مقدمــــات للمطـــر .. «طريقي إلى الحرية» للدكتور حمادي صمود: (2/2) ..شهادات نادرة عن «القرمادي» و«بكار» و «فوكو» وغيرهم..
نورالدين بالطيب
«الحرقة»... ثقافة العمل ... والتكوين المهني !
آلاف الشبان يلتهمهم البحر كل عام في قوارب الموت حالمين بـ«الجنة» الاوروبية ومن ينجو منهم من الموت غرقا تستقبله السجون والارصفة الاوروبية الباردة واغلبهم من العاجزين عن الاندماج...
المزيد >>
مقدمــــات للمطـــر .. «طريقي إلى الحرية» للدكتور حمادي صمود: (2/2) ..شهادات نادرة عن «القرمادي» و«بكار» و «فوكو» وغيرهم..
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 04 أكتوبر 2017

في مقدمات الأسبوع الماضي توقفنا مبتهجين بالإصدار الجديد للدكتور»حمادي صمود» «طريقي إلى الحرية» الذي أعاد للنفس نخوتها بمكانة الكتاب في المطلق واستمراره ملكا متوجا على عرش المعرفة رغم التحديات الزائفة والمتوحشة لما يسمى جزافا بثورة «السوسيال ميديا» «وترهات الفيسبوك» وما تسببت فيه من مآس للبشرية.
قلنا «طريقي إلى الحرية» هو في الظاهر كتاب سيرة ذاتية للمؤلف، ولكنه في الواقع عندما نتوغل في أبوابه ونترحل على صفحاته نجد أن السيرة سيرات، سيرة نجل الفقير (المؤلف) ووالدته التي رغم جهلها الكتابة والقراءة فهي من أشد المؤمنين بأن المعرفة هي سبيل الإنسان إلى الخروج من دوائر الفقر والجهل وبالتالي المضي والانعتاق نحو مجالات الحرية والحياة الكريمة... والكتاب كذلك اعتراف بدور دولة الاستقلال ومدرستها الوطنية وما قدمته للمؤلف ولجيله من أبناء البحارة والفلاحين البسطاء من فضل، جعلهم يغادرون منزلة البؤس الإنساني إلى منزلة الحياة الكريمة والرفاه الاجتماعي... في هذه المقدمات سنلج مع المؤلف أبواب الجامعة التونسية وخاصة كلية الآداب 9 أفريل ودار المعلمين العليا أما الزمن فهو أواخر الستينات من القرن الماضي... في هاتين المؤسستين الرائدتين، كانت الحال في أروقة كليات العلم وفي قاعاتها ومدارجها في تلك الفترة غير الحال، وكان الأساتذة اعلاما والطلبة مناضلين أما العطش للمعرفة فهو بلا حدود.
مما يلفت النظر ومما هو حري بإثباته وإعادة إبرازه اليوم هذه الشهادات التي يقدمها المؤلف اليوم وبعد ما يناهز الأربعين سنة عن نسق التعلم والبحث الذي كانت تسير عليه الجامعة في تلك الأيام، وصولا إلى نظرية المعرفة وماهيتها من ذلك مثلا إن التاريخ ليس إخبارا عن الدول والملوك وعما يجد في نشأتها أو تراجعها من أحداث تكون حاسمة في هذا الاتجاه أو في ذلك وإنما هو أيضا تاريخ نظم ومؤسسات وطرق عيش وتبادل لعلها أصدق أنباء عن عنوان الملك وأوجه أو ترهله وضعفه من الأحداث. ويذكر المؤلف هنا بأن «درس أستاذنا فرحات الدشراوي، رحمة الله عليه عن مؤسسات الخلافة الأموية بالأندلس درس أذكر بعد نصف قرن كل تفاصيله وكل ما جد من حديث بيننا وبينه بمناسبة استعراض المؤسسات واحدة بعد الأخرى».
