الحرب الباردة في الخليج العربي والموقف الواقعي لتونس
خالد الحدّاد
تحوّلات سياسيّة قادمة
تؤشّر كلّ المعطيات إلى أنّ السنة السياسيّة المقبلة ستكون ساخنة جدًّا وستشهد تبعا لذلك تحوّلات ربّما سيكون بعضها من الحجم الكبير.
المزيد >>
الحرب الباردة في الخليج العربي والموقف الواقعي لتونس
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 10 جويلية 2017

برزت في الآونة الأخيرة حدّة الخلافات بين دول الخليج، ولم تقتصر هذه الخلافات على الجوانب السياسية والاقتصادية والتجارية بل تعدتها إلى الجوانب الاستراتيجية والدفاعية بين قطر من جهة والسعودية وعدد من الدول على غرار الامارات العربية والبحرين، إلى جانب مصر من جهة أخرى.
نضيف إلى هذه الدول مواقف إيران وتركيا تجاه الخلاف المسجل بين دول الخليج، بعد الاتهام الصريح الموجّه إلى قطر بدعم الارهاب وتمويله واحتقان قياداته.
إن إظهار قطر على أنها مؤيدة للارهاب وداعمة له، من شأنه أن يحدث تغييرات في علاقة هذه الدولة بمحيطها العربي الأكثر تضررا من الارهاب، ويجعل من دول خليجية أخرى ولو بصفة افتراضية تتموقع في معسكر القوى المناهضة للجماعات الارهابية والمنتصرة للتعايش السلمي.
وبطبيعة الحال، وتبعا لما تشهده منطقة الخليج العربي من ارتباك ظاهر للعيان فقد وضعت الولايات المتحدة الأمريكية في اعتبارها ضرورة احتواء كل دول الخليج وخاصة السعودية وقطر، وربما لعب دور الوساطة لمنع اشتداد الحرب الباردة بينهما. والسعي في آن واحد إلى إعادة ترتيب البيت الخليجي، بما يتوافق مع المصالح الأمريكية في المنطقة.
منع دول الخليج من لعب دور إقليمي
من الملاحظ أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تطرح في خضم أزمة الخليج الراهنة قضايا انتهاك حقوق الانسان في دول الخليج أو تمويل الارهاب، من منطلق الحرص على إحلال السلام في المنطقة، بل طرحت رغبتها في تخفيض التوتر والحد من خطر اللجوء إلى أي عمل مسلح في الوقت الراهن وذلك حرصا من إدارة ترومب على تحميل منافع مادية مباشرة من كل الأطراف المتنازعة وفق آليات ديبلوماسية باتباع خطة أساسها الانعاش الشامل والمتواصل للاقتصاد الأمريكي مهما كانت الظروف والسياقات، وتعتبر دول الخليج المجال الخصب لهذا التمشي الأمريكي.
أجواء الحرب الباردة والعلاقات العربية ـ العربية
ألقت أزمة الخليج الراهنة بظلالها على الدول العربية، وأدخلت على ديبلوماسيتها أجواء شديدة التوتر والغموض في آن واحد، خشية أن تمسّ الخلافات الحادة بين أقطار الخليج، إلى جانب القوى الاقليمية الكبرى (مصر وتركيا وإيران) من الخارطة الجيوسياسية ومن بنية النظام الاقليمي والسياسي في الشرق الأوسط والخليج العربي، دون أن يؤدي هذا التغير بطبيعة الحال إلى تعديلات أو اصلاحات ضرورية تخدم هذه النظم ومصالح شعوبها بشكل عادل ومتوازن، ويجعل من منطقة الخليج أكثر عرضة للتدخل العسكري المسلح، ولعمليات قتالية، يقودها بطبيعة الحال الولايات المتحدة، إذا كبرت كرة الثلج وتحولت الحرب الباردة إلى مواجهات مسلحة الأمر الذي سيضر بطبيعة الحال بمصالح الدول العربية ويهدد توازناتها الاقتصادية والاجتماعية.
