فصل المقال فيما بين الدّين والشّريعة من الانفصال
نورالدين بالطيب
«الحرقة»... ثقافة العمل ... والتكوين المهني !
آلاف الشبان يلتهمهم البحر كل عام في قوارب الموت حالمين بـ«الجنة» الاوروبية ومن ينجو منهم من الموت غرقا تستقبله السجون والارصفة الاوروبية الباردة واغلبهم من العاجزين عن الاندماج...
المزيد >>
فصل المقال فيما بين الدّين والشّريعة من الانفصال
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 09 أكتوبر 2017

ترى جمهرة ألاّ فرق بين «الشّريعة» و«الدّين». مترادفان بزعمهم لمسمّى «الإسلام»، غير أنّ «الدّين» هو «العقيدة» و«الشّعيرة»، و«الشّريعة» هي «الطّريقة» ممثّلة في «الواعز» (الواجبات...) و«الوازع» (العقوبات...). و«الشّريعة» جوهرها «الحدود» يرونها مضمّنة في «تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا». هكذا يلوي مُتأوّلون عنق المباني ابتغاء مُسبق المعاني وحكمهم على مسقطي «الشّريعة» بـ﴿...أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾. تلبيس يُرهِب مؤمنين بوعيد تعلّق بهاتكي قيمتي «الحياة» و«الحريّة» أُمروا بحفظهما ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ. ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ...﴾.
أكّدنا سابقا الفرق بين «الدّين» و«الشّريعة». فرق يُتاخم بحكم التّطوّر والتّحوّل التّناقض متى سِيء نظم الرّباعي المحدّد لإنتاج «المعنى»: «القرآن» و«الإنسان» و«المكان» و«الزّمان». فغالبا ما يُسقط الظّرفان الأخيران مبرّرَا التّحوّل (المكان) والتّطوّر (الزّمان) في تغافل عن أثرهما في الأوّلين وفي اختلاف «المعنى» وكأنّ «القرآن» فقط «حقيقة» ولا يعدو «الإنسان» أن يكون «واحدا» مع أنّ «القرآن» كائن «لغويّ» يفتح على «المجاز» و«الإنسان» كائن «رغبوتيّ» يصبو إلى «المصالح». و«المجاز» كما «المصالح» يؤسّسان لـ«الاختلاف» وبالتّالي تحوّل المعنى وتطوّره. ومن بديع قول عليّ في «نهج البلاغة» لخوارج طالبوه بتحكيم النّصّ: «هَذَا اَلْقُرْآنُ إِنَّمَا هُوَ خَطٌّ مَسْطُورٌ بَيْنَ اَلدَّفَّتَيْنِ لاَ يَنْطِقُ بِلِسَانٍ وَلاَ بُدَّ لَهُ مِنْ تَرْجُمَانٍ َ إِنَّمَا يَنْطِقُ عَنْهُ اَلرِّجَالُ» المظروفون بـ«الزّمان» و«المكان» وبأدوات فهم تتماوج بين «البيان» و«العرفان» و«البرهان».
بمراجعة وصايا أُمرنا بها في «شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ...» لا نجد فيها للمعنى الحادث للشّريعة نصيبا وإنّما هي حاصل «الوصايا العشر» المكرّسة للقيم أمرا ونهيا. فتلك القيم هي الشّريعة «شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ» الواجب احياؤها «أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ» الذي عنه سُئل الرّسول: «مَا الإِيمَانُ، مَا الإِسْلَامُ، مَا الإِحْسَانُ؟» فقال: «الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَلِقَائِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ الآخِرِ... الإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ المفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ... الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». هذا الحديث مركزيّ في تدقيق المعاني إذ نلاحظ ألاّ تصريح في مركّب «الدّين» الجامع لـ«الإيمان» (العقيدة) و«الإسلام» (الشعيرة) و«الإحسان» (الإخلاص) أو تلميح للشّريعة ما يؤكّد على أنّها ليست منه غاية وإن كانت فيه وسيلة لغاية أُمرنا بها: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ...» بما هو نقيض «وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ...». وإذا كان «الفحش» مرادف «القبح» فـ«العدل» اسم لـ«السّمح» الجميل في معناه. ومن ثمّة جاء «سِمحُ العبادة» لتخليص العبد من «قُبح العادة» إذ في الصّلاة قال الشّارع: «تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ»، وفي الصّوم: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»وفي الحجّ: ﴿فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ﴾، وجعل الإنفاق (الصّدقة/الزّكاة) ركنا في الإسلام يعبّر عن صدق الإيمان. فـ«الشّريعة» كـ«الشّعيرة» وسيلة لغاية هي «العدل»، ولذا تُوُعّد مؤمنون يقيمون مباني الصّلاة ويهدّون معاني العبادة: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ فاعتبروا ساهين عنها وهم فيها فاعتُبر ذاك بعض كفر «أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ المِسْكِينِ».. فليست «الشّريعة» مُسمّى «الحدود» وإنّما هي قيم إقامة العدل السّمح والنّهي عن فحش القبح.