ويذكر الدكتور «صمود» أن أهم منعرج معرفي يعيشه الطالب في تلك الفترة بانتقاله إلى الجامعة يتمثل في الدعوة إلى ضرورة الرجوع إلى النصوص الأصول مصادر المعرفة وعدم الاكتفاء بالمراجع والدراسات المبنية عليها. ذلك أن هذه الأخيرة لا تعدو أن تكون تعبيرا عن آراء أصحابها وقراءاتهم لها ومذاهب تأويلها تختلف باختلاف ما لأصحابها من تمرس بهذه الأصول وسعة اطلاع على ميدان اختصاصها... ويرى صاحب الكتاب أن الدخول الى الجامعة كان كذلك بداية الانفتاح أمام طلبة ذلك الزمن على الفكر النقدي وتراجع فكرة «الإمامة» وسلطة المكتوب مع التفطن إلى أن كثيرا من الكتب لا تضيف الى المعرفة شيئا ولا فضل لأصحابها إلا تحبيرها والدفع بها إلى القراء خارج كل تصور عن المعرفة ومقتضياتها.
و مما جاء في هذا المجال ما ذكره المؤلف عن الكتاب العربي قياسا بكتب الفرنجة حيث يرى الدكتور صمود أن سياقات البحث في الجامعة جعلته يتفطن إلى «أن الكتاب العربي يكتب عامة وصاحبه يجهل أو يتجاهل الكتب المكتوبة قبله في موضوعه ولا يحيل عليها إلا في النادر حتى كأن كل كتاب منها فاتحة موضوعه وبدؤه وتاريخه.وليس الأمر كذلك في الفرنجة وفي دراساتها بالخصوص فكثيرا ما تكون الهوامش والإحالات فيها في قيمة النص إن لم تتجاوزها..» ويصل المؤلف بنا هنا إلى تحديد نظرية المعرفة... وهي نظرية نشترك معه فيها ونعمل على انتشارها بين المولعين بالبحث والإبداع ومضمار ذلك أن كل كتابة هي بناء على ما سبق وإن كان يدحضه وبيان تهافت ما بني عليه من مقالات... وهذا ما يسمى بمصطلح جار في الاستعمال ولكنه عزيز المنال وهو «التراكم»... ويمضي الدكتور» صمود» موضحا شروط المعرفة فيرى بأنها ليست عودا على بدء وإنجازا غير مسبوق وإنما هي «الجهد ينضاف إلى الجهد وإن لم يكن منسجما معه وعلى منوال غير منواله وإن بناء المعرفة عملية نقاش ومناظرة يصل إلى حد الجدل وتأسيس على ما سبق. والتقدم في مجالها والنفاذ إلى أوساعها مرتبط بهذا التراكم الذي يختصر الوقت ويمكن من تجنب المسالك غير المؤدية والنظريات العقيمة...»
والطريف في الكتاب كذلك ما جاء على لسان المؤلف من شهادات نادرة أصحابها أساتذة رواد كانوا ينحون مناحي تجديدية مستفيدين من الدراسات والمناهج والنظريات الحديثة التي عادوا بها من الجامعات الفرنسية. وفي هذا المجال يقول المؤلف متحدثا عن الأستاذ المرحوم «صالح القرمادي»... وصلتنا أصداء عالية الوقع عن أستاذ من أساتذة هذه الشهادة- ويقصد شهادة الدراسات العليا في النحو العربي وفقه اللغة-يتناول مسائل اللغة تناولا يثير الدهشة. ويقول في اللغة أقوالا لم يسبق للمتعلمين بها علم. ويحسن من اللغات أكثر ممّا يحسن غيره، وله في تصريف العربية فصاحة تستمد بيانها من البساطة والابتعاد عن التعقيد والتحذلق.ثم إنه إلى كل ذلك طريف فيما يسوق من أمثله قريب من طلبته دون أن يجرؤ أحد منهم على تجاوز الحدود التي تفرضها عليه شخصيته...إلى أن يقول فكنا نفرع، بآمالنا إلى معرفته ولكن لم يتم لنا ذلك فاكتفينا بإسمه «صالح القرمادي».
