محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور .. تجديد الفكر الاسلامي (4)
عبد الجليل المسعودي
شبابنا ثورتنا... وثروتنا
بتحوّله أمس الى حي التضامن لتدشين المركّب الشبابي الجديد، يكون الرئيس قايد السبسي قد وضع الاصبع على أمّ المشكلات في بلادنا: الشباب.
المزيد >>
محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور .. تجديد الفكر الاسلامي (4)
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 20 أكتوبر 2017

ان تبدل الجيل وانقراض الصحابة والتابعين وهو التبدل الذي ظهر في اواخر القرن الاول من التاريخ الهجري ، انما جاء تبدلا مقتضيا لنقل العقائد الدينية او المدارك الاساسية للتعاليم الدينية من وضعها التلقائي الذي كان موقرا في النفوس الى اصل النفوس الناشئة التي لم يكن بينها لاسباب كثيرة ما كان بين الجيلين الفاضلين الى اواخر القرن الاول من تشابه المدارك والمكونات .
فلزم حينئذ ان يدخل بهذا المنهج الاسلامي الذي كان المسلمون يسيرون عليه ولا يتكلمون فيه ويجدونه ولا يصفونه وكان من الضروري ان يدخل دور الوصف الذي هو دور الكلام . وهناك نشا الكلام الذي هو عبارة عن الجدل في العقيدة لا على العقيدة فانه لا يحفى ان علم الكلام ليس معرفة العقائد وانما هو تكوين الطرق الجدلية لاثباتها .
علم الكلام :
عرف العضد في « المواقف « علم الكلام بقوله : « ملكة يقتدر بها على اثبات العقائد الدينية بايراد الحجج ودفع الشبه « . وعرفه سعد الدين التفتازاني في « المقاصد « اختصارا لهذا المعنى بقوله « العلم بالعقائد الدينية عن ادلتها اليقينية « .
فمعرفة العقيدة ليس موضوع علم الكلام ، فكان الذي نشأ في اواخر القرن الاول انما هو الكلام لا العقيدة . فالعقيدة كانت معروفة مؤصلة . وربما كان ثبوتها في نفوس معتقديها اقوى من ثبوتها في نفوس الذين دخلوا بها دور الجدل والكلام . ولكن الحاجة الى الكلام تولدت فتولد الكلام بتولد الحاجة اليه .
وهنا جاءت صعوبة الموقف حيث ان الذين ارادوا ان يتكلموا في العقيدة بعد ان لم يكن متكلما فيها من قبل قد وجدوا ان المدارك التي بين ايديهم انما كانت مدارك غامضة ، لان الجيل السابق لم يكن يعطي المدارك تفصيلا ، ولم يكن يقررها تقريرا ، ولم يكن يستدل عليها استدلالا فاذا اردنا ان نقررها وان نفصلها وان نستدل عليها فاننا لا محالة سندخل عليها عنصرا لم يكن رائجا ولم يكن معروفا عند السلف الفاضل فلزم ان يستعان بمدارك جديدة ومنها ما هي مدركات طبيعية ومنها ما هي مدركات بيانية ولذلك كان المتكلمون الاولون معدودين في عداد الخطباء وناهيكم بواصل بن عطاء .
ومنها مدارك من المعارف الاجنبية والحكم التي بدأت تشيع في اوائل القرن الثاني في مجال المعارف الاسلامية ، ومجال اللغة العربية مما لم يأت به الدين ووجد المتكلمون انفسهم في حاجة الى الاستعانة به كمدرك من المدارك ، او عنصر من عناصر المدارك لاثبات الحقائق الدينية التي ارادوا اثباتها من طريق التقرير والتفصيل والتعديل .
وفي هذا الموقف الجديد ، وهو موقف نشأة علم الكلام في اواخر القرن الاول واوائل القرن الثاني ، تناول المتكلمون بمداركهم العقلية الجديدة ومداركهم البيانية ومداركهم التي هي من مقتضى الفطرة السليمة تناولوا العقائد التي كانت مقررة بدون تفصيل ولا تعليل ليفصلوها ويعللوها ، ولان يمسكوها بهذه الالات الجديدة التي اخذوها اما من طبيعة العقل الانساني واما من طبيعة البيان واما من اثار الحكم المختلفة .
