تأويل الإرث.. من الشّريعة إلى الحقيقة
عبد الجليل المسعودي
لنترك حكومــة الشاهد تشتغـــل
بإجرائه التحوير الجزئي الذي استكمل به تشكيل حكومته يكون يوسف الشاهد قد أغلق باب التكهّنات والمزايدات، وأكّد، في ذات الوقت أنه يحافظ على اليد التنفيذية الطُولى في البلاد، وهو ما...
المزيد >>
تأويل الإرث.. من الشّريعة إلى الحقيقة
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 04 سبتمبر 2017


الجدل حول الفصل1 من الدّستور النّاصّ على أنّ تونس "الإِسْلاَمُ دِينُهَا" موصولا بالفصل21 المؤكّد على المساواة "مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزٍ" وموقعة الآية11 من سورة النّساء المحدّدة "لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ" منهما يدفعنا إلى الحفر في "فلسفة التّشريع" بدل الوقوف عند عتبات "القاعدة الآمرة". نزعم أنّ المسألة في عمقها ليست تشريعيّة تنتصر للدّستور ولا ايمانيّة تذبّ عن القرآن قدر إثارتها قضايا أبستمولوجيّة تتطلّب تفكيكا وفهما في إطار "نموذج فكريّ" (Paradigme) بديل يصالح "الدّينيّ" بـ"المدنيّ" يطمئنّ معه "القلب" و"العقل" في آن بتأسيسهما على "واقع" مغيّب بـ"نصّ" يُستحضر ليكون بديله. وردت الآية "وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ" في مقام الذّمّ فمن تحصيل الحاصل أنّ الواقف على الحرف/الطّرف للمعنى محرّف ولأجل ذلك نبتغي الابتعاد في بحر المعنى/التّعبّد عن "الحرف" تُجاه "الجُرف" وذلك "لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي" ويسكن عقلي. ابتعاد عن "تفسير حرفيّ" كان يتساوق و"المجتمع البسيط" واقتراب من "تدبّر معنويّ" نحتاجه لـ"واقع مركّب" ولتحرير المسلم الأخير من شقاء ضمير واقع بين ضغطي تفسير استنفذ أغراضه معرفيّا وتنامي التّحدّيات واقعيّا.
تدبّر النّص يكشف عن مستويين لا يميّز متفيقهون بينهما: "مضمون الحكم" و"قيمة العدل" إذ يعتبرون الأوّل "جوهرا" ونراه "عرضا" بل نرى بعض ظلم في "المضمون" لعدم تساوقه و"القيمة". ولنتبيّن الفارق نمثّل بـ"وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ" فـ"الحكم": "وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا"، ولأنّ العقاب "سيّئة" وهو "الحكم" فالمفترض التّشوّف إلى "الخير" وهو "القيمة" المنصوص عليها في النّص ذاته: "فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ" بل ويعقّب "إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ" معتبرا "سيئة الحكم" ظلما. "الحكم" الذي هو لدى طائفة "الشّريعة" هي "سيئة" بنصّ القرآن و"ظلم" لأنّ مطلق "القصاص" اعتداء على "الذّات" وإن كانت ظالمة بل وزيد تأكيدا فاعتُبرت "عدوانا": "فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ". "الشّريعة" بسوئها وظلمها وعدوانها هي "عدل الحكم" لمطابقته الجرم ولكنّها دون "عدل القيمة" المطلوب: "وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ". "عدل الحكم" وإن أُمر به شريعة "وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا..." مؤسّس على عُرفيّة "أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ..." وما هو من ربوبيّة تتكشّف في ملحق "...فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" فالعفو أي تجاوز الشّريعة هو الحكم الرّباني في مقابل الحكم الحمّورابيّ.