وللعلم فقد كان القرمادي في تلك الفترة يدرس علم الأصوات عامة وعلم أصوات العربية خاصة. كما درس تفسير القرآن للبيضاوي ودرّس مادة النقل من العربية إلى الإنقليزية. فهو المبرز في اللغة العربية وآدابها والمجاز في الإنقليزية...والشاعر وديوانه الشهير «اللحمة الحية» والمبشر مع زميله «توفيق بكار» بالنظريات الحديثة في نقد الرواية والشعر والأدب عموما. ويذكر المؤلف أنه التقى وهو طالب الأستاذ «توفيق بكار» لأول مرة في سهرة عقدها فرع الاتحاد العام لطلبة تونس بدار المعلمين العليا بين طلبة الدار وأستاذين عرفوا الأول وهو أستاذهم الذي ربطهم بجذور التحديث وأساس المنهجية الفلسفية التي مثلتها دروس «دي سوسير» في اللسانيات العامة وهو الأستاذ «صالح القرمادي» أما الثاني فقد حدثهم عنه ما كان يدرسهم بالمعاهد الثانوية بضاحية رادس أما إسمه فهو «توفيق بكار» الذي سيكون له شأن كبير في تاريخ الجامعة والثقافة التونسية.
يقول الدكتور صمود بأن الأستاذ «بكار» كان معه في تلك السهرة كتاب لـ«رولان بارط» هو كتاب s/z ويبدو أن الأستاذ «بكار» تحدث في تلك المرة بهدوئه المعهود وبعيدا عن لهجة الدعوة والانتصار عما يدور في الأوساط الجامعية والثقافية الفرنسية من تطلع إلى التغيير وتجاوز النهج الأكاديمي في التعامل مع الكتابة الأدبية.
وعموما تلك الموجة التي أعطتها ثورة الطلاب في ماي 1968. ويقول د.صمود إن بعض الطلاب ممن حضروا هذه السهرة أصدروا بعد ذلك بيانا فيه تعبير مبدئي عن عدم كفاية ما يطبق من المناهج في دراسة الأدب في الجامعة ولا سيما الأدب العربي. ثم أصدروا عددا من مجلة ثقافية تونسية سنة 1968 فيه إشارة وأحاديث عن مسالك التجديد.
وليس بعيدا عن قسم العربية كانت الكلية تعيش أجواء التجديد والتحديث وكان يدرس فيها ويتردد عليها أعلام من الشرق والغرب ومن هؤلاء الإعلام «ميشال فوكو» الفيلسوف الفرنسي ذائع الشهرة وعالي المكانة وصاحب الكتاب الشهير في تلك الفترة «الكلمات والأشياء» ويورد د.حمادي صمود شهادة تخص «ميشال فوكو» فيقول:»..أذكر..أننا كنا نراه في منعطفات الممرات برأسه المائل إلى الاستطالة الحليق ونتوء علماء الرياضيات في مؤخرة رأسه ولونه الأشقر الشاحب ولباسه البسيط.. نراه متكئا إلى نافذة من النوافذ يواصل حديثا بدأه مع طالب أو طالبة خارج الدرس. ثم كنا نحضر درسه العام الذي حلل فيه رسوما من مشاهير الرسامين وكان يحضرها جمهور غفير فيهم بعض ساسة البلاد والمتولين أمرها...»
الدكتور يقدم في كتابه «طريقي إلى الحرية» شهادات تاريخية هامة أخرى عن شخصيات رائدة أمثال «الشاذلي بويحيى» و«عبد القادر المهيري» و«محمد الطالبي» و«محمد اليعلاوي» و«أحمد عبد السلام» و«فرحات الدشراوي» و«منجي الشملي» وعن معالم لعبت دورا علميا هاما على غرار مكتبة «ابلا» و«جان فونتان»»...
