الغابـــــــــــــات
عبد الجليل المسعودي
لنترك حكومــة الشاهد تشتغـــل
بإجرائه التحوير الجزئي الذي استكمل به تشكيل حكومته يكون يوسف الشاهد قد أغلق باب التكهّنات والمزايدات، وأكّد، في ذات الوقت أنه يحافظ على اليد التنفيذية الطُولى في البلاد، وهو ما...
المزيد >>
الغابـــــــــــــات
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 28 أوت 2017

الغابات بالنسبة لسكان الشمال الغربي وحتى البعض من سكان الشمال الشرقي ليست مناطق خضراء على الخريطة وليست أَشجار وأَكمة وحيوانات فقط. لكل نبتة ولكل شجرة ولكل حشرة ولكل طائر ولكل زاحف ولكل سائر إسم و صفة وحكاية وحتى دلالة عند الرؤية في المنام فليس من رأَى الضبع كمن رأَى أَرنبا برية وليس من هاجمته الذئاب كمن هاجمه النحل وليس الذي عثر عن عش حجلة كمن عثر على وجار ثعلب لكل رؤية تفسير إما يُفرح أَو يُترح. الغابة كذلك هديل البلبل في الصباح الباكر ومنتزه الضباب كأن عملاقا يُداوي بالدخان أَشجاره و نباتاته كل صباح لكنه لا يعدل في توزيع الدواء ويُؤثر الوهاد بأَكثر وقت من الهضاب والسهل.
الغابة كانت لنا كذلك قرارا للخرافات أَليست أُمهاتنا مع نهاية كل خرافة يرددن جملة كنا نتمنى أن لا تأتي "حِجَّايتنا خشِّتْ لِلْغابة والعامْ الجَّاي تْجينا صابة" ؟ فالغابة في الوجدان و الخيال سمعنا عنها حكايات غريبة ونقوم فيها بطقوس عجيبة كانت أُمي تروي لنا أن الأسد لا يفترس النساء، بل يحميهم وأَصل الحكاية أن زوجا طرد ذات ليلة زوجته وكانت للوصول إلى أَهلها لا بد لها من اجتياز الغابة، و الظلم و القهر يدفعان إلى ركوب الأهوال و التغلب و الدوس على الشعور بالخوف، فتجلدت هذه المرأة وقررت دخول الغابة ليلا فاعترضها الأسد وعوض أن تجزع ويتملكها الهلع أَطلقت الزغاريط وهي تقول كيف لي أَن أَخاف وأَنا في حماية ملك الغابة ؟ فما كان من الأسد إلا أَن رافقها حتى خرجت من الغابة بسلام، هكذا حكت لنا أُمي ونحن صغار وهكذا حكت كل الأمهات زمن كانت الغابة تُخيف بسباعها من الوحوش لا بوحوشها من البشر. أَتذكر كذلك شجرة كنا نُسميها "مزارة رمضان" كلما مررنا بها نربط خرقة في أَغصانها فهي شجرة مباركة تُحقق الأماني و تحمي من الحسد والعين و قد فوجئت لما شاهدت أَن نفس هذه الطقوس تقوم بها شعوب في آسيا و أَمريكا كالهنود و المنغولييين فهل كانت الشعوب تتواصل قبل آلاف السنين ؟ و إلا فكيف لعادات و تقاليد و طقوس أَن تتشابه رغم ما يفصل بين شعوبها من محيطات و بحار و صحاري.
منذ عهد الحماية كانت الغابة مصدر الرزق للفقراء فقديما كانوا يُنتجون الفحم و يقصون الأعواد يبيعونها كخشب ثم بانتشار عصيدة الزقوقو أَصبحوا يرتزقون من الصنوبر الحلبي تتسلق المرأة أو الرجل الشجرة لجمع الثمار ثم يضعونها في الفرن و ينفضونه و ينتزعون الشوائب و هي كلها عمليات مضنية يتكفل بأَغلبها نساء كادحات لا يعرفن للراحة منذ وُلدن على هذه الأرض المنسية من الحكومات المتتالية منذ فشل تجربة التعاضد ثم جاء تجار يشترون الإكليل فاشتغلوا في جمعه و تقطيره .
