الحرب على الفساد مصلحة للبلاد والعباد
خالد الحدّاد
تحوّلات سياسيّة قادمة
تؤشّر كلّ المعطيات إلى أنّ السنة السياسيّة المقبلة ستكون ساخنة جدًّا وستشهد تبعا لذلك تحوّلات ربّما سيكون بعضها من الحجم الكبير.
المزيد >>
الحرب على الفساد مصلحة للبلاد والعباد
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 12 جوان 2017

 

يقول العلامة ابن خلدون في المقدمة عن الفساد ومضاره ومساويه التي تؤدي الى هلاك الدولة «انتشار الفساد يدفع بعامة الشعب إلى مهاوي الفقر والعجز عن تأمين مقتضيات العيش، وبداية لشرخ يؤدي إلى انهيار الدولة».
ولكن دعونا نبحث عن الأسباب الكامنة وراء الفساد الذي يؤذن بخراب العمران كما يقول ابن خلدون . وهنا يجيبنا عبدالرحمان الكواكبي ,اذ يجعل من الاستبداد أصل الداء وأصل البلية الذي لولاه لفسد الخلق ولا البشرية فيقول في كتابه طبائع الاستبداد : «الاستبداد أصل لكل فساد». بل يذهب أبعد من ذلك حينما يصور لنا الاستبداد في صورة رجل يريد أن ينسب نفسه ويعرفها فيقول في نفس المصدر «الاستبداد لو كان رجلاً وأراد أن يحتسب وينتسب لقال: أنا الشرُّ، وأبي الظلم، وأمّي الإساءة، وأخي الغدر، وأختي المسْكَنة، وعمي الضُّرّ، وخالي الذُّلّ، وابني الفقر، وبنتي البطالة، وعشيرتي الجهالة، ووطني الخراب، أما ديني وشرفي فالمال المال المال». ومن هنا يتراءى لنا كم أن الاستبداد هو السبب الرئيس والعامل المحدد في انتشار طاعون الفساد الذي يصبح كالسوس ينخر جسد الدولة والمجتمع ,فيولد الفقر, والبطالة, والفاقة ,والحرمان. ولا ينتج غير الرشوة ,والمحسوبية , ونهب المال العام , وبالتالي ينتج فسادا, يفرخ فسادا ولا يولد الا فاجرا كفارا . كما جاء على لسان النص القرآني في سورة نوح بالآية عدد 27 ″إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا″.
واذا نحن رجعنا قليلا الى الوراء لسنوات الحكم البورقيبي ثم النوفمبري لوجدنا أن الاستبداد كان منهجا وسلوكا . فمما يؤخذ على الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة هو نرجسيته المفرطة وتضخم أناه المفرط . حتى أنه اعتبر نفسه المركز الذي تدور حوله كل تونس وطنا وشعبا . فبتنا في عهده نصبح ونمسى على توجيهاته و مديحه وتمجيده . ومن الأمثلة على ذلك ″سيد الأسياد يا حبيبي بورقيبة الغالي ″ . بل النشيد الوطني في عهده قدّ على قياسه و حسب أناه الأعلى أو العليا و كأنه الروح المطلق الكلي الهيجلي . ولعله بذلك اكتسب شيئا من فرعون الاله في الحضارة الفرعونية في العصور القديمة كتعظيم لذاته وخدماته وتجليه في كل مكان . و من النتائج المباشرة لاستبداده وتفرده بالحكم هو استحضاره واستدعاؤه للبيعة على الرئاسة مدى الحياة ضاربا عرض الحائط بمبادئ النظام الجمهوري ومؤسساته الذي يعتبر الحبيب بورقيبة نفسه أحد مؤسسيه كبديل عن أنظمة التوريث والملكية.
