محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور ..تجديد الفكر الاسلامي ( 5 )
سفيان الأسود
اعترافات الوزير
مرة اخرى يعترف وزير التربية بتدني مستوى التعليم في تونس، اعتراف يأتي ليؤكد حقيقة مفزعة عشناها منذ سنوات.
المزيد >>
محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور ..تجديد الفكر الاسلامي ( 5 )
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 27 أكتوبر 2017

مضى القرنان الثاني والثالث في حرب طاحنة بين السنة الاسلامية وبين الكلام الناشئ ، وزاد هذه الحرب تسعيرا اضطهاد الحكم الذي اقترن بدعوة المعتزلة حتى استهل القرن الرابع . ونشأ في القرن الرابع رجل ثالث بين الواقف والسادر وهو الذي نسميه الماشي المتئد ، وهذا الماشي المتئد هو الذي يتمثل لنا في طريقة الامامين الاشعري والماتريدي . وهي الطريقة التي انبنت على اصول عميقة الجذور في معنى الحكمة في انها بنيت اولا على عدم التزام التقليد في النظريات الفلسفية ، التي هي مستمدة من الفلسفات الاجنبية ، وعلى البحث في الفلسفة الاجنبية بذاتها ، ولا سيما البحوث التي قام بها الاشعري والتي انتهى بها الى نظريات تعتبر مبتكرة او احياء لنظريات مهجورة في الفلسفة اليونانية كنظرية الجوهر الفرد وكنظرية ان الصفة ليست عين الذات وليست غيرها الى غير ذلك من النظريات الراجعة الى ما يسميه ارسطو بالفلسفة الاولى ، ثم الى رد الدقائق من العقيدة التي كانت متفلتة لترجع الى ما كانت عليه بدون تشعيب ولا انحراف مما تناولها من تسليط الالات التي كانت قاصرة عن ان تتناولها في الاحكام ثم التزام المحافظة على المقالات السنية يدون خروج عنها ابدا .
وبذلك تطور الكلام من الاكلام الاعتزالي الى الكلام السني ونشأت لاسناد الكلام السني نظريات اسلامية في المسائل الفلسفية العامة حين رأوا المحافظة على المقالات السنية ورأوا الانفكاك عن التقليد الاجنبي ورأوا التهجم على الفلسفة لتنقيحها وتهذيبها ورأوا ان المتفلتات قد اصبحت منتظمة غير متفلتة فتقبلوا الطريقة الاشعرية وبدأ الناس يقبلون عليها فاقبل عليها الذين كانوا واقفين وتراجع اليها كثير من السادرين اقبالا وتراجعا كانا قاضيين بان لا يأتي القرن السادس حتى تكون الطريقة الكلامية الاخرى وهي طريقة المعتزلة قد انقرضت .
وبذلك نرى ان الفكرة الاسلامية لم تبرز بصورة نيرة الا في القرن الرابع حين تهذب علم الكلام بالاهتداء الى الجمع بين المدارك العقلية التي تقرر العقيدة وتفصل بها وبين المقامات السنية التي حاد عن شيء منها المتكلمون الاولون .
ومن يومئذ منذ برزت الفكرة الاسلامية بروزها الحقيقي في القرن الرابع على يدي الاشعري والماتريدي اصبحت هذه الفكرة تعيش في عراك مع الفلسفة لان الفلسفة اليونانية قد دخلت بقضها وقضيضها في عمود التفكير العظمي فجاء الفلاسفة الاولون من بعد الكندي وخاصة الفارابي واخوان الصفاء فجعلوا غايتهم تحكيم الفلسفة اليونانية في مناهج التفكير الاسلامي ، اما على طريقة من ابعاد الفكرة الدينية تماما واعتبار الدين عملا تطبيقيا لا تفكيرا لا يتنافى مع الحكمة ولكنه يخضع لها وهي الطريقة التي حاولها الفارابي اذ جعل الدين عنصرا من عناصر السلوك المدني فقط في كتاب « احصاء العلوم «
وبين الطريقة الاخرى وهي طريقة الخلط التي حاولها اخوان الصفاء وهي ان يخلطوا العقيدة الاسلامية بالمذاهب اليونانية في الطبيعة وفيما بعد الطبيعة وفي الجسم وفي الروح وفي الفكر وفي السلوك بصفة جعلوا معها عنوان طريقتهم كما قال القفطي : انه متى انتظمت الفلسفة اليونانية والشريعة العربية فقد حصل الكمال فحينئذ هم كانوا ينظرون الى الشريعة العربية بنظرهم الى الشيء الناقص الذي لا يمكن ان يحصل له الكمال الا بامتزاجه بالفلسفة اليونانية .
