المساواة في الميراث:لـمَ لا يكون نظاما إضافيا إختياريا؟
فاطمة بن عبد الله الكرّاي
كلام... في «العقل» السياسي العربي...
ليست المرّة الأولى التي تثبت فيها الاحداث، أن النظام الرسمي العربي، لا يتقن فنّ السياسة... ولا يفقه «البراغماتية» التي تمكّن الأنظمة السياسية من تخليص بلدانها من الأزمات...
المزيد >>
المساواة في الميراث:لـمَ لا يكون نظاما إضافيا إختياريا؟
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 18 سبتمبر 2017

أحدث خطاب الرئيس السبسي يوم 13 أوت جدلا واسعا، بلغ صداه أقصى أقطار الأرض، وأثار ردود أفعال مختلفة داخل الوطن وخارجه، ولا غرابة في ذلك فالقوانين المنظمة لشؤون الأسرة في تونس كانت مثار جدل منذ بعث مجلة الأحوال الشخصية عقب الاستقلال سنة 1956، وقد رآها الكثير من المثقفين حاملة لمشعل السبق في مضمار حقوق المرأة والأسرة ومتميزة عن باقي المدونات التشريعية في البلدان العربية، لما استمت به من جرأة، إذ قطعت مع مؤسسة قوامة الرجال على النساء (الموروثة لا الشرعية)، وفي سابقة فريدة من نوعها على الصعيد العربي جرّم بورقيبة تعدّد الزوجات، وكذلك الزواج على غير الصيغ القانونية، كما منعت المجلة إكراه الفتاة على الزواج من قبل وليها، وحددت السن الأدنى للزواج بـ17 سنة للإناث و20 سنة للذكور. وقد نجح بورقيبة في تمرير قوانين جريئة، متجاوزا فيها ما استقر في مدونات الفقه الاسلامي، فأقرّ حق التبني، وسن قانون الوصية الواجبة، وقانون الرد، وجعل الطلاق في يد القضاء.. تلك المجلة رغم تميزها كنا نجد الكثير من الحقوقيين ورجال القانون في تونس يطالبون بمراجعتها وتنقيحها، فتعالت نداءاتهم بذلك اثر الثورة التي شهدتها البلاد في 2011 وتأكدت تلك المطالب بعد ختم الدستور الجديد في 27 ـ 01 ـ 2014 وربما يكون من الضروري تنقيح بعض فصول تلك المجلة لتوافق روح الدستور.
ما وراء مبادرة السبسي
المبادرة التي طرحها السبسي، المنادية بارساء قانون المساواة في الارث بين الاناث والذكور وكذلك إلغاء العمل بالمنشور 73 عدّت عند ذوي المرجعية الاسلامية خطبا جللا، وقد طرق السبسي بأكفّ من حديد على أبواب موصدة منذ 14 قرنا يوروم خلعها.
