القانون الدولي الانساني (قانون النزاعات المسلّحة) في عالـم مجنون
سفيان الأسود
البلديــــــــــــــات... والانتخـــــــــــابـــــــــات
تأخير الانتخابات البلدية الى شهر مارس القادم سيكون فقط في مصلحة الأحزاب السياسية التي تأكد انها غير مستعدة لخوض الانتخابات، المواطن وحده هو الخاسر من هذا التأخير وسيظل لشهور اخرى...
المزيد >>
القانون الدولي الانساني (قانون النزاعات المسلّحة) في عالـم مجنون
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 14 أوت 2017

{وإذ قال ربّك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يُفسد فيها ويُسفك الدماء ونحن نسبّح بحمدك ونُقدّس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون} (سورة البقرة 30).
1 ـ لما انتهت الحرب العالمية الثانية وتمكنت المجموعة الدولية من تأسيس منظمة دولية ذات صبغة كونية وذلك باعتماد ميثاق الأمم المتحدة، كان هناك اعتقاد بأن العالم سيدخل في مرحلة جديدة تتقلّص فيها الحروب وتنحسر ويسودها الأمن والسلم. ومع ذلك من باب الواقعية، كانت المجموعة الدولية مدركة لحقيقة معينة يفرضها «قانون التاريخ» وهي أن العلاقات بين الدول أي بين الشعوب والأمم لا يمكن أن تخلو نهائيا من العنف. فالحروب يصعب بل يستحيل أن تنتهي كليا في مجتمع دولي غير متجانس ما انفكّت تحركه الأطماع التوسعية الموجودة لدى البعض ولا تزال تهيمن عليه المصالح المختلفة التي تسعى دول كثيرة الى تحقيقها على حساب دول أو على حساب شعوب أخرى. كما يمكن أن تنشأ في نطاق دولة واحدة نزاعات داخلية لا تقل خطورة وضراوة عن النزاعات التي قد تنشب بين دول مختلفة.
2 ـ ومع اعتبار المآسي التي شهدتها بقاع من العالم وبخاصة أوروبا جرّاء الحروب التي قامت فيها والتي انتهت بالحرب العالمية الثانية ـ إذ نحن ننطلق في حديثنا هنا من تلك الفترة ـ فإن المجموعة الدولية فكّرت في ارساء قانون دولي انساني متين من شأنه ان يتدخل في حالات الحروب بل النزاعات المسلحة سواء تمثّلت في نزاعات ذات طابع دولي أو في نزاعات ذات طابع داخلي. ومن هنا كان، على وجه الخصوص، ذلك المؤتمر الديبلوماسي الذي انعقد في جينيف في ما بين 21 أفريل و12 أوت 1949م والذي دعا اليه المجلس الاتحادي السويسري بوصفه راعيا لاتفاقيات جينيف السابقة. فكان «المؤتمر الديبلوماسي لوضع اتفاقية دولية لحماية ضحايا الحرب» الذي شارك فيه عددهام من الدول والذي توصّل الى اعتماد أربع اتفاقيات شكّلت ثورة في ميدان القانون الدولي الانساني من حيث مضامينها ومن حيث أبعادها.ومثل ذلك التوجّه، إن دلّ على شيء، فهو يدلّ بالدرجة الاولى على أن المجتمع الدولي كان واعيا إثر الحرب العالمية الثانية بأن ظاهرة العنف في العلاقات الدولية سوف لا تنتهي. وقد كان المجتمع الدولي مصيبا في اعتقاده بأن الحروب وسائر النزاعات المسلحة سوف لا تنقرض وأن المواثيق الدولية التي تؤكد مبدأ عدم جواز استخدام القوة وضرورة حل الخلافات أو النزاعات سلميا سوف لا تجد طريقها الى التطبيق الفعلي بالصورة المطلوبة. لذا، جاء «المؤتمر الديبلوماسي لوضع اتفاقيات دولية لحماية ضحايا الحرب» في تلك الفترة ـ أي بعد بضع سنوات من انتهاء الحرب العالمية الثانية ـ معبّرا عن الارادة في ارساء قانون دولي إنساني من شأنه أن يضمن أكبر قدر ممكن من الحماية للأفراد والممتلكات في صورة حصور نزاع مسلح. وقد أمكن للمؤتمر الديبلوماسي المذكور التوصّل، إذن، الى وضع أربع اتفاقيات في غاية الأهمية وهي:
ـ اتفاقية جينيف لتحسين حالة الجرحى والمرضى بالقوات المسلّحة في الميدان (الاتفاقية الاولى).