في هذه الربوع منذ سقوط نظام التعاضد هجر "ملالة" و شبيهتها من المناطق أَكثر من نصفها، وولاية الكاف عامة معروفة بهذه الظاهرة فهي الوحيدة التي نموها الديمغرافي سلبي، لا معامل، لا مؤسسات، لا استثمارات، لا سدود، لا جسور، و لا مشاريع عامة أَو خاصة تشد الشباب إلى منبتهم و لا أسواق لترويج ما يُنتجه صغار الفلاحين حتى الذين صمدوا و تشبثوا بمسقط الرأس كانت الغابة خلال بعض شهور السنة موردا لرزقهم ينتزعونها بشق الأنفس ها هي تُحرف الآن كما لم تُحرق من قبل فلا أَظن أَن العبث و الحقد بلغا يوما مثل ما نعيشه في هذا الزمن التعيس.
منذ فجر الاستقلال بدأت الدولة التونسية تسترجع الغابات فعوضت سكان الفجوات الغابية بأَراضي دولية فلاجية و شرعت في تشجيرها فكان أَبي رحمه الله قبل انبلاح الفجر يركب حماره و يقطع الكيلومتلرات برفقة فقراء مثله يجمع بينهم وفرة إحدى زينتي الحياة الدنيا من البنين و انعدام الزينة الأخرى من المال. كانوا يحملون "عوينهم" البسيط، جالون ماء في الصيف يُخيطون حوله خرقة من القماش ليُحافظ الماء على برودته و "جردقة" من الكسرة و قارورة لبن أو قليل من الزيت و الزيتون أَو "مرقة" بالطبع دون لحم فاللحم آنذاك نتذوقه إما في زردة سيدي دْخيِّل أَو في عيد الإضحى أَو إن اضطر أَحد الفلاحين لذبح بقرة أَصابها مرض مفاجئ و "حسَّبها" بين سكان الدوار بمقابل يكون أَقل كثير من الثمن الحقيقي و بتسهيل في الدفع فرضته الظروف على الفلاح المنكوب.
كانوا يعملون مقابل ملاليم و علب جبن ومسحوق حليب دانماركين، وسميد و زيت أَمريكيين، غرسوا ملايين الأشحار و انتزعوا أَطنان "البوجرّاب" و أقاموا كيلومترات الحواجز و قسموا الغابة أَجزاء "بترانشيات" حتى إذا شب حريق لا يأْتي على كل الغابة كان الواحد منهم يعمل إلى سن السبعين، لا تقاعد، لا ضمان اجتماعي، لا رخصة خالصة الأجر، و حتى القلة القليلة التي بقيت على قيد الحياة إلى ما بعد 14 جانفي، عوض تكريمهم و الاعتراف بجميلهم. أَليس هم الذين حافظوا على اخضرارها بل زادوها اخضرارا بأَيخس الأجور و دون تذمر و لا برم و لا حسابات ضيقو و لئيمة ؟ استكثروا عليهم منحة شيخوخة بسيطة كان بن علي يُمتعهم بها فحُرموا منها لما تولت الترويكا الحُكم و لا أَدري إلى حد الآن ما السبب فقد عُوِّضوا بمن أَيسر منهم حالا و تلك حكاية أُخرى.
كان الحريق في الغابة حدثا استثنائيا لا تعيشه ملالة إلا كل عشرين سنة و أَحيانا أَكثر من ذلك و يبقى حديث الناس لمدة طويلة بل كانوا تلقائيا يهرعون لإطفاء الحريق قبل وصول الحماية و الجيش، وُلدوا ونشئوا و ترعرعوا في الجبل و مع الجبل و إيمانهم راسخ أن " الجبل جبلهم بدمهم أَشجاره وترابه و نباته" و ليس مجرد كلمات لأغنية.