أمام هذا الخطاب يتساءل الكثيرون من مثقفين وحقوقيين، ما الدافع لإقدام السبسي على طرح مثل هذه المبادرة؟ هل هذا من قبيل التوظيف السياسي؟ أو إملاء خارجي لا يمكن تجاهله، أو هي خطوة عملاقة وجريئة على نهج بورقيبة الذي انتهجه السبسي واستثمر ارثه في حملته الانتخابية، فقد كان الباجي حريصا على التشبّه ببورقيبة ومحاكاته حتى في مظهره وحضوره الركحي (وضع النظارات السوداء وشكلها) أو ربما تندرج هذه المبادرة في إطار ارساء أسس متينة للدولة المدنية وتفعيل حقيقي للفصل الثاني من الدستور الجديد والتحلي بحماسة شديدة لذاك الفصل على حساب الفصل الأول الذي ربما لا ينظر إليه السبسي ومن معه بعين الرضا؟ بل المرجح أن تلك المبادرة كانت حجرا سحريا رماه السبسي بكل حرفية ومهارة، ليصطاد به عصافير عدّة، فما تلك العصافير يا ترى؟
ـ العصفور الأول وهو أكبرها: إرباك حركة النهضة
بمبادرته تلك وضع الباجي حركة النهضة على محكّ المدنية، وأمام امتحان العلمانية، ليربكها، ويحدث لها إحراجا شعبيا شديدا، ويمكن لذلك المحك أن ينال من فولاذيتها ويحدث فيها شرخا، كما سيعمق هذا الامتحان الفجوة بينها وبين جماهير شعبية عريضة كانت تتوسم في النهضة أن تلعب دور حامي الهوية الاسلامية في تونس، فإذا بها في نظر الكثيرين مخيبة لآمالهم بتحالفها مع حزب السبسي الذي يرونه ذا مرجعية علمانية. وإن عدم ابداء النهضة موقفا واضحا من المبادرة إلى حدّ الآن دليلا على الحرج الذي انتابها، فهي إن أبدت تأييدها ستهز صورتها في نظر الكثير من مناصريها ويستسرّب من خزّانها الانتخابي جزء من احتياطيها الاستراتيجي، وان عارضت المبادرة ستظهر بمظهر المعادية للدولة المدنية مكرّسة للتمييز ضد المرأة، إزاء ذلك لا يبقى أمام حركة النهضة إلا أن تسقط هذه الورقة من يد السبسي فستكون من الصالح لها أن تطالب باعتماد المساواة في الميراث كنظام إضافي اختياري، لا يلغي العمل بالنظام الأصلي المقنّن وفق الشريعة (رغم ما عليه من مؤاخذات) فيسن قانونا يعطي الحق لمن أراد المساواة من المواطنين أن يختار ذلك النظام وله أن يقوم بالاجراءات القانونية اللازمة حتى يدرج اختياره في سجل الحالة المدنية ويقع التنصيص عليه في خانة الملاحظات بمضمون الولادة وبعد وفاته تقسم تركته وفق اختياره.
فبتبني النظام الاضافي الاختياري تظهر حركة النهضة أمام الشعب غير متعاونة في الدفاع عن ثابت من ثوابت التشريع الاسلامي، كما تؤكد تمسكها بخيار الدولة المدنية وعدم اعتراضها على تحقيق المساواة والتزامها بالدستور الذي كثيرا ما افتخرت به.
ـ العصفور الثاني: السبسي يغازل النساء
غازل السبسي شريحة عريضة من النساء فبعد الفشل الذريح لحزبه في الحكم إذ عجز عن تحقيق وعوده الانتخابية، ولم يخفف من وطأة البطالة التي ترزح تحتها الكثيرات من حاملات الشهائد العلمية، وبعد تردي أوضاعهن الاقتصادية والاجتماعية، والانهيار المريع للدينار... جاء السبسي ليلعب دور المدافع عن حقهن المهضوم المسلوب منذ قرون كما يراه بعض مثقفي بلادي، وهو ضمنيا يرى أن «للذّكر مثل حظّ الأنثتين» النساء الآية 11، غير صالحة لزماننا، ويرى كذلك ان الميراث مردة والقول الفصل فيه، ليس لله ولا للرسول صلى الله عليه وسلم بل قد ترك للبشر يقولون فيه برأيهم ـ رجع إلى خطاب السبسي يوم 13 أوت دق 23 ـ
ـ العصفور الثالث: الإملاء الخارجي
رغم الخروج العسكري للمستمر الفرنسي، وكذلك التحول التاريخي الذي شهدته بلادنا بانطلاق الثورة فإننا مازلنا غير واثقين من استقلالية القرار الوطني. فها هي الجهات المانحة لتونس كعادتها، تلمي شروطها قبل صرف أي قرض، فأي استقلال للقرار الوطني يمكننا الحديث عنه؟ لا سيما والقوى المهيمنة على بلادنا تتدخل في سياساتنا الداخلية والخارجية طوعا أو كرها. والوكلاء المسخرون لخدمة مصالحهم لا يبالون بمعاناة شعبنا المادية والمعنوية. والمساواة بين المرأة والرجل كانت من أوكد طلبات تلك الجهات وكذلك أكد المجلس الاقتصادي والاجتماعي بالأمم المتحدة على ضرورة تفعيلها إضافة إلى بعض المعاهدات الدولية التي صادقت عليها تونس.