والواقع أن الجامعة التي يتحدث عنها الكتاب قد خرجت في تلك الفترة تيارات التجديد والتحديث من أسوارها لتؤثر في المسار الثقافي والاجتماعي العام. ومن ذلك ظهور تيارات تجديدية في الأدب والثقافة عموما تكرست في مجموعات وتيارات أمثال تيار الطليعة الأدبية وجماعة قصيدة النثر والمسرح الجديد وسينما ورسم الثمانينات والتعبيرات الغنائية التجريدية وغيرها. ذلك هو حال الجامعة في ذلك الزمن عندما كانت تقود المجتمع وتفتح أبواب نهضته وتحولاته.
أما حال الجامعة اليوم فهي في أروقة المحاكم ومع ترهات الفيسبوك !..

يكتبها: محمد أحمد القابسي
وخزة
19 أكتوبر 2017 السّاعة 21:00
تطالعنا وسائل الإعلام يوميا بأخبار عن كشف مستودعات مخصّصة لإعداد «سموم» يتناولها التونسيون في بطونهم، لعلّ...
المزيد >>
أولا وأخيرا:«الخليفة عليه»
18 أكتوبر 2017 السّاعة 21:00
هوّن عليك يا غريب الحال في موطنه حيث لا الناس هم الناس ولا الوجوه هي الوجوه ولا القلوب هي القلوب ولا النفوس...
المزيد >>
مقدمات للمطر:هل تحققت لتونس على امتداد سبعين سنة سياسات ثقافية ؟
18 أكتوبر 2017 السّاعة 21:00
في كتابه الجديد الصادر منذ أيام عن دار سحر للنشر يطرح «د.علي بن العربي» سؤالا محوريا هاما يمكن إعادة طرحه...
المزيد >>
وخزة
18 أكتوبر 2017 السّاعة 21:00
زيت الحاكم... هذه المادة التي لا تغيب عن طعام أصبحت محل مضاربة واحتكار... بل أضحت تباع خلسة للأحباب والاصدقاء...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
مقدمــــات للمطـــر .. «طريقي إلى الحرية» للدكتور حمادي صمود: (2/2) ..شهادات نادرة عن «القرمادي» و«بكار» و «فوكو» وغيرهم..
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 04 أكتوبر 2017

في مقدمات الأسبوع الماضي توقفنا مبتهجين بالإصدار الجديد للدكتور»حمادي صمود» «طريقي إلى الحرية» الذي أعاد للنفس نخوتها بمكانة الكتاب في المطلق واستمراره ملكا متوجا على عرش المعرفة رغم التحديات الزائفة والمتوحشة لما يسمى جزافا بثورة «السوسيال ميديا» «وترهات الفيسبوك» وما تسببت فيه من مآس للبشرية.
قلنا «طريقي إلى الحرية» هو في الظاهر كتاب سيرة ذاتية للمؤلف، ولكنه في الواقع عندما نتوغل في أبوابه ونترحل على صفحاته نجد أن السيرة سيرات، سيرة نجل الفقير (المؤلف) ووالدته التي رغم جهلها الكتابة والقراءة فهي من أشد المؤمنين بأن المعرفة هي سبيل الإنسان إلى الخروج من دوائر الفقر والجهل وبالتالي المضي والانعتاق نحو مجالات الحرية والحياة الكريمة... والكتاب كذلك اعتراف بدور دولة الاستقلال ومدرستها الوطنية وما قدمته للمؤلف ولجيله من أبناء البحارة والفلاحين البسطاء من فضل، جعلهم يغادرون منزلة البؤس الإنساني إلى منزلة الحياة الكريمة والرفاه الاجتماعي... في هذه المقدمات سنلج مع المؤلف أبواب الجامعة التونسية وخاصة كلية الآداب 9 أفريل ودار المعلمين العليا أما الزمن فهو أواخر الستينات من القرن الماضي... في هاتين المؤسستين الرائدتين، كانت الحال في أروقة كليات العلم وفي قاعاتها ومدارجها في تلك الفترة غير الحال، وكان الأساتذة اعلاما والطلبة مناضلين أما العطش للمعرفة فهو بلا حدود.