بعد 14 جانفي و إثر توافد شيوخ من بلدان صحراوية لا تحوي غابات ولا بحيرات و لا أنهار ينفثون الكراهية و يبثون الفتنة و قد رحب بهم و أَكرمهم و استبشر بقدومهم رهط من الذين ما آمنوا يوما بمقولة "بلادي و إن جارت علي" بل العكس تماما يعتبرون تونس كافرة مارقة و إن جادت عليهم بالجاه و المال و العقار و السيارات و السفريات و المشاريع بل حتى بالشهادات العليا و البذخ و الترف فولاؤهم لبلدان غير هذا البلد و علمهم غير هذا العلم و لولا هبة الشعب التونسي العظيم بنسائه الحرائر قبل رجاله و لولا دماء الشهداء من خيرة ساستها و جنودها و حرسها و أَمنييها و رعاتها لما بقي علمها هذا العلم و لما بقي نشيدها إذا الشعب يوما أَراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر و لتغيرت حتى المصطلحات و عدنا إلى النفير و البيعة و إقامة الحد و التعزير و السبي و الغنيمة و الرجم في الملاعب و الجلد في الساحات و السحل في الشوارع أَرادوا تحقيق ذلك في دولة طالب شعبها ببرلمان تونسي منذ تسعين سنة و الأولى في البلدان العربية من وضع دستورا و أَلغى العبودية و عرف العمل النقابي بل سبق في بعض المجالات دولا أُخرى متقدمة و ضالعة في حقوق الإنسان و الحريات.
منذ سنوات أَصبح الاستثناء أَن لا يُحرق الجبل و كلما اقترب فصل الصيف يتوجس السكان المجاورون له خيفة فالغابة التي كانت نعمة تحولت شيئا فشيئا إلى نقمة و بعد أن كانت ملاذا ومورد رزق وملهمة خيال صارت تبث الرعب في قلوبهم و تقض مضاجعهم فهل أَفظع من ذبح بشر لبشر و هل أَشنع من التنكيل بجثة آدمية ؟ وهل راود الشك يوما غارسيه و حارسيه من جيل أَبي، رحم الله معظمهم، أَن أَنذالا سيحرقون في لحظة ما زرعوا و رعوا طيلة أَعمارهم يُقال أن وحيد الفرن كلما رأى النار في غابة إلا و أَسرع إلى إطفائها فمتى يسمو هؤلاء الهؤلاء سمو الحيوان.
كتب العلامة ابن خلدون منذ ما يزيد عن الستة قرون في تأثير المناخ على مزاج الشعوب و قد خلص إلى أَن سكان الأقاليم الحارة موسومون بالخفة والطيش ميالون للهو والرقص على أي إيقاع لأن الحرارة مفشية للفرح والسرور و يعتبر ذلك انتشار الروح الحيواني عكس الأقاليم الباردة فهي تبعث عن الحزن والتفكير والحذر والنظر في العواقب.
ولعل نظرة بسيطة في خريطة عالمنا اليوم تُبين أَنه كلما كانت الخضرة والغابات والأنهار والبحيرات كان التقدم والتطور في العلوم والفكر وجودة الحياة من نظافة وتنظيم ومدنية وتسامح فلا يوجد بلد واحد من العالم المتقدم أَغلب مساحته صحراء كما لا يوجد بلد واحد تغمره الصحراء متقدما رغم الثراء الفاحش لبعضها فهي في الغالب تحتكم إلى عادات وتقاليد بالية قبائل و أَعراق لا يتورعون على الاقتتال والفتنة لأدنى الأسباب يبحثون بالمجهر عما يُفرقهم و يُشعل نار التحارب فيما بينهم.
