في الذكرى الواحدة والستّين لصدور مجلة الأحوال الشخصية:صيانة وتطوير مجلة الأحوال الشخصية... لا يقلّ بذلا ونضالا عن إنجازها
عبد الجليل المسعودي
رئيس حكومة أم مدير إدارة؟
كان المفترض، اعتبارا للوضع الدقيق الذي تمرُّ به بلادنا، أن يكون توجه السيد رئيس الحكومة إلى الشعب التونسي بمثابة الحدث السياسي الذي يؤسّس لفترة جديدة، ويُنشئ نقاشا جادا يتيح فرصة...
المزيد >>
في الذكرى الواحدة والستّين لصدور مجلة الأحوال الشخصية:صيانة وتطوير مجلة الأحوال الشخصية... لا يقلّ بذلا ونضالا عن إنجازها
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 09 أوت 2017

ما إن استقلت تونس في 20 مارس 1956 حتى تلاحقت المكاسب وتوالت الانجازات بأسرع من لمح البصر، إذ تكونت أول حكومة للاستقلال وانتخب المجلس القومي التأسيسي، وتأسس الجيش التونسي في أشهر قليلة عقب ذلك الحدث الوطني التاريخي. ولكن الأمر الأكثر لفتا للنظر والأعمق أثرا تمثل على وجه الخصوص في إقدام المجاهد الأكبر الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة أو رئيس للحكومة على إصدار مجلة الأحوال الشخصية يوم 13 أوت 1956، أي بعد حصولنا على الاستقلال بأقل من خمسة أشهر أي في ظرف 135 يوما فقط. وهو أمر ذو أهمية كبرى لم يتحقق في أي بلد أوروبي أو أمريكي أو اسيوي أو إفريقي في العالم.
لقد كان وضع المرأة قبل الاستقلال مزريا ورديئا، إذ كان الكثير من الرجال يعاملون نساءهم معاملة استنقاص واحتقار، ويعتبرونهن «ناقصات عقل ودين وميراث»، كما كان تعدد الزوجات ساري المفعول، وهو ما اعتبرت به المرأة متاعا في يد الرجل يتصرّف فيه تصرّف السيد لعبده أو لآمته، وهو أمر كان تألم منه بعض المثقفين والأدباء والكتاب والشعراء منذ ثلاثينات القرن العشرين، أمثال المصلح القدير المرحوم الطاهر الحداد الذي ألف في حياته خمسة كتب هامة منها كتابه الشهير «امرأتنا في الشريعة والمجتمع» الذي صدر له سنة 1930 وقام بنشره فتحدّث فيه عن اضطهاد بعض الرجال لنسائهم، وعن قساوة معاملتهم لهنّ، وبيّن مقاصد الشريعة الاسلامية من عديد الأمور، كتعدّد الزوجات والميراث والمعاشرة غير الشرعية وغيرها، ومن جهته انتقد الشاعر المرحوم سعيد أبو بكر مظاهر إهانة المرأة في عصره، في عدة مسائل منها الزواج بالإكراه، أو هيمنة الرجل على المرأة وولاية الزوج على زوجته.
لهذه الأسباب ثار بطل التحرير الزعيم الحبيب بورقيبة على تلك الوضعيات فنصر المرأة وأنقذها من الوضع التي كانت تعيش فيه، فأصدر مجلة الأحوال الشخصية حتى يردّ للمرأة كرامتها المسلوبة، وحقوقها المهضومة، وتم إنشاء الإتحاد النسائي ليقوم بمهمة توعية أفراد الشعب من الشمال إلى الجنوب وبحقيقة الدين الإسلامي الذي أكرم المرأة ودعا إلى حسن معاشرتها ومعاملتها، كما شجع على تعليم الفتاة حتى تصبح أما صالحة، متعلّمة، وكذلك على دخولها في معترك الحياة بالعمل على الوظيفة وفي كل مجالات الشغل، وشيئا فشيئا برهنت المرأة التونسية على مقدرة فائقة في كل حقوق النضال السياسي والاجتماعي والعلمي والاقتصادي والثقافي حتى صارت المرأة متساوية مع أخيها الرجل، لا فرق بينه وبينها إلا بالمقدرة على البذل والعطاء والكفاءة العالية، وبذلك كسبت تونس دولة الاستقلال تلك المعركة النضالية لإدراك قائد الأمة التونسية أهمية الدور الذي يمكن أن تضطلع بع المرأة في مجال التنمية الاجتماعية والاقتصادية على وجه الخصوص، ولاقتناعه بأن النهوض بشأن المرأة من أوكد المشروع التحديثي للبلاد في ذلك الوقت، أي منذ نصف قرن من الزمان، وذلك في حد ذاته حدث عظيم ومكسب ثمين لتونس وللمرأة وللأسرة التونسية على حد السواء..
