من الآخر:من المقيـم العـــام الى خالتــي حـــدّة ودجاجاتهـــــــا !
عبد الجليل المسعودي
رئيس حكومة أم مدير إدارة؟
كان المفترض، اعتبارا للوضع الدقيق الذي تمرُّ به بلادنا، أن يكون توجه السيد رئيس الحكومة إلى الشعب التونسي بمثابة الحدث السياسي الذي يؤسّس لفترة جديدة، ويُنشئ نقاشا جادا يتيح فرصة...
المزيد >>
من الآخر:من المقيـم العـــام الى خالتــي حـــدّة ودجاجاتهـــــــا !
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 04 أوت 2017

شاهدت منذ يومين على موقع اذاعة الكاف فيديو عن مخلفات الحرائق في جبال وغابات جندوبة، يصور مأساة عجوز ريفية التهمت النيران، أدوات منزلها البسيط ودجاجاتها القليلة، فعادت بي الذاكرة الى تقرير من أوائل القرن الماضي أعده باحث فرنسي للمقيم العام في ذلك الوقت (1883 - 1903) عن الشمال التونسي. وكان من بين المناطق التي شملها التقرير، جندوبة او سوق الاربعاء كما كانت تعرف وقتها .

ولعل ما يجهله الناس عن غابات الشمال الغربي التي اندلعت فيها الحرائق خلال الايام الاخيرة، واساسا غابات جندوبة او»سوق الاربعاء «، كما يسميها إيميل فيولار (Émile Violard) صاحب التقرير، انها كانت عرضة دائما للحرائق، وكان سكانها المعروفون وقتها بالأهالي (les indigènes) وهم خليط من العرب والبربر او الأمازيغ مثلما يصفهم فيولار متعودين على ذلك الى ان قدم الفرنسيون !
وكانت فرنسا في غياب اهتمام الباي بالجهة في ذلك الوقت، اول من رسم خارطة الغابات في جندوبة عام 1883 ووضع الممرات ا والخنادق وسطها للحد من الحرائق في حال اندلاعها، حتى بلغت ايرادات المنتوج الغابي بالجهة في 1903 ما قيمته 94114330 فرنك فرنسي تم استثمار جزء كبير منها في تعمير الجهة وتشييد الطرقات وسكك الحديد وتشغيل الأهالي .
ويذكر إيميل فيولار الذي ارسله المقيم العام الفرنسي S.Pichon لإعداد تقرير شامل عن شمال البلاد ( سوق الاربعاء - باجة - تونس - بنزرت - قرمبالية ) ان جبال سوق الاربعاء من افضل واجمل الجبال التي يبحث عنها متسلق والجبال في فرنسا وأوروبا، اضافة الى غاباتها الشاسعة من شجر الزان والخفاف والنباتات والحيوانات البرية النادرة والمتنوعة ....
ويكشف الباحث الفرنسي في تقريره الذي يعود نشره الى 1906 عن المطبعة العصرية ( J.ORLIAC ) ان العرب الذين كانوا يعيشون على السرقة والسطو بالجهة في ذلك الوقت، عادة ما يعمدون الى إشعال النار خلفهم في الغابات اثر كل غارة يقومون بها على البربر او الأمازيغ سكان المنطقة الأصليين، حتى لا يلحقوا بهم وسط الجبال والغابات. فتندلع الحرائق وتنتشر في الغابات.
ويبين الباحث الفرنسي الذي تجول كثيرا في المنطقة وتحدث الى سكانها من العرب والبربر، ان السلط الفرنسية حاولت مرارا إثناء ما وصفهم بقطاع الطرق من العرب عن إشعال النار في الغابات ولكن دون جدوى، فعرضت عليهم العمل في حفر الخنادق ومد الطرقات وسط الغابات للحد من الحرائق، وقامت بانتدابهم في الحراسة وقطع الأشجار. كما شيدت لهم قرية سكنية يقيمون فيها، قد تكون هي أصل مدينة جندوبة.
يمر اليوم اكثر من قرن على تهيئة المنطقة من قبل «فرنسا الاستعمارية» ولكن وضع الأهالي ظل كما هو، بل ربما اصبح اكثر بؤسا وتعاسة كما هو حال «حدة» العجوز الفقيرة التي فقدت دجاجاتها او اولادها على حد تعبيرها بسبب امتداد الحرائق الى منزلها، واذا كان الأهالي في أوائل القرن الماضي قد وجدوا «الخير» في المستعمر، على الاقل، في وقف الغارات وتشغيل المغيرين، فانهم اليوم باتوا عاجزين حتى عن العيش في جهاتهم بسبب الكوارث الطبيعية والعطش والبطالة والارهاب الذي أتى به «الربيع العربي».
وما أشبه الأهالي الذين كانوا يتعرضون للسلب والنهب من قبل قطاع الطرق في نهاية القرن قبل الماضي بمشهد « خالتي حدة « وهي تبكي حظها المشؤوم ا و» سعدها المكبوب «، ليس لفقدان دجاجاتها قرة عينها فحسب، وانما لوجودها وبقائها في هذه المنطقة المهجورة الخالية من ابسط متطلبات الحياة.