ـ اتفاقية جينيف لتحسين حالة الجرحى ومرضى وغرقى القوات المسلّحة في البحار (الاتفاقية الثانية).
ـ اتفاقية جينيف بشأن معاملة أسرى الحرب (الاتفاقية الثالثة).
ـ اتفاقية جينيف بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب (الاتفاقية الرابعة).
لقد أصبحت هذه الاتفاقيات الأربع التي تحمل جميعها تاريخ 12 أوت 1949م والتي حظيت بقبول دولي واسع النطاق، تشكل الاطار القانوني الأساسي للقانون الدولي الانساني الذي ينبع من حيث مصادره من جملة المعاهدات الدولية ومن قواعد عرفية.
3 ـ قلنا إن وضع تلك الاتفاقيات شكّل ثورة في القانون الدولي الانساني الذي شهد فعلا بمقتضاها نقلة نوعية على غاية الأهمية. وكما سبق الإلماح اليه، فإن كافة دول العالم تقريبا وافقت على أن تكون أطرافا بتلك الاتفاقيات وأن تلتزم التالي بمقتضياتها. ومن هنا يمكن القول إن كافة دول العالم تقريبا عبّرت عن التزامها بالقانون الدولي الانساني بصورة لم تكن بارزة مثل تلك الدرجة في السابق.
إلا أن التطورات الحاصلة في العالم، إثر اعتماد اتفاقيات جينيف لعام 1949م، حتّمت مزيد تطوير القانون الدولي الانساني على مستوى النصوص القانونية الدولية المدونة لأحكامه والمعبرة عنه. فمنذ مطلع السبعينيات من القرن الماضي اتجهت المجموعة الدولية الى إعادة فتح «ملف القانون الدولي الانساني» الذي تبيّن أنه بحاجة الى اضافات حتى يكون جاهزا وقابلا لأن يواجه المعطيات والعناصر والظواهر الجديدة التي برزت بسرعة في الحياة الدولية، وذلك لمزيد دعم ذلك الفرع من فروع القانون الدولي وإثرائه بصيغ وبآليات جديدة. فكان ذلك شأن عملية تاريخية ثانية شهدها ذلك الفرع من فروع القانون الدولي وهي العملية التي أنجزت عن طريق مؤتمر ديبلوماسي ثان خصص لتأكيد هذا القانون ودعمه.وانعقد مرة أخرى بدعوة من سويسرا وامتدت اجتماعاته وأعماله من العالم 1974م الى العام 1977م. وقد أفضت تلك العملية الى وضع وسيلتين قانونيتين دوليتين واعتمادهما وهما:
ـ البروتوكول الاضافي الاول لاتفاقيات جينيف المؤرّخة في 12 أوت 1949م والمتعلق بحماية ضحايا النزاعات المسلحة الدولية.
ـ البروتوكول الاضافي الثاني لاتفاقيات جينيف المذكورة والمتعلق بحماية ضحايا النزاعات المسلحة غير الدولية.
وباعتماد هذين البروتوكولين اللذين، بطبيعة الحال، يشكّلان معاهدتين دوليتين، أصبح القانون الدولي الانساني من حيث بناؤه القانوني النصي أكثر متانة. ويمكن القول دون تردد إنه إذا التزمت الدول وسائر الكيانات التي يتشكّل منها المجتمع الدولي بمقتضيات ما يسمّى عادة بـ«قانون جينيف» والمتشكل أساسا من اتفاقيات جينيف لعام 1949م ومن البروتوكولين الاضافيين الملحقين بها، لكان وضع العالم ووضع الانسانية أفضل بكثير مما هوعليه اليوم.