من النواب في المجلس القومي التأسيسي الذين ساهموا مساهمة فاعلة في إعداد مجلة الأحوال الشخصية إن كان على مستوى اللجان أو مناقشة فصولها في الجلسة العامة المناضل الكبير الأستاذ المؤرخ الرشيد إدريس (رحمه الله) الذي أكد لي قبل وفاته بأيام قليلة بأن مجلة الأحوال الشخصية أتت بثلاثة إصلاحات أساسية:
1- الزواج لا يتم إلا بموافقة أكيدة من المرأة حتى ولو كانت دون سن الرشد وقبل ذلك كان الوالد يتمتع بحق إرغام ابنته على الزواج من رجل يتقدم إلى خطبتها باعتبار مكانته الاجتماعية مثل أحد الأقرباء أو أحد الأثرياء أو غيرهم دون مراعاة فارق السن.
2- إلغاء تعدد الزوجات الذي كان شائعا في البلدان الإسلامية.
3- ألغت مجلة الأحوال الشخصية الطلاق الصادر عن الزوج وحده واحدثت الطلاق الذي يصدر عن القضاء بطلب من أحد الجانبين أو بالتراضي بشرط أن تسبقه جلسات صلحية توفيقية. على أن المعتقدات تقوم حائلا دون الطلاق باعتباره «أبغض الحلال عند الله» وفي هذا الإطار أكد لي الأستاذ الرشيد إدريس أن الزعيم الحبيب بورقيبة اقتنع رفقة كافة أعضاء المجلس التأسيسي بأن النهوض بالمرأة يجب أن يتم في وقت واحد مع النهوض بالرجل فتم إصدار مجلة الأحوال الشخصية يوم 13 أوت 1956 التي تعترف للمرأة بحقوق كبيرة لعلها أبعد مدى مما كانت تطمح إليه هي في ذاتها.
ولا يظن أحد أن مجلة الأحوال الشخصية قد مسّت من الإسلام الحنيف، ولكنها كانت وفية لجوهره ولتعاليمه السمحاء، عن طريق الاجتهاد، والنهل من ينابيع الفكر النيّر لبعض روّاد الإصلاح العربي والإسلامي أمثال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا والطاهر الحداد وقاسم أمين وغيرهم، وحاولت المجلة الملاءمة بين هذه التعاليم والاجتهادات وبين مقتضيات التطور والعصر الحديث.
ويمكن التأكيد بأن مجلة الأحوال الشخصية مكسب تونسي عربي إسلامي رائد تعتز به بلادنا على مدى الأزمان وكل عام والمرأة التونسية بألف خير.

بقلم : المنصف بن فرج نائب سابق بمجلس النواب ومؤلف كتاب ملحمة النضال التونسي
وخزة
17 أكتوبر 2017 السّاعة 21:00
«ربّي يدوّم زيارة المسؤولين» جملة أصبح يردّدها التونسيون مع كل زيارة لأحد رموز الدولة، لأن هذه الزيارة...
المزيد >>
بكل موضوعيّة:خطابُ الضعف
17 أكتوبر 2017 السّاعة 21:00
في البداية أود الاعتذار للقراء إذا ما لاحظوا عنفا متخفيا كان أو ظاهرا وراء الكلمات المستعملة. نعم فلست من...
المزيد >>
بطاقة الأسبوع:عصابات تهدد التلاميذ أي دور للولي في التصدي لها؟
17 أكتوبر 2017 السّاعة 21:00
في إطار التصدي للعصابات التي تتمركز امام المؤسسات التربوية لسرقة التلاميذ وابتزازهم او لبيع الزطلة تحركت...
