أزمة الأحزاب في تونس (1):نداء تونس: خُلق ليحكم، فـ « دمّره» الحكم
عبد الجليل المسعودي
الظاهر والمخفي في خطاب الطبوبي
إذا كانت السياسة هي «فن إدارة التناقضات» فإن شرط القيام بهذه المهمة يتوقف على توخّي منهج التعقّل والاتّزان وليس منهج التنطّع وردّة الفعل.
المزيد >>
أزمة الأحزاب في تونس (1):نداء تونس: خُلق ليحكم، فـ « دمّره» الحكم
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 13 سبتمبر 2017

مشهد سياسي متأزم، علاقات أفقية وعمودية متردية بين الأحزاب، مشاكل داخلية تكاد تعصف بكل الأحزاب… الصورة الحزبية قاتمة وسنحاول ـ منهجيا ـ الانطلاق بنداء تونس باعتباره الفائز بآخر انتخابات تشريعية والمكلف دستوريا بتشكيل الحكومة.

تونس ـ الشروق:
86 مقعدا في المجلس نواب الشعب، ما يقارب مليونان و280 ألف مصوت، ليس من الهين أن يحصل حزب على أصوات ما يفوق ثلث الناخبين وأن يتصدر الأحزاب كلها بعد سنتين ونيف من تأسيسه.
نداء تونس كان بديلا لجانب من التونسيين وملجأ لجانب آخر وأملا لجانب ثالث لكنه لم يكد يستفيق من نشوة الفوز حتى شرعت المشاكل الداخلية في محاصرته.
هو اليوم ثانيا من حيث القوة النيابية بعد ما لحق بكتلته من انقسامات وانسحابات وهو اليوم القطعة الخامسة الباقية من «كعكعة» الحزب الأم بعد انشقاق حركة مشروع تونس (محسن مرزوق وأتباعه) وتيار المستقبل (الطاهر بن حسين) وحركة بني وطني (سعيد العايدي) وتونس أولا (رضا بلحاج وجماعته).
لم نشأ ضم تيار الامل إلى قائمة الانشقاق بما أن مؤسسه فوزى اللومي أراده تيارا داخليا صلب النداء، ولكن لماذا هذا التشظي الذي بدأ قبل أن ينعم الحزب بفرحة الفوز وقبل أن يحتفل بعيده الثالث وقبل أن يعقد مؤتمره التأسيسي؟.
أكبر من حجمه
لم يصب حزب النداء ما أصاب بقية الأحزاب من مشاكل فهو لم يتجرع مرارة النكسة الانتخابية كما حدث مثلا للحزبين الحاكمين سابقا التكتل والمؤتمر بما أن مشاكله انطلقت بعد فوزه مباشرة، وهو لم يعان مشاكل الخيارات المصيرية كما حدث لحركة النهضة عندما سارت في طريقي التوافق والفصل بين السياسي والدعوي…
صحيح أن بعض الندائيين عارضوا التقارب مع النهضة ولكن غضبهم لم يرتق إلى مستوى القطيعة أو الانشقاق لهذا علينا أن نلتفت إلى الأسباب الحقيقية:
مشكلة النداء الأولى أنه ولد أكبر من حجمه فكان كمن احتاج إلى عملية قيصرية للولادة بدل الوضع الطبيعي، ومشكلته الثانية أنه لم ينعم بفترة الرضاعة والتكوين وحتى الطفولة الحزبية بل كان كمن ولد ليحكم مباشرة، ومشكلته الثالثة أنه لم يتأسس على دعائم فكرية ولا أيديولوجية حتى تشد إليها القيادات والأتباع عندما تهب بينهم رياح الخلاف.
غاب «الزعيم»
مشكلة النداء الرابعة أنه تأسس على هدف عاجل وهو الفوز بالانتخابات والاعتراض على ما أسماه أيام الحملة الانتخابية التشريعية بـ»مشروع النهضة»، لهذا بات بلا هدف ولا مشروع بمجرد أن فاز بالانتخابات، ومشكلته الخامسة أنه تأسس حول «زعيم» وهو الباجي قايد السبسي في وقت استعاضت فيه جميع الأحزاب الناجحة في العالم عن فكرة الزعيم بالرئيس الآني الذي يقود الحزب لفترة معينة على أن يترك رئاسته أو قيادته لمن يصبح أجدر منه.