الفارق بين "العدلين" في "القرآن" يبرّره تفاعله مع تطوّر "الإنسان" و"الزّمان" و"المكان". وأوضح مثال تطبيقيّ على ذلك "تعدّد الزّوجات" وهو "حكم" ولأجل ذلك نسميه "سيئة" و"ظلما" و"عدوانا" وإن جاء في الأصل للحدّ من مطلق التّعدّد. "عدل الحكم" في "فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً" ليس في الزّواج بواحدة وإنّما في العدل بين الزّوجات. ولكن بالمقابل يقضى الله: "وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ" ومن ثمّة يكون "عدل القيمة" في عدم التّعدّد. ولأنّ الواقع محكوما بدرجة التّطوّر سُمح بالتّعدّد من باب الضّرورة بالحدّ من "السّوء" والظّلم" و"العدوان" المفهوم من قوله "فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ" إذ بعض "الميل" تجاوز لـ"العدل". ولأنّ "الشَّرِيعَةَ مَبْنَاهَا وَأَسَاسُهَا عَلَى الْحِكَمِ وَمَصَالِحِ الْعِبَادِ فِي الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ. وَهِيَ عَدْلٌ كُلُّهَا، وَرَحْمَةٌ كُلُّهَا، وَمَصَالِحُ كُلُّهَا، وَحِكْمَةٌ كُلُّهَا. فَكُلُّ مَسْأَلَةٍ خَرَجَتْ عَنْ الْعَدْلِ إلَى الْجَوْرِ، وَعَنْ الرَّحْمَةِ إلَى ضِدِّهَا، وَعَنْ الْمَصْلَحَةِ إلَى الْمَفْسَدَةِ، وَعَنْ الْحِكْمَةِ إلَى الْعَبَثِ فَلَيْسَتْ مِنْ الشَّرِيعَةِ وَإِنْ أُدْخِلَتْ فِيهَا بِالتَّأْوِيلِ" على ما وضّح ابن قيمّ الجوزيّة في "إعلام الموقّعين عن ربّ العالمين". معنى طبّقه الطّاهر الحدّاد في "امرأتنا في الشّريعة والمجتمع" دون مواربة: "يَجِبُ أَنْ نَعْتَبِرَ الفَرْقَ الكَبِيرَ البَيِّنَ بَيْنَ مَا أَتَى بِهِ الإِسْلاَمُ وَجَاءَ مِنْ أَجْلِهِ. وَهْوَ جَوْهَرهُ وَمَعْنَاهُ فَيَبْقَى خاَلِدًا بِخُلُودِهِ كَعَقِيدَةِ التَّوْحِيدِ، وَمَكَارِمِ الأَخْلاَقِ، وَإِقَامَةِ قِسْطَاسِ العَدْلِ وَالـمُسَاوَاةِ بَيْنَ النَّاسِ. وَمَا هُوَ فِي مَعْنَى هَذِهِ الأُصُولِ، وَبَيْنَ مَا وَجَدَهُ مِنَ الأَحْوَالِ العَارِضَةِ لِلبَشَرِيَّةِ وَالتَّقْنِيَاتِ الرَّاسِخَةِ فِي الجَاهِلِيَّةِ قَبْلَهُ دُونَ أَنْ تَكُونَ غَرَضًا مِنْ أَغْرَاضِهِ. فَمَا يَضَعَ لَهَا مِنَ الأَحْكَامِ إِقْرَارًا لَهَا أَوْ تَعْدِيلاً فِيهَا بَاقٍ مَا بَقِيتْ هِيَ، فَإِذَا مَا ذَهَبَتْ ذَهَبَتْ أَحْكَامُهَا مَعَهَا، وَلَيْسَ فِي ذَهَابِهِمَا جَمِيعًا مَا يُضِيرُ الإِسْلاَمَ، وَذَلِكَ كَمَسَائِلِ العَبِيدِ وَالإِمَاءِ وَتَعَدُّدِ الزَّوْجَاتِ وَنَحْوَهِمَا، مَمَّا لاَ يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ حَتَّى جُزْءًا مِنَ الإِسْلاَمِ". شريعة في الإسلام جاءت عرضا لا غرضا التزاما بأعراف جارية محكّمة من ذلك "فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ" و"وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ" و"وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ" وكذا الآية المكرّسة قاعدة "وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ". والمعروف أنّ العرف متحوّل طبقا للمستوى الحضاري والوعي الثّقافي وعلى العرف ارتكزت تشاريع عدّة جعلت "الذّكورة" شرطا من ذلك زوج "الإمامة" (قيادة الدّولة) و"القوامة" (قيادة العائلة) وهو مرتكز يتماهى ورؤية "فردانيّة" تعارف عليها النّاس تقوم على "الشّخص" تمّ تجاوزها برؤية "مؤسّساتيّة" تعارف عليها آخرون تطوّروا تقوم على "التّعدّد". قوّة أعراف ما مسّت "الشّريعة" فحسب بل حتّى "العقيدة" إذ بقي بعض "الجاهليّ" متحكّما في "الدّينيّ" لقوّة الواقع مقارنة بالفكرة من ذلك قول الرّسول "لَوْلَا حَدَاثَةُ عَهْدِ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ، وَلَجَعَلْتُهَا عَلَى أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ".