فكأن الخضرة رديف للتقدم والعلم والصحراء رديف للجهل والتخلف ولأن حظ تونس في الخضرة ليس بالقليل فمن هؤلاء الذين يسعون لتصحرها حتى يقضوا عن الأمل في رؤية تونس خضراء كما وصفها ويصفها الجميع فهناك كائنات إما بتكليف أو "بتثقيف" يُغيضها أن ترنو تونس إلى حيث خضرة الجنة يأتمرون بأَوامر دول لا يتجاوز عمرها عمر أشجار الصنوبر في غاباتنا ورغم أن الهدم أيسر من البناء لكن للشعوب معجزات فليغرس كل منا شجرة كل شهر أو على الأقل كل سنة حتى نُعوض ملايين الأشجار التي أَحرقها من تستهويه الصحراء من يدين لدول تسبح فوق النفط والغاز وتدفع بسخاء لتدمير بلدان قاسمها المشترك أن بها خضرة تسر النظر وشعوب تُحب الحياة و تهوى البهجة والفن والشعب التونسي منذ زمن بعيد أَحبَّ الحياة وطوَّع القدر لإرادته كما قال شاعر تونس شاعر الحياة أَبو القاسم الشابي فهذا بلد الحياة مهما كاد الكائدون ومهما دبَّر له الحاقدون.
المولدي عواشرية

القبطان المتقاعد والمرأة التي طرحت جلدها
20 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
اتفق أن تقابل قبطان تقاعد عن العمل منذ عدة سنوات وسيدة تبدو على ملامحها ومظهرها علامات الثراء والرفعة في...
المزيد >>
إثر تصريحات السيد وزير التربية:وضعية التعليم في تونس بين الموجـود والمنشـود
20 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
عاد التلاميذ أخيرا الى مدارسهم ومعاهدهم بعد ان قضّوا عطلة لم تتجاوز الاسبوع بعد نحو أربعة أسابيع من الدراسة...
المزيد >>
صابة الزيتون يداهمها اللصوص وعصابات الاحتكار والتهريب والترهيب !؟
20 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
تعيش غابات الزيتون بولاية سوسة صحبة الولايات المجاورة حالة مأساوية مريبة كريهة اذ تهافت لصوص الزيتون...
المزيد >>
حول إمكانية إحداث ديوان للخضــــــر والغـــــلال
20 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
من منا لا يعرف أن العيشة أصبحت لا تطاق في بلدنا تونس والحال أن الساسة الذين تم انتخابهم هم السبب الأول في...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
الغابـــــــــــــات
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 28 أوت 2017

الغابات بالنسبة لسكان الشمال الغربي وحتى البعض من سكان الشمال الشرقي ليست مناطق خضراء على الخريطة وليست أَشجار وأَكمة وحيوانات فقط. لكل نبتة ولكل شجرة ولكل حشرة ولكل طائر ولكل زاحف ولكل سائر إسم و صفة وحكاية وحتى دلالة عند الرؤية في المنام فليس من رأَى الضبع كمن رأَى أَرنبا برية وليس من هاجمته الذئاب كمن هاجمه النحل وليس الذي عثر عن عش حجلة كمن عثر على وجار ثعلب لكل رؤية تفسير إما يُفرح أَو يُترح. الغابة كذلك هديل البلبل في الصباح الباكر ومنتزه الضباب كأن عملاقا يُداوي بالدخان أَشجاره و نباتاته كل صباح لكنه لا يعدل في توزيع الدواء ويُؤثر الوهاد بأَكثر وقت من الهضاب والسهل.