وتبرز اليوم شكوك جدية حول الطرف الأكثر استفادة من الأوضاع المتوترة بين قطر والسعودية والدول الداعمة لكلتهما في المنطقة، ولماذا احتد التوتر مباشرة إثر زيارة ترومب للسعودية.
والملاحظ أن تدهور الأوضاع بين دول الخليج وتفكك الوحدة بينهما من شأنه أن يعزز قوة الولايات المتحدة على التأثير في مجريات عملية السلام اللاحقة للحرب، فتكون بذلك المستفيد الأول من الحرب الباردة ومن السلام القادم بعد ذلك.
وهو أمر يضع الدول العربية ومن خلفها جامعة الدول العربية في حرج كبير، خاصة في غياب المبادرات العربية لتطويق الخلاف الظاهر للعيان بين السعودية وقطر وفي ظل كذلك المواقف الغامضة لدول الاتحاد الأوروبي وروسيا، على الأقل في الوقت الراهن، مواقف الدول الأوروبية تجاه الخلافات المشار إليها وعدم استعداد الولايات المتحدة الأمريكية لفسح المجال لدول الاتحاد الأوروبي لممارسة أدوار بارزة في منطقة الخليج العربي، هذه المنطقة التي تعتبر ذات أولوية قصوى بالنسبة لأمريكا ومصالحها في الخارج، وكلنا يذكر حرب الخليج الثانية، عندما احتل صدام حسين الكويت، كيف ان فرنسا ذات الانتماء الأوروبي، كانت قد اتخذت موقفا مغايرا لأمريكا تجاه أزمة الخليج، وكيف جابهته واشنطن بالاصرار على اخراج صدام حسين من الكويت بالقوة عبر تحالف دولي وهو ما جعل فرنسا تتراجع نسبيا عن تأييد العراق.
أما باقي الدول الأوروبية فقد انحازت إلى السياسة الأمريكية وتحالفت معها وتمسكت بما سمّي وقتها بالشرعية الدولية، إلى أن تم تدمير العراق نهائيا، وتحويله من قوة اقليمية يحسب لها حساب، إلى مجرد كيان متهالك ينخره الارهاب وتعمّه الفوضى.
ويدرك الأوروبيون جيدا ان المسالك الموصلة إلى احكام السيطرة على مناطق الثروات ولاسيما في منطقة الخليج العربي غير متاحة في الوقت الراهن.
وفي خضم تفاعلات أزمة الخليج الراهنة، الخليج الراهنة، حاول ترومب أن يظهر بصورة ايجابية من خلال الأفعال والصفات. فهو المبادر والفاعل الأساسي وهو وسيط ناجح وفعال، وهذه التتمات والخصائص يخول له محاربة الارهاب مساندة دول الخليج رغم تناقضاتها وحربها المفتوحة. فهل يمكن للديبلوماسية التونسية أن تضمن حضورها في منطقة الخليج في خضم هذه الأزمة؟
تونس وأزمة الخليج
ان التمشي الديمقراطي والتعددي الذي سارت فيه تونس منذ الثورة، وما تبع ذلك من مشاركة واسعة في إدارة شؤون الحكم، والسعي الواضح اليوم إلى إضفاء أبعاد ديمقراطية على نمط عمل المؤسسات، أمور تعطي لتونس الحق في تقديم المبادرات قصد الوساطة بين الدول المتنازعة، وذلك في سياق البعد الاستراتيجي الذي تحتله بلادنا في مستوى العلاقات الدولية.
وانطلاقا من ايمان عميق من الحكومة التونسية حسب رأي المتواقع بأن الأزمة الراهنة بين قطر والسعودية ذات جذور وأبعاد متشابكة وشائكة ولا يمكن تسويتها الا بالمفاوضات.
والمفاوضات لا تأتي الا بتهيئة الشروط الموضوعية والقيام بالتعبئة اللازمة من أجل التوصل الى التسوية العادلة والمتوازنة لهذه الازمة الخطيرة ولكل قضايا الخلاف بين دول الخليج بصرف النظر عن العنصر المتحكم في خيوط اللعبة. ومن هنا فلا يمكننا تقييم أهمية الدور الذي يمكن ان تلعبه الحكومة التونسية في تعديل المواقف بين الدول المتنازعة ودفعها ديبلوماسيا وسياسيا الى تعديل مواقف الاندفاع وتهدئة حدة الحرب الكلامية والاعلامية التي نشبت ونزع فتيل الحرب المحتملة وفتح صفحة جديدة في العلاقات بين السعودية وقطر بما يبني قاعدة للاستقرار وبعيد الترتيبات الأمنية في الخليج ويخدم المصالح العربية في المنطقة، ومنها مصالح الجمهورية التونسية.