يمكن القول بوضوح إنّ وهما اصطفائيّا يحكم رؤى فقهيّة تحتكم لنصوص عرفيّة ترى الذّكورة "شعب الله المختار" تستقوي بـ"قوامة" ما قُدّرت حقّ قدرها. وكما أنّ إسرائيليين تمسّكوا بمنطوق "وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ" دون شرط "تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ" فإنّ إسلامويين تمسّكوا بمنطوق "الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ" دون شرط "وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ". فالرّجال قوّامون ليس لذكورة يمتازون بها كحقّ طبيعيّ يجعل منهم "خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ" وإنّما لواجب إعالة ماليّة في واقع اجتماعيّ كانت فيه المرأة كالعبد في علاقة سالبة بـ"الرّزق" لذا ومتى مُكّنت كما العبد في الأرض بالاسترزاق ونوال حقّهما لكانا والرّجل/السيّد متساوين هذا المتبيّن من "وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ". والجحود انكار الحقّ أُسّ العدل. أمرنا الشّارع "وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ" باعتباره "الحقّ" ومثّل له بـ"الميزان" رمز "المساواة" فـ"أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ وَٱلْمِيزَانَ" وأمرنا لا فقط بـ"وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ" بل أيضا بأن "أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْط وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ" فجعل البخس لا فقط في النّقص بل في عدم الزّيادة ما يدخل جلّ المتصدّين للحقوق ضمن "وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ". وما كرّس النّصّ التّفاوت قيميّا قدر احتكامه إلى عرف قداميّ يُغرّم الذّكر أعباء ماليّة بإلزامه "إعالة" الأنثى. وبالتّالي يُنظر إلى ذاك "التّفاوت" باعتباره "عدلا" إذ يكشف وضع "المال" في دواليب "الدّورة الاقتصاديّة" وحراكها عن "معقوليّة" ما لا تُفهم إلاّ في ضوء تفهُّم هذه "الحالة" ولهذا السّبب ما كان الصّغير ولا الأنثى في "الجاهليّة" من الورثة لأنّهما "لا يعملان في المال". وقد استغرب المسلمون الأول توريث الله الأنثى إذ رأوا فيه جورا ما فعن سعيد بن جبير في ما أورده أصحاب كتب أسباب النّزول والتّفاسير قال: "لَمَّا نَزَلَتْ الـمَوَارِيثُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ وَقَالُوا: أَيَرِثُ الصَّغِيرُ الذِي لاَ يَعْمَلُ فِي الـمَالِ وَلاَ يَقُومُ فِيهِ. وَالـمَرْأَةُ التِي هِي كَذَلِكَ فَيَرِثاَنِ كَمَا يَرِثُ الرَّجُلَ الّذِي يَعْمَلُ فِي الـمَالِ؟!" وقد انتظروا نسخا للآية ما أتى فرضخوا فالحرج/الاستنكار حصل من "مجرّد" التّوريث بقطع النّظر عن النّصيب إذ التّصوّر أنّ "المال"، والميراث بعضه، لا يُستحقّ إلاّ بالدّخول في دورة الإنتاج وتحوّل الفرد إلى قوّة عمل، وما كانت المرأة زمن "التنزيل" منخرطة فيها وما تحقّق إلاّ في "المجتمع الحداثي". لقد كان المسلمون لرؤية اقتصادويّة للعدل يرون في توريث الأنثى غير المنتجة قسمة ضيزى. وعليه نرى في تأسيس التفاوت على مسمّى "طبيعة المرأة" (البيولوجي ـ الفيزيولوجي) مخاتلة. إذ كان أجدر، وبمفهوم النّصّ، تأسيسه على "حقائق العمران" البشري. فتأويل "البيان" (النّص) تبعا للمغايرة في "البنيان" بغرض التّأسيس للتّفاوت واللاّمساواة حجّة ما كانت محكّمة "زمن التّأسيس" إذ نُظر فحسب الى