الغابة كانت لنا كذلك قرارا للخرافات أَليست أُمهاتنا مع نهاية كل خرافة يرددن جملة كنا نتمنى أن لا تأتي "حِجَّايتنا خشِّتْ لِلْغابة والعامْ الجَّاي تْجينا صابة" ؟ فالغابة في الوجدان و الخيال سمعنا عنها حكايات غريبة ونقوم فيها بطقوس عجيبة كانت أُمي تروي لنا أن الأسد لا يفترس النساء، بل يحميهم وأَصل الحكاية أن زوجا طرد ذات ليلة زوجته وكانت للوصول إلى أَهلها لا بد لها من اجتياز الغابة، و الظلم و القهر يدفعان إلى ركوب الأهوال و التغلب و الدوس على الشعور بالخوف، فتجلدت هذه المرأة وقررت دخول الغابة ليلا فاعترضها الأسد وعوض أن تجزع ويتملكها الهلع أَطلقت الزغاريط وهي تقول كيف لي أَن أَخاف وأَنا في حماية ملك الغابة ؟ فما كان من الأسد إلا أَن رافقها حتى خرجت من الغابة بسلام، هكذا حكت لنا أُمي ونحن صغار وهكذا حكت كل الأمهات زمن كانت الغابة تُخيف بسباعها من الوحوش لا بوحوشها من البشر. أَتذكر كذلك شجرة كنا نُسميها "مزارة رمضان" كلما مررنا بها نربط خرقة في أَغصانها فهي شجرة مباركة تُحقق الأماني و تحمي من الحسد والعين و قد فوجئت لما شاهدت أَن نفس هذه الطقوس تقوم بها شعوب في آسيا و أَمريكا كالهنود و المنغولييين فهل كانت الشعوب تتواصل قبل آلاف السنين ؟ و إلا فكيف لعادات و تقاليد و طقوس أَن تتشابه رغم ما يفصل بين شعوبها من محيطات و بحار و صحاري.
منذ عهد الحماية كانت الغابة مصدر الرزق للفقراء فقديما كانوا يُنتجون الفحم و يقصون الأعواد يبيعونها كخشب ثم بانتشار عصيدة الزقوقو أَصبحوا يرتزقون من الصنوبر الحلبي تتسلق المرأة أو الرجل الشجرة لجمع الثمار ثم يضعونها في الفرن و ينفضونه و ينتزعون الشوائب و هي كلها عمليات مضنية يتكفل بأَغلبها نساء كادحات لا يعرفن للراحة منذ وُلدن على هذه الأرض المنسية من الحكومات المتتالية منذ فشل تجربة التعاضد ثم جاء تجار يشترون الإكليل فاشتغلوا في جمعه و تقطيره .
في هذه الربوع منذ سقوط نظام التعاضد هجر "ملالة" و شبيهتها من المناطق أَكثر من نصفها، وولاية الكاف عامة معروفة بهذه الظاهرة فهي الوحيدة التي نموها الديمغرافي سلبي، لا معامل، لا مؤسسات، لا استثمارات، لا سدود، لا جسور، و لا مشاريع عامة أَو خاصة تشد الشباب إلى منبتهم و لا أسواق لترويج ما يُنتجه صغار الفلاحين حتى الذين صمدوا و تشبثوا بمسقط الرأس كانت الغابة خلال بعض شهور السنة موردا لرزقهم ينتزعونها بشق الأنفس ها هي تُحرف الآن كما لم تُحرق من قبل فلا أَظن أَن العبث و الحقد بلغا يوما مثل ما نعيشه في هذا الزمن التعيس.
منذ فجر الاستقلال بدأت الدولة التونسية تسترجع الغابات فعوضت سكان الفجوات الغابية بأَراضي دولية فلاجية و شرعت في تشجيرها فكان أَبي رحمه الله قبل انبلاح الفجر يركب حماره و يقطع الكيلومتلرات برفقة فقراء مثله يجمع بينهم وفرة إحدى زينتي الحياة الدنيا من البنين و انعدام الزينة الأخرى من المال. كانوا يحملون "عوينهم" البسيط، جالون ماء في الصيف يُخيطون حوله خرقة من القماش ليُحافظ الماء على برودته و "جردقة" من الكسرة و قارورة لبن أو قليل من الزيت و الزيتون أَو "مرقة" بالطبع دون لحم فاللحم آنذاك نتذوقه إما في زردة سيدي دْخيِّل أَو في عيد الإضحى أَو إن اضطر أَحد الفلاحين لذبح بقرة أَصابها مرض مفاجئ و "حسَّبها" بين سكان الدوار بمقابل يكون أَقل كثير من الثمن الحقيقي و بتسهيل في الدفع فرضته الظروف على الفلاح المنكوب.