العصفور الرابع وليس الأخير: مأثرة يريد السبسي أن يدخل بها التاريخ
على خطى بورقيبة أراد السبسي أن ينجز ما عجز أسلافه عن انجازه فرغم نجاح الزعيم الراحل في القضاء على دور الزيتونة التعليمي وتهميش كثير من قيم الاسلام ومظاهره، واحلال قيم الغرب ومظاهره محلها، فإنه لم يفلح في إلغاء الميراث وإن أدخل عليه بعض الاضافات مثل الوصية الواجبة، وقانون الردّ. والآن يأتي السبسي بعد 17 سنة من وفاة بورقيبة رحمه الله، ليقول بضرورة المساواة في الميراث، ليشبع رغبة في نفسه ويرضي الكثير من العلمانيين، إلى جانب جهات غربية وهو يأمل أن تحسب له خصيصة ومأثرة.
جدلية الشرعي والقانوني
نلاحظ في مدوناتنا التشريعية المعتمدة ببلداننا العربية، كثيرا ما تدخل أحكام الشريعة إلى بعض الفصول القانونية لا سيما في مجال الأحوال الشخصية، وبعد استقرار حكم شرعي ما في صلب قانون وضعي، لنا أن نتساءل، هل يفقد صفته الشرعية ويكسب صبغة قانونية أو يحافظ عليها؟ من هنا ينبثق سؤال آخر هل الدولة في تونس تعتمد نظام توزيع التركة المفصل في مجلة الأحوال الشخصية بصفته قانونا تمت المصادقة عليه في مجلس النواب (مجلس الأمة) أم لأنه أحكام سرعية ألزمنا الله بها ولا يمكن لنا عصيانها؟ فإن كانت الاجابة يُعتمد لأنه قانون، حينها يكون من غير الطبيعي أن تتعامل معه بمنطق الحلال والحرام، وان كانت الاجابة يُعتمد لزنه أحكام شرعية ألزمنا الله بها. سيطرح سؤال هل ألزمنا الله بتلك الأحكام فقط أم هناك أحكام أخرى؟ إن كانت الاجابة بنعم فهل يحق لدولة أن تعتمد في تشريعها بعض الأحكام وتترك البعض الآخر؟ وان حق لها ذلك فما هي معايير الانتقاء ولمَ لم يطبق حكم قطع يد السارق وجلد الزاني؟ وهل أحكام الشريعة منظومة متكاملة متماسكة أم قابلة للتجزئة؟ هل يصح وينجح زرع عضو من كائن حي في كائن آخر يختلف نسيجه العضوي عنه؟ المقام هنا لا يتسع لبسط هذه الاشكالية لكنني أرى من الضروري التأكيد على أن أحكام الشريعة لا تكون شرعية إلا بتوفر جملة من الشروط. من أهمها أن لا يلزم بها غير المؤمنين الذين ارتضوها ولا يجدون في صدورهم حرجا منها وان القانون لا يمكن أن يكون عادلا إلا بتوفر جملة من الشروط وتأتي الدولة المدنية بسلطاتها الثلاثة كأهم شخص لتطبيقه بصفته قانونا وليس بصفته حكما شرعيا وهنا يبرز السؤال ملحا هل من مهام الدولة إلزام المواطنين بالقيام بواجباتهم الدينية ومنعهم من فعل المحرمات؟ وهل السبسي أمير مؤمنين حتى نطالبه بتطبيق شرع الله، أو هو رئيس دولة مدنية لها مؤسسات دستورية ولها مجلس تشريعي يسنّ القوانين بعيدا عن منطق الحلال والحرام والواجب والمستحب؟ أو أننا لم ندرك بعد معنى الدولة المدنية؟