المزيد >>
وخزة
16 أكتوبر 2017 السّاعة 21:00
البطالة ثارت في «أدمغة» الشباب فهؤلاء يهددون باللجوء إلى بلد مجاور وآخرون يركبون الموج «سرا» الى بلاد...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
في الذكرى الواحدة والستّين لصدور مجلة الأحوال الشخصية:صيانة وتطوير مجلة الأحوال الشخصية... لا يقلّ بذلا ونضالا عن إنجازها
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 09 أوت 2017

ما إن استقلت تونس في 20 مارس 1956 حتى تلاحقت المكاسب وتوالت الانجازات بأسرع من لمح البصر، إذ تكونت أول حكومة للاستقلال وانتخب المجلس القومي التأسيسي، وتأسس الجيش التونسي في أشهر قليلة عقب ذلك الحدث الوطني التاريخي. ولكن الأمر الأكثر لفتا للنظر والأعمق أثرا تمثل على وجه الخصوص في إقدام المجاهد الأكبر الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة أو رئيس للحكومة على إصدار مجلة الأحوال الشخصية يوم 13 أوت 1956، أي بعد حصولنا على الاستقلال بأقل من خمسة أشهر أي في ظرف 135 يوما فقط. وهو أمر ذو أهمية كبرى لم يتحقق في أي بلد أوروبي أو أمريكي أو اسيوي أو إفريقي في العالم.
لقد كان وضع المرأة قبل الاستقلال مزريا ورديئا، إذ كان الكثير من الرجال يعاملون نساءهم معاملة استنقاص واحتقار، ويعتبرونهن «ناقصات عقل ودين وميراث»، كما كان تعدد الزوجات ساري المفعول، وهو ما اعتبرت به المرأة متاعا في يد الرجل يتصرّف فيه تصرّف السيد لعبده أو لآمته، وهو أمر كان تألم منه بعض المثقفين والأدباء والكتاب والشعراء منذ ثلاثينات القرن العشرين، أمثال المصلح القدير المرحوم الطاهر الحداد الذي ألف في حياته خمسة كتب هامة منها كتابه الشهير «امرأتنا في الشريعة والمجتمع» الذي صدر له سنة 1930 وقام بنشره فتحدّث فيه عن اضطهاد بعض الرجال لنسائهم، وعن قساوة معاملتهم لهنّ، وبيّن مقاصد الشريعة الاسلامية من عديد الأمور، كتعدّد الزوجات والميراث والمعاشرة غير الشرعية وغيرها، ومن جهته انتقد الشاعر المرحوم سعيد أبو بكر مظاهر إهانة المرأة في عصره، في عدة مسائل منها الزواج بالإكراه، أو هيمنة الرجل على المرأة وولاية الزوج على زوجته.
لهذه الأسباب ثار بطل التحرير الزعيم الحبيب بورقيبة على تلك الوضعيات فنصر المرأة وأنقذها من الوضع التي كانت تعيش فيه، فأصدر مجلة الأحوال الشخصية حتى يردّ للمرأة كرامتها المسلوبة، وحقوقها المهضومة، وتم إنشاء الإتحاد النسائي ليقوم بمهمة توعية أفراد الشعب من الشمال إلى الجنوب وبحقيقة الدين الإسلامي الذي أكرم المرأة ودعا إلى حسن معاشرتها ومعاملتها، كما شجع على تعليم الفتاة حتى تصبح أما صالحة، متعلّمة، وكذلك على دخولها في معترك الحياة بالعمل على الوظيفة وفي كل مجالات الشغل، وشيئا فشيئا برهنت المرأة التونسية على مقدرة فائقة في كل حقوق النضال السياسي والاجتماعي والعلمي والاقتصادي والثقافي حتى صارت المرأة متساوية مع أخيها الرجل، لا فرق بينه وبينها إلا بالمقدرة على البذل والعطاء والكفاءة العالية، وبذلك كسبت تونس دولة الاستقلال تلك المعركة النضالية لإدراك قائد الأمة التونسية أهمية الدور الذي يمكن أن تضطلع بع المرأة في مجال التنمية الاجتماعية والاقتصادية على وجه الخصوص، ولاقتناعه بأن النهوض بشأن المرأة من أوكد المشروع التحديثي للبلاد في ذلك الوقت، أي منذ نصف قرن من الزمان، وذلك في حد ذاته حدث عظيم ومكسب ثمين لتونس وللمرأة وللأسرة التونسية على حد السواء..