كانوا يعملون مقابل ملاليم و علب جبن ومسحوق حليب دانماركين، وسميد و زيت أَمريكيين، غرسوا ملايين الأشحار و انتزعوا أَطنان "البوجرّاب" و أقاموا كيلومترات الحواجز و قسموا الغابة أَجزاء "بترانشيات" حتى إذا شب حريق لا يأْتي على كل الغابة كان الواحد منهم يعمل إلى سن السبعين، لا تقاعد، لا ضمان اجتماعي، لا رخصة خالصة الأجر، و حتى القلة القليلة التي بقيت على قيد الحياة إلى ما بعد 14 جانفي، عوض تكريمهم و الاعتراف بجميلهم. أَليس هم الذين حافظوا على اخضرارها بل زادوها اخضرارا بأَيخس الأجور و دون تذمر و لا برم و لا حسابات ضيقو و لئيمة ؟ استكثروا عليهم منحة شيخوخة بسيطة كان بن علي يُمتعهم بها فحُرموا منها لما تولت الترويكا الحُكم و لا أَدري إلى حد الآن ما السبب فقد عُوِّضوا بمن أَيسر منهم حالا و تلك حكاية أُخرى.
كان الحريق في الغابة حدثا استثنائيا لا تعيشه ملالة إلا كل عشرين سنة و أَحيانا أَكثر من ذلك و يبقى حديث الناس لمدة طويلة بل كانوا تلقائيا يهرعون لإطفاء الحريق قبل وصول الحماية و الجيش، وُلدوا ونشئوا و ترعرعوا في الجبل و مع الجبل و إيمانهم راسخ أن " الجبل جبلهم بدمهم أَشجاره وترابه و نباته" و ليس مجرد كلمات لأغنية.
بعد 14 جانفي و إثر توافد شيوخ من بلدان صحراوية لا تحوي غابات ولا بحيرات و لا أنهار ينفثون الكراهية و يبثون الفتنة و قد رحب بهم و أَكرمهم و استبشر بقدومهم رهط من الذين ما آمنوا يوما بمقولة "بلادي و إن جارت علي" بل العكس تماما يعتبرون تونس كافرة مارقة و إن جادت عليهم بالجاه و المال و العقار و السيارات و السفريات و المشاريع بل حتى بالشهادات العليا و البذخ و الترف فولاؤهم لبلدان غير هذا البلد و علمهم غير هذا العلم و لولا هبة الشعب التونسي العظيم بنسائه الحرائر قبل رجاله و لولا دماء الشهداء من خيرة ساستها و جنودها و حرسها و أَمنييها و رعاتها لما بقي علمها هذا العلم و لما بقي نشيدها إذا الشعب يوما أَراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر و لتغيرت حتى المصطلحات و عدنا إلى النفير و البيعة و إقامة الحد و التعزير و السبي و الغنيمة و الرجم في الملاعب و الجلد في الساحات و السحل في الشوارع أَرادوا تحقيق ذلك في دولة طالب شعبها ببرلمان تونسي منذ تسعين سنة و الأولى في البلدان العربية من وضع دستورا و أَلغى العبودية و عرف العمل النقابي بل سبق في بعض المجالات دولا أُخرى متقدمة و ضالعة في حقوق الإنسان و الحريات.
منذ سنوات أَصبح الاستثناء أَن لا يُحرق الجبل و كلما اقترب فصل الصيف يتوجس السكان المجاورون له خيفة فالغابة التي كانت نعمة تحولت شيئا فشيئا إلى نقمة و بعد أن كانت ملاذا ومورد رزق وملهمة خيال صارت تبث الرعب في قلوبهم و تقض مضاجعهم فهل أَفظع من ذبح بشر لبشر و هل أَشنع من التنكيل بجثة آدمية ؟ وهل راود الشك يوما غارسيه و حارسيه من جيل أَبي، رحم الله معظمهم، أَن أَنذالا سيحرقون في لحظة ما زرعوا و رعوا طيلة أَعمارهم يُقال أن وحيد الفرن كلما رأى النار في غابة إلا و أَسرع إلى إطفائها فمتى يسمو هؤلاء الهؤلاء سمو الحيوان.