التّاريخي والاجتماعي (العمل في المال). إذن مردّ الاختلاف والتّساوي الوضعيّة الاجتماعيّة التي بدورها استدعت مركز "القوامة". وبقطع النّظر عن مبرّرات الفقهاء المنتصرة للذكورة بمبرّرات "الإرادة الربّانيّة" و"الجبلّة البشريّة" و"الحقوق المكتسبة" التي بها يتعلّل العلماء، مفسّرين وفقهاء، يمكن استمداد معان جدّ معارضة من القرآن لتلك التّمييزيّة. فالآية "الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ..." ما جاءت بحكم ولا عبّرت عن موقف "مثاليّ" بقدر ما وصفت حالة موضوعيّة سائدة اجتماعيّا كما يفهم من صيغة جملة الخبر "الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ...". كما جاءت القوامة في صيغة مقيّدة بالتّعليل: "...بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ..." مما يعني أنّها عرضيّة غير مطلقة تثبت ببقاء مسبّباتها، وتتطوّر بتغيّرها "وقد يكون هذا التّطوّر في اتّجاه معاكس لما ورد في الآية الكريمة المذكورة، كما تشير إليه العبارة "بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ". خلاف رؤية أيديولوجيّة متأخّرة ترى "القرآن الكريم" المقصود بـ"مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ" يجمع المتقدّمون على أنّ المراد من الكتاب "اللّوح المحفوظ" خزّان "الحقيقة" وحدها "الصّالحة لكلّ زمان ومكان" لأنّها "القيمة" المطلقة المرادفة لـ"الحقّ" سبحانه. ولأنّ "الحقّ" غير جامد إذ "كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ" لا نصّ بوسعه استيفاء مراده فـ"لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً". وإذا كان "الحقّ" حقيقة الله، و"الحقيقة" مطلبه منّا أنبأنا أنّ "الشّريعة" منتج الإنسان لا الرّحمان لقوله "لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا" رادّا التّشريع إلى "منكم" لا "منه" خلاف آية "الشّعيرة": "وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ".. فالشّريعة منّا والشّعيرة منه مما يعني إنزال الأحكام في توافق مع "المعروف" خلاف معنى يوافق صيغة محرّفة تقدّم "منكم" على "جعلنا". ومن المعروف شهود تحوّل في بنية العائلة مما فتّت مركزيّة "القوامة" وجعل "الإعالة" في الأسرة الحداثيّة مهمّة مشتركة قد تكون المرأة، الزّوجة/الأم والبنت/الأخت، الأكثر الإسهام فيها ومن ثمّة يكون نصيبها في الإرث المؤسّس على "قوامة ذكوريّة" لعائلة قداميّة ظلما والتّشريع وإبقاء التّشريع على ضوء ذلك تطفيفا موجب الويل.

(نصّ مهدى إلى روح الطّاهر الحدّاد) فوزي الشّعباني (باحث تونسي)
القبطان المتقاعد والمرأة التي طرحت جلدها
20 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
اتفق أن تقابل قبطان تقاعد عن العمل منذ عدة سنوات وسيدة تبدو على ملامحها ومظهرها علامات الثراء والرفعة في...
المزيد >>
إثر تصريحات السيد وزير التربية:وضعية التعليم في تونس بين الموجـود والمنشـود
20 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
عاد التلاميذ أخيرا الى مدارسهم ومعاهدهم بعد ان قضّوا عطلة لم تتجاوز الاسبوع بعد نحو أربعة أسابيع من الدراسة...
المزيد >>
صابة الزيتون يداهمها اللصوص وعصابات الاحتكار والتهريب والترهيب !؟
20 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
تعيش غابات الزيتون بولاية سوسة صحبة الولايات المجاورة حالة مأساوية مريبة كريهة اذ تهافت لصوص الزيتون...
