محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور .. القرآن العظيم (5)
عبد الحميد الرياحي
قبل حدوث الطامة الكبرى
تتوالى المؤشرات الكبيرة المنذرة بقرب بلوغ اقتصاد البلاد مرحلة العجز الكامل أو حتى الانهيار... فقبل أيام أعلن البنك المركزي أن مدخراتنا من العملة الصعبة لا تكفي لتغطية سوى 90 يوما من...
المزيد >>
محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور .. القرآن العظيم (5)
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 28 جويلية 2017

الناحية الثانية وهي طريقة النقل، وهذه تابعة للمعنى الاول لانها مرتبطة بقصد الاعجاز فانه لا يخفى ان القرآن العظيم لما كان معجزة فانه كان موجها الى المؤمنين والجاحدين على السواء بل انه كان موجها الى الجاحدين اكثر من توجيهه الى المؤمنين لانهم المطلوبون بمعارضته والمراد افحامهم بعجزهم عن المعارضة.
وبذلك كان موجها اليهم وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتحداهم به، ويتلوه على رؤوسهم وكان يتطاول عليهم بانهم عجزوا عن معارضته. وكانت آيات القرآن العظيم بذاته تستخلص من ذلك العجز حجة قائمة وبرهانا قاطعا على ان القرآن ليس من كلام محمد صلى الله عليه وسلم وانما هو من كلام الله .وبذلك كان الناقلون للقرآن العظيم عبارة عن عنصرين مختلفين متعاديين متنافرين لا يمكن بينهما ائتلاف ولا يمكن ان يجمعهما تآمر لان المعنى الذي يمكن ان يجمع الناس من التآمر على شيء او الاتفاق على غير موجود انما يكون مبنيا على الاتفاق في الغاية والاتفاق في المصلحة.
وهذان العنصران لا تناسق ولا تجانس بينهما. ولذلك فان اتفاق العنصرين على النقل قد كان آية على ان النص القرآني انما هو النص الحقيقي الذي سلم ببلوغه اليه من لدن محمد صلى الله عليه وسلم ناقلا اياه عن الوحي، الكافرون والمؤمنون على السواء.
وبذلك تحقق فيه معنى التواتر الذي هو طريق قطعي باثبات الواقع. وليس التواتر راجعا الى عدد الناقلين ولا منوطا بالكثرة والقلة كما حققه المحققون من علماء الكلام ومن الاصوليين ولكنه راجع الى هذا المعنى الذي عبر عنه الاصوليون بانه اتفاق قوم يستحيل تواطؤهم على الكذب، واستحالة التواطؤ على الكذب لا تأتي من العدد ومن الكثرة وانما تأتي من اختلاف الغايات واختلاف المقومات الذهنية التي بمقتضاها لا يمكن ان يجمع تآمر بين طرفين.
فالقرآن العظيم حينئذ منقول بطرق التواتر والاشتهار وبطرق اجتمع عليها المؤمن بالقرآن وغير المؤمن به. واعتمد نقله على السماع وعلى النقل اللفظي ولم يعتمد على الكتابة التي هي مظنة لامكان التدليس ومحتاجة الى دراسات عميقة ودقيقة ليمكن اثبات نسبتها الى اصلها وانما هو امر موكول بالسماع وما كانت كتابة المصاحف الا عن سماع وما كانت كتابتها الا لاجل ان تسند النقل المسموع.
وقد مضت حياة النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتلو القرآن والناس يتلونه بين يديه صلى الله عليه وسلم، والمعارضون له منكبون عليه طمعا في امكان معارضته او تعلقا بنقضه بما حاولوا نقضه به من الامور الواهية التي تعلقوا بها في حال ان الكتب السماوية الاخرى انما نقلت كما تدل على ذلك هي بنفسها بطريق الكتابة وكانت من فرد الى فرد لانها بمنزلة الوصايا والعهود وكانت كتابتها معرضة الى ما تتعرض اليه الكتائب من الاندثار والضياع، والحاجة الى التحقيق بصورة جعلت طريقة نقل القرآن العظيم وهي طريقة التواتر غير متوفرة للكتب السماوية الاخرى بما ورد فيها هي ذاتها مما وقع من الاختلاف ومن دواعي الاختلاف التي هي راجعة اولا الى الاعتماد على الكتابة وثانيا الى الاستناد الى اخبار الآحاد.