هذا الاستبداد ,الذي اكتوت بناره ,كل القوى الحية, وامتد الى فئات الشعب خوفا ورعبا من لجان الرعاية ولجان الأحياء ومن العمدة , في القرية أو في الريف ,والذي تواصل في العهد النوفمبري أضعافا مضاعفة , حتى أنه في عهد بن علي بلغ الظلم مداه والاضطهاد السياسي أقصاه واستوطن الجور وتمدّدت خطواته وخطاه . فعمّ الفساد مفاصل الدولة , وبات كل مواطن يسمع من هنا وهناك , عن فضائح عائلة الطرابلسية واخوة الرئيس , الذين تفردوا بالقرار في كل الصفقات العمومية , وتحكموا في بوابات الأسواق , واستولوا على أغلب الاستثمارات العقارية . وهكذا تسلموا مفاتيح الخزانة المالية والاقتصاد الموازي والتجارة والتموين . بل في عهدهم نشأ التهريب ونما وترعرع وظهر الاقتصاد الموازي و تطوّر وصارت له أذرع . وأما عن المحسوبية والرشوة فحدث ولا حرج . فمن يتقرّب لأحد المقرّبين للعائلة بغاية الحصول على شغل ويقدم نصيبا باهظا من الرشوة يصل بعض الملايين لأناس غلابى و مستضعفين يتحصل على شغل ,فما بالك اذا كانت له مصلحة عقارية أو مشروع استثمار أو مشكلة في الميناء مع الديوانة أو حرس الحدود. ومن هنا استشرى الفساد والافساد وزادت وتيرته مع الأيام والسنين بالتوازي والتزامن مع الاستبداد الممنهج والدكتاتورية البوليسية النوفمبرية. كانت هذه الحالة سائدة في كل مفاصل الدولة حتى سقوط النظام صباح 14 جانفي 2011 اثر انتفاضة 17 / 14الشعبية الثورية . ولمّا كانت أجهزة الدولة العميقة في الادارة والمؤسسات والأجهزة ماثلة بقوة , و لما كان التنظيم الدولي للاخوان المسلمين حاضرا وجاهزا , وفي ظل غياب كلي للتنظيم الثوري والقيادة الثورية كانت تحصل الاختراقات من هنا وهناك ,والتسلل المخابراتي الأجنبي في الداخل والخارج ,بانتشار الجمعيات المشبوهة والمنظمات الأجنبية . وتبعا لذلك لم تسقط منظومة نظام السابع من نوفمبر وترساناته القانونية والتشريعية سواء في مرحلة الغنوشي أو المبزع - السبسي . أضف الى ذلك تحول المسار الثوري الى غير وجهته الثورية الطبيعية الى مسار انتخابي تأسيسي . وبما أن حركات الاسلام السياسي التي كانت جاهزة تنظيميا ولوجستيا في سياق لعبة المحاور الاقليمية والدولية باشراف من البنتاغون وبتنفيذ من المملكة العربية السعودية وخاصة كلا من قطر وتركيا الراعين الأولين لمشروع الربيع العبري الاخواني ,كانت حركة النهضة على الخط بعد دخولها بيت الطاعة الأمريكي وتطبيعها مع ادارة أوباما ,فآلت اليها أول انتخابات تأسيسية . وعاشت تونس في عهد الترويكا تجاذبات وصراعات هوية أدت الى شق المجتمع وتقسيمه بين مؤمن وكافر وسني وشيعي ,بل بين سني وسني. وعشش الفكر الوهابي السلفي التكفيري في كل المساجد من الشمال الى الجنوب , ونصبت الخيمات الدعوية التي تبشر بالدعوة السلفية الوهابية. ودشنت حملتها في الجهاد التي بدأتها بليبيا ثم سوريا لا حقا . بل وصل الأمر الى حد اعتبار تونس أرض جهاد . ولعلنا شهدنا في عهد الترويكا بزعامة النهضة عمليات التسفير وتجنيد الشباب ورفع علم القاعدة في مبنى الجامعة التونسية . وما اغتيال الزعيم شكري بلعيد و من بعده الزعيم الحاج محمد البراهمي في ظل حكم الترويكا الا دليل على تغلغل الارهاب والمجاميع الأصولية الاسلاموية . وكانت العمليات الارهابية التي توالت الواحدة تلو الأخرى ايذانا بعصر الارهاب التكفيري الأسود و ضرب الجيش الوطني والأجهزة الأمنية