مما يلفت النظر ومما هو حري بإثباته وإعادة إبرازه اليوم هذه الشهادات التي يقدمها المؤلف اليوم وبعد ما يناهز الأربعين سنة عن نسق التعلم والبحث الذي كانت تسير عليه الجامعة في تلك الأيام، وصولا إلى نظرية المعرفة وماهيتها من ذلك مثلا إن التاريخ ليس إخبارا عن الدول والملوك وعما يجد في نشأتها أو تراجعها من أحداث تكون حاسمة في هذا الاتجاه أو في ذلك وإنما هو أيضا تاريخ نظم ومؤسسات وطرق عيش وتبادل لعلها أصدق أنباء عن عنوان الملك وأوجه أو ترهله وضعفه من الأحداث. ويذكر المؤلف هنا بأن «درس أستاذنا فرحات الدشراوي، رحمة الله عليه عن مؤسسات الخلافة الأموية بالأندلس درس أذكر بعد نصف قرن كل تفاصيله وكل ما جد من حديث بيننا وبينه بمناسبة استعراض المؤسسات واحدة بعد الأخرى».
ويذكر الدكتور «صمود» أن أهم منعرج معرفي يعيشه الطالب في تلك الفترة بانتقاله إلى الجامعة يتمثل في الدعوة إلى ضرورة الرجوع إلى النصوص الأصول مصادر المعرفة وعدم الاكتفاء بالمراجع والدراسات المبنية عليها. ذلك أن هذه الأخيرة لا تعدو أن تكون تعبيرا عن آراء أصحابها وقراءاتهم لها ومذاهب تأويلها تختلف باختلاف ما لأصحابها من تمرس بهذه الأصول وسعة اطلاع على ميدان اختصاصها... ويرى صاحب الكتاب أن الدخول الى الجامعة كان كذلك بداية الانفتاح أمام طلبة ذلك الزمن على الفكر النقدي وتراجع فكرة «الإمامة» وسلطة المكتوب مع التفطن إلى أن كثيرا من الكتب لا تضيف الى المعرفة شيئا ولا فضل لأصحابها إلا تحبيرها والدفع بها إلى القراء خارج كل تصور عن المعرفة ومقتضياتها.
و مما جاء في هذا المجال ما ذكره المؤلف عن الكتاب العربي قياسا بكتب الفرنجة حيث يرى الدكتور صمود أن سياقات البحث في الجامعة جعلته يتفطن إلى «أن الكتاب العربي يكتب عامة وصاحبه يجهل أو يتجاهل الكتب المكتوبة قبله في موضوعه ولا يحيل عليها إلا في النادر حتى كأن كل كتاب منها فاتحة موضوعه وبدؤه وتاريخه.وليس الأمر كذلك في الفرنجة وفي دراساتها بالخصوص فكثيرا ما تكون الهوامش والإحالات فيها في قيمة النص إن لم تتجاوزها..» ويصل المؤلف بنا هنا إلى تحديد نظرية المعرفة... وهي نظرية نشترك معه فيها ونعمل على انتشارها بين المولعين بالبحث والإبداع ومضمار ذلك أن كل كتابة هي بناء على ما سبق وإن كان يدحضه وبيان تهافت ما بني عليه من مقالات... وهذا ما يسمى بمصطلح جار في الاستعمال ولكنه عزيز المنال وهو «التراكم»... ويمضي الدكتور» صمود» موضحا شروط المعرفة فيرى بأنها ليست عودا على بدء وإنجازا غير مسبوق وإنما هي «الجهد ينضاف إلى الجهد وإن لم يكن منسجما معه وعلى منوال غير منواله وإن بناء المعرفة عملية نقاش ومناظرة يصل إلى حد الجدل وتأسيس على ما سبق. والتقدم في مجالها والنفاذ إلى أوساعها مرتبط بهذا التراكم الذي يختصر الوقت ويمكن من تجنب المسالك غير المؤدية والنظريات العقيمة...»