فكان نتيجة ذلك انهم استطاعوا ان يحكموا الكثير مما ارادوا ان يتناولوه من العقائد ، وان يتناولوه تناولا سليما بالالات الجديدة التي وضعوها ، وانهم في ناحية اخرى قد تفلتت عنهم كثير من الحقائق فلم يستطيعوا احكام امساكها او تكسرت او تشعبت بين الالات التي ارادوا ان يمسكوها بها ، مما لم يكن منطبعا عليها ولا منطبعة عليه .
وهنا اقدم اصحاب الالات الجديدة وهم علماء الكلام على ان يتناولوا جميع المسائل الدينية الاعتقادية بالالات الجديدة التي وضعوها فاطمأنوا الى انهم تناولوا كل شيء . ولكن الناظرين اليهم قد حكموا عليهم بالتفصيل . حكموا عليهم بانهم استطاعوا ان يحكموا شيئا ويفلت منهم شيء اخر فجاء الاحتياط في فكر الناظرين الناقدين بين ما عهدوا وبين ما وجدوا .
مواقف وفرق
فالذي عهدوه من المبادئ الاسلامية التي تبدو في العقيدة ، والتي هي مبنية على المنهج التوجيهي النظري ، يختلف في امور كثيرة مع ما وجدوا من مقالات المتكلمين . فالمتكلمون اطمأنوا الى ما وجدوا ولم يبالوا بمطابقة ما وجدوا لما عهد الناس . والناس وجدوا الانحراف عن بعض ما عهدوا ، فتركوا الكلام واعرضوا عنه وتمسكوا بالامر الذي عهدوا ، ولم يقيموا وزنا لما وجدوا فنشأ التقابل بين المنهجين وهما منهج السنة ومنهج الاعتزال .
وتوقف الجمهور امام هذا التقابل فتمسكوا بالسنة ولم يقبلوا ان يتركوا ما عهدوا من امر دينهم وتعجب اولئك الباحثون من اعراض الجمهور عنهم فتمسكوا بمقالاتهم وهم مطمئنون الى انهم تناولوا ما كان يحكم الناس عليهم بانهم لم يحكموا تناوله .
وبدأت المناظرات والمجادلات التي كانت عبارة عن هجوم كلامي جدلي قوي من طرف المتكلمين على الذين احجموا وامتنعوا من سلوك هذا المسلك الكلامي الجديد . واصبح الناس في القرن الثاني بين رجلين بين رجل واقف لا يريد اي يسير في طريق التقرير والتعليل ، وهم جمهور المسلمين الذين يسمون اهل السنة والجماعة ، وبين رجل سادر ذاهب في سبيل التعليل والتقرير سواء استطاع ان يحكم الامور على وجهها او لزمه ان يرغمها بعض الارغام بالنسبة الى تلك المتفلتات وهذا الرجل السادر هو الذي يمثله المتكلمون .
يتبع

ملف الأسبوع .. كيف حقّق الإسلام التوازن النفسي؟
12 جانفي 2018 السّاعة 21:00
كثيراً ما تسيطر على الإنسان الهواجس والأفكار السلبية التي قد تقوده إلى الإصابة بالتوتر والقلق، وإذا أهمل...
المزيد >>
التوازن النفسي روح العقيدة الإسلاميــــة
12 جانفي 2018 السّاعة 21:00
راعى الإسلام الإنسان في أبعاده الثلاثة، الجسد والروح والعقل، فلم يهمل أياً منها ولم يهتم بجانب على حساب...
المزيد >>
الإسلام عالج كل أنواع القلق النفسي
12 جانفي 2018 السّاعة 21:00
لاشك أن حياة الإنسان في هذا العصر قد اتسمت بالتوتر فرغم التقدم العلمي وتوفر كل مستلزمات حياة الرفاهة وأدوات...