المزيد >>
حول إمكانية إحداث ديوان للخضــــــر والغـــــلال
20 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
من منا لا يعرف أن العيشة أصبحت لا تطاق في بلدنا تونس والحال أن الساسة الذين تم انتخابهم هم السبب الأول في...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
تأويل الإرث.. من الشّريعة إلى الحقيقة
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 04 سبتمبر 2017


الجدل حول الفصل1 من الدّستور النّاصّ على أنّ تونس "الإِسْلاَمُ دِينُهَا" موصولا بالفصل21 المؤكّد على المساواة "مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزٍ" وموقعة الآية11 من سورة النّساء المحدّدة "لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ" منهما يدفعنا إلى الحفر في "فلسفة التّشريع" بدل الوقوف عند عتبات "القاعدة الآمرة". نزعم أنّ المسألة في عمقها ليست تشريعيّة تنتصر للدّستور ولا ايمانيّة تذبّ عن القرآن قدر إثارتها قضايا أبستمولوجيّة تتطلّب تفكيكا وفهما في إطار "نموذج فكريّ" (Paradigme) بديل يصالح "الدّينيّ" بـ"المدنيّ" يطمئنّ معه "القلب" و"العقل" في آن بتأسيسهما على "واقع" مغيّب بـ"نصّ" يُستحضر ليكون بديله. وردت الآية "وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ" في مقام الذّمّ فمن تحصيل الحاصل أنّ الواقف على الحرف/الطّرف للمعنى محرّف ولأجل ذلك نبتغي الابتعاد في بحر المعنى/التّعبّد عن "الحرف" تُجاه "الجُرف" وذلك "لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي" ويسكن عقلي. ابتعاد عن "تفسير حرفيّ" كان يتساوق و"المجتمع البسيط" واقتراب من "تدبّر معنويّ" نحتاجه لـ"واقع مركّب" ولتحرير المسلم الأخير من شقاء ضمير واقع بين ضغطي تفسير استنفذ أغراضه معرفيّا وتنامي التّحدّيات واقعيّا.
تدبّر النّص يكشف عن مستويين لا يميّز متفيقهون بينهما: "مضمون الحكم" و"قيمة العدل" إذ يعتبرون الأوّل "جوهرا" ونراه "عرضا" بل نرى بعض ظلم في "المضمون" لعدم تساوقه و"القيمة". ولنتبيّن الفارق نمثّل بـ"وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ" فـ"الحكم": "وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا"، ولأنّ العقاب "سيّئة" وهو "الحكم" فالمفترض التّشوّف إلى "الخير" وهو "القيمة" المنصوص عليها في النّص ذاته: "فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ" بل ويعقّب "إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ" معتبرا "سيئة الحكم" ظلما. "الحكم" الذي هو لدى طائفة "الشّريعة" هي "سيئة" بنصّ القرآن و"ظلم" لأنّ مطلق "القصاص" اعتداء على "الذّات" وإن كانت ظالمة بل وزيد تأكيدا فاعتُبرت "عدوانا": "فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ". "الشّريعة" بسوئها وظلمها وعدوانها هي "عدل الحكم" لمطابقته الجرم ولكنّها دون "عدل القيمة" المطلوب: "وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ". "عدل الحكم" وإن أُمر به شريعة "وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا..." مؤسّس على عُرفيّة "أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ..." وما هو من ربوبيّة تتكشّف في ملحق "...فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" فالعفو أي تجاوز الشّريعة هو الحكم الرّباني في مقابل الحكم الحمّورابيّ.