وكانت طريقة الاعتزال تقوم الى جنب هاتين الطريقتين ، فهي لم تكن تبعد النظرية الدينية عن مجال النظر الحكمي ولم تكن تخلط خلط التكامل كما حاول اخوان الصفاء ولكنها كانت تعتمد طريقة التأويل فاصبحت المناهج بين ابعاد وخلط وتأويل .
ابن سينا وطريقته :
وظهر ابن سينا في القرن الخامس فحاول ان يعتدل ، فجعل الفلسفة اليونانية هي العروة التي ينبغي ان يتمسك بها . وظن انه لا داعي الى الخلاف بين مقتضيات الفلسفة وبين مقتضيات العقيدة ضرورة انه في كتاب « الاشارات « في مسائل كثيرة من مسائل المعاد والجزاء وغيرها يقرر الطريقة التي يذهب عليها هو في الغالب اختيارا للافلاطونية الحديثة ثم يقول : واذا ثبت شيء اخر من امر اخر فلا مانع منه حينئذ . فهو يرى معنى من التفكيك بين مقتضيات الفلسفة والمقتضيات الدينية كأنه يطمئن الى ان المقتضيات الدينية ان قامت على طريقة الاشراق التي يدعو اليها فقد انتهت الى الحقيقة ، والا فهي ظواهر لا مانع من ان يتمسك الناس بها ، لا سيما وقد علل ذلك بانه يعين على حسن التهذيب وعلى التكوين الخلقي للناس وانه يرى ان تلك الامور ليست بحقائق في ذاتها ولكنها ذرائع للاصلاح الانساني .
وقامت ثورة الاسلام من جديد على هذه المناهج وهي منهج الابعاد ، ومنهج الخلط ، ومنهج التأويل فجعلت ابن سينا الهدف من الثورة وذلك فيما ظهر به الامام الغزالي في كتابه « تهافت الفلاسفة « اذ بين ان الذين تمسكوا بالفلسفة اليونانية قد خلطوا بين مدركين : بين مدرك الطبيعة ومدرك ما بعد الطبيعة . فبين ان المعارف الطبيعية التجريبية لا مجال للخلاف فيها بين الدين وبين الحكمة ، وان المعارف التي تتعلق بالعلم الالهي او بما بعد الطبيعة هي التي لا بد من ان يقام فيها الفارق الواضح بين النظرية الدينية التي تستمد من اصول غير الاصول التي تستمد منها النظريات الفلسفية وبين النظريات الفلسفية التي طالما خلطت بها .
يتبع

الإسلام دعا الى المحافظة على البيئة
17 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
قد يستغرب بعض الناس اهتمام الإسلام بالبيئة وضرورة المحافظة عليها وعلى مكوناتها الأساسية مثل الشجرة ظنًّا...
المزيد >>
المحافظة على البيئة واجب شرعي
17 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
خلق الله الأرض وسخرها للإنسان وجعله خليفته عليها، وجعله المسؤول عنها وعما فيها من مخلوقات أخرى. والأرض هي...