كتب العلامة ابن خلدون منذ ما يزيد عن الستة قرون في تأثير المناخ على مزاج الشعوب و قد خلص إلى أَن سكان الأقاليم الحارة موسومون بالخفة والطيش ميالون للهو والرقص على أي إيقاع لأن الحرارة مفشية للفرح والسرور و يعتبر ذلك انتشار الروح الحيواني عكس الأقاليم الباردة فهي تبعث عن الحزن والتفكير والحذر والنظر في العواقب.
ولعل نظرة بسيطة في خريطة عالمنا اليوم تُبين أَنه كلما كانت الخضرة والغابات والأنهار والبحيرات كان التقدم والتطور في العلوم والفكر وجودة الحياة من نظافة وتنظيم ومدنية وتسامح فلا يوجد بلد واحد من العالم المتقدم أَغلب مساحته صحراء كما لا يوجد بلد واحد تغمره الصحراء متقدما رغم الثراء الفاحش لبعضها فهي في الغالب تحتكم إلى عادات وتقاليد بالية قبائل و أَعراق لا يتورعون على الاقتتال والفتنة لأدنى الأسباب يبحثون بالمجهر عما يُفرقهم و يُشعل نار التحارب فيما بينهم.
فكأن الخضرة رديف للتقدم والعلم والصحراء رديف للجهل والتخلف ولأن حظ تونس في الخضرة ليس بالقليل فمن هؤلاء الذين يسعون لتصحرها حتى يقضوا عن الأمل في رؤية تونس خضراء كما وصفها ويصفها الجميع فهناك كائنات إما بتكليف أو "بتثقيف" يُغيضها أن ترنو تونس إلى حيث خضرة الجنة يأتمرون بأَوامر دول لا يتجاوز عمرها عمر أشجار الصنوبر في غاباتنا ورغم أن الهدم أيسر من البناء لكن للشعوب معجزات فليغرس كل منا شجرة كل شهر أو على الأقل كل سنة حتى نُعوض ملايين الأشجار التي أَحرقها من تستهويه الصحراء من يدين لدول تسبح فوق النفط والغاز وتدفع بسخاء لتدمير بلدان قاسمها المشترك أن بها خضرة تسر النظر وشعوب تُحب الحياة و تهوى البهجة والفن والشعب التونسي منذ زمن بعيد أَحبَّ الحياة وطوَّع القدر لإرادته كما قال شاعر تونس شاعر الحياة أَبو القاسم الشابي فهذا بلد الحياة مهما كاد الكائدون ومهما دبَّر له الحاقدون.
المولدي عواشرية

القبطان المتقاعد والمرأة التي طرحت جلدها
20 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
اتفق أن تقابل قبطان تقاعد عن العمل منذ عدة سنوات وسيدة تبدو على ملامحها ومظهرها علامات الثراء والرفعة في...
المزيد >>
إثر تصريحات السيد وزير التربية:وضعية التعليم في تونس بين الموجـود والمنشـود
20 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
عاد التلاميذ أخيرا الى مدارسهم ومعاهدهم بعد ان قضّوا عطلة لم تتجاوز الاسبوع بعد نحو أربعة أسابيع من الدراسة...
المزيد >>
صابة الزيتون يداهمها اللصوص وعصابات الاحتكار والتهريب والترهيب !؟
20 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
تعيش غابات الزيتون بولاية سوسة صحبة الولايات المجاورة حالة مأساوية مريبة كريهة اذ تهافت لصوص الزيتون...
المزيد >>
حول إمكانية إحداث ديوان للخضــــــر والغـــــلال
20 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
من منا لا يعرف أن العيشة أصبحت لا تطاق في بلدنا تونس والحال أن الساسة الذين تم انتخابهم هم السبب الأول في...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
عبد الجليل المسعودي
لنترك حكومــة الشاهد تشتغـــل
بإجرائه التحوير الجزئي الذي استكمل به تشكيل حكومته يكون يوسف الشاهد قد أغلق باب التكهّنات والمزايدات، وأكّد، في ذات الوقت أنه يحافظ على اليد التنفيذية الطُولى في البلاد، وهو ما...
المزيد >>