كتب محسن عبدالرحمان
وخزة
17 أكتوبر 2017 السّاعة 21:00
«ربّي يدوّم زيارة المسؤولين» جملة أصبح يردّدها التونسيون مع كل زيارة لأحد رموز الدولة، لأن هذه الزيارة...
المزيد >>
بكل موضوعيّة:خطابُ الضعف
17 أكتوبر 2017 السّاعة 21:00
في البداية أود الاعتذار للقراء إذا ما لاحظوا عنفا متخفيا كان أو ظاهرا وراء الكلمات المستعملة. نعم فلست من...
المزيد >>
بطاقة الأسبوع:عصابات تهدد التلاميذ أي دور للولي في التصدي لها؟
17 أكتوبر 2017 السّاعة 21:00
في إطار التصدي للعصابات التي تتمركز امام المؤسسات التربوية لسرقة التلاميذ وابتزازهم او لبيع الزطلة تحركت...
المزيد >>
وخزة
16 أكتوبر 2017 السّاعة 21:00
البطالة ثارت في «أدمغة» الشباب فهؤلاء يهددون باللجوء إلى بلد مجاور وآخرون يركبون الموج «سرا» الى بلاد...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
من الآخر:من المقيـم العـــام الى خالتــي حـــدّة ودجاجاتهـــــــا !
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 04 أوت 2017

شاهدت منذ يومين على موقع اذاعة الكاف فيديو عن مخلفات الحرائق في جبال وغابات جندوبة، يصور مأساة عجوز ريفية التهمت النيران، أدوات منزلها البسيط ودجاجاتها القليلة، فعادت بي الذاكرة الى تقرير من أوائل القرن الماضي أعده باحث فرنسي للمقيم العام في ذلك الوقت (1883 - 1903) عن الشمال التونسي. وكان من بين المناطق التي شملها التقرير، جندوبة او سوق الاربعاء كما كانت تعرف وقتها .