ولا نعني بذلك أن الموقف الديبلوماسي التونسي من أزمة الخليج الجديدة يمكن ان يعرقل التدخل التركي او الايراني في المنطقة ونحن نعلم أهمية الاتفاقيات الثنائية والمتعددة بين دول التعاون الخليجي وبين ايران وتركيا في كافة المجالات، وخاصة الامنية والاستراتيجية.
والواقع أن كل الدلائل والاتجاهات تشير الى قدرة الحكومة التونسية على لعب دور الوساطة الايجابية في هذه المرحلة من الخلاف بين دول الخليج، وتأمين حضورها المعتدل والمتوازن في المنطقة لتقديم حلول عملية ومساعدة الدول الخليجية المتنازعة على تفادي الولوج الى منطقة اللاعودة في حربها المفتوحة على كل الأوجه.
إن تونس في وضعها الاقتصادي الراهن وفي سياق حرص رئيس حكومتها على خوض الحرب ضد الارهاب والفساد الى اخر مداها، مطالبة بعد مساندة طرف ضد آخر والتعامل بتحفظات مع كل المحركين لخيوط المعركة في الخليج وذلك تحقيقا لأهدافها الاقتصادية وضمانا لتواصل نهجتها الديبلوماسي المعتدل والناضج. وبذلك فإن تونس، وهي المتضرر الاهم من الارهاب العابر للقارات لديها من المسوغات ما يسمح لها بالتدخل الودي والسياسي لتعديل الاوضاع في منطقة الخليج العربي وتعميق البعد العربي لديبلوماسيتها والظهور بمظهر الدولة الناضجة سياسيا ومؤسساتيا في سياق الرسائل الايجابية التي بعث بها السيد يوسف الشاهد في ادارته للحكومة، التدخل في محاولة لاحتواء الازمة والحد من الفجوة بين دول الخليج، بالاستناد بطبيعة الحال الى خبرة الممارسات الديبلوماسية التاريخية للرئيس الباجي قائد السبسي وهو تدخل من شأنه تطبيع العلاقات بين هذه الدول المتنافرة ولعب الدور المعدّل للصراع العربي ـ العربي او إن شئنا الصراع الخليجي ـ الخليجي في محيط عربي.
يمكن ان يختزل التمشي الديبلوماسي الواقعي لتونس الصراع الدائر اليوم بين قطر والسعودية ومن والاهما، وذلك بإظهار أهمية الخيارات السياسية وضرورة المحافظة على بقاء الدولة وأن الازمة الراهنة من شأنها أن تعصف بدول الخليج وأنتهدد وجودها في المنطقة.
عوالم استراتيجية
إن معالجة الاشكاليات السياسية في الخليج العربي، من منظور تونسي، تكمن في العمل على ازالة أسباب التوتر عبر آليات الحوار وترتيب الاولويات تمهيدا لحلول جذرية لأصل المشكل بين دويلات تنتمي جغرافيا الى فضاء واحد، ولكنها تعمل كل واحدة منها بشكل منفرد بحثا عن الزعامة والريادة اقليميا وعربيا.
وتونس معنية بالحل السياسي الشامل في منطقة الخليج العربي، وذلك بالحرص الشديد على بناء الثقة المتبادلة بين هذه الدول واعادة علاقات الصداقة والتعاون والتبادل بينها، وبذل الجهود المشتركة لاحلال السلام والاستقرار والامن في منطقة الخليج العربي.