«الدّين» يرونه «الشّريعة» والأخيرة على «الحدود» يقصرونها. ويتعامون عن أنّ الجلد والرّجم والقطع والإعدام وغيرها وسائل ردع وعقاب كانت محكّمة في العالم القديم كشرائع عرفيّة بقطع النّظر عن عقائد المجتمعات والأنظمة. واقع مُؤرّخ له بنصوص إسلاميّة، ففي «الحاوي الكبير» للماوردي نقرأ: «وَقَدْ قُطِعَ السَّارِقُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ حَكَمَ بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ». وفي «تفسير القرآن العظيم» أورد ابن كثير: «إِنَّ أَوَّلَ مَنْ قَطَعَ الْأَيْدِيَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قُرَيْشٌ قَطَعُوا رَجُلًا يُقَالُ لَهُ دُوَيْكٌ(...) كَانَ قَدْ سَرَقَ كَنْزَ الْكَعْبَةِ». والغريب رغبة مؤدلجين تأصيل «شرائع عرفيّة» في الجاهليّة ضاربة كأحكام ربّانيّة تتساوق والطّبيعة كايراد البخاري رواية عجيبة لـ«ناشيونال جيوغرافيك» أقرب عن عمرو بن ميمون قال: «رَأَيْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قِرْدَةً اجْتَمَعَ عَلَيْهَا قِرَدَةٌ، قَدْ زَنَتْ، فَرَجَمُوهَا، فَرَجَمْتُهَا مَعَهُمْ» رواية في موسوعة الحديث رغم أنّ المرويّ ليس بقول الرّسول فضلا عن أن يكون عمرو صحابيّا. والطّريف أنّ عمرو ما أخبرنا ولا البخاري تساءل كيف تمّ التّأكّد من «واقعة الزّنا القردي» فهل تابع قصّة «العشق الممنوع» بدقائقها شخصيّا أم رواها له القرد الذّكر المغدور فتعاطف مع بني جنسه برجم القردة الغادرة؟!
لنفهم موقع «الشّريعة» من «الدّين» نؤُمّ الآية «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ». قال الواحدي في «أسباب النّزول»: « نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَكَانَ يَوْمَ عَرَفَةَ بَعْدَ الْعَصْرِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ سَنَةَ عَشْرٍ» وقال ابن حجر في «فتح الباري»: «ظَاهِرُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أُمُورَ الدِّينِ كَمُلَتْ عِنْدَ هَذِهِ الْمَقَالَة، وَهِيَ قَبْلَ مَوْتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِ ثَمَانِينَ يَوْمًا...» والسّؤال الأهمّ هل نزل في الثّمانين قرآنا؟ باستقراء فنّ «آخر ما نزل» في مدوّنات «الحديث» و«التّفسير» و«علوم القرآن» يتبيّن نزول قرآن بعد إعلان إكمال الدّين. ومن آخر الآخر آيات ثلاث يصنّفونها من «الشّريعة» وهي: آية الرّبا «وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا» حسب ابن عبّاس، وآية الدَّيْن ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ... وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ...﴾ بحسب سعيد بن المسيّب، وآية الكلالة في المواريث ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلاَلَةِ﴾ بحسب البراء بن عازب. وثبوت ذلك يؤكّد أنّ «القانون» غير الشّريعة وأنّ الشّريعة غير الدّين. إذ لو كان القانون هو الشّريعة والأخيرة هي الدّين لما نزلت تلك الآيات خاصّة وأنّها تضمّنت أحكاما بعضها يشكّل مرتكزا محوريّا في المنظومة الأيديولوجيّة للبعض كعدّ شهادة المرأة نصف شهادة الرّجل. إنّ نزول هكذا آية بعد اكمال الدّين الخالد يدفع المتدبّر إلى الاستخلاص أنّ «الشّريعة» التي هي في النّصّ ليست من «الدّين».