لتكن المساواة في الميراث نظاما إضافيا اختياريا
التنوع الفكري والثقافي في مجتمع متحضر يعتبر عامل اثراء وحافزا من حوافز التقدم، لكنه في المجتمعات المتخلفة يتحوّل إلى عامل انقسام وتشرذم، وبعد ان قطعت تونس خطوات متعثرة على درب الحريات الفردية والعامة أصبح مستهجنا أن يملي شخص ما قناعاته على الآخرين ويلزمهم بنمط عيش يوافق نمطه فإنه حتى وإن جمعنا الوطن والتاريخ وربما المصير فليس من الضروري أن يجمعنا الدين، فالاختلاف سنة حميدة ولا ضير فيه إذا انتصبت الدولة حامية للحريات، وتحلى بعضنا بقدر من احترام البعض الآخر. واختلاف المشاريع الاجتماعية في تونس لا ينكره إلا جاحد وما كثرة الأحزاب إلا دليل واضح عليه وتباين المواقف من الدين حقيقة لا مراء فيها. أمام وجود أناس اختاروا عدم الالتزام بما يراه غيرهم أمرا ثابتا من ثوابت الاسلام وحكما شرعيا لا يمكن التفصّي منه يأتي مقترح جعل المساواة في الميراث نظاما اضافيا اختياريا كحل مناسب لا يصادر حق المطالبين ولا الرافضين لها. فعلى أصحاب تلك المبادرة أن ينكبوا على صياغتها في شكل مشروع قانون يتقدمون به إلى مجلس نواب الشعب ومن الأرجح أن يحظى بالموافقة إذا كان ذا صبغة اختيارية يضاف إلى النظام الأصلي (المنصوص عليه في مجلة الأحوال الشخصية) ولا يكون لاغيا له وعلى أصحاب ذلك القانون أن يوضّحوا اجراءات تفعيله وان لا يتعارض مع قانون آخر. وإجرائيا يمكن لمن رضي بالمساواة في الارث أن يتوجه إلى قسم الحالة المدنية بأقرب بلدية ويقوم بملأ شهادة اختيار نظام المساواة في الميراث ويمضيها أمام ضابط الحالة المدنية حتى تدرج في خانة الملاحظات بمضمون ولادته، ثم بعد وفاته تقسم تركته وفق اختياره ويمكن توظيف طابع جبائي على تلك الوثيقة. لهذا المقال تتمج تناولت فيها المقاربات الفكرية والفقهية وكذلك الدستورية والقانونية وبينت المبررات الواقعية.

بقلم عبد الكريم عمّار
شمـــوع تحتـــرق
16 أكتوبر 2017 السّاعة 21:00
في حوار جمعني في أحد النوادي الثقافية بأحد الأساتذة بتونس العاصمة بالأمس القريب وقد تحامل على المعلّمين...
المزيد >>
البناءات المدرسية والتصوّر الهندسي المعماري
16 أكتوبر 2017 السّاعة 21:00
يتناول هذا المقال أهمية البناءات المدرسية وعلاقتها بالنجاح المدرسي وبالمناخ الدراسي العام وبجودة التواصل...
المزيد >>
قراءة أولية في مشروع قانون الجماعات العمومية المحلية (1 ـ 3)
16 أكتوبر 2017 السّاعة 21:00
تتطرق هذه الورقة لمؤسسة المجلس البلدي والمجلس الجهوي كما اقترحها مشروع القانون الحالي لجماعات المحلية...