ومشكلته السادسة أن «الزعيم» تخلى عن حزبه بمجرد أن تربع على كرسي رئاسة الجمهورية (أسباب دستورية)، ومشكلته السابعة أنه لم يجد شخصية قادرة على احتواء القادة ولعب دور القائد، ومشكلته السابعة أن أغلب القادة المؤثرين استعجلوا الحصول على مكافأة الفوز بالانتخابات فمال بعضهم إلى الحكومة ونظر بعضهم الآخر صوب رئاسة الجمهورية (دور المستشار) وركز البعض الثالث على نيل المناصب الحزبية العليا، أما مشكلته الأخيرة فتتمثل في عدم مسارعته بعقد مؤتمر تأسيسي يتم فيه توزيع المناصب بطريقة ديمقراطية وترتيب القادة حتى لا يحدث خلل باستقالة زيد أو خروج عمرو.
وعد ولم يف
الحزب مر من الانشطار إلى التفتت إلى تفتت المتفتت وهي خسارة كبرى للحزب أولا وأنصاره وناخبيه ثانيا وللوطن ثالثا.
فالحزب الفائز بالانتخابات غير مكلف بتشكيل الحكومة فحسب ولا برئاستها وعضويتها فقط بل بتحقيق آمال المواطنين حتى من امتنعوا عن التصويت له إذ من المفترض أن ينفذ مشروعه الانتخابي وأن يسعى إلى إنقاذ الاقتصاد وتحقيق الرفاهية الاجتماعية لكن نداء تونس وعد دون أن يفي، وتكلم دون أن يفعل، ولم يحاول حتى ان يكون له على الأقل أجر المحاولة وشرفها. لماذا حدث هذا؟.
لأن حزب النداء انشغل بمشاكله الداخلية عن مشاكل الوطن، لأنه لم يدعم أيا من حكوماته (على فرضية الحديث عن حكومتي الصيد وحكومة الشاهد الأولى) لأنه كان في بعض الأحيان معرقلا للجهد الحكومي مثله في ذلك مثل بقية الأحزاب التي شاركته وتشاركه الحكم.
علاقات متردية
نداء تونس هو الحزب الأول الحاكم ومن الطبيعي أن يقدم صورة المشهد الحزبي خصوصا والسياسي عموما، هذه الصورة قاتمة لأن الحزب في علاقة جفاء مع بعض الأحزاب المعارضة مثل الجبهة الشعبية وحركة مشروع تونس والاتحاد الوطني الحر… وعلاقة عداء مع البعض الآخر مثل حراك تونس الإرادة والتيار الديمقراطي وتيار المحبة…
علاقة الحزب بشركائه في الحكم غير مستقرة لأنها مبنية على التنافس غير المباشر والخشية من الآخر والخوف على المصالح الآنية والمستقبلية، وحتى علاقته بشريكه في التوافق (حركة النهضة) فإنها تتراوح بين التقارب إلى حد التنسيق الحزبي والبرلماني حينا والبرود والتصادم أحيانا.
علاقة النداء متوترة منذ أشهر مع رئيس الحكومة يوسف الشاهد وعندما نعلم أن الحكومة حكومته ورئيسها ندائي يزول العجب من قتامة الصورة الحزبية وتأزم المشهد السياسي.

مرايــــــا:جلباب «الربيع العربي»... لـم يكن جلبابنا !
23 فيفري 2018 السّاعة 21:00
مازال ما سمّي بـ«الربيع العربي» يثير الكثير من الجدل والنقاشات والتقييمات... البعض يعتبره بالفعل ربيعا. ومعه...
المزيد >>
سامية عبّو تتحدث عن بن غربية:كيف لوزير تعلقت به شبهات فساد أن يضمن حرية الإعلام ؟
23 فيفري 2018 السّاعة 21:00
استنكرت نائبة مجلس نواب الشعب عن التيار...
المزيد >>
اقالة واستقالة الشاذلي العياري :أسرار الصّفقــــة
23 فيفري 2018 السّاعة 21:00
تعدّدت في تونس في السنوات الاخيرة إقالات...