باعتبارهم يصنفونهم من الطاغوت كمقدمة لتأسيس امارة اسلاموية , كما حصل في محاولة سجنان. وكانت العمليات الارهابية متتالية ,فمن حادثة الروحية في ماي 2011 الى أحداث جبل الشعانبي وما أدراك ما جبل الشعانبي الذي مازال يستوطن فيه قطعان الارهابيين في ديسمبر 2012 الى حادثة قبلاط في 17 أكتوبر 2013 الى حادثة سيدي علي بن عون 23 أكتوبر 2013 . وفي هذا الظرف الخطير من زمن الترويكا عشنا على تهديدات المبدعين والمثقفين كحادثة العبدلية بالمرسى والدعوة لسحل الناشطين السياسيين ,بل بلغ الأمر حتى الى الدعوة الصريحة بالتهديد بالقتل .تزامن ذلك مع مطالبة النهضة بالتعويض واستغلالها للسلطة والنفوذ في سنوات حكمها . ما حدا ببعض الجيوب من المتشددين منهم الى اعتبار الدولة غنيمة وبقرة حلوبا تدرّ عليهم بالأموال والمشاريع والهبات تعويضا حسب اعتقادهم عن سنوات المنافي والتعذيب والسجون , وكأني بهم يقايضون مبادئهم النبيلة ويضعونها في ميزان سوق النخاسة والتجارة بالبضاعة . فعوّضوا بذلك عملا حسنا بآخر سيئ في غفلة منهم على محاسبة و محاكمة و تفكيك منظومة الفساد و منظومة الدكتاتورية النوفمبرية والبورقيبية . فحملت معها مرة أخرى تلك المنظومة التي خربت الدولة والمؤسسات والقطاعات وخيمت بظلالها على الشعب تطحنه وتفتك به في معركة اجتماعية اقتصادية ضارية نفثت فيه سمومها وبثت فيه أحزانها ومآسيها وجبروتها . فمسّت كل أركان الدولة أفقيا وعموديا, رأسيا وقاعديا , في القمة والقاعدة . فجلبت معها كالعادة مرة أخرى كل البلاوي والمآسي . ومع صعود حزب النداء للسلطة وتقاسم الحكم مع حزب النهضة سندخل فصلا جديدا من تحالف جيوب الأمس من دعاة الدولة العتيقة مع جيوب اليوم من دعاة الدولة العميقة . وسيعمل بعض المتنفذين من رجال الأعمال الجدد والقدامى الفاسدين والماسكين بمافيا المال والأعمال على صناعة امبراطورية التهريب والإرهاب والفساد ,تكون خارجة عن الدولة,تنتعش فيها الحيتان الكبيرة وكل بارونات المهربين والمفسدين .و ستسعى هذه الشبكات الى صناعة امبراطوريي الفساد والإفساد لإغراق السوق بالاقتصاد الموازي الذي بات غولا هدّد اقتصاد الدولة وجعل,هذا الأخير عاجزا عن مواجهة الأزمة الهيكلية والبنيوية التي ما انفكت تتضاعف أمام أزمة السياحة ,وانكماش الاستثمار الداخلي والخارجي. ولعل هيمنة ونفوذ منظومة الفساد والإفساد ,هي التي ستنجب أثرياء جددا,على حساب دم الفقراء واقتصاد الدولة ,الذين كانوا بالأمس القريب لا يكسبون فلسا واحدا ولا مليما واحدا . وما زاد الطين بلة هو دخول أصحاب التجارة من رؤوس الأموال الى عالم السياسة والاستثمار فيه . وهو ما سيزيد من تدني الخطاب السياسي الذي هبط وانحدر الى المجهول . وأصبح الكل يدلي برأيه , وكأننا في سوق النخاسة مع "البزناسة " من هؤلاء الساسة الجدد ,الذين ابتلي بهم الوطن كما لم يبتل به أحد . وهذا يعني ما سيؤذن بخراب الاقتصاد والسياسة معا . ما سيلقي بظلاله على الظروف الاجتماعية المتأزمة والتي باتت ترحّل من عام الى آخر دون حلول جذرية . ولعل ما ذكره الشيخ عبدالرحمان الكواكبي في المرجع السابق يؤكد ما ذهبنا اليه ,حيث يقول :«اذا دخل أهل التجارة في السياسة أعرف أن الدولة قدهرمت وفسدت» ويضيف في ذات السياق واصفا ذوي المصالح الشخصية فيقول : «الذين يعتمد عليهم الحاكم في الدفاع عن الدولة من أهل المصالح الشخصية يقضون على الملك ».