والطريف في الكتاب كذلك ما جاء على لسان المؤلف من شهادات نادرة أصحابها أساتذة رواد كانوا ينحون مناحي تجديدية مستفيدين من الدراسات والمناهج والنظريات الحديثة التي عادوا بها من الجامعات الفرنسية. وفي هذا المجال يقول المؤلف متحدثا عن الأستاذ المرحوم «صالح القرمادي»... وصلتنا أصداء عالية الوقع عن أستاذ من أساتذة هذه الشهادة- ويقصد شهادة الدراسات العليا في النحو العربي وفقه اللغة-يتناول مسائل اللغة تناولا يثير الدهشة. ويقول في اللغة أقوالا لم يسبق للمتعلمين بها علم. ويحسن من اللغات أكثر ممّا يحسن غيره، وله في تصريف العربية فصاحة تستمد بيانها من البساطة والابتعاد عن التعقيد والتحذلق.ثم إنه إلى كل ذلك طريف فيما يسوق من أمثله قريب من طلبته دون أن يجرؤ أحد منهم على تجاوز الحدود التي تفرضها عليه شخصيته...إلى أن يقول فكنا نفرع، بآمالنا إلى معرفته ولكن لم يتم لنا ذلك فاكتفينا بإسمه «صالح القرمادي».
وللعلم فقد كان القرمادي في تلك الفترة يدرس علم الأصوات عامة وعلم أصوات العربية خاصة. كما درس تفسير القرآن للبيضاوي ودرّس مادة النقل من العربية إلى الإنقليزية. فهو المبرز في اللغة العربية وآدابها والمجاز في الإنقليزية...والشاعر وديوانه الشهير «اللحمة الحية» والمبشر مع زميله «توفيق بكار» بالنظريات الحديثة في نقد الرواية والشعر والأدب عموما. ويذكر المؤلف أنه التقى وهو طالب الأستاذ «توفيق بكار» لأول مرة في سهرة عقدها فرع الاتحاد العام لطلبة تونس بدار المعلمين العليا بين طلبة الدار وأستاذين عرفوا الأول وهو أستاذهم الذي ربطهم بجذور التحديث وأساس المنهجية الفلسفية التي مثلتها دروس «دي سوسير» في اللسانيات العامة وهو الأستاذ «صالح القرمادي» أما الثاني فقد حدثهم عنه ما كان يدرسهم بالمعاهد الثانوية بضاحية رادس أما إسمه فهو «توفيق بكار» الذي سيكون له شأن كبير في تاريخ الجامعة والثقافة التونسية.
يقول الدكتور صمود بأن الأستاذ «بكار» كان معه في تلك السهرة كتاب لـ«رولان بارط» هو كتاب s/z ويبدو أن الأستاذ «بكار» تحدث في تلك المرة بهدوئه المعهود وبعيدا عن لهجة الدعوة والانتصار عما يدور في الأوساط الجامعية والثقافية الفرنسية من تطلع إلى التغيير وتجاوز النهج الأكاديمي في التعامل مع الكتابة الأدبية.
وعموما تلك الموجة التي أعطتها ثورة الطلاب في ماي 1968. ويقول د.صمود إن بعض الطلاب ممن حضروا هذه السهرة أصدروا بعد ذلك بيانا فيه تعبير مبدئي عن عدم كفاية ما يطبق من المناهج في دراسة الأدب في الجامعة ولا سيما الأدب العربي. ثم أصدروا عددا من مجلة ثقافية تونسية سنة 1968 فيه إشارة وأحاديث عن مسالك التجديد.