المزيد >>
سيناريوهات تزعج هيئة الحقيقة والكرامة:مناورات بــــن سدرين
23 فيفري 2018 السّاعة 21:00
أشهر قليلة متبقية في حياة هيئة الحقيقة والكرامة...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
أزمة الأحزاب في تونس (1):نداء تونس: خُلق ليحكم، فـ « دمّره» الحكم
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 13 سبتمبر 2017

مشهد سياسي متأزم، علاقات أفقية وعمودية متردية بين الأحزاب، مشاكل داخلية تكاد تعصف بكل الأحزاب… الصورة الحزبية قاتمة وسنحاول ـ منهجيا ـ الانطلاق بنداء تونس باعتباره الفائز بآخر انتخابات تشريعية والمكلف دستوريا بتشكيل الحكومة.

تونس ـ الشروق:
86 مقعدا في المجلس نواب الشعب، ما يقارب مليونان و280 ألف مصوت، ليس من الهين أن يحصل حزب على أصوات ما يفوق ثلث الناخبين وأن يتصدر الأحزاب كلها بعد سنتين ونيف من تأسيسه.
نداء تونس كان بديلا لجانب من التونسيين وملجأ لجانب آخر وأملا لجانب ثالث لكنه لم يكد يستفيق من نشوة الفوز حتى شرعت المشاكل الداخلية في محاصرته.
هو اليوم ثانيا من حيث القوة النيابية بعد ما لحق بكتلته من انقسامات وانسحابات وهو اليوم القطعة الخامسة الباقية من «كعكعة» الحزب الأم بعد انشقاق حركة مشروع تونس (محسن مرزوق وأتباعه) وتيار المستقبل (الطاهر بن حسين) وحركة بني وطني (سعيد العايدي) وتونس أولا (رضا بلحاج وجماعته).
لم نشأ ضم تيار الامل إلى قائمة الانشقاق بما أن مؤسسه فوزى اللومي أراده تيارا داخليا صلب النداء، ولكن لماذا هذا التشظي الذي بدأ قبل أن ينعم الحزب بفرحة الفوز وقبل أن يحتفل بعيده الثالث وقبل أن يعقد مؤتمره التأسيسي؟.
أكبر من حجمه
لم يصب حزب النداء ما أصاب بقية الأحزاب من مشاكل فهو لم يتجرع مرارة النكسة الانتخابية كما حدث مثلا للحزبين الحاكمين سابقا التكتل والمؤتمر بما أن مشاكله انطلقت بعد فوزه مباشرة، وهو لم يعان مشاكل الخيارات المصيرية كما حدث لحركة النهضة عندما سارت في طريقي التوافق والفصل بين السياسي والدعوي…
صحيح أن بعض الندائيين عارضوا التقارب مع النهضة ولكن غضبهم لم يرتق إلى مستوى القطيعة أو الانشقاق لهذا علينا أن نلتفت إلى الأسباب الحقيقية:
مشكلة النداء الأولى أنه ولد أكبر من حجمه فكان كمن احتاج إلى عملية قيصرية للولادة بدل الوضع الطبيعي، ومشكلته الثانية أنه لم ينعم بفترة الرضاعة والتكوين وحتى الطفولة الحزبية بل كان كمن ولد ليحكم مباشرة، ومشكلته الثالثة أنه لم يتأسس على دعائم فكرية ولا أيديولوجية حتى تشد إليها القيادات والأتباع عندما تهب بينهم رياح الخلاف.
غاب «الزعيم»
مشكلة النداء الرابعة أنه تأسس على هدف عاجل وهو الفوز بالانتخابات والاعتراض على ما أسماه أيام الحملة الانتخابية التشريعية بـ»مشروع النهضة»، لهذا بات بلا هدف ولا مشروع بمجرد أن فاز بالانتخابات، ومشكلته الخامسة أنه تأسس حول «زعيم» وهو الباجي قايد السبسي في وقت استعاضت فيه جميع الأحزاب الناجحة في العالم عن فكرة الزعيم بالرئيس الآني الذي يقود الحزب لفترة معينة على أن يترك رئاسته أو قيادته لمن يصبح أجدر منه.