المزيد >>
حسابات استباقية للمصالحة الفلسطينية
16 أكتوبر 2017 السّاعة 19:39
كتب الاستاذ بالجامعة التونسية ومنسق شبكة باب المغاربة للدراسات الاستراتيجية صلاح الداودي نصا تلقت الشروق ...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
المساواة في الميراث:لـمَ لا يكون نظاما إضافيا إختياريا؟
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 18 سبتمبر 2017

أحدث خطاب الرئيس السبسي يوم 13 أوت جدلا واسعا، بلغ صداه أقصى أقطار الأرض، وأثار ردود أفعال مختلفة داخل الوطن وخارجه، ولا غرابة في ذلك فالقوانين المنظمة لشؤون الأسرة في تونس كانت مثار جدل منذ بعث مجلة الأحوال الشخصية عقب الاستقلال سنة 1956، وقد رآها الكثير من المثقفين حاملة لمشعل السبق في مضمار حقوق المرأة والأسرة ومتميزة عن باقي المدونات التشريعية في البلدان العربية، لما استمت به من جرأة، إذ قطعت مع مؤسسة قوامة الرجال على النساء (الموروثة لا الشرعية)، وفي سابقة فريدة من نوعها على الصعيد العربي جرّم بورقيبة تعدّد الزوجات، وكذلك الزواج على غير الصيغ القانونية، كما منعت المجلة إكراه الفتاة على الزواج من قبل وليها، وحددت السن الأدنى للزواج بـ17 سنة للإناث و20 سنة للذكور. وقد نجح بورقيبة في تمرير قوانين جريئة، متجاوزا فيها ما استقر في مدونات الفقه الاسلامي، فأقرّ حق التبني، وسن قانون الوصية الواجبة، وقانون الرد، وجعل الطلاق في يد القضاء.. تلك المجلة رغم تميزها كنا نجد الكثير من الحقوقيين ورجال القانون في تونس يطالبون بمراجعتها وتنقيحها، فتعالت نداءاتهم بذلك اثر الثورة التي شهدتها البلاد في 2011 وتأكدت تلك المطالب بعد ختم الدستور الجديد في 27 ـ 01 ـ 2014 وربما يكون من الضروري تنقيح بعض فصول تلك المجلة لتوافق روح الدستور.
ما وراء مبادرة السبسي
المبادرة التي طرحها السبسي، المنادية بارساء قانون المساواة في الارث بين الاناث والذكور وكذلك إلغاء العمل بالمنشور 73 عدّت عند ذوي المرجعية الاسلامية خطبا جللا، وقد طرق السبسي بأكفّ من حديد على أبواب موصدة منذ 14 قرنا يوروم خلعها.
أمام هذا الخطاب يتساءل الكثيرون من مثقفين وحقوقيين، ما الدافع لإقدام السبسي على طرح مثل هذه المبادرة؟ هل هذا من قبيل التوظيف السياسي؟ أو إملاء خارجي لا يمكن تجاهله، أو هي خطوة عملاقة وجريئة على نهج بورقيبة الذي انتهجه السبسي واستثمر ارثه في حملته الانتخابية، فقد كان الباجي حريصا على التشبّه ببورقيبة ومحاكاته حتى في مظهره وحضوره الركحي (وضع النظارات السوداء وشكلها) أو ربما تندرج هذه المبادرة في إطار ارساء أسس متينة للدولة المدنية وتفعيل حقيقي للفصل الثاني من الدستور الجديد والتحلي بحماسة شديدة لذاك الفصل على حساب الفصل الأول الذي ربما لا ينظر إليه السبسي ومن معه بعين الرضا؟ بل المرجح أن تلك المبادرة كانت حجرا سحريا رماه السبسي بكل حرفية ومهارة، ليصطاد به عصافير عدّة، فما تلك العصافير يا ترى؟
ـ العصفور الأول وهو أكبرها: إرباك حركة النهضة