4 ـ تعلن جميع دول العالم تقريبا أنها تأخذ بالقانون الدولي الانساني وذلك أساسا من خلال موافقتها على اتفاقيات جينيف الأربع لعام 1949م كما أن جل دول العالم وافقت على البروتوكولين الاضافيين لعام 1977م إلا أنه من اللافت للانتباه أن بعض الدول، وإن كانت قليلة للغاية كالولايات المتحدة الامريكية وتركيا واسرائيل رفضت الانضمام الى البروتوكول الاضافي الاول لاتفاقيات جينيف لعام 1949م المخصص كما تم ذكره لحماية ضحايا النزاعات المسلّحة الدولية.
وقد كانت فرنسا أيضا ان رفضت سابقا القبول بذلك البروتوكول الاضافي ولكنّها انضمّت اليه لاحقا وتحديدا في الحادي عشر من شهر أفريل 2001م.
وللتذكير فإن فرنسا ـ وهي من الدول المتمسكة تقليديا بالقانون الدولي وبالحقوق الانسانية ـ كانت منذ المؤتمر الديبلوماسي المتعلق بتأكيد القانون الدولي الانساني وتطويره قد عبرت عن معارضتها للبروتوكول الاضافي المتعلق بحماية ضحايا النزاعات المسلحة ذات الطابع الدولي. ولمّا صادقت فرنسا على البروتوكول الاضافي الثاني (المتعلق بحماية ضحايا النزاعات المسلّحة غير الدولية) عام 1984م، فإنها أكّدت صراحة ومجددا انها لا تعتزم الانضمام الى البروتوكول الاضافي الأول المتعلق كما ذكرنا بحماية ضحايا النزاعات المسلحة الدولية. وقد سبق لفرنسا أيضا أن أعلنت عدم نيتها الانضمام الى البروتوكول الاضافي الأول بمناسبة إدراج التحفّظات الفرنسية على اتفاقية العاشر من أكتوبر 1980م حول الأسلحة التقليدية.
ومثل هذا الوضع يبرز أن بعض الدول، على الرغم من عدم معارضتها للقانون الدولي الانساني، فإنها تعترض على بعض الوسائل القانونية الدولية المعبرة عن هذا القانون بصورة لا يمكن تفهمها خاصة أن الأمر يتعلق بمسألة انسانية بالأساس ألا وهي حماية ضحايا النزاعات المسلحة الدولية. فمن الغرابة بمكان أن تُبدي دولة من الدول معارضتها لمعاهدة من معاهدات القانون الدولي الانساني الذي هو في صالح الجميع في هذا العالم.
5 ـ ومع وجود مثل هذه الظاهرة المتمثلة في رفض بعض الدول (القليلة) بعض الوسائل الاساسية للقانون الدولي الانساني، فإن الظاهرة الأهم والأكثر خطورة تكمن في ظاهرة التفاوت بين نصوص القانون الدولي الانساني والواقع.
فعندما تنظر في حال القانون الدولي الانساني اليوم ودون حاجة الى الوقوف عند كافة جزئياته ونواحيه ومقتضياته، فإنه يمكن ملاحظة استمرار ظاهرة عدم احترام هذا القانون لاسيما من بعض الدول المتقدّمة والقوية. كما أنها قد تغضّ الطرف عن انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الانساني ترتكب من دول صديقة أو حليفة لها أو من تنظيمات مسلحة تحظى بدعم منها. ويمتد غض الطرف إلى ما ترتكبه أو ما ارتكبته في هذه الفترة الأخيرة تنظيمات إرهابية أبرزها تنظيم «داعش».
6 ـ كما نلاحظ على صعيد آخر أن اعمال بعض الآليات التي جاء بها القانون الدولي الإنساني الحديث في مجال مراقبة تنفيذ مقتضياته أو تطبيقها إنما هو أمر صعب في الواقع الى حد أن جلّ الآليات بقيت آليات نظرية لم يتمكن المجتمع الدولي، وبخاصة الأطراف التي طالها نزاع مسلح والتي هي في حاجة الى الاستفادة منها.