وهي عوامل استراتيجية تندرج حسب رأينا الشخصي في عمق السياسة الخارجية لتونس لأن أزمة الخليج ليست أزمة عابرة او مؤقتة وانما هي أزمة اقليمية عميقة وشاملة أثرت على كل أوجه الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأثرت على اقتصاد دول المنطقة وخاصة على اقتصاد دول قطر التي يبدو ان الازمة طالت مخزونها المالي وأثرت علي السير العادي للحياة فيها.
فلا يتوجب علينا انتظار ما ستسفر عنه الحرب الباردة في الخليج بل يتعين على ديبلوماسيينا الحضور القوي وعرض البدائل، لأننا لن نستفيد من معاداة السعودية والارتماء في أحضان قطر او العكس فنحن نتعامل بمنطق الدولة التي نعرف كيف نحافظ على كيانها المستقل وتوازنها الوظيفي. وهو ما يعني مساعدة دول المنطقة سياسيا على تبني مرجعيات الفكر السياسي الواقعي وتعديل مواقفها من مختلف القضايا الخلافية.

بقلم: الدكتور منذر عافي (باحث في علم الاجتماع)
في فنزويلا: تغريدة وحشية لذئب متوحد يسمع من قريب
21 أوت 2017 السّاعة 15:44
الشروق اون لاين – محمد الطاهر: كتب الاستاذ بالجامعة التونسية ومنسق شبكة باب المغاربة صلاح الداودي نصا تلقت...
المزيد >>
فنزويلا: البندقية الصغيرة والحلم البوليفاري الكبير
16 أوت 2017 السّاعة 18:14
الشروق اون لاين – محمد الطاهر: كتب الاستاذ بالجامعة التونسية ومنسق شبكة باب المغاربة للدراسات...
المزيد >>
القانون الدولي الانساني (قانون النزاعات المسلّحة) في عالـم مجنون
14 أوت 2017 السّاعة 21:00
{وإذ قال ربّك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يُفسد فيها ويُسفك الدماء ونحن نسبّح بحمدك...
المزيد >>
مسؤولية الكراسي أم كراسي المسؤولية؟
14 أوت 2017 السّاعة 21:00
عجز المصلحون وعلماء النفس وحتى الأنبياء والرّسل عن جعل الناس جميعا طيبين متحابّين يعملون للخير العام...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
الحرب الباردة في الخليج العربي والموقف الواقعي لتونس
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 10 جويلية 2017

برزت في الآونة الأخيرة حدّة الخلافات بين دول الخليج، ولم تقتصر هذه الخلافات على الجوانب السياسية والاقتصادية والتجارية بل تعدتها إلى الجوانب الاستراتيجية والدفاعية بين قطر من جهة والسعودية وعدد من الدول على غرار الامارات العربية والبحرين، إلى جانب مصر من جهة أخرى.
نضيف إلى هذه الدول مواقف إيران وتركيا تجاه الخلاف المسجل بين دول الخليج، بعد الاتهام الصريح الموجّه إلى قطر بدعم الارهاب وتمويله واحتقان قياداته.
إن إظهار قطر على أنها مؤيدة للارهاب وداعمة له، من شأنه أن يحدث تغييرات في علاقة هذه الدولة بمحيطها العربي الأكثر تضررا من الارهاب، ويجعل من دول خليجية أخرى ولو بصفة افتراضية تتموقع في معسكر القوى المناهضة للجماعات الارهابية والمنتصرة للتعايش السلمي.
وبطبيعة الحال، وتبعا لما تشهده منطقة الخليج العربي من ارتباك ظاهر للعيان فقد وضعت الولايات المتحدة الأمريكية في اعتبارها ضرورة احتواء كل دول الخليج وخاصة السعودية وقطر، وربما لعب دور الوساطة لمنع اشتداد الحرب الباردة بينهما. والسعي في آن واحد إلى إعادة ترتيب البيت الخليجي، بما يتوافق مع المصالح الأمريكية في المنطقة.