ولعل ما يجهله الناس عن غابات الشمال الغربي التي اندلعت فيها الحرائق خلال الايام الاخيرة، واساسا غابات جندوبة او»سوق الاربعاء «، كما يسميها إيميل فيولار (Émile Violard) صاحب التقرير، انها كانت عرضة دائما للحرائق، وكان سكانها المعروفون وقتها بالأهالي (les indigènes) وهم خليط من العرب والبربر او الأمازيغ مثلما يصفهم فيولار متعودين على ذلك الى ان قدم الفرنسيون !
وكانت فرنسا في غياب اهتمام الباي بالجهة في ذلك الوقت، اول من رسم خارطة الغابات في جندوبة عام 1883 ووضع الممرات ا والخنادق وسطها للحد من الحرائق في حال اندلاعها، حتى بلغت ايرادات المنتوج الغابي بالجهة في 1903 ما قيمته 94114330 فرنك فرنسي تم استثمار جزء كبير منها في تعمير الجهة وتشييد الطرقات وسكك الحديد وتشغيل الأهالي .
ويذكر إيميل فيولار الذي ارسله المقيم العام الفرنسي S.Pichon لإعداد تقرير شامل عن شمال البلاد ( سوق الاربعاء - باجة - تونس - بنزرت - قرمبالية ) ان جبال سوق الاربعاء من افضل واجمل الجبال التي يبحث عنها متسلق والجبال في فرنسا وأوروبا، اضافة الى غاباتها الشاسعة من شجر الزان والخفاف والنباتات والحيوانات البرية النادرة والمتنوعة ....
ويكشف الباحث الفرنسي في تقريره الذي يعود نشره الى 1906 عن المطبعة العصرية ( J.ORLIAC ) ان العرب الذين كانوا يعيشون على السرقة والسطو بالجهة في ذلك الوقت، عادة ما يعمدون الى إشعال النار خلفهم في الغابات اثر كل غارة يقومون بها على البربر او الأمازيغ سكان المنطقة الأصليين، حتى لا يلحقوا بهم وسط الجبال والغابات. فتندلع الحرائق وتنتشر في الغابات.
ويبين الباحث الفرنسي الذي تجول كثيرا في المنطقة وتحدث الى سكانها من العرب والبربر، ان السلط الفرنسية حاولت مرارا إثناء ما وصفهم بقطاع الطرق من العرب عن إشعال النار في الغابات ولكن دون جدوى، فعرضت عليهم العمل في حفر الخنادق ومد الطرقات وسط الغابات للحد من الحرائق، وقامت بانتدابهم في الحراسة وقطع الأشجار. كما شيدت لهم قرية سكنية يقيمون فيها، قد تكون هي أصل مدينة جندوبة.
يمر اليوم اكثر من قرن على تهيئة المنطقة من قبل «فرنسا الاستعمارية» ولكن وضع الأهالي ظل كما هو، بل ربما اصبح اكثر بؤسا وتعاسة كما هو حال «حدة» العجوز الفقيرة التي فقدت دجاجاتها او اولادها على حد تعبيرها بسبب امتداد الحرائق الى منزلها، واذا كان الأهالي في أوائل القرن الماضي قد وجدوا «الخير» في المستعمر، على الاقل، في وقف الغارات وتشغيل المغيرين، فانهم اليوم باتوا عاجزين حتى عن العيش في جهاتهم بسبب الكوارث الطبيعية والعطش والبطالة والارهاب الذي أتى به «الربيع العربي».
وما أشبه الأهالي الذين كانوا يتعرضون للسلب والنهب من قبل قطاع الطرق في نهاية القرن قبل الماضي بمشهد « خالتي حدة « وهي تبكي حظها المشؤوم ا و» سعدها المكبوب «، ليس لفقدان دجاجاتها قرة عينها فحسب، وانما لوجودها وبقائها في هذه المنطقة المهجورة الخالية من ابسط متطلبات الحياة.

كتب محسن عبدالرحمان
وخزة
17 أكتوبر 2017 السّاعة 21:00
«ربّي يدوّم زيارة المسؤولين» جملة أصبح يردّدها التونسيون مع كل زيارة لأحد رموز الدولة، لأن هذه الزيارة...
المزيد >>
بكل موضوعيّة:خطابُ الضعف
17 أكتوبر 2017 السّاعة 21:00
في البداية أود الاعتذار للقراء إذا ما لاحظوا عنفا متخفيا كان أو ظاهرا وراء الكلمات المستعملة. نعم فلست من...
المزيد >>
بطاقة الأسبوع:عصابات تهدد التلاميذ أي دور للولي في التصدي لها؟
17 أكتوبر 2017 السّاعة 21:00
في إطار التصدي للعصابات التي تتمركز امام المؤسسات التربوية لسرقة التلاميذ وابتزازهم او لبيع الزطلة تحركت...
المزيد >>
وخزة
16 أكتوبر 2017 السّاعة 21:00
البطالة ثارت في «أدمغة» الشباب فهؤلاء يهددون باللجوء إلى بلد مجاور وآخرون يركبون الموج «سرا» الى بلاد...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
عبد الجليل المسعودي
رئيس حكومة أم مدير إدارة؟
كان المفترض، اعتبارا للوضع الدقيق الذي تمرُّ به بلادنا، أن يكون توجه السيد رئيس الحكومة إلى الشعب التونسي بمثابة الحدث السياسي الذي يؤسّس لفترة جديدة، ويُنشئ نقاشا جادا يتيح فرصة...
المزيد >>