وتأسيسا على ما تقدم و معطوفا عليه نتبين أن أم المعارك الحقيقية هي اعلان الحرب على الفساد في كل أبعاده الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والمالية والتجارية والادارية والأمنية والقانونبة والتشريعية وحتى في الهياكل التربوية والثقافية والرياضية والفنية .وبكلمة اعلان الحرب الشاملة على الفساد على اعتبار أن الفساد هو دمار شامل للمجتمعات والدول . من هنا لا يمكن الا أن نساند هذه الحرب على الفساد والعقلية اللصوصية في كل مكان وفي كل آن مهما علا شأنه في الدولة في كل قطاعاتها و مؤسساتها وأجهزتها من قطاع رئاسة الدولة الى قطاع رئاسة الوزراء بمعنى من قرطاج الى القصبة مرورا بكل مفصل من مفاصل الدولة ايمانا منا بالمقولة التاريخية الخالدة للعلامة ابن خلدون ″العدل أساس العمران″ و المقولة والحكمة المأثورة عن عمر ابن الخطاب″حكمت فعدلت فأمنت فنمت ″.

النفطي حولة (ناشط سياسي ونقابي وحقوقي)
في فنزويلا: تغريدة وحشية لذئب متوحد يسمع من قريب
21 أوت 2017 السّاعة 15:44
الشروق اون لاين – محمد الطاهر: كتب الاستاذ بالجامعة التونسية ومنسق شبكة باب المغاربة صلاح الداودي نصا تلقت...
المزيد >>
فنزويلا: البندقية الصغيرة والحلم البوليفاري الكبير
16 أوت 2017 السّاعة 18:14
الشروق اون لاين – محمد الطاهر: كتب الاستاذ بالجامعة التونسية ومنسق شبكة باب المغاربة للدراسات...
المزيد >>
القانون الدولي الانساني (قانون النزاعات المسلّحة) في عالـم مجنون
14 أوت 2017 السّاعة 21:00
{وإذ قال ربّك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يُفسد فيها ويُسفك الدماء ونحن نسبّح بحمدك...
المزيد >>
مسؤولية الكراسي أم كراسي المسؤولية؟
14 أوت 2017 السّاعة 21:00
عجز المصلحون وعلماء النفس وحتى الأنبياء والرّسل عن جعل الناس جميعا طيبين متحابّين يعملون للخير العام...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
الحرب على الفساد مصلحة للبلاد والعباد
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 12 جوان 2017

 

يقول العلامة ابن خلدون في المقدمة عن الفساد ومضاره ومساويه التي تؤدي الى هلاك الدولة «انتشار الفساد يدفع بعامة الشعب إلى مهاوي الفقر والعجز عن تأمين مقتضيات العيش، وبداية لشرخ يؤدي إلى انهيار الدولة».
ولكن دعونا نبحث عن الأسباب الكامنة وراء الفساد الذي يؤذن بخراب العمران كما يقول ابن خلدون . وهنا يجيبنا عبدالرحمان الكواكبي ,اذ يجعل من الاستبداد أصل الداء وأصل البلية الذي لولاه لفسد الخلق ولا البشرية فيقول في كتابه طبائع الاستبداد : «الاستبداد أصل لكل فساد». بل يذهب أبعد من ذلك حينما يصور لنا الاستبداد في صورة رجل يريد أن ينسب نفسه ويعرفها فيقول في نفس المصدر «الاستبداد لو كان رجلاً وأراد أن يحتسب وينتسب لقال: أنا الشرُّ، وأبي الظلم، وأمّي الإساءة، وأخي الغدر، وأختي المسْكَنة، وعمي الضُّرّ، وخالي الذُّلّ، وابني الفقر، وبنتي البطالة، وعشيرتي الجهالة، ووطني الخراب، أما ديني وشرفي فالمال المال المال». ومن هنا يتراءى لنا كم أن الاستبداد هو السبب الرئيس والعامل المحدد في انتشار طاعون الفساد الذي يصبح كالسوس ينخر جسد الدولة والمجتمع ,فيولد الفقر, والبطالة, والفاقة ,والحرمان. ولا ينتج غير الرشوة ,والمحسوبية , ونهب المال العام , وبالتالي ينتج فسادا, يفرخ فسادا ولا يولد الا فاجرا كفارا . كما جاء على لسان النص القرآني في سورة نوح بالآية عدد 27 ″إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا″.