منع دول الخليج من لعب دور إقليمي
من الملاحظ أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تطرح في خضم أزمة الخليج الراهنة قضايا انتهاك حقوق الانسان في دول الخليج أو تمويل الارهاب، من منطلق الحرص على إحلال السلام في المنطقة، بل طرحت رغبتها في تخفيض التوتر والحد من خطر اللجوء إلى أي عمل مسلح في الوقت الراهن وذلك حرصا من إدارة ترومب على تحميل منافع مادية مباشرة من كل الأطراف المتنازعة وفق آليات ديبلوماسية باتباع خطة أساسها الانعاش الشامل والمتواصل للاقتصاد الأمريكي مهما كانت الظروف والسياقات، وتعتبر دول الخليج المجال الخصب لهذا التمشي الأمريكي.
أجواء الحرب الباردة والعلاقات العربية ـ العربية
ألقت أزمة الخليج الراهنة بظلالها على الدول العربية، وأدخلت على ديبلوماسيتها أجواء شديدة التوتر والغموض في آن واحد، خشية أن تمسّ الخلافات الحادة بين أقطار الخليج، إلى جانب القوى الاقليمية الكبرى (مصر وتركيا وإيران) من الخارطة الجيوسياسية ومن بنية النظام الاقليمي والسياسي في الشرق الأوسط والخليج العربي، دون أن يؤدي هذا التغير بطبيعة الحال إلى تعديلات أو اصلاحات ضرورية تخدم هذه النظم ومصالح شعوبها بشكل عادل ومتوازن، ويجعل من منطقة الخليج أكثر عرضة للتدخل العسكري المسلح، ولعمليات قتالية، يقودها بطبيعة الحال الولايات المتحدة، إذا كبرت كرة الثلج وتحولت الحرب الباردة إلى مواجهات مسلحة الأمر الذي سيضر بطبيعة الحال بمصالح الدول العربية ويهدد توازناتها الاقتصادية والاجتماعية.
وتبرز اليوم شكوك جدية حول الطرف الأكثر استفادة من الأوضاع المتوترة بين قطر والسعودية والدول الداعمة لكلتهما في المنطقة، ولماذا احتد التوتر مباشرة إثر زيارة ترومب للسعودية.
والملاحظ أن تدهور الأوضاع بين دول الخليج وتفكك الوحدة بينهما من شأنه أن يعزز قوة الولايات المتحدة على التأثير في مجريات عملية السلام اللاحقة للحرب، فتكون بذلك المستفيد الأول من الحرب الباردة ومن السلام القادم بعد ذلك.
وهو أمر يضع الدول العربية ومن خلفها جامعة الدول العربية في حرج كبير، خاصة في غياب المبادرات العربية لتطويق الخلاف الظاهر للعيان بين السعودية وقطر وفي ظل كذلك المواقف الغامضة لدول الاتحاد الأوروبي وروسيا، على الأقل في الوقت الراهن، مواقف الدول الأوروبية تجاه الخلافات المشار إليها وعدم استعداد الولايات المتحدة الأمريكية لفسح المجال لدول الاتحاد الأوروبي لممارسة أدوار بارزة في منطقة الخليج العربي، هذه المنطقة التي تعتبر ذات أولوية قصوى بالنسبة لأمريكا ومصالحها في الخارج، وكلنا يذكر حرب الخليج الثانية، عندما احتل صدام حسين الكويت، كيف ان فرنسا ذات الانتماء الأوروبي، كانت قد اتخذت موقفا مغايرا لأمريكا تجاه أزمة الخليج، وكيف جابهته واشنطن بالاصرار على اخراج صدام حسين من الكويت بالقوة عبر تحالف دولي وهو ما جعل فرنسا تتراجع نسبيا عن تأييد العراق.
أما باقي الدول الأوروبية فقد انحازت إلى السياسة الأمريكية وتحالفت معها وتمسكت بما سمّي وقتها بالشرعية الدولية، إلى أن تم تدمير العراق نهائيا، وتحويله من قوة اقليمية يحسب لها حساب، إلى مجرد كيان متهالك ينخره الارهاب وتعمّه الفوضى.
ويدرك الأوروبيون جيدا ان المسالك الموصلة إلى احكام السيطرة على مناطق الثروات ولاسيما في منطقة الخليج العربي غير متاحة في الوقت الراهن.