المزيد >>
ملف الأسبوع:‎منهج الاسلام في المحافظة على البيئة
17 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
مرت خلال الايام القليلة الماضية مناسبة وطنية جليلة وهي عيد الشجرة وهي فرصة للتعرف على موقف الاسلام من...
المزيد >>
دعاء من القرآن الكريم
17 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ الفرقان (65)
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور ..تجديد الفكر الاسلامي ( 5 )
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 27 أكتوبر 2017

مضى القرنان الثاني والثالث في حرب طاحنة بين السنة الاسلامية وبين الكلام الناشئ ، وزاد هذه الحرب تسعيرا اضطهاد الحكم الذي اقترن بدعوة المعتزلة حتى استهل القرن الرابع . ونشأ في القرن الرابع رجل ثالث بين الواقف والسادر وهو الذي نسميه الماشي المتئد ، وهذا الماشي المتئد هو الذي يتمثل لنا في طريقة الامامين الاشعري والماتريدي . وهي الطريقة التي انبنت على اصول عميقة الجذور في معنى الحكمة في انها بنيت اولا على عدم التزام التقليد في النظريات الفلسفية ، التي هي مستمدة من الفلسفات الاجنبية ، وعلى البحث في الفلسفة الاجنبية بذاتها ، ولا سيما البحوث التي قام بها الاشعري والتي انتهى بها الى نظريات تعتبر مبتكرة او احياء لنظريات مهجورة في الفلسفة اليونانية كنظرية الجوهر الفرد وكنظرية ان الصفة ليست عين الذات وليست غيرها الى غير ذلك من النظريات الراجعة الى ما يسميه ارسطو بالفلسفة الاولى ، ثم الى رد الدقائق من العقيدة التي كانت متفلتة لترجع الى ما كانت عليه بدون تشعيب ولا انحراف مما تناولها من تسليط الالات التي كانت قاصرة عن ان تتناولها في الاحكام ثم التزام المحافظة على المقالات السنية يدون خروج عنها ابدا .
وبذلك تطور الكلام من الاكلام الاعتزالي الى الكلام السني ونشأت لاسناد الكلام السني نظريات اسلامية في المسائل الفلسفية العامة حين رأوا المحافظة على المقالات السنية ورأوا الانفكاك عن التقليد الاجنبي ورأوا التهجم على الفلسفة لتنقيحها وتهذيبها ورأوا ان المتفلتات قد اصبحت منتظمة غير متفلتة فتقبلوا الطريقة الاشعرية وبدأ الناس يقبلون عليها فاقبل عليها الذين كانوا واقفين وتراجع اليها كثير من السادرين اقبالا وتراجعا كانا قاضيين بان لا يأتي القرن السادس حتى تكون الطريقة الكلامية الاخرى وهي طريقة المعتزلة قد انقرضت .
وبذلك نرى ان الفكرة الاسلامية لم تبرز بصورة نيرة الا في القرن الرابع حين تهذب علم الكلام بالاهتداء الى الجمع بين المدارك العقلية التي تقرر العقيدة وتفصل بها وبين المقامات السنية التي حاد عن شيء منها المتكلمون الاولون .
ومن يومئذ منذ برزت الفكرة الاسلامية بروزها الحقيقي في القرن الرابع على يدي الاشعري والماتريدي اصبحت هذه الفكرة تعيش في عراك مع الفلسفة لان الفلسفة اليونانية قد دخلت بقضها وقضيضها في عمود التفكير العظمي فجاء الفلاسفة الاولون من بعد الكندي وخاصة الفارابي واخوان الصفاء فجعلوا غايتهم تحكيم الفلسفة اليونانية في مناهج التفكير الاسلامي ، اما على طريقة من ابعاد الفكرة الدينية تماما واعتبار الدين عملا تطبيقيا لا تفكيرا لا يتنافى مع الحكمة ولكنه يخضع لها وهي الطريقة التي حاولها الفارابي اذ جعل الدين عنصرا من عناصر السلوك المدني فقط في كتاب « احصاء العلوم «
وبين الطريقة الاخرى وهي طريقة الخلط التي حاولها اخوان الصفاء وهي ان يخلطوا العقيدة الاسلامية بالمذاهب اليونانية في الطبيعة وفيما بعد الطبيعة وفي الجسم وفي الروح وفي الفكر وفي السلوك بصفة جعلوا معها عنوان طريقتهم كما قال القفطي : انه متى انتظمت الفلسفة اليونانية والشريعة العربية فقد حصل الكمال فحينئذ هم كانوا ينظرون الى الشريعة العربية بنظرهم الى الشيء الناقص الذي لا يمكن ان يحصل له الكمال الا بامتزاجه بالفلسفة اليونانية .