ومشكلته السادسة أن «الزعيم» تخلى عن حزبه بمجرد أن تربع على كرسي رئاسة الجمهورية (أسباب دستورية)، ومشكلته السابعة أنه لم يجد شخصية قادرة على احتواء القادة ولعب دور القائد، ومشكلته السابعة أن أغلب القادة المؤثرين استعجلوا الحصول على مكافأة الفوز بالانتخابات فمال بعضهم إلى الحكومة ونظر بعضهم الآخر صوب رئاسة الجمهورية (دور المستشار) وركز البعض الثالث على نيل المناصب الحزبية العليا، أما مشكلته الأخيرة فتتمثل في عدم مسارعته بعقد مؤتمر تأسيسي يتم فيه توزيع المناصب بطريقة ديمقراطية وترتيب القادة حتى لا يحدث خلل باستقالة زيد أو خروج عمرو.
وعد ولم يف
الحزب مر من الانشطار إلى التفتت إلى تفتت المتفتت وهي خسارة كبرى للحزب أولا وأنصاره وناخبيه ثانيا وللوطن ثالثا.
فالحزب الفائز بالانتخابات غير مكلف بتشكيل الحكومة فحسب ولا برئاستها وعضويتها فقط بل بتحقيق آمال المواطنين حتى من امتنعوا عن التصويت له إذ من المفترض أن ينفذ مشروعه الانتخابي وأن يسعى إلى إنقاذ الاقتصاد وتحقيق الرفاهية الاجتماعية لكن نداء تونس وعد دون أن يفي، وتكلم دون أن يفعل، ولم يحاول حتى ان يكون له على الأقل أجر المحاولة وشرفها. لماذا حدث هذا؟.
لأن حزب النداء انشغل بمشاكله الداخلية عن مشاكل الوطن، لأنه لم يدعم أيا من حكوماته (على فرضية الحديث عن حكومتي الصيد وحكومة الشاهد الأولى) لأنه كان في بعض الأحيان معرقلا للجهد الحكومي مثله في ذلك مثل بقية الأحزاب التي شاركته وتشاركه الحكم.
علاقات متردية
نداء تونس هو الحزب الأول الحاكم ومن الطبيعي أن يقدم صورة المشهد الحزبي خصوصا والسياسي عموما، هذه الصورة قاتمة لأن الحزب في علاقة جفاء مع بعض الأحزاب المعارضة مثل الجبهة الشعبية وحركة مشروع تونس والاتحاد الوطني الحر… وعلاقة عداء مع البعض الآخر مثل حراك تونس الإرادة والتيار الديمقراطي وتيار المحبة…
علاقة الحزب بشركائه في الحكم غير مستقرة لأنها مبنية على التنافس غير المباشر والخشية من الآخر والخوف على المصالح الآنية والمستقبلية، وحتى علاقته بشريكه في التوافق (حركة النهضة) فإنها تتراوح بين التقارب إلى حد التنسيق الحزبي والبرلماني حينا والبرود والتصادم أحيانا.
علاقة النداء متوترة منذ أشهر مع رئيس الحكومة يوسف الشاهد وعندما نعلم أن الحكومة حكومته ورئيسها ندائي يزول العجب من قتامة الصورة الحزبية وتأزم المشهد السياسي.

مرايــــــا:جلباب «الربيع العربي»... لـم يكن جلبابنا !
23 فيفري 2018 السّاعة 21:00
مازال ما سمّي بـ«الربيع العربي» يثير الكثير من الجدل والنقاشات والتقييمات... البعض يعتبره بالفعل ربيعا. ومعه...
المزيد >>
سامية عبّو تتحدث عن بن غربية:كيف لوزير تعلقت به شبهات فساد أن يضمن حرية الإعلام ؟
23 فيفري 2018 السّاعة 21:00
استنكرت نائبة مجلس نواب الشعب عن التيار...
المزيد >>
اقالة واستقالة الشاذلي العياري :أسرار الصّفقــــة
23 فيفري 2018 السّاعة 21:00
تعدّدت في تونس في السنوات الاخيرة إقالات...
المزيد >>
سيناريوهات تزعج هيئة الحقيقة والكرامة:مناورات بــــن سدرين
23 فيفري 2018 السّاعة 21:00
أشهر قليلة متبقية في حياة هيئة الحقيقة والكرامة...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
عبد الجليل المسعودي
الظاهر والمخفي في خطاب الطبوبي
إذا كانت السياسة هي «فن إدارة التناقضات» فإن شرط القيام بهذه المهمة يتوقف على توخّي منهج التعقّل والاتّزان وليس منهج التنطّع وردّة الفعل.
المزيد >>