الفارق بين "العدلين" في "القرآن" يبرّره تفاعله مع تطوّر "الإنسان" و"الزّمان" و"المكان". وأوضح مثال تطبيقيّ على ذلك "تعدّد الزّوجات" وهو "حكم" ولأجل ذلك نسميه "سيئة" و"ظلما" و"عدوانا" وإن جاء في الأصل للحدّ من مطلق التّعدّد. "عدل الحكم" في "فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً" ليس في الزّواج بواحدة وإنّما في العدل بين الزّوجات. ولكن بالمقابل يقضى الله: "وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ" ومن ثمّة يكون "عدل القيمة" في عدم التّعدّد. ولأنّ الواقع محكوما بدرجة التّطوّر سُمح بالتّعدّد من باب الضّرورة بالحدّ من "السّوء" والظّلم" و"العدوان" المفهوم من قوله "فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ" إذ بعض "الميل" تجاوز لـ"العدل". ولأنّ "الشَّرِيعَةَ مَبْنَاهَا وَأَسَاسُهَا عَلَى الْحِكَمِ وَمَصَالِحِ الْعِبَادِ فِي الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ. وَهِيَ عَدْلٌ كُلُّهَا، وَرَحْمَةٌ كُلُّهَا، وَمَصَالِحُ كُلُّهَا، وَحِكْمَةٌ كُلُّهَا. فَكُلُّ مَسْأَلَةٍ خَرَجَتْ عَنْ الْعَدْلِ إلَى الْجَوْرِ، وَعَنْ الرَّحْمَةِ إلَى ضِدِّهَا، وَعَنْ الْمَصْلَحَةِ إلَى الْمَفْسَدَةِ، وَعَنْ الْحِكْمَةِ إلَى الْعَبَثِ فَلَيْسَتْ مِنْ الشَّرِيعَةِ وَإِنْ أُدْخِلَتْ فِيهَا بِالتَّأْوِيلِ" على ما وضّح ابن قيمّ الجوزيّة في "إعلام الموقّعين عن ربّ العالمين". معنى طبّقه الطّاهر الحدّاد في "امرأتنا في الشّريعة والمجتمع" دون مواربة: "يَجِبُ أَنْ نَعْتَبِرَ الفَرْقَ الكَبِيرَ البَيِّنَ بَيْنَ مَا أَتَى بِهِ الإِسْلاَمُ وَجَاءَ مِنْ أَجْلِهِ. وَهْوَ جَوْهَرهُ وَمَعْنَاهُ فَيَبْقَى خاَلِدًا بِخُلُودِهِ كَعَقِيدَةِ التَّوْحِيدِ، وَمَكَارِمِ الأَخْلاَقِ، وَإِقَامَةِ قِسْطَاسِ العَدْلِ وَالـمُسَاوَاةِ بَيْنَ النَّاسِ. وَمَا هُوَ فِي مَعْنَى هَذِهِ الأُصُولِ، وَبَيْنَ مَا وَجَدَهُ مِنَ الأَحْوَالِ العَارِضَةِ لِلبَشَرِيَّةِ وَالتَّقْنِيَاتِ الرَّاسِخَةِ فِي الجَاهِلِيَّةِ قَبْلَهُ دُونَ أَنْ تَكُونَ غَرَضًا مِنْ أَغْرَاضِهِ. فَمَا يَضَعَ لَهَا مِنَ الأَحْكَامِ إِقْرَارًا لَهَا أَوْ تَعْدِيلاً فِيهَا بَاقٍ مَا بَقِيتْ هِيَ، فَإِذَا مَا ذَهَبَتْ ذَهَبَتْ أَحْكَامُهَا مَعَهَا، وَلَيْسَ فِي ذَهَابِهِمَا جَمِيعًا مَا يُضِيرُ الإِسْلاَمَ، وَذَلِكَ كَمَسَائِلِ العَبِيدِ وَالإِمَاءِ وَتَعَدُّدِ الزَّوْجَاتِ وَنَحْوَهِمَا، مَمَّا لاَ يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ حَتَّى جُزْءًا مِنَ الإِسْلاَمِ". شريعة في الإسلام جاءت عرضا لا غرضا التزاما بأعراف جارية محكّمة من ذلك "فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ" و"وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ" و"وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ" وكذا الآية المكرّسة قاعدة "وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ". والمعروف أنّ العرف متحوّل طبقا للمستوى الحضاري والوعي الثّقافي وعلى العرف ارتكزت تشاريع عدّة جعلت "الذّكورة" شرطا من ذلك زوج "الإمامة" (قيادة الدّولة) و"القوامة" (قيادة العائلة) وهو مرتكز يتماهى ورؤية "فردانيّة" تعارف عليها النّاس تقوم على "الشّخص" تمّ تجاوزها برؤية "مؤسّساتيّة" تعارف عليها آخرون تطوّروا تقوم على "التّعدّد". قوّة أعراف ما مسّت "الشّريعة" فحسب بل حتّى "العقيدة" إذ بقي بعض "الجاهليّ" متحكّما في "الدّينيّ" لقوّة الواقع مقارنة بالفكرة من ذلك قول الرّسول "لَوْلَا حَدَاثَةُ عَهْدِ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ، وَلَجَعَلْتُهَا عَلَى أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ".