من النواب في المجلس القومي التأسيسي الذين ساهموا مساهمة فاعلة في إعداد مجلة الأحوال الشخصية إن كان على مستوى اللجان أو مناقشة فصولها في الجلسة العامة المناضل الكبير الأستاذ المؤرخ الرشيد إدريس (رحمه الله) الذي أكد لي قبل وفاته بأيام قليلة بأن مجلة الأحوال الشخصية أتت بثلاثة إصلاحات أساسية:
1- الزواج لا يتم إلا بموافقة أكيدة من المرأة حتى ولو كانت دون سن الرشد وقبل ذلك كان الوالد يتمتع بحق إرغام ابنته على الزواج من رجل يتقدم إلى خطبتها باعتبار مكانته الاجتماعية مثل أحد الأقرباء أو أحد الأثرياء أو غيرهم دون مراعاة فارق السن.
2- إلغاء تعدد الزوجات الذي كان شائعا في البلدان الإسلامية.
3- ألغت مجلة الأحوال الشخصية الطلاق الصادر عن الزوج وحده واحدثت الطلاق الذي يصدر عن القضاء بطلب من أحد الجانبين أو بالتراضي بشرط أن تسبقه جلسات صلحية توفيقية. على أن المعتقدات تقوم حائلا دون الطلاق باعتباره «أبغض الحلال عند الله» وفي هذا الإطار أكد لي الأستاذ الرشيد إدريس أن الزعيم الحبيب بورقيبة اقتنع رفقة كافة أعضاء المجلس التأسيسي بأن النهوض بالمرأة يجب أن يتم في وقت واحد مع النهوض بالرجل فتم إصدار مجلة الأحوال الشخصية يوم 13 أوت 1956 التي تعترف للمرأة بحقوق كبيرة لعلها أبعد مدى مما كانت تطمح إليه هي في ذاتها.
ولا يظن أحد أن مجلة الأحوال الشخصية قد مسّت من الإسلام الحنيف، ولكنها كانت وفية لجوهره ولتعاليمه السمحاء، عن طريق الاجتهاد، والنهل من ينابيع الفكر النيّر لبعض روّاد الإصلاح العربي والإسلامي أمثال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا والطاهر الحداد وقاسم أمين وغيرهم، وحاولت المجلة الملاءمة بين هذه التعاليم والاجتهادات وبين مقتضيات التطور والعصر الحديث.
ويمكن التأكيد بأن مجلة الأحوال الشخصية مكسب تونسي عربي إسلامي رائد تعتز به بلادنا على مدى الأزمان وكل عام والمرأة التونسية بألف خير.

بقلم : المنصف بن فرج نائب سابق بمجلس النواب ومؤلف كتاب ملحمة النضال التونسي
وخزة
17 أكتوبر 2017 السّاعة 21:00
«ربّي يدوّم زيارة المسؤولين» جملة أصبح يردّدها التونسيون مع كل زيارة لأحد رموز الدولة، لأن هذه الزيارة...
المزيد >>
بكل موضوعيّة:خطابُ الضعف
17 أكتوبر 2017 السّاعة 21:00
في البداية أود الاعتذار للقراء إذا ما لاحظوا عنفا متخفيا كان أو ظاهرا وراء الكلمات المستعملة. نعم فلست من...
المزيد >>
بطاقة الأسبوع:عصابات تهدد التلاميذ أي دور للولي في التصدي لها؟
17 أكتوبر 2017 السّاعة 21:00
في إطار التصدي للعصابات التي تتمركز امام المؤسسات التربوية لسرقة التلاميذ وابتزازهم او لبيع الزطلة تحركت...
المزيد >>
وخزة
16 أكتوبر 2017 السّاعة 21:00
البطالة ثارت في «أدمغة» الشباب فهؤلاء يهددون باللجوء إلى بلد مجاور وآخرون يركبون الموج «سرا» الى بلاد...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
عبد الجليل المسعودي
رئيس حكومة أم مدير إدارة؟
كان المفترض، اعتبارا للوضع الدقيق الذي تمرُّ به بلادنا، أن يكون توجه السيد رئيس الحكومة إلى الشعب التونسي بمثابة الحدث السياسي الذي يؤسّس لفترة جديدة، ويُنشئ نقاشا جادا يتيح فرصة...
المزيد >>