فوزي الشّعباني (باحث تونسي)
وخزة
19 أكتوبر 2017 السّاعة 21:00
تطالعنا وسائل الإعلام يوميا بأخبار عن كشف مستودعات مخصّصة لإعداد «سموم» يتناولها التونسيون في بطونهم، لعلّ...
المزيد >>
أولا وأخيرا:«الخليفة عليه»
18 أكتوبر 2017 السّاعة 21:00
هوّن عليك يا غريب الحال في موطنه حيث لا الناس هم الناس ولا الوجوه هي الوجوه ولا القلوب هي القلوب ولا النفوس...
المزيد >>
مقدمات للمطر:هل تحققت لتونس على امتداد سبعين سنة سياسات ثقافية ؟
18 أكتوبر 2017 السّاعة 21:00
في كتابه الجديد الصادر منذ أيام عن دار سحر للنشر يطرح «د.علي بن العربي» سؤالا محوريا هاما يمكن إعادة طرحه...
المزيد >>
وخزة
18 أكتوبر 2017 السّاعة 21:00
زيت الحاكم... هذه المادة التي لا تغيب عن طعام أصبحت محل مضاربة واحتكار... بل أضحت تباع خلسة للأحباب والاصدقاء...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
فصل المقال فيما بين الدّين والشّريعة من الانفصال
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 09 أكتوبر 2017

ترى جمهرة ألاّ فرق بين «الشّريعة» و«الدّين». مترادفان بزعمهم لمسمّى «الإسلام»، غير أنّ «الدّين» هو «العقيدة» و«الشّعيرة»، و«الشّريعة» هي «الطّريقة» ممثّلة في «الواعز» (الواجبات...) و«الوازع» (العقوبات...). و«الشّريعة» جوهرها «الحدود» يرونها مضمّنة في «تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا». هكذا يلوي مُتأوّلون عنق المباني ابتغاء مُسبق المعاني وحكمهم على مسقطي «الشّريعة» بـ﴿...أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾. تلبيس يُرهِب مؤمنين بوعيد تعلّق بهاتكي قيمتي «الحياة» و«الحريّة» أُمروا بحفظهما ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ. ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ...﴾.
أكّدنا سابقا الفرق بين «الدّين» و«الشّريعة». فرق يُتاخم بحكم التّطوّر والتّحوّل التّناقض متى سِيء نظم الرّباعي المحدّد لإنتاج «المعنى»: «القرآن» و«الإنسان» و«المكان» و«الزّمان». فغالبا ما يُسقط الظّرفان الأخيران مبرّرَا التّحوّل (المكان) والتّطوّر (الزّمان) في تغافل عن أثرهما في الأوّلين وفي اختلاف «المعنى» وكأنّ «القرآن» فقط «حقيقة» ولا يعدو «الإنسان» أن يكون «واحدا» مع أنّ «القرآن» كائن «لغويّ» يفتح على «المجاز» و«الإنسان» كائن «رغبوتيّ» يصبو إلى «المصالح». و«المجاز» كما «المصالح» يؤسّسان لـ«الاختلاف» وبالتّالي تحوّل المعنى وتطوّره. ومن بديع قول عليّ في «نهج البلاغة» لخوارج طالبوه بتحكيم النّصّ: «هَذَا اَلْقُرْآنُ إِنَّمَا هُوَ خَطٌّ مَسْطُورٌ بَيْنَ اَلدَّفَّتَيْنِ لاَ يَنْطِقُ بِلِسَانٍ وَلاَ بُدَّ لَهُ مِنْ تَرْجُمَانٍ َ إِنَّمَا يَنْطِقُ عَنْهُ اَلرِّجَالُ» المظروفون بـ«الزّمان» و«المكان» وبأدوات فهم تتماوج بين «البيان» و«العرفان» و«البرهان».