لغة القرآن ولغات الكتب السماوية الاخرى:
واما الناحية الثالثة وهي اللغة فاننا عندما ننظر الى العصر الذي نزلت فيه الكتب السماوية، ونرجع كل كتاب من الكتب السماوية الى عصره ونكتفي من ذلك باشهر الكتب السماوية وهي كتابا العهد القديم والعهد الجديد. ثم ننظر الى القرآن العظيم ايضا بذلك الاعتبار فاننا نجد ان اللغة التي كانت لغة موسى عليه السلام لما نزلت عليه التوراة ولغة قومه لما خاطبهم في التوراة انما هي كما يعرف من تاريخ اللغات المنقرضة البائدة لان بني اسرائيل لما دخلوا العراق بلاد بابل في حالة اسر اختلطت لغتهم باللغة السريانية اختلاطا تولدت منه لغة جديدة هي المعبر عنها بالعبرانية الحديثة او بالارامية وذلك انما كان في القرن السادس قبل المسيح اي بعد رسالة موسى عليه السلام باكثر من ثمانية قرون. وتلك اللغة، وهي العبرانية الحديثة او الارامية هي التي يوجد بها اقدم نصوص التوراة التي توجد الان عند المتعبدين بالتوراة المتدينين بها. وهذا يقتضي ان نص التوراة الاول الذي ينتظر ان يكون بلغة عصره وهي العبرانية الاولى هو نص ليس بموجود وان هذا الموجود بايدينا ليس الا نقلا او حكاية او تلخيصا او ترجمة للتوراة واما نص التوراة الاصلي ولا سيما الاسفار الخمسة الاولى التي هي ما تزال على موسى من العهد القديم فانها موجودة الان باللغة الارامية التي هي لغى نشأت بعد موسى بثمانية قرون .
يتبع

أسباب النزول
18 أوت 2017 السّاعة 21:00
قال الله تعالى :{ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ...
المزيد >>
محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور:القرآن العظيم ( 8 )
18 أوت 2017 السّاعة 21:00
فان هذه الاية من سورة الانعام، ومعلوم ان سورة الانعام سورة مكية بلا خلاف. وقد ذهب بعض علماء اسباب النزول الى...
المزيد >>
من القصص القرآني :هل ظلم الإسلام المرأة في الإرث؟!
18 أوت 2017 السّاعة 21:00
تعمدت بعض النخب المثقفة إلى إثارة شبهة أن الإسلام قد ظلم المرأة في مسألة الإرث وتعدى على حقوقها المالية إذ...
المزيد >>
من القصص القرآني :هل ظلم الإسلام المرأة في الإرث؟!
18 أوت 2017 السّاعة 21:00
تعمدت بعض النخب المثقفة إلى إثارة شبهة أن الإسلام قد ظلم المرأة في مسألة الإرث وتعدى على حقوقها المالية إذ...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور .. القرآن العظيم (5)
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 28 جويلية 2017

الناحية الثانية وهي طريقة النقل، وهذه تابعة للمعنى الاول لانها مرتبطة بقصد الاعجاز فانه لا يخفى ان القرآن العظيم لما كان معجزة فانه كان موجها الى المؤمنين والجاحدين على السواء بل انه كان موجها الى الجاحدين اكثر من توجيهه الى المؤمنين لانهم المطلوبون بمعارضته والمراد افحامهم بعجزهم عن المعارضة.
وبذلك كان موجها اليهم وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتحداهم به، ويتلوه على رؤوسهم وكان يتطاول عليهم بانهم عجزوا عن معارضته. وكانت آيات القرآن العظيم بذاته تستخلص من ذلك العجز حجة قائمة وبرهانا قاطعا على ان القرآن ليس من كلام محمد صلى الله عليه وسلم وانما هو من كلام الله .وبذلك كان الناقلون للقرآن العظيم عبارة عن عنصرين مختلفين متعاديين متنافرين لا يمكن بينهما ائتلاف ولا يمكن ان يجمعهما تآمر لان المعنى الذي يمكن ان يجمع الناس من التآمر على شيء او الاتفاق على غير موجود انما يكون مبنيا على الاتفاق في الغاية والاتفاق في المصلحة.
وهذان العنصران لا تناسق ولا تجانس بينهما. ولذلك فان اتفاق العنصرين على النقل قد كان آية على ان النص القرآني انما هو النص الحقيقي الذي سلم ببلوغه اليه من لدن محمد صلى الله عليه وسلم ناقلا اياه عن الوحي، الكافرون والمؤمنون على السواء.
وبذلك تحقق فيه معنى التواتر الذي هو طريق قطعي باثبات الواقع. وليس التواتر راجعا الى عدد الناقلين ولا منوطا بالكثرة والقلة كما حققه المحققون من علماء الكلام ومن الاصوليين ولكنه راجع الى هذا المعنى الذي عبر عنه الاصوليون بانه اتفاق قوم يستحيل تواطؤهم على الكذب، واستحالة التواطؤ على الكذب لا تأتي من العدد ومن الكثرة وانما تأتي من اختلاف الغايات واختلاف المقومات الذهنية التي بمقتضاها لا يمكن ان يجمع تآمر بين طرفين.