واذا نحن رجعنا قليلا الى الوراء لسنوات الحكم البورقيبي ثم النوفمبري لوجدنا أن الاستبداد كان منهجا وسلوكا . فمما يؤخذ على الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة هو نرجسيته المفرطة وتضخم أناه المفرط . حتى أنه اعتبر نفسه المركز الذي تدور حوله كل تونس وطنا وشعبا . فبتنا في عهده نصبح ونمسى على توجيهاته و مديحه وتمجيده . ومن الأمثلة على ذلك ″سيد الأسياد يا حبيبي بورقيبة الغالي ″ . بل النشيد الوطني في عهده قدّ على قياسه و حسب أناه الأعلى أو العليا و كأنه الروح المطلق الكلي الهيجلي . ولعله بذلك اكتسب شيئا من فرعون الاله في الحضارة الفرعونية في العصور القديمة كتعظيم لذاته وخدماته وتجليه في كل مكان . و من النتائج المباشرة لاستبداده وتفرده بالحكم هو استحضاره واستدعاؤه للبيعة على الرئاسة مدى الحياة ضاربا عرض الحائط بمبادئ النظام الجمهوري ومؤسساته الذي يعتبر الحبيب بورقيبة نفسه أحد مؤسسيه كبديل عن أنظمة التوريث والملكية.
هذا الاستبداد ,الذي اكتوت بناره ,كل القوى الحية, وامتد الى فئات الشعب خوفا ورعبا من لجان الرعاية ولجان الأحياء ومن العمدة , في القرية أو في الريف ,والذي تواصل في العهد النوفمبري أضعافا مضاعفة , حتى أنه في عهد بن علي بلغ الظلم مداه والاضطهاد السياسي أقصاه واستوطن الجور وتمدّدت خطواته وخطاه . فعمّ الفساد مفاصل الدولة , وبات كل مواطن يسمع من هنا وهناك , عن فضائح عائلة الطرابلسية واخوة الرئيس , الذين تفردوا بالقرار في كل الصفقات العمومية , وتحكموا في بوابات الأسواق , واستولوا على أغلب الاستثمارات العقارية . وهكذا تسلموا مفاتيح الخزانة المالية والاقتصاد الموازي والتجارة والتموين . بل في عهدهم نشأ التهريب ونما وترعرع وظهر الاقتصاد الموازي و تطوّر وصارت له أذرع . وأما عن المحسوبية والرشوة فحدث ولا حرج . فمن يتقرّب لأحد المقرّبين للعائلة بغاية الحصول على شغل ويقدم نصيبا باهظا من الرشوة يصل بعض الملايين لأناس غلابى و مستضعفين يتحصل على شغل ,فما بالك اذا كانت له مصلحة عقارية أو مشروع استثمار أو مشكلة في الميناء مع الديوانة أو حرس الحدود. ومن هنا استشرى الفساد والافساد وزادت وتيرته مع الأيام والسنين بالتوازي والتزامن مع الاستبداد الممنهج والدكتاتورية البوليسية النوفمبرية. كانت هذه الحالة سائدة في كل مفاصل الدولة حتى سقوط النظام صباح 14 جانفي 2011 اثر انتفاضة 17 / 14الشعبية الثورية . ولمّا كانت أجهزة الدولة العميقة في الادارة والمؤسسات والأجهزة ماثلة بقوة , و لما كان التنظيم الدولي للاخوان المسلمين حاضرا وجاهزا , وفي ظل غياب كلي للتنظيم الثوري والقيادة الثورية كانت تحصل الاختراقات من هنا وهناك ,والتسلل المخابراتي الأجنبي في الداخل والخارج ,بانتشار الجمعيات المشبوهة والمنظمات الأجنبية . وتبعا لذلك لم تسقط منظومة نظام السابع من نوفمبر وترساناته القانونية والتشريعية سواء في مرحلة الغنوشي أو المبزع - السبسي . أضف الى ذلك تحول المسار الثوري الى غير وجهته الثورية الطبيعية الى مسار انتخابي تأسيسي . وبما أن حركات الاسلام السياسي التي كانت جاهزة تنظيميا ولوجستيا في سياق لعبة المحاور الاقليمية والدولية باشراف من البنتاغون وبتنفيذ من المملكة العربية السعودية وخاصة كلا من قطر وتركيا الراعين