المزيد >>
محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور .. الإسلام دين العلم (2)
12 جانفي 2018 السّاعة 21:00
أصبحت الدعوة الاسلامية متجهة الى تصحيح المعارف البشرية وتمحيصها. وهذا التصحيح والتمحيص انما يرجع الى فحص...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور .. تجديد الفكر الاسلامي (4)
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 20 أكتوبر 2017

ان تبدل الجيل وانقراض الصحابة والتابعين وهو التبدل الذي ظهر في اواخر القرن الاول من التاريخ الهجري ، انما جاء تبدلا مقتضيا لنقل العقائد الدينية او المدارك الاساسية للتعاليم الدينية من وضعها التلقائي الذي كان موقرا في النفوس الى اصل النفوس الناشئة التي لم يكن بينها لاسباب كثيرة ما كان بين الجيلين الفاضلين الى اواخر القرن الاول من تشابه المدارك والمكونات .
فلزم حينئذ ان يدخل بهذا المنهج الاسلامي الذي كان المسلمون يسيرون عليه ولا يتكلمون فيه ويجدونه ولا يصفونه وكان من الضروري ان يدخل دور الوصف الذي هو دور الكلام . وهناك نشا الكلام الذي هو عبارة عن الجدل في العقيدة لا على العقيدة فانه لا يحفى ان علم الكلام ليس معرفة العقائد وانما هو تكوين الطرق الجدلية لاثباتها .
علم الكلام :
عرف العضد في « المواقف « علم الكلام بقوله : « ملكة يقتدر بها على اثبات العقائد الدينية بايراد الحجج ودفع الشبه « . وعرفه سعد الدين التفتازاني في « المقاصد « اختصارا لهذا المعنى بقوله « العلم بالعقائد الدينية عن ادلتها اليقينية « .
فمعرفة العقيدة ليس موضوع علم الكلام ، فكان الذي نشأ في اواخر القرن الاول انما هو الكلام لا العقيدة . فالعقيدة كانت معروفة مؤصلة . وربما كان ثبوتها في نفوس معتقديها اقوى من ثبوتها في نفوس الذين دخلوا بها دور الجدل والكلام . ولكن الحاجة الى الكلام تولدت فتولد الكلام بتولد الحاجة اليه .
وهنا جاءت صعوبة الموقف حيث ان الذين ارادوا ان يتكلموا في العقيدة بعد ان لم يكن متكلما فيها من قبل قد وجدوا ان المدارك التي بين ايديهم انما كانت مدارك غامضة ، لان الجيل السابق لم يكن يعطي المدارك تفصيلا ، ولم يكن يقررها تقريرا ، ولم يكن يستدل عليها استدلالا فاذا اردنا ان نقررها وان نفصلها وان نستدل عليها فاننا لا محالة سندخل عليها عنصرا لم يكن رائجا ولم يكن معروفا عند السلف الفاضل فلزم ان يستعان بمدارك جديدة ومنها ما هي مدركات طبيعية ومنها ما هي مدركات بيانية ولذلك كان المتكلمون الاولون معدودين في عداد الخطباء وناهيكم بواصل بن عطاء .
ومنها مدارك من المعارف الاجنبية والحكم التي بدأت تشيع في اوائل القرن الثاني في مجال المعارف الاسلامية ، ومجال اللغة العربية مما لم يأت به الدين ووجد المتكلمون انفسهم في حاجة الى الاستعانة به كمدرك من المدارك ، او عنصر من عناصر المدارك لاثبات الحقائق الدينية التي ارادوا اثباتها من طريق التقرير والتفصيل والتعديل .
وفي هذا الموقف الجديد ، وهو موقف نشأة علم الكلام في اواخر القرن الاول واوائل القرن الثاني ، تناول المتكلمون بمداركهم العقلية الجديدة ومداركهم البيانية ومداركهم التي هي من مقتضى الفطرة السليمة تناولوا العقائد التي كانت مقررة بدون تفصيل ولا تعليل ليفصلوها ويعللوها ، ولان يمسكوها بهذه الالات الجديدة التي اخذوها اما من طبيعة العقل الانساني واما من طبيعة البيان واما من اثار الحكم المختلفة .