بمراجعة وصايا أُمرنا بها في «شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ...» لا نجد فيها للمعنى الحادث للشّريعة نصيبا وإنّما هي حاصل «الوصايا العشر» المكرّسة للقيم أمرا ونهيا. فتلك القيم هي الشّريعة «شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ» الواجب احياؤها «أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ» الذي عنه سُئل الرّسول: «مَا الإِيمَانُ، مَا الإِسْلَامُ، مَا الإِحْسَانُ؟» فقال: «الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَلِقَائِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ الآخِرِ... الإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ المفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ... الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». هذا الحديث مركزيّ في تدقيق المعاني إذ نلاحظ ألاّ تصريح في مركّب «الدّين» الجامع لـ«الإيمان» (العقيدة) و«الإسلام» (الشعيرة) و«الإحسان» (الإخلاص) أو تلميح للشّريعة ما يؤكّد على أنّها ليست منه غاية وإن كانت فيه وسيلة لغاية أُمرنا بها: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ...» بما هو نقيض «وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ...». وإذا كان «الفحش» مرادف «القبح» فـ«العدل» اسم لـ«السّمح» الجميل في معناه. ومن ثمّة جاء «سِمحُ العبادة» لتخليص العبد من «قُبح العادة» إذ في الصّلاة قال الشّارع: «تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ»، وفي الصّوم: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»وفي الحجّ: ﴿فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ﴾، وجعل الإنفاق (الصّدقة/الزّكاة) ركنا في الإسلام يعبّر عن صدق الإيمان. فـ«الشّريعة» كـ«الشّعيرة» وسيلة لغاية هي «العدل»، ولذا تُوُعّد مؤمنون يقيمون مباني الصّلاة ويهدّون معاني العبادة: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ فاعتبروا ساهين عنها وهم فيها فاعتُبر ذاك بعض كفر «أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ المِسْكِينِ».. فليست «الشّريعة» مُسمّى «الحدود» وإنّما هي قيم إقامة العدل السّمح والنّهي عن فحش القبح.
«الدّين» يرونه «الشّريعة» والأخيرة على «الحدود» يقصرونها. ويتعامون عن أنّ الجلد والرّجم والقطع والإعدام وغيرها وسائل ردع وعقاب كانت محكّمة في العالم القديم كشرائع عرفيّة بقطع النّظر عن عقائد المجتمعات والأنظمة. واقع مُؤرّخ له بنصوص إسلاميّة، ففي «الحاوي الكبير» للماوردي نقرأ: «وَقَدْ قُطِعَ السَّارِقُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ حَكَمَ بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ». وفي «تفسير القرآن العظيم» أورد ابن كثير: «إِنَّ أَوَّلَ مَنْ قَطَعَ الْأَيْدِيَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قُرَيْشٌ قَطَعُوا رَجُلًا يُقَالُ لَهُ دُوَيْكٌ(...) كَانَ قَدْ سَرَقَ كَنْزَ الْكَعْبَةِ». والغريب رغبة مؤدلجين تأصيل «شرائع عرفيّة» في الجاهليّة ضاربة كأحكام ربّانيّة تتساوق والطّبيعة كايراد البخاري رواية عجيبة لـ«ناشيونال جيوغرافيك» أقرب عن عمرو بن ميمون قال: «رَأَيْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قِرْدَةً اجْتَمَعَ عَلَيْهَا قِرَدَةٌ، قَدْ زَنَتْ، فَرَجَمُوهَا، فَرَجَمْتُهَا مَعَهُمْ» رواية في موسوعة الحديث رغم أنّ المرويّ ليس بقول الرّسول فضلا عن أن يكون عمرو صحابيّا. والطّريف أنّ عمرو ما أخبرنا ولا البخاري تساءل كيف تمّ التّأكّد من «واقعة الزّنا القردي» فهل تابع قصّة «العشق الممنوع» بدقائقها شخصيّا أم رواها له القرد الذّكر المغدور فتعاطف مع بني جنسه برجم القردة الغادرة؟!