الأولين لمشروع الربيع العبري الاخواني ,كانت حركة النهضة على الخط بعد دخولها بيت الطاعة الأمريكي وتطبيعها مع ادارة أوباما ,فآلت اليها أول انتخابات تأسيسية . وعاشت تونس في عهد الترويكا تجاذبات وصراعات هوية أدت الى شق المجتمع وتقسيمه بين مؤمن وكافر وسني وشيعي ,بل بين سني وسني. وعشش الفكر الوهابي السلفي التكفيري في كل المساجد من الشمال الى الجنوب , ونصبت الخيمات الدعوية التي تبشر بالدعوة السلفية الوهابية. ودشنت حملتها في الجهاد التي بدأتها بليبيا ثم سوريا لا حقا . بل وصل الأمر الى حد اعتبار تونس أرض جهاد . ولعلنا شهدنا في عهد الترويكا بزعامة النهضة عمليات التسفير وتجنيد الشباب ورفع علم القاعدة في مبنى الجامعة التونسية . وما اغتيال الزعيم شكري بلعيد و من بعده الزعيم الحاج محمد البراهمي في ظل حكم الترويكا الا دليل على تغلغل الارهاب والمجاميع الأصولية الاسلاموية . وكانت العمليات الارهابية التي توالت الواحدة تلو الأخرى ايذانا بعصر الارهاب التكفيري الأسود و ضرب الجيش الوطني والأجهزة الأمنية باعتبارهم يصنفونهم من الطاغوت كمقدمة لتأسيس امارة اسلاموية , كما حصل في محاولة سجنان. وكانت العمليات الارهابية متتالية ,فمن حادثة الروحية في ماي 2011 الى أحداث جبل الشعانبي وما أدراك ما جبل الشعانبي الذي مازال يستوطن فيه قطعان الارهابيين في ديسمبر 2012 الى حادثة قبلاط في 17 أكتوبر 2013 الى حادثة سيدي علي بن عون 23 أكتوبر 2013 . وفي هذا الظرف الخطير من زمن الترويكا عشنا على تهديدات المبدعين والمثقفين كحادثة العبدلية بالمرسى والدعوة لسحل الناشطين السياسيين ,بل بلغ الأمر حتى الى الدعوة الصريحة بالتهديد بالقتل .تزامن ذلك مع مطالبة النهضة بالتعويض واستغلالها للسلطة والنفوذ في سنوات حكمها . ما حدا ببعض الجيوب من المتشددين منهم الى اعتبار الدولة غنيمة وبقرة حلوبا تدرّ عليهم بالأموال والمشاريع والهبات تعويضا حسب اعتقادهم عن سنوات المنافي والتعذيب والسجون , وكأني بهم يقايضون مبادئهم النبيلة ويضعونها في ميزان سوق النخاسة والتجارة بالبضاعة . فعوّضوا بذلك عملا حسنا بآخر سيئ في غفلة منهم على محاسبة و محاكمة و تفكيك منظومة الفساد و منظومة الدكتاتورية النوفمبرية والبورقيبية . فحملت معها مرة أخرى تلك المنظومة التي خربت الدولة والمؤسسات والقطاعات وخيمت بظلالها على الشعب تطحنه وتفتك به في معركة اجتماعية اقتصادية ضارية نفثت فيه سمومها وبثت فيه أحزانها ومآسيها وجبروتها . فمسّت كل أركان الدولة أفقيا وعموديا, رأسيا وقاعديا , في القمة والقاعدة . فجلبت معها كالعادة مرة أخرى كل البلاوي والمآسي . ومع صعود حزب النداء للسلطة وتقاسم الحكم مع حزب النهضة سندخل فصلا جديدا من تحالف جيوب الأمس من دعاة الدولة العتيقة مع جيوب اليوم من دعاة الدولة العميقة . وسيعمل بعض المتنفذين من رجال الأعمال الجدد والقدامى الفاسدين والماسكين بمافيا المال والأعمال على صناعة امبراطورية التهريب والإرهاب والفساد ,تكون خارجة عن الدولة,تنتعش فيها الحيتان الكبيرة وكل بارونات المهربين والمفسدين .