7 ـ هناك مسألة أخرى تبرز بصورة ملحوظة عندما نتطرق إلى حالة القانون الدولي الانساني في عالم اليوم وهي المسألة المتعلقة بالجزاء وتحديدا بمعاقبة مرتكبي المخالفات الخطرة أو الجسيمة لأحكام القانون الدولي الإنساني كما تضبطها اتفاقية جنيف والبروتوكولان الاضافيان اليها وكما تضبطها معاهدات أخرى كالمعاهدة المتمثلة في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. وفي هذا المجال، نلاحظ بصورة خاصة تعثّر العدالة الجنائية كتعثّر القضاء الجنائي الوطني في مواجهة مرتكبي مخالفات جسيمة للقانون الدولي الإنساني وجرائم ذات خطورة بالغة على معنى أحكام القانون الجنائي الدولي.
ونلاحظ أيضا أن القانون الدولي الإنساني يواجه اليوم تحديات جديدة بل إضافية جرّاء بعض التطورات في مجال النزاعات المسلّحة وبعض الأحداث الراهنة التي تشهدها العلاقات الدولية وكذلك بعض الأوضاع الداخلية لبعض الدول.
8 ـ على كلّ، هناك جملة من التحديات الجديدة غير المسبوقة التي تواجه الإنسانية في ما يتعلّق بانتظاراتها من القانون الدولي الانساني. ومن الضروري أن تتوخى دول العالم وسائر مكوّنات المجتمع الدولي صدقية أكبر في تعاطيها مع مقتضيات القانون الدولي الانساني.
وقد يكون من المطلوب، اليوم لضمان التزام أكبر بالقانون الدولي الانساني من قبل الدول وغيرها من مكونات المجتمع الدولي، بعث مجلس القانون الدولي الانساني في نطاق الأمم المتحدة على غرار مجلس حقوق الإنسان الذي تمّ إرساؤه عام 2006م. فعلى غرار مشغل حقوق الإنسان كمشغل عالمي، يحتاج العالم اليوم بالإضافة إلى تطوير القانون الدولي الإنساني مواكبة لبعض الظواهر الجديدة، إلى بعث «مجلس القانون الدولي الإنساني» في نطاق الأمم المتحدة لحمل الدول على الارتباط أكثر مما هي عليه الان بالقانون الدولي الإنساني ولضمان الاستعراض العلني الدوري الالتزام بالقانون الدولي الإنساني في هذا العالم الذي يشهد صمتا مريبا إزاء ما تشهده عدة مناطق من العالم من انتهاكات فظيعة للقانون الدولي الإنساني وللحقوق الإنسانية عامة.
فهل من تدارك لهذا الوضع في هذا العالم الذي يبدو، بالنظر إلى ما يحصل في بعض مناطقه مجنونا؟
أ د توفيق بوعشبة
الأستاذ الجامعي والمحامي لدى التعقيب

المساواة في الميراث:لـمَ لا يكون نظاما إضافيا إختياريا؟
18 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
أحدث خطاب الرئيس السبسي يوم 13 أوت جدلا واسعا، بلغ صداه أقصى أقطار الأرض، وأثار ردود أفعال مختلفة داخل الوطن...
المزيد >>
في الذكرى الثامنة لوفاته: عالـم تونس النووي بشير التركي له علينا حق البقاء في الذاكرة
18 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
غادرنا رحمه اللّه إلى الرّفيق الأعلى يوم الخميس 13 أوت 2009 بعد مسيرة عطاء حافلة بالنّشاط العلمي وجليل الأعمال...
المزيد >>
مـشروع مـبادرة لإعادة هـيكلة مـسالك الـتوزيع لـمواد الاخـتصاص
18 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
تعتبر تونس حسب احصائيات المنظمة العالمية للصحة الاولى عربيا في عدد المدخنين وطبقا لاحصائيات المعهد الوطني...
المزيد >>
في إباحة زواج التّونسيّة المسلمة من غير المسلم والمساواة في الميراث:ما لا يقوله لكم فقهاؤنا البررة
11 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
ما من مسلم يدّعي أنّ كلّ النّصوص الدّينيّة يجب أن تؤخذ على ظهرها، عدا فرقة لا يكاد أنصارها لقلّتهم يُذكَرون...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
القانون الدولي الانساني (قانون النزاعات المسلّحة) في عالـم مجنون
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 14 أوت 2017

{وإذ قال ربّك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يُفسد فيها ويُسفك الدماء ونحن نسبّح بحمدك ونُقدّس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون} (سورة البقرة 30).