فكان نتيجة ذلك انهم استطاعوا ان يحكموا الكثير مما ارادوا ان يتناولوه من العقائد ، وان يتناولوه تناولا سليما بالالات الجديدة التي وضعوها ، وانهم في ناحية اخرى قد تفلتت عنهم كثير من الحقائق فلم يستطيعوا احكام امساكها او تكسرت او تشعبت بين الالات التي ارادوا ان يمسكوها بها ، مما لم يكن منطبعا عليها ولا منطبعة عليه .
وهنا اقدم اصحاب الالات الجديدة وهم علماء الكلام على ان يتناولوا جميع المسائل الدينية الاعتقادية بالالات الجديدة التي وضعوها فاطمأنوا الى انهم تناولوا كل شيء . ولكن الناظرين اليهم قد حكموا عليهم بالتفصيل . حكموا عليهم بانهم استطاعوا ان يحكموا شيئا ويفلت منهم شيء اخر فجاء الاحتياط في فكر الناظرين الناقدين بين ما عهدوا وبين ما وجدوا .
مواقف وفرق
فالذي عهدوه من المبادئ الاسلامية التي تبدو في العقيدة ، والتي هي مبنية على المنهج التوجيهي النظري ، يختلف في امور كثيرة مع ما وجدوا من مقالات المتكلمين . فالمتكلمون اطمأنوا الى ما وجدوا ولم يبالوا بمطابقة ما وجدوا لما عهد الناس . والناس وجدوا الانحراف عن بعض ما عهدوا ، فتركوا الكلام واعرضوا عنه وتمسكوا بالامر الذي عهدوا ، ولم يقيموا وزنا لما وجدوا فنشأ التقابل بين المنهجين وهما منهج السنة ومنهج الاعتزال .
وتوقف الجمهور امام هذا التقابل فتمسكوا بالسنة ولم يقبلوا ان يتركوا ما عهدوا من امر دينهم وتعجب اولئك الباحثون من اعراض الجمهور عنهم فتمسكوا بمقالاتهم وهم مطمئنون الى انهم تناولوا ما كان يحكم الناس عليهم بانهم لم يحكموا تناوله .
وبدأت المناظرات والمجادلات التي كانت عبارة عن هجوم كلامي جدلي قوي من طرف المتكلمين على الذين احجموا وامتنعوا من سلوك هذا المسلك الكلامي الجديد . واصبح الناس في القرن الثاني بين رجلين بين رجل واقف لا يريد اي يسير في طريق التقرير والتعليل ، وهم جمهور المسلمين الذين يسمون اهل السنة والجماعة ، وبين رجل سادر ذاهب في سبيل التعليل والتقرير سواء استطاع ان يحكم الامور على وجهها او لزمه ان يرغمها بعض الارغام بالنسبة الى تلك المتفلتات وهذا الرجل السادر هو الذي يمثله المتكلمون .
يتبع

ملف الأسبوع .. كيف حقّق الإسلام التوازن النفسي؟
12 جانفي 2018 السّاعة 21:00
كثيراً ما تسيطر على الإنسان الهواجس والأفكار السلبية التي قد تقوده إلى الإصابة بالتوتر والقلق، وإذا أهمل...
المزيد >>
التوازن النفسي روح العقيدة الإسلاميــــة
12 جانفي 2018 السّاعة 21:00
راعى الإسلام الإنسان في أبعاده الثلاثة، الجسد والروح والعقل، فلم يهمل أياً منها ولم يهتم بجانب على حساب...
المزيد >>
الإسلام عالج كل أنواع القلق النفسي
12 جانفي 2018 السّاعة 21:00
لاشك أن حياة الإنسان في هذا العصر قد اتسمت بالتوتر فرغم التقدم العلمي وتوفر كل مستلزمات حياة الرفاهة وأدوات...
المزيد >>
محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور .. الإسلام دين العلم (2)
12 جانفي 2018 السّاعة 21:00
أصبحت الدعوة الاسلامية متجهة الى تصحيح المعارف البشرية وتمحيصها. وهذا التصحيح والتمحيص انما يرجع الى فحص...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
عبد الجليل المسعودي
شبابنا ثورتنا... وثروتنا
بتحوّله أمس الى حي التضامن لتدشين المركّب الشبابي الجديد، يكون الرئيس قايد السبسي قد وضع الاصبع على أمّ المشكلات في بلادنا: الشباب.
المزيد >>