وفي خضم تفاعلات أزمة الخليج الراهنة، الخليج الراهنة، حاول ترومب أن يظهر بصورة ايجابية من خلال الأفعال والصفات. فهو المبادر والفاعل الأساسي وهو وسيط ناجح وفعال، وهذه التتمات والخصائص يخول له محاربة الارهاب مساندة دول الخليج رغم تناقضاتها وحربها المفتوحة. فهل يمكن للديبلوماسية التونسية أن تضمن حضورها في منطقة الخليج في خضم هذه الأزمة؟
تونس وأزمة الخليج
ان التمشي الديمقراطي والتعددي الذي سارت فيه تونس منذ الثورة، وما تبع ذلك من مشاركة واسعة في إدارة شؤون الحكم، والسعي الواضح اليوم إلى إضفاء أبعاد ديمقراطية على نمط عمل المؤسسات، أمور تعطي لتونس الحق في تقديم المبادرات قصد الوساطة بين الدول المتنازعة، وذلك في سياق البعد الاستراتيجي الذي تحتله بلادنا في مستوى العلاقات الدولية.
وانطلاقا من ايمان عميق من الحكومة التونسية حسب رأي المتواقع بأن الأزمة الراهنة بين قطر والسعودية ذات جذور وأبعاد متشابكة وشائكة ولا يمكن تسويتها الا بالمفاوضات.
والمفاوضات لا تأتي الا بتهيئة الشروط الموضوعية والقيام بالتعبئة اللازمة من أجل التوصل الى التسوية العادلة والمتوازنة لهذه الازمة الخطيرة ولكل قضايا الخلاف بين دول الخليج بصرف النظر عن العنصر المتحكم في خيوط اللعبة. ومن هنا فلا يمكننا تقييم أهمية الدور الذي يمكن ان تلعبه الحكومة التونسية في تعديل المواقف بين الدول المتنازعة ودفعها ديبلوماسيا وسياسيا الى تعديل مواقف الاندفاع وتهدئة حدة الحرب الكلامية والاعلامية التي نشبت ونزع فتيل الحرب المحتملة وفتح صفحة جديدة في العلاقات بين السعودية وقطر بما يبني قاعدة للاستقرار وبعيد الترتيبات الأمنية في الخليج ويخدم المصالح العربية في المنطقة، ومنها مصالح الجمهورية التونسية.
ولا نعني بذلك أن الموقف الديبلوماسي التونسي من أزمة الخليج الجديدة يمكن ان يعرقل التدخل التركي او الايراني في المنطقة ونحن نعلم أهمية الاتفاقيات الثنائية والمتعددة بين دول التعاون الخليجي وبين ايران وتركيا في كافة المجالات، وخاصة الامنية والاستراتيجية.
والواقع أن كل الدلائل والاتجاهات تشير الى قدرة الحكومة التونسية على لعب دور الوساطة الايجابية في هذه المرحلة من الخلاف بين دول الخليج، وتأمين حضورها المعتدل والمتوازن في المنطقة لتقديم حلول عملية ومساعدة الدول الخليجية المتنازعة على تفادي الولوج الى منطقة اللاعودة في حربها المفتوحة على كل الأوجه.
إن تونس في وضعها الاقتصادي الراهن وفي سياق حرص رئيس حكومتها على خوض الحرب ضد الارهاب والفساد الى اخر مداها، مطالبة بعد مساندة طرف ضد آخر والتعامل بتحفظات مع كل المحركين لخيوط المعركة في الخليج وذلك تحقيقا لأهدافها الاقتصادية وضمانا لتواصل نهجتها الديبلوماسي المعتدل والناضج. وبذلك فإن تونس، وهي المتضرر الاهم من الارهاب العابر للقارات لديها من المسوغات ما يسمح لها بالتدخل الودي والسياسي لتعديل الاوضاع في منطقة الخليج العربي وتعميق البعد العربي لديبلوماسيتها والظهور بمظهر الدولة الناضجة سياسيا ومؤسساتيا في سياق الرسائل الايجابية التي بعث بها السيد يوسف الشاهد في ادارته للحكومة، التدخل في محاولة لاحتواء الازمة والحد من الفجوة بين دول الخليج، بالاستناد بطبيعة الحال الى خبرة الممارسات الديبلوماسية التاريخية للرئيس الباجي قائد السبسي وهو تدخل من شأنه تطبيع العلاقات بين هذه الدول المتنافرة ولعب الدور المعدّل للصراع العربي ـ العربي او إن شئنا الصراع الخليجي ـ الخليجي في محيط عربي.