1 ـ لما انتهت الحرب العالمية الثانية وتمكنت المجموعة الدولية من تأسيس منظمة دولية ذات صبغة كونية وذلك باعتماد ميثاق الأمم المتحدة، كان هناك اعتقاد بأن العالم سيدخل في مرحلة جديدة تتقلّص فيها الحروب وتنحسر ويسودها الأمن والسلم. ومع ذلك من باب الواقعية، كانت المجموعة الدولية مدركة لحقيقة معينة يفرضها «قانون التاريخ» وهي أن العلاقات بين الدول أي بين الشعوب والأمم لا يمكن أن تخلو نهائيا من العنف. فالحروب يصعب بل يستحيل أن تنتهي كليا في مجتمع دولي غير متجانس ما انفكّت تحركه الأطماع التوسعية الموجودة لدى البعض ولا تزال تهيمن عليه المصالح المختلفة التي تسعى دول كثيرة الى تحقيقها على حساب دول أو على حساب شعوب أخرى. كما يمكن أن تنشأ في نطاق دولة واحدة نزاعات داخلية لا تقل خطورة وضراوة عن النزاعات التي قد تنشب بين دول مختلفة.
2 ـ ومع اعتبار المآسي التي شهدتها بقاع من العالم وبخاصة أوروبا جرّاء الحروب التي قامت فيها والتي انتهت بالحرب العالمية الثانية ـ إذ نحن ننطلق في حديثنا هنا من تلك الفترة ـ فإن المجموعة الدولية فكّرت في ارساء قانون دولي انساني متين من شأنه ان يتدخل في حالات الحروب بل النزاعات المسلحة سواء تمثّلت في نزاعات ذات طابع دولي أو في نزاعات ذات طابع داخلي. ومن هنا كان، على وجه الخصوص، ذلك المؤتمر الديبلوماسي الذي انعقد في جينيف في ما بين 21 أفريل و12 أوت 1949م والذي دعا اليه المجلس الاتحادي السويسري بوصفه راعيا لاتفاقيات جينيف السابقة. فكان «المؤتمر الديبلوماسي لوضع اتفاقية دولية لحماية ضحايا الحرب» الذي شارك فيه عددهام من الدول والذي توصّل الى اعتماد أربع اتفاقيات شكّلت ثورة في ميدان القانون الدولي الانساني من حيث مضامينها ومن حيث أبعادها.ومثل ذلك التوجّه، إن دلّ على شيء، فهو يدلّ بالدرجة الاولى على أن المجتمع الدولي كان واعيا إثر الحرب العالمية الثانية بأن ظاهرة العنف في العلاقات الدولية سوف لا تنتهي. وقد كان المجتمع الدولي مصيبا في اعتقاده بأن الحروب وسائر النزاعات المسلحة سوف لا تنقرض وأن المواثيق الدولية التي تؤكد مبدأ عدم جواز استخدام القوة وضرورة حل الخلافات أو النزاعات سلميا سوف لا تجد طريقها الى التطبيق الفعلي بالصورة المطلوبة. لذا، جاء «المؤتمر الديبلوماسي لوضع اتفاقيات دولية لحماية ضحايا الحرب» في تلك الفترة ـ أي بعد بضع سنوات من انتهاء الحرب العالمية الثانية ـ معبّرا عن الارادة في ارساء قانون دولي إنساني من شأنه أن يضمن أكبر قدر ممكن من الحماية للأفراد والممتلكات في صورة حصور نزاع مسلح. وقد أمكن للمؤتمر الديبلوماسي المذكور التوصّل، إذن، الى وضع أربع اتفاقيات في غاية الأهمية وهي:
ـ اتفاقية جينيف لتحسين حالة الجرحى والمرضى بالقوات المسلّحة في الميدان (الاتفاقية الاولى).