و ستسعى هذه الشبكات الى صناعة امبراطوريي الفساد والإفساد لإغراق السوق بالاقتصاد الموازي الذي بات غولا هدّد اقتصاد الدولة وجعل,هذا الأخير عاجزا عن مواجهة الأزمة الهيكلية والبنيوية التي ما انفكت تتضاعف أمام أزمة السياحة ,وانكماش الاستثمار الداخلي والخارجي. ولعل هيمنة ونفوذ منظومة الفساد والإفساد ,هي التي ستنجب أثرياء جددا,على حساب دم الفقراء واقتصاد الدولة ,الذين كانوا بالأمس القريب لا يكسبون فلسا واحدا ولا مليما واحدا . وما زاد الطين بلة هو دخول أصحاب التجارة من رؤوس الأموال الى عالم السياسة والاستثمار فيه . وهو ما سيزيد من تدني الخطاب السياسي الذي هبط وانحدر الى المجهول . وأصبح الكل يدلي برأيه , وكأننا في سوق النخاسة مع "البزناسة " من هؤلاء الساسة الجدد ,الذين ابتلي بهم الوطن كما لم يبتل به أحد . وهذا يعني ما سيؤذن بخراب الاقتصاد والسياسة معا . ما سيلقي بظلاله على الظروف الاجتماعية المتأزمة والتي باتت ترحّل من عام الى آخر دون حلول جذرية . ولعل ما ذكره الشيخ عبدالرحمان الكواكبي في المرجع السابق يؤكد ما ذهبنا اليه ,حيث يقول :«اذا دخل أهل التجارة في السياسة أعرف أن الدولة قدهرمت وفسدت» ويضيف في ذات السياق واصفا ذوي المصالح الشخصية فيقول : «الذين يعتمد عليهم الحاكم في الدفاع عن الدولة من أهل المصالح الشخصية يقضون على الملك ».
وتأسيسا على ما تقدم و معطوفا عليه نتبين أن أم المعارك الحقيقية هي اعلان الحرب على الفساد في كل أبعاده الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والمالية والتجارية والادارية والأمنية والقانونبة والتشريعية وحتى في الهياكل التربوية والثقافية والرياضية والفنية .وبكلمة اعلان الحرب الشاملة على الفساد على اعتبار أن الفساد هو دمار شامل للمجتمعات والدول . من هنا لا يمكن الا أن نساند هذه الحرب على الفساد والعقلية اللصوصية في كل مكان وفي كل آن مهما علا شأنه في الدولة في كل قطاعاتها و مؤسساتها وأجهزتها من قطاع رئاسة الدولة الى قطاع رئاسة الوزراء بمعنى من قرطاج الى القصبة مرورا بكل مفصل من مفاصل الدولة ايمانا منا بالمقولة التاريخية الخالدة للعلامة ابن خلدون ″العدل أساس العمران″ و المقولة والحكمة المأثورة عن عمر ابن الخطاب″حكمت فعدلت فأمنت فنمت ″.

النفطي حولة (ناشط سياسي ونقابي وحقوقي)
في فنزويلا: تغريدة وحشية لذئب متوحد يسمع من قريب
21 أوت 2017 السّاعة 15:44
الشروق اون لاين – محمد الطاهر: كتب الاستاذ بالجامعة التونسية ومنسق شبكة باب المغاربة صلاح الداودي نصا تلقت...
المزيد >>
فنزويلا: البندقية الصغيرة والحلم البوليفاري الكبير
16 أوت 2017 السّاعة 18:14
الشروق اون لاين – محمد الطاهر: كتب الاستاذ بالجامعة التونسية ومنسق شبكة باب المغاربة للدراسات...
المزيد >>
القانون الدولي الانساني (قانون النزاعات المسلّحة) في عالـم مجنون
14 أوت 2017 السّاعة 21:00
{وإذ قال ربّك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يُفسد فيها ويُسفك الدماء ونحن نسبّح بحمدك...
المزيد >>
مسؤولية الكراسي أم كراسي المسؤولية؟
14 أوت 2017 السّاعة 21:00
عجز المصلحون وعلماء النفس وحتى الأنبياء والرّسل عن جعل الناس جميعا طيبين متحابّين يعملون للخير العام...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
خالد الحدّاد
تحوّلات سياسيّة قادمة
تؤشّر كلّ المعطيات إلى أنّ السنة السياسيّة المقبلة ستكون ساخنة جدًّا وستشهد تبعا لذلك تحوّلات ربّما سيكون بعضها من الحجم الكبير.
المزيد >>