بمبادرته تلك وضع الباجي حركة النهضة على محكّ المدنية، وأمام امتحان العلمانية، ليربكها، ويحدث لها إحراجا شعبيا شديدا، ويمكن لذلك المحك أن ينال من فولاذيتها ويحدث فيها شرخا، كما سيعمق هذا الامتحان الفجوة بينها وبين جماهير شعبية عريضة كانت تتوسم في النهضة أن تلعب دور حامي الهوية الاسلامية في تونس، فإذا بها في نظر الكثيرين مخيبة لآمالهم بتحالفها مع حزب السبسي الذي يرونه ذا مرجعية علمانية. وإن عدم ابداء النهضة موقفا واضحا من المبادرة إلى حدّ الآن دليلا على الحرج الذي انتابها، فهي إن أبدت تأييدها ستهز صورتها في نظر الكثير من مناصريها ويستسرّب من خزّانها الانتخابي جزء من احتياطيها الاستراتيجي، وان عارضت المبادرة ستظهر بمظهر المعادية للدولة المدنية مكرّسة للتمييز ضد المرأة، إزاء ذلك لا يبقى أمام حركة النهضة إلا أن تسقط هذه الورقة من يد السبسي فستكون من الصالح لها أن تطالب باعتماد المساواة في الميراث كنظام إضافي اختياري، لا يلغي العمل بالنظام الأصلي المقنّن وفق الشريعة (رغم ما عليه من مؤاخذات) فيسن قانونا يعطي الحق لمن أراد المساواة من المواطنين أن يختار ذلك النظام وله أن يقوم بالاجراءات القانونية اللازمة حتى يدرج اختياره في سجل الحالة المدنية ويقع التنصيص عليه في خانة الملاحظات بمضمون الولادة وبعد وفاته تقسم تركته وفق اختياره.
فبتبني النظام الاضافي الاختياري تظهر حركة النهضة أمام الشعب غير متعاونة في الدفاع عن ثابت من ثوابت التشريع الاسلامي، كما تؤكد تمسكها بخيار الدولة المدنية وعدم اعتراضها على تحقيق المساواة والتزامها بالدستور الذي كثيرا ما افتخرت به.
ـ العصفور الثاني: السبسي يغازل النساء
غازل السبسي شريحة عريضة من النساء فبعد الفشل الذريح لحزبه في الحكم إذ عجز عن تحقيق وعوده الانتخابية، ولم يخفف من وطأة البطالة التي ترزح تحتها الكثيرات من حاملات الشهائد العلمية، وبعد تردي أوضاعهن الاقتصادية والاجتماعية، والانهيار المريع للدينار... جاء السبسي ليلعب دور المدافع عن حقهن المهضوم المسلوب منذ قرون كما يراه بعض مثقفي بلادي، وهو ضمنيا يرى أن «للذّكر مثل حظّ الأنثتين» النساء الآية 11، غير صالحة لزماننا، ويرى كذلك ان الميراث مردة والقول الفصل فيه، ليس لله ولا للرسول صلى الله عليه وسلم بل قد ترك للبشر يقولون فيه برأيهم ـ رجع إلى خطاب السبسي يوم 13 أوت دق 23 ـ
ـ العصفور الثالث: الإملاء الخارجي
رغم الخروج العسكري للمستمر الفرنسي، وكذلك التحول التاريخي الذي شهدته بلادنا بانطلاق الثورة فإننا مازلنا غير واثقين من استقلالية القرار الوطني. فها هي الجهات المانحة لتونس كعادتها، تلمي شروطها قبل صرف أي قرض، فأي استقلال للقرار الوطني يمكننا الحديث عنه؟ لا سيما والقوى المهيمنة على بلادنا تتدخل في سياساتنا الداخلية والخارجية طوعا أو كرها. والوكلاء المسخرون لخدمة مصالحهم لا يبالون بمعاناة شعبنا المادية والمعنوية. والمساواة بين المرأة والرجل كانت من أوكد طلبات تلك الجهات وكذلك أكد المجلس الاقتصادي والاجتماعي بالأمم المتحدة على ضرورة تفعيلها إضافة إلى بعض المعاهدات الدولية التي صادقت عليها تونس.