ـ اتفاقية جينيف لتحسين حالة الجرحى ومرضى وغرقى القوات المسلّحة في البحار (الاتفاقية الثانية).
ـ اتفاقية جينيف بشأن معاملة أسرى الحرب (الاتفاقية الثالثة).
ـ اتفاقية جينيف بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب (الاتفاقية الرابعة).
لقد أصبحت هذه الاتفاقيات الأربع التي تحمل جميعها تاريخ 12 أوت 1949م والتي حظيت بقبول دولي واسع النطاق، تشكل الاطار القانوني الأساسي للقانون الدولي الانساني الذي ينبع من حيث مصادره من جملة المعاهدات الدولية ومن قواعد عرفية.
3 ـ قلنا إن وضع تلك الاتفاقيات شكّل ثورة في القانون الدولي الانساني الذي شهد فعلا بمقتضاها نقلة نوعية على غاية الأهمية. وكما سبق الإلماح اليه، فإن كافة دول العالم تقريبا وافقت على أن تكون أطرافا بتلك الاتفاقيات وأن تلتزم التالي بمقتضياتها. ومن هنا يمكن القول إن كافة دول العالم تقريبا عبّرت عن التزامها بالقانون الدولي الانساني بصورة لم تكن بارزة مثل تلك الدرجة في السابق.
إلا أن التطورات الحاصلة في العالم، إثر اعتماد اتفاقيات جينيف لعام 1949م، حتّمت مزيد تطوير القانون الدولي الانساني على مستوى النصوص القانونية الدولية المدونة لأحكامه والمعبرة عنه. فمنذ مطلع السبعينيات من القرن الماضي اتجهت المجموعة الدولية الى إعادة فتح «ملف القانون الدولي الانساني» الذي تبيّن أنه بحاجة الى اضافات حتى يكون جاهزا وقابلا لأن يواجه المعطيات والعناصر والظواهر الجديدة التي برزت بسرعة في الحياة الدولية، وذلك لمزيد دعم ذلك الفرع من فروع القانون الدولي وإثرائه بصيغ وبآليات جديدة. فكان ذلك شأن عملية تاريخية ثانية شهدها ذلك الفرع من فروع القانون الدولي وهي العملية التي أنجزت عن طريق مؤتمر ديبلوماسي ثان خصص لتأكيد هذا القانون ودعمه.وانعقد مرة أخرى بدعوة من سويسرا وامتدت اجتماعاته وأعماله من العالم 1974م الى العام 1977م. وقد أفضت تلك العملية الى وضع وسيلتين قانونيتين دوليتين واعتمادهما وهما:
ـ البروتوكول الاضافي الاول لاتفاقيات جينيف المؤرّخة في 12 أوت 1949م والمتعلق بحماية ضحايا النزاعات المسلحة الدولية.
ـ البروتوكول الاضافي الثاني لاتفاقيات جينيف المذكورة والمتعلق بحماية ضحايا النزاعات المسلحة غير الدولية.
وباعتماد هذين البروتوكولين اللذين، بطبيعة الحال، يشكّلان معاهدتين دوليتين، أصبح القانون الدولي الانساني من حيث بناؤه القانوني النصي أكثر متانة. ويمكن القول دون تردد إنه إذا التزمت الدول وسائر الكيانات التي يتشكّل منها المجتمع الدولي بمقتضيات ما يسمّى عادة بـ«قانون جينيف» والمتشكل أساسا من اتفاقيات جينيف لعام 1949م ومن البروتوكولين الاضافيين الملحقين بها، لكان وضع العالم ووضع الانسانية أفضل بكثير مما هوعليه اليوم.
4 ـ تعلن جميع دول العالم تقريبا أنها تأخذ بالقانون الدولي الانساني وذلك أساسا من خلال موافقتها على اتفاقيات جينيف الأربع لعام 1949م كما أن جل دول العالم وافقت على البروتوكولين الاضافيين لعام 1977م إلا أنه من اللافت للانتباه أن بعض الدول، وإن كانت قليلة للغاية كالولايات المتحدة الامريكية وتركيا واسرائيل رفضت الانضمام الى البروتوكول الاضافي الاول لاتفاقيات جينيف لعام 1949م المخصص كما تم ذكره لحماية ضحايا النزاعات المسلّحة الدولية.
