؤها لتكون الأكثر رخاء والأكثر تطورا ونماء... لكن حساب البيدر لا يوافق بالمرّة حساب الحقل، فرغم كل الخيرات والثروات ورغم التاريخ العريق والطويل ورغم الحضارة العربية ـ الاسلامية العريقة التي سادت الكون فإننا لا نساوي بميزان الفعل أكثر من «رماد حضاري بارد»... حرائق بالجملة... اقتتال لا ينتهي... حروب تلد حروبا أخرى. خلافات لا تتوقف، بل ونتفنّن في استنساخ ونشر بذورها... شعوب هائمة في واد وأنظمة تسبح في واد آخر... شعوب يأكلها الفقر والتهميش والحرمان والبطالة وانسداد الأفق... وطبقات سياسية نازلة من كواكب أخرى تبيع الكلام والأوهام لبطون خاوية ولعقول معطلة ولإرادات مشلولة.
***
من أين يأتينا الفعل في معناه الكبير والمؤثر؟ ومن أين يأتينا الإبداع بمعنى الإشعاع الحضاري والكوني؟ وأنّى لنا أن نحلم (مجرد الحلم) بـ«سور عربي ثقافي عظيم» يكون رباطا مقدسا يشدّ هذه الأمة من محيطها الى خليجها ويذكّرها بأن تاريخها واحد ومستقبلها واحد... وبأن ما زاد عن هذا هو عبث في عبث؟
إذا ذكر «سور الصين الثقافي»... هل يكفينا كعرب لنبرّر عجزنا وتقاعسنا وتخلفنا في الفعل الإنساني أن نختفي وراء سور«عبث العرب الخرافي»؟

كتبها : عبد الحميد الرياحي
مقدمات للمطر:أربعة أيام مع أبناء تونس بباريس
25 ماي 2017 السّاعة 21:00
على امتداد أربعة أيام شرفني السيد محمد الطرابلسي وزير الشؤون الاجتماعية لمرافقته مع السيد حلمي التليلي...
المزيد >>
وخزة:أساءت سمعا... فأساؤوا إجابة
25 ماي 2017 السّاعة 21:00
ما يحدث في الكامور يعني ان الحكومة اساءت سمع المحتجين كما اساء المحتجون اجابة الحكومة وان كانت الاجابة مرة...
المزيد >>
وخزة
24 ماي 2017 السّاعة 21:00
يبدو أن «الكامور» قد حوّلتها جحافل الغربان الى اختزال لعبارة «كلاب مسعورة» تبحث عن «رباط»... رحم اللّه أحمد...
المزيد >>
بكل موضوعيّة:تلاميذ الابتدائي والدّولة الفاطميّة
23 ماي 2017 السّاعة 21:00
المعروف أن الأكل الدسم جدا مضر بالصحة وله مضار أحيانا أخطر من الأكل الفقير من الفيتامينات والبروتين وغير...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
نورالدين بالطيب
الحرب على التّهريب والإرهاب
في خطوة جريئة وشجاعة شهدت الساعات الاخيرة مجموعة من الإيقافات لمشتبه فيهم في قضايا تهريب وبعضهم ملاحقون في قضايا مفتوحة لدى المحاكم منذ سنوات .و بغضّ النظر عن مسارات البحث الامني...
المزيد >>