يمكن القول بوضوح إنّ وهما اصطفائيّا يحكم رؤى فقهيّة تحتكم لنصوص عرفيّة ترى الذّكورة "شعب الله المختار" تستقوي بـ"قوامة" ما قُدّرت حقّ قدرها. وكما أنّ إسرائيليين تمسّكوا بمنطوق "وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ" دون شرط "تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ" فإنّ إسلامويين تمسّكوا بمنطوق "الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ" دون شرط "وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ". فالرّجال قوّامون ليس لذكورة يمتازون بها كحقّ طبيعيّ يجعل منهم "خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ" وإنّما لواجب إعالة ماليّة في واقع اجتماعيّ كانت فيه المرأة كالعبد في علاقة سالبة بـ"الرّزق" لذا ومتى مُكّنت كما العبد في الأرض بالاسترزاق ونوال حقّهما لكانا والرّجل/السيّد متساوين هذا المتبيّن من "وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ". والجحود انكار الحقّ أُسّ العدل. أمرنا الشّارع "وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ" باعتباره "الحقّ" ومثّل له بـ"الميزان" رمز "المساواة" فـ"أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ وَٱلْمِيزَانَ" وأمرنا لا فقط بـ"وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ" بل أيضا بأن "أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْط وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ" فجعل البخس لا فقط في النّقص بل في عدم الزّيادة ما يدخل جلّ المتصدّين للحقوق ضمن "وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ". وما كرّس النّصّ التّفاوت قيميّا قدر احتكامه إلى عرف قداميّ يُغرّم الذّكر أعباء ماليّة بإلزامه "إعالة" الأنثى. وبالتّالي يُنظر إلى ذاك "التّفاوت" باعتباره "عدلا" إذ يكشف وضع "المال" في دواليب "الدّورة الاقتصاديّة" وحراكها عن "معقوليّة" ما لا تُفهم إلاّ في ضوء تفهُّم هذه "الحالة" ولهذا السّبب ما كان الصّغير ولا الأنثى في "الجاهليّة" من الورثة لأنّهما "لا يعملان في المال". وقد استغرب المسلمون الأول توريث الله الأنثى إذ رأوا فيه جورا ما فعن سعيد بن جبير في ما أورده أصحاب كتب أسباب النّزول والتّفاسير قال: "لَمَّا نَزَلَتْ الـمَوَارِيثُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ وَقَالُوا: أَيَرِثُ الصَّغِيرُ الذِي لاَ يَعْمَلُ فِي الـمَالِ وَلاَ يَقُومُ فِيهِ. وَالـمَرْأَةُ التِي هِي كَذَلِكَ فَيَرِثاَنِ كَمَا يَرِثُ الرَّجُلَ الّذِي يَعْمَلُ فِي الـمَالِ؟!" وقد انتظروا نسخا للآية ما أتى فرضخوا فالحرج/الاستنكار حصل من "مجرّد" التّوريث بقطع النّظر عن النّصيب إذ التّصوّر أنّ "المال"، والميراث بعضه، لا يُستحقّ إلاّ بالدّخول في دورة الإنتاج وتحوّل الفرد إلى قوّة عمل، وما كانت المرأة زمن "التنزيل" منخرطة فيها وما تحقّق إلاّ في "المجتمع الحداثي". لقد كان المسلمون لرؤية اقتصادويّة للعدل يرون في توريث الأنثى غير المنتجة قسمة ضيزى. وعليه نرى في تأسيس التفاوت على مسمّى "طبيعة المرأة" (البيولوجي ـ الفيزيولوجي) مخاتلة. إذ كان أجدر، وبمفهوم النّصّ، تأسيسه على "حقائق العمران" البشري. فتأويل "البيان" (النّص) تبعا للمغايرة في "البنيان" بغرض التّأسيس للتّفاوت واللاّمساواة حجّة ما كانت محكّمة "زمن التّأسيس" إذ نُظر فحسب الى التّاريخي والاجتماعي (العمل في المال). إذن مردّ الاختلاف والتّساوي الوضعيّة الاجتماعيّة التي بدورها استدعت مركز "القوامة". وبقطع النّظر عن مبرّرات الفقهاء المنتصرة للذكورة بمبرّرات "الإرادة الربّانيّة" و"الجبلّة البشريّة" و"الحقوق المكتسبة" التي بها يتعلّل العلماء، مفسّرين وفقهاء، يمكن استمداد معان جدّ معارضة من القرآن لتلك التّمييزيّة. فالآية "الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ..." ما جاءت بحكم ولا عبّرت عن موقف "مثاليّ" بقدر ما وصفت حالة موضوعيّة سائدة اجتماعيّا كما يفهم من صيغة جملة الخبر "الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ...". كما جاءت القوامة في صيغة مقيّدة بالتّعليل: "...بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ..." مما يعني أنّها عرضيّة غير مطلقة تثبت ببقاء مسبّباتها، وتتطوّر بتغيّرها "وقد يكون هذا التّطوّر في اتّجاه معاكس لما ورد في الآية الكريمة المذكورة، كما تشير إليه العبارة "بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ". خلاف رؤية أيديولوجيّة متأخّرة ترى "القرآن الكريم" المقصود بـ"مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ" يجمع المتقدّمون على أنّ المراد من الكتاب "اللّوح المحفوظ" خزّان "الحقيقة" وحدها "الصّالحة لكلّ زمان ومكان" لأنّها "القيمة" المطلقة المرادفة لـ"الحقّ" سبحانه. ولأنّ "الحقّ" غير جامد إذ "كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ" لا نصّ بوسعه استيفاء مراده فـ"لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً". وإذا كان "الحقّ" حقيقة الله، و"الحقيقة" مطلبه منّا أنبأنا أنّ "الشّريعة" منتج الإنسان لا الرّحمان لقوله "لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا" رادّا التّشريع إلى "منكم" لا "منه" خلاف آية "الشّعيرة": "وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ".. فالشّريعة منّا والشّعيرة منه مما يعني إنزال الأحكام في توافق مع "المعروف" خلاف معنى يوافق صيغة محرّفة تقدّم "منكم" على "جعلنا". ومن المعروف شهود تحوّل في بنية العائلة مما فتّت مركزيّة "القوامة" وجعل "الإعالة" في الأسرة الحداثيّة مهمّة مشتركة قد تكون المرأة، الزّوجة/الأم والبنت/الأخت، الأكثر الإسهام فيها ومن ثمّة يكون نصيبها في الإرث المؤسّس على "قوامة ذكوريّة" لعائلة قداميّة ظلما والتّشريع وإبقاء التّشريع على ضوء ذلك تطفيفا موجب الويل.

(نصّ مهدى إلى روح الطّاهر الحدّاد) فوزي الشّعباني (باحث تونسي)
القبطان المتقاعد والمرأة التي طرحت جلدها
20 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
اتفق أن تقابل قبطان تقاعد عن العمل منذ عدة سنوات وسيدة تبدو على ملامحها ومظهرها علامات الثراء والرفعة في...
المزيد >>
إثر تصريحات السيد وزير التربية:وضعية التعليم في تونس بين الموجـود والمنشـود
20 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
عاد التلاميذ أخيرا الى مدارسهم ومعاهدهم بعد ان قضّوا عطلة لم تتجاوز الاسبوع بعد نحو أربعة أسابيع من الدراسة...
المزيد >>
صابة الزيتون يداهمها اللصوص وعصابات الاحتكار والتهريب والترهيب !؟
20 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
تعيش غابات الزيتون بولاية سوسة صحبة الولايات المجاورة حالة مأساوية مريبة كريهة اذ تهافت لصوص الزيتون...
المزيد >>
حول إمكانية إحداث ديوان للخضــــــر والغـــــلال
20 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
من منا لا يعرف أن العيشة أصبحت لا تطاق في بلدنا تونس والحال أن الساسة الذين تم انتخابهم هم السبب الأول في...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
عبد الجليل المسعودي
لنترك حكومــة الشاهد تشتغـــل
بإجرائه التحوير الجزئي الذي استكمل به تشكيل حكومته يكون يوسف الشاهد قد أغلق باب التكهّنات والمزايدات، وأكّد، في ذات الوقت أنه يحافظ على اليد التنفيذية الطُولى في البلاد، وهو ما...
المزيد >>