وقد كانت فرنسا أيضا ان رفضت سابقا القبول بذلك البروتوكول الاضافي ولكنّها انضمّت اليه لاحقا وتحديدا في الحادي عشر من شهر أفريل 2001م.
وللتذكير فإن فرنسا ـ وهي من الدول المتمسكة تقليديا بالقانون الدولي وبالحقوق الانسانية ـ كانت منذ المؤتمر الديبلوماسي المتعلق بتأكيد القانون الدولي الانساني وتطويره قد عبرت عن معارضتها للبروتوكول الاضافي المتعلق بحماية ضحايا النزاعات المسلحة ذات الطابع الدولي. ولمّا صادقت فرنسا على البروتوكول الاضافي الثاني (المتعلق بحماية ضحايا النزاعات المسلّحة غير الدولية) عام 1984م، فإنها أكّدت صراحة ومجددا انها لا تعتزم الانضمام الى البروتوكول الاضافي الأول المتعلق كما ذكرنا بحماية ضحايا النزاعات المسلحة الدولية. وقد سبق لفرنسا أيضا أن أعلنت عدم نيتها الانضمام الى البروتوكول الاضافي الأول بمناسبة إدراج التحفّظات الفرنسية على اتفاقية العاشر من أكتوبر 1980م حول الأسلحة التقليدية.
ومثل هذا الوضع يبرز أن بعض الدول، على الرغم من عدم معارضتها للقانون الدولي الانساني، فإنها تعترض على بعض الوسائل القانونية الدولية المعبرة عن هذا القانون بصورة لا يمكن تفهمها خاصة أن الأمر يتعلق بمسألة انسانية بالأساس ألا وهي حماية ضحايا النزاعات المسلحة الدولية. فمن الغرابة بمكان أن تُبدي دولة من الدول معارضتها لمعاهدة من معاهدات القانون الدولي الانساني الذي هو في صالح الجميع في هذا العالم.
5 ـ ومع وجود مثل هذه الظاهرة المتمثلة في رفض بعض الدول (القليلة) بعض الوسائل الاساسية للقانون الدولي الانساني، فإن الظاهرة الأهم والأكثر خطورة تكمن في ظاهرة التفاوت بين نصوص القانون الدولي الانساني والواقع.
فعندما تنظر في حال القانون الدولي الانساني اليوم ودون حاجة الى الوقوف عند كافة جزئياته ونواحيه ومقتضياته، فإنه يمكن ملاحظة استمرار ظاهرة عدم احترام هذا القانون لاسيما من بعض الدول المتقدّمة والقوية. كما أنها قد تغضّ الطرف عن انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الانساني ترتكب من دول صديقة أو حليفة لها أو من تنظيمات مسلحة تحظى بدعم منها. ويمتد غض الطرف إلى ما ترتكبه أو ما ارتكبته في هذه الفترة الأخيرة تنظيمات إرهابية أبرزها تنظيم «داعش».
6 ـ كما نلاحظ على صعيد آخر أن اعمال بعض الآليات التي جاء بها القانون الدولي الإنساني الحديث في مجال مراقبة تنفيذ مقتضياته أو تطبيقها إنما هو أمر صعب في الواقع الى حد أن جلّ الآليات بقيت آليات نظرية لم يتمكن المجتمع الدولي، وبخاصة الأطراف التي طالها نزاع مسلح والتي هي في حاجة الى الاستفادة منها.
7 ـ هناك مسألة أخرى تبرز بصورة ملحوظة عندما نتطرق إلى حالة القانون الدولي الانساني في عالم اليوم وهي المسألة المتعلقة بالجزاء وتحديدا بمعاقبة مرتكبي المخالفات الخطرة أو الجسيمة لأحكام القانون الدولي الإنساني كما تضبطها اتفاقية جنيف والبروتوكولان الاضافيان اليها وكما تضبطها معاهدات أخرى كالمعاهدة المتمثلة في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. وفي هذا المجال، نلاحظ بصورة خاصة تعثّر العدالة الجنائية كتعثّر القضاء الجنائي الوطني في مواجهة مرتكبي مخالفات جسيمة للقانون الدولي الإنساني وجرائم ذات خطورة بالغة على معنى أحكام القانون الجنائي الدولي.