العصفور الرابع وليس الأخير: مأثرة يريد السبسي أن يدخل بها التاريخ
على خطى بورقيبة أراد السبسي أن ينجز ما عجز أسلافه عن انجازه فرغم نجاح الزعيم الراحل في القضاء على دور الزيتونة التعليمي وتهميش كثير من قيم الاسلام ومظاهره، واحلال قيم الغرب ومظاهره محلها، فإنه لم يفلح في إلغاء الميراث وإن أدخل عليه بعض الاضافات مثل الوصية الواجبة، وقانون الردّ. والآن يأتي السبسي بعد 17 سنة من وفاة بورقيبة رحمه الله، ليقول بضرورة المساواة في الميراث، ليشبع رغبة في نفسه ويرضي الكثير من العلمانيين، إلى جانب جهات غربية وهو يأمل أن تحسب له خصيصة ومأثرة.
جدلية الشرعي والقانوني
نلاحظ في مدوناتنا التشريعية المعتمدة ببلداننا العربية، كثيرا ما تدخل أحكام الشريعة إلى بعض الفصول القانونية لا سيما في مجال الأحوال الشخصية، وبعد استقرار حكم شرعي ما في صلب قانون وضعي، لنا أن نتساءل، هل يفقد صفته الشرعية ويكسب صبغة قانونية أو يحافظ عليها؟ من هنا ينبثق سؤال آخر هل الدولة في تونس تعتمد نظام توزيع التركة المفصل في مجلة الأحوال الشخصية بصفته قانونا تمت المصادقة عليه في مجلس النواب (مجلس الأمة) أم لأنه أحكام سرعية ألزمنا الله بها ولا يمكن لنا عصيانها؟ فإن كانت الاجابة يُعتمد لأنه قانون، حينها يكون من غير الطبيعي أن تتعامل معه بمنطق الحلال والحرام، وان كانت الاجابة يُعتمد لزنه أحكام شرعية ألزمنا الله بها. سيطرح سؤال هل ألزمنا الله بتلك الأحكام فقط أم هناك أحكام أخرى؟ إن كانت الاجابة بنعم فهل يحق لدولة أن تعتمد في تشريعها بعض الأحكام وتترك البعض الآخر؟ وان حق لها ذلك فما هي معايير الانتقاء ولمَ لم يطبق حكم قطع يد السارق وجلد الزاني؟ وهل أحكام الشريعة منظومة متكاملة متماسكة أم قابلة للتجزئة؟ هل يصح وينجح زرع عضو من كائن حي في كائن آخر يختلف نسيجه العضوي عنه؟ المقام هنا لا يتسع لبسط هذه الاشكالية لكنني أرى من الضروري التأكيد على أن أحكام الشريعة لا تكون شرعية إلا بتوفر جملة من الشروط. من أهمها أن لا يلزم بها غير المؤمنين الذين ارتضوها ولا يجدون في صدورهم حرجا منها وان القانون لا يمكن أن يكون عادلا إلا بتوفر جملة من الشروط وتأتي الدولة المدنية بسلطاتها الثلاثة كأهم شخص لتطبيقه بصفته قانونا وليس بصفته حكما شرعيا وهنا يبرز السؤال ملحا هل من مهام الدولة إلزام المواطنين بالقيام بواجباتهم الدينية ومنعهم من فعل المحرمات؟ وهل السبسي أمير مؤمنين حتى نطالبه بتطبيق شرع الله، أو هو رئيس دولة مدنية لها مؤسسات دستورية ولها مجلس تشريعي يسنّ القوانين بعيدا عن منطق الحلال والحرام والواجب والمستحب؟ أو أننا لم ندرك بعد معنى الدولة المدنية؟
لتكن المساواة في الميراث نظاما إضافيا اختياريا