وليس بعيدا عن قسم العربية كانت الكلية تعيش أجواء التجديد والتحديث وكان يدرس فيها ويتردد عليها أعلام من الشرق والغرب ومن هؤلاء الإعلام «ميشال فوكو» الفيلسوف الفرنسي ذائع الشهرة وعالي المكانة وصاحب الكتاب الشهير في تلك الفترة «الكلمات والأشياء» ويورد د.حمادي صمود شهادة تخص «ميشال فوكو» فيقول:»..أذكر..أننا كنا نراه في منعطفات الممرات برأسه المائل إلى الاستطالة الحليق ونتوء علماء الرياضيات في مؤخرة رأسه ولونه الأشقر الشاحب ولباسه البسيط.. نراه متكئا إلى نافذة من النوافذ يواصل حديثا بدأه مع طالب أو طالبة خارج الدرس. ثم كنا نحضر درسه العام الذي حلل فيه رسوما من مشاهير الرسامين وكان يحضرها جمهور غفير فيهم بعض ساسة البلاد والمتولين أمرها...»
الدكتور يقدم في كتابه «طريقي إلى الحرية» شهادات تاريخية هامة أخرى عن شخصيات رائدة أمثال «الشاذلي بويحيى» و«عبد القادر المهيري» و«محمد الطالبي» و«محمد اليعلاوي» و«أحمد عبد السلام» و«فرحات الدشراوي» و«منجي الشملي» وعن معالم لعبت دورا علميا هاما على غرار مكتبة «ابلا» و«جان فونتان»»...
والواقع أن الجامعة التي يتحدث عنها الكتاب قد خرجت في تلك الفترة تيارات التجديد والتحديث من أسوارها لتؤثر في المسار الثقافي والاجتماعي العام. ومن ذلك ظهور تيارات تجديدية في الأدب والثقافة عموما تكرست في مجموعات وتيارات أمثال تيار الطليعة الأدبية وجماعة قصيدة النثر والمسرح الجديد وسينما ورسم الثمانينات والتعبيرات الغنائية التجريدية وغيرها. ذلك هو حال الجامعة في ذلك الزمن عندما كانت تقود المجتمع وتفتح أبواب نهضته وتحولاته.
أما حال الجامعة اليوم فهي في أروقة المحاكم ومع ترهات الفيسبوك !..

يكتبها: محمد أحمد القابسي
وخزة
19 أكتوبر 2017 السّاعة 21:00
تطالعنا وسائل الإعلام يوميا بأخبار عن كشف مستودعات مخصّصة لإعداد «سموم» يتناولها التونسيون في بطونهم، لعلّ...
المزيد >>
أولا وأخيرا:«الخليفة عليه»
18 أكتوبر 2017 السّاعة 21:00
هوّن عليك يا غريب الحال في موطنه حيث لا الناس هم الناس ولا الوجوه هي الوجوه ولا القلوب هي القلوب ولا النفوس...
المزيد >>
مقدمات للمطر:هل تحققت لتونس على امتداد سبعين سنة سياسات ثقافية ؟
18 أكتوبر 2017 السّاعة 21:00
في كتابه الجديد الصادر منذ أيام عن دار سحر للنشر يطرح «د.علي بن العربي» سؤالا محوريا هاما يمكن إعادة طرحه...
المزيد >>
وخزة
18 أكتوبر 2017 السّاعة 21:00
زيت الحاكم... هذه المادة التي لا تغيب عن طعام أصبحت محل مضاربة واحتكار... بل أضحت تباع خلسة للأحباب والاصدقاء...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
نورالدين بالطيب
«الحرقة»... ثقافة العمل ... والتكوين المهني !
آلاف الشبان يلتهمهم البحر كل عام في قوارب الموت حالمين بـ«الجنة» الاوروبية ومن ينجو منهم من الموت غرقا تستقبله السجون والارصفة الاوروبية الباردة واغلبهم من العاجزين عن الاندماج...
المزيد >>