ونلاحظ أيضا أن القانون الدولي الإنساني يواجه اليوم تحديات جديدة بل إضافية جرّاء بعض التطورات في مجال النزاعات المسلّحة وبعض الأحداث الراهنة التي تشهدها العلاقات الدولية وكذلك بعض الأوضاع الداخلية لبعض الدول.
8 ـ على كلّ، هناك جملة من التحديات الجديدة غير المسبوقة التي تواجه الإنسانية في ما يتعلّق بانتظاراتها من القانون الدولي الانساني. ومن الضروري أن تتوخى دول العالم وسائر مكوّنات المجتمع الدولي صدقية أكبر في تعاطيها مع مقتضيات القانون الدولي الانساني.
وقد يكون من المطلوب، اليوم لضمان التزام أكبر بالقانون الدولي الانساني من قبل الدول وغيرها من مكونات المجتمع الدولي، بعث مجلس القانون الدولي الانساني في نطاق الأمم المتحدة على غرار مجلس حقوق الإنسان الذي تمّ إرساؤه عام 2006م. فعلى غرار مشغل حقوق الإنسان كمشغل عالمي، يحتاج العالم اليوم بالإضافة إلى تطوير القانون الدولي الإنساني مواكبة لبعض الظواهر الجديدة، إلى بعث «مجلس القانون الدولي الإنساني» في نطاق الأمم المتحدة لحمل الدول على الارتباط أكثر مما هي عليه الان بالقانون الدولي الإنساني ولضمان الاستعراض العلني الدوري الالتزام بالقانون الدولي الإنساني في هذا العالم الذي يشهد صمتا مريبا إزاء ما تشهده عدة مناطق من العالم من انتهاكات فظيعة للقانون الدولي الإنساني وللحقوق الإنسانية عامة.
فهل من تدارك لهذا الوضع في هذا العالم الذي يبدو، بالنظر إلى ما يحصل في بعض مناطقه مجنونا؟
أ د توفيق بوعشبة
الأستاذ الجامعي والمحامي لدى التعقيب

المساواة في الميراث:لـمَ لا يكون نظاما إضافيا إختياريا؟
18 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
أحدث خطاب الرئيس السبسي يوم 13 أوت جدلا واسعا، بلغ صداه أقصى أقطار الأرض، وأثار ردود أفعال مختلفة داخل الوطن...
المزيد >>
في الذكرى الثامنة لوفاته: عالـم تونس النووي بشير التركي له علينا حق البقاء في الذاكرة
18 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
غادرنا رحمه اللّه إلى الرّفيق الأعلى يوم الخميس 13 أوت 2009 بعد مسيرة عطاء حافلة بالنّشاط العلمي وجليل الأعمال...
المزيد >>
مـشروع مـبادرة لإعادة هـيكلة مـسالك الـتوزيع لـمواد الاخـتصاص
18 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
تعتبر تونس حسب احصائيات المنظمة العالمية للصحة الاولى عربيا في عدد المدخنين وطبقا لاحصائيات المعهد الوطني...
المزيد >>
في إباحة زواج التّونسيّة المسلمة من غير المسلم والمساواة في الميراث:ما لا يقوله لكم فقهاؤنا البررة
11 سبتمبر 2017 السّاعة 21:00
ما من مسلم يدّعي أنّ كلّ النّصوص الدّينيّة يجب أن تؤخذ على ظهرها، عدا فرقة لا يكاد أنصارها لقلّتهم يُذكَرون...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
سفيان الأسود
البلديــــــــــــــات... والانتخـــــــــــابـــــــــات
تأخير الانتخابات البلدية الى شهر مارس القادم سيكون فقط في مصلحة الأحزاب السياسية التي تأكد انها غير مستعدة لخوض الانتخابات، المواطن وحده هو الخاسر من هذا التأخير وسيظل لشهور اخرى...
المزيد >>