يمكن ان يختزل التمشي الديبلوماسي الواقعي لتونس الصراع الدائر اليوم بين قطر والسعودية ومن والاهما، وذلك بإظهار أهمية الخيارات السياسية وضرورة المحافظة على بقاء الدولة وأن الازمة الراهنة من شأنها أن تعصف بدول الخليج وأنتهدد وجودها في المنطقة.
عوالم استراتيجية
إن معالجة الاشكاليات السياسية في الخليج العربي، من منظور تونسي، تكمن في العمل على ازالة أسباب التوتر عبر آليات الحوار وترتيب الاولويات تمهيدا لحلول جذرية لأصل المشكل بين دويلات تنتمي جغرافيا الى فضاء واحد، ولكنها تعمل كل واحدة منها بشكل منفرد بحثا عن الزعامة والريادة اقليميا وعربيا.
وتونس معنية بالحل السياسي الشامل في منطقة الخليج العربي، وذلك بالحرص الشديد على بناء الثقة المتبادلة بين هذه الدول واعادة علاقات الصداقة والتعاون والتبادل بينها، وبذل الجهود المشتركة لاحلال السلام والاستقرار والامن في منطقة الخليج العربي.
وهي عوامل استراتيجية تندرج حسب رأينا الشخصي في عمق السياسة الخارجية لتونس لأن أزمة الخليج ليست أزمة عابرة او مؤقتة وانما هي أزمة اقليمية عميقة وشاملة أثرت على كل أوجه الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأثرت على اقتصاد دول المنطقة وخاصة على اقتصاد دول قطر التي يبدو ان الازمة طالت مخزونها المالي وأثرت علي السير العادي للحياة فيها.
فلا يتوجب علينا انتظار ما ستسفر عنه الحرب الباردة في الخليج بل يتعين على ديبلوماسيينا الحضور القوي وعرض البدائل، لأننا لن نستفيد من معاداة السعودية والارتماء في أحضان قطر او العكس فنحن نتعامل بمنطق الدولة التي نعرف كيف نحافظ على كيانها المستقل وتوازنها الوظيفي. وهو ما يعني مساعدة دول المنطقة سياسيا على تبني مرجعيات الفكر السياسي الواقعي وتعديل مواقفها من مختلف القضايا الخلافية.

بقلم: الدكتور منذر عافي (باحث في علم الاجتماع)
في فنزويلا: تغريدة وحشية لذئب متوحد يسمع من قريب
21 أوت 2017 السّاعة 15:44
الشروق اون لاين – محمد الطاهر: كتب الاستاذ بالجامعة التونسية ومنسق شبكة باب المغاربة صلاح الداودي نصا تلقت...
المزيد >>
فنزويلا: البندقية الصغيرة والحلم البوليفاري الكبير
16 أوت 2017 السّاعة 18:14
الشروق اون لاين – محمد الطاهر: كتب الاستاذ بالجامعة التونسية ومنسق شبكة باب المغاربة للدراسات...
المزيد >>
القانون الدولي الانساني (قانون النزاعات المسلّحة) في عالـم مجنون
14 أوت 2017 السّاعة 21:00
{وإذ قال ربّك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يُفسد فيها ويُسفك الدماء ونحن نسبّح بحمدك...
المزيد >>
مسؤولية الكراسي أم كراسي المسؤولية؟
14 أوت 2017 السّاعة 21:00
عجز المصلحون وعلماء النفس وحتى الأنبياء والرّسل عن جعل الناس جميعا طيبين متحابّين يعملون للخير العام...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
خالد الحدّاد
تحوّلات سياسيّة قادمة
تؤشّر كلّ المعطيات إلى أنّ السنة السياسيّة المقبلة ستكون ساخنة جدًّا وستشهد تبعا لذلك تحوّلات ربّما سيكون بعضها من الحجم الكبير.
المزيد >>