التنوع الفكري والثقافي في مجتمع متحضر يعتبر عامل اثراء وحافزا من حوافز التقدم، لكنه في المجتمعات المتخلفة يتحوّل إلى عامل انقسام وتشرذم، وبعد ان قطعت تونس خطوات متعثرة على درب الحريات الفردية والعامة أصبح مستهجنا أن يملي شخص ما قناعاته على الآخرين ويلزمهم بنمط عيش يوافق نمطه فإنه حتى وإن جمعنا الوطن والتاريخ وربما المصير فليس من الضروري أن يجمعنا الدين، فالاختلاف سنة حميدة ولا ضير فيه إذا انتصبت الدولة حامية للحريات، وتحلى بعضنا بقدر من احترام البعض الآخر. واختلاف المشاريع الاجتماعية في تونس لا ينكره إلا جاحد وما كثرة الأحزاب إلا دليل واضح عليه وتباين المواقف من الدين حقيقة لا مراء فيها. أمام وجود أناس اختاروا عدم الالتزام بما يراه غيرهم أمرا ثابتا من ثوابت الاسلام وحكما شرعيا لا يمكن التفصّي منه يأتي مقترح جعل المساواة في الميراث نظاما اضافيا اختياريا كحل مناسب لا يصادر حق المطالبين ولا الرافضين لها. فعلى أصحاب تلك المبادرة أن ينكبوا على صياغتها في شكل مشروع قانون يتقدمون به إلى مجلس نواب الشعب ومن الأرجح أن يحظى بالموافقة إذا كان ذا صبغة اختيارية يضاف إلى النظام الأصلي (المنصوص عليه في مجلة الأحوال الشخصية) ولا يكون لاغيا له وعلى أصحاب ذلك القانون أن يوضّحوا اجراءات تفعيله وان لا يتعارض مع قانون آخر. وإجرائيا يمكن لمن رضي بالمساواة في الارث أن يتوجه إلى قسم الحالة المدنية بأقرب بلدية ويقوم بملأ شهادة اختيار نظام المساواة في الميراث ويمضيها أمام ضابط الحالة المدنية حتى تدرج في خانة الملاحظات بمضمون ولادته، ثم بعد وفاته تقسم تركته وفق اختياره ويمكن توظيف طابع جبائي على تلك الوثيقة. لهذا المقال تتمج تناولت فيها المقاربات الفكرية والفقهية وكذلك الدستورية والقانونية وبينت المبررات الواقعية.

بقلم عبد الكريم عمّار
شمـــوع تحتـــرق
16 أكتوبر 2017 السّاعة 21:00
في حوار جمعني في أحد النوادي الثقافية بأحد الأساتذة بتونس العاصمة بالأمس القريب وقد تحامل على المعلّمين...
المزيد >>
البناءات المدرسية والتصوّر الهندسي المعماري
16 أكتوبر 2017 السّاعة 21:00
يتناول هذا المقال أهمية البناءات المدرسية وعلاقتها بالنجاح المدرسي وبالمناخ الدراسي العام وبجودة التواصل...
المزيد >>
قراءة أولية في مشروع قانون الجماعات العمومية المحلية (1 ـ 3)
16 أكتوبر 2017 السّاعة 21:00
تتطرق هذه الورقة لمؤسسة المجلس البلدي والمجلس الجهوي كما اقترحها مشروع القانون الحالي لجماعات المحلية...
المزيد >>
حسابات استباقية للمصالحة الفلسطينية
16 أكتوبر 2017 السّاعة 19:39
كتب الاستاذ بالجامعة التونسية ومنسق شبكة باب المغاربة للدراسات الاستراتيجية صلاح الداودي نصا تلقت الشروق ...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
فاطمة بن عبد الله الكرّاي
كلام... في «العقل» السياسي العربي...
ليست المرّة الأولى التي تثبت فيها الاحداث، أن النظام الرسمي العربي، لا يتقن فنّ السياسة... ولا يفقه «البراغماتية» التي تمكّن الأنظمة السياسية من تخليص بلدانها من الأزمات...
المزيد >>