فالقرآن العظيم حينئذ منقول بطرق التواتر والاشتهار وبطرق اجتمع عليها المؤمن بالقرآن وغير المؤمن به. واعتمد نقله على السماع وعلى النقل اللفظي ولم يعتمد على الكتابة التي هي مظنة لامكان التدليس ومحتاجة الى دراسات عميقة ودقيقة ليمكن اثبات نسبتها الى اصلها وانما هو امر موكول بالسماع وما كانت كتابة المصاحف الا عن سماع وما كانت كتابتها الا لاجل ان تسند النقل المسموع.
وقد مضت حياة النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتلو القرآن والناس يتلونه بين يديه صلى الله عليه وسلم، والمعارضون له منكبون عليه طمعا في امكان معارضته او تعلقا بنقضه بما حاولوا نقضه به من الامور الواهية التي تعلقوا بها في حال ان الكتب السماوية الاخرى انما نقلت كما تدل على ذلك هي بنفسها بطريق الكتابة وكانت من فرد الى فرد لانها بمنزلة الوصايا والعهود وكانت كتابتها معرضة الى ما تتعرض اليه الكتائب من الاندثار والضياع، والحاجة الى التحقيق بصورة جعلت طريقة نقل القرآن العظيم وهي طريقة التواتر غير متوفرة للكتب السماوية الاخرى بما ورد فيها هي ذاتها مما وقع من الاختلاف ومن دواعي الاختلاف التي هي راجعة اولا الى الاعتماد على الكتابة وثانيا الى الاستناد الى اخبار الآحاد.
لغة القرآن ولغات الكتب السماوية الاخرى:
واما الناحية الثالثة وهي اللغة فاننا عندما ننظر الى العصر الذي نزلت فيه الكتب السماوية، ونرجع كل كتاب من الكتب السماوية الى عصره ونكتفي من ذلك باشهر الكتب السماوية وهي كتابا العهد القديم والعهد الجديد. ثم ننظر الى القرآن العظيم ايضا بذلك الاعتبار فاننا نجد ان اللغة التي كانت لغة موسى عليه السلام لما نزلت عليه التوراة ولغة قومه لما خاطبهم في التوراة انما هي كما يعرف من تاريخ اللغات المنقرضة البائدة لان بني اسرائيل لما دخلوا العراق بلاد بابل في حالة اسر اختلطت لغتهم باللغة السريانية اختلاطا تولدت منه لغة جديدة هي المعبر عنها بالعبرانية الحديثة او بالارامية وذلك انما كان في القرن السادس قبل المسيح اي بعد رسالة موسى عليه السلام باكثر من ثمانية قرون. وتلك اللغة، وهي العبرانية الحديثة او الارامية هي التي يوجد بها اقدم نصوص التوراة التي توجد الان عند المتعبدين بالتوراة المتدينين بها. وهذا يقتضي ان نص التوراة الاول الذي ينتظر ان يكون بلغة عصره وهي العبرانية الاولى هو نص ليس بموجود وان هذا الموجود بايدينا ليس الا نقلا او حكاية او تلخيصا او ترجمة للتوراة واما نص التوراة الاصلي ولا سيما الاسفار الخمسة الاولى التي هي ما تزال على موسى من العهد القديم فانها موجودة الان باللغة الارامية التي هي لغى نشأت بعد موسى بثمانية قرون .
يتبع

أسباب النزول
18 أوت 2017 السّاعة 21:00
قال الله تعالى :{ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ...
المزيد >>
محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور:القرآن العظيم ( 8 )
18 أوت 2017 السّاعة 21:00
فان هذه الاية من سورة الانعام، ومعلوم ان سورة الانعام سورة مكية بلا خلاف. وقد ذهب بعض علماء اسباب النزول الى...
المزيد >>
من القصص القرآني :هل ظلم الإسلام المرأة في الإرث؟!
18 أوت 2017 السّاعة 21:00
تعمدت بعض النخب المثقفة إلى إثارة شبهة أن الإسلام قد ظلم المرأة في مسألة الإرث وتعدى على حقوقها المالية إذ...
المزيد >>
من القصص القرآني :هل ظلم الإسلام المرأة في الإرث؟!
18 أوت 2017 السّاعة 21:00
تعمدت بعض النخب المثقفة إلى إثارة شبهة أن الإسلام قد ظلم المرأة في مسألة الإرث وتعدى على حقوقها المالية إذ...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
عبد الحميد الرياحي
قبل حدوث الطامة الكبرى
تتوالى المؤشرات الكبيرة المنذرة بقرب بلوغ اقتصاد البلاد مرحلة العجز الكامل أو حتى الانهيار... فقبل أيام أعلن البنك المركزي أن مدخراتنا من العملة الصعبة لا تكفي لتغطية سوى 90 يوما من...
المزيد >>