لنفهم موقع «الشّريعة» من «الدّين» نؤُمّ الآية «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ». قال الواحدي في «أسباب النّزول»: « نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَكَانَ يَوْمَ عَرَفَةَ بَعْدَ الْعَصْرِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ سَنَةَ عَشْرٍ» وقال ابن حجر في «فتح الباري»: «ظَاهِرُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أُمُورَ الدِّينِ كَمُلَتْ عِنْدَ هَذِهِ الْمَقَالَة، وَهِيَ قَبْلَ مَوْتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِ ثَمَانِينَ يَوْمًا...» والسّؤال الأهمّ هل نزل في الثّمانين قرآنا؟ باستقراء فنّ «آخر ما نزل» في مدوّنات «الحديث» و«التّفسير» و«علوم القرآن» يتبيّن نزول قرآن بعد إعلان إكمال الدّين. ومن آخر الآخر آيات ثلاث يصنّفونها من «الشّريعة» وهي: آية الرّبا «وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا» حسب ابن عبّاس، وآية الدَّيْن ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ... وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ...﴾ بحسب سعيد بن المسيّب، وآية الكلالة في المواريث ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلاَلَةِ﴾ بحسب البراء بن عازب. وثبوت ذلك يؤكّد أنّ «القانون» غير الشّريعة وأنّ الشّريعة غير الدّين. إذ لو كان القانون هو الشّريعة والأخيرة هي الدّين لما نزلت تلك الآيات خاصّة وأنّها تضمّنت أحكاما بعضها يشكّل مرتكزا محوريّا في المنظومة الأيديولوجيّة للبعض كعدّ شهادة المرأة نصف شهادة الرّجل. إنّ نزول هكذا آية بعد اكمال الدّين الخالد يدفع المتدبّر إلى الاستخلاص أنّ «الشّريعة» التي هي في النّصّ ليست من «الدّين».

فوزي الشّعباني (باحث تونسي)
وخزة
19 أكتوبر 2017 السّاعة 21:00
تطالعنا وسائل الإعلام يوميا بأخبار عن كشف مستودعات مخصّصة لإعداد «سموم» يتناولها التونسيون في بطونهم، لعلّ...
المزيد >>
أولا وأخيرا:«الخليفة عليه»
18 أكتوبر 2017 السّاعة 21:00
هوّن عليك يا غريب الحال في موطنه حيث لا الناس هم الناس ولا الوجوه هي الوجوه ولا القلوب هي القلوب ولا النفوس...
المزيد >>
مقدمات للمطر:هل تحققت لتونس على امتداد سبعين سنة سياسات ثقافية ؟
18 أكتوبر 2017 السّاعة 21:00
في كتابه الجديد الصادر منذ أيام عن دار سحر للنشر يطرح «د.علي بن العربي» سؤالا محوريا هاما يمكن إعادة طرحه...
المزيد >>
وخزة
18 أكتوبر 2017 السّاعة 21:00
زيت الحاكم... هذه المادة التي لا تغيب عن طعام أصبحت محل مضاربة واحتكار... بل أضحت تباع خلسة للأحباب والاصدقاء...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
نورالدين بالطيب
«الحرقة»... ثقافة العمل ... والتكوين المهني !
آلاف الشبان يلتهمهم البحر كل عام في قوارب الموت حالمين بـ«الجنة» الاوروبية ومن ينجو منهم من الموت غرقا تستقبله السجون والارصفة الاوروبية الباردة واغلبهم من العاجزين عن الاندماج...
المزيد >>