وكانت طريقة الاعتزال تقوم الى جنب هاتين الطريقتين ، فهي لم تكن تبعد النظرية الدينية عن مجال النظر الحكمي ولم تكن تخلط خلط التكامل كما حاول اخوان الصفاء ولكنها كانت تعتمد طريقة التأويل فاصبحت المناهج بين ابعاد وخلط وتأويل .
ابن سينا وطريقته :
وظهر ابن سينا في القرن الخامس فحاول ان يعتدل ، فجعل الفلسفة اليونانية هي العروة التي ينبغي ان يتمسك بها . وظن انه لا داعي الى الخلاف بين مقتضيات الفلسفة وبين مقتضيات العقيدة ضرورة انه في كتاب « الاشارات « في مسائل كثيرة من مسائل المعاد والجزاء وغيرها يقرر الطريقة التي يذهب عليها هو في الغالب اختيارا للافلاطونية الحديثة ثم يقول : واذا ثبت شيء اخر من امر اخر فلا مانع منه حينئذ . فهو يرى معنى من التفكيك بين مقتضيات الفلسفة والمقتضيات الدينية كأنه يطمئن الى ان المقتضيات الدينية ان قامت على طريقة الاشراق التي يدعو اليها فقد انتهت الى الحقيقة ، والا فهي ظواهر لا مانع من ان يتمسك الناس بها ، لا سيما وقد علل ذلك بانه يعين على حسن التهذيب وعلى التكوين الخلقي للناس وانه يرى ان تلك الامور ليست بحقائق في ذاتها ولكنها ذرائع للاصلاح الانساني .
وقامت ثورة الاسلام من جديد على هذه المناهج وهي منهج الابعاد ، ومنهج الخلط ، ومنهج التأويل فجعلت ابن سينا الهدف من الثورة وذلك فيما ظهر به الامام الغزالي في كتابه « تهافت الفلاسفة « اذ بين ان الذين تمسكوا بالفلسفة اليونانية قد خلطوا بين مدركين : بين مدرك الطبيعة ومدرك ما بعد الطبيعة . فبين ان المعارف الطبيعية التجريبية لا مجال للخلاف فيها بين الدين وبين الحكمة ، وان المعارف التي تتعلق بالعلم الالهي او بما بعد الطبيعة هي التي لا بد من ان يقام فيها الفارق الواضح بين النظرية الدينية التي تستمد من اصول غير الاصول التي تستمد منها النظريات الفلسفية وبين النظريات الفلسفية التي طالما خلطت بها .
يتبع

الإسلام دعا الى المحافظة على البيئة
17 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
قد يستغرب بعض الناس اهتمام الإسلام بالبيئة وضرورة المحافظة عليها وعلى مكوناتها الأساسية مثل الشجرة ظنًّا...
المزيد >>
المحافظة على البيئة واجب شرعي
17 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
خلق الله الأرض وسخرها للإنسان وجعله خليفته عليها، وجعله المسؤول عنها وعما فيها من مخلوقات أخرى. والأرض هي...
المزيد >>
ملف الأسبوع:‎منهج الاسلام في المحافظة على البيئة
17 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
مرت خلال الايام القليلة الماضية مناسبة وطنية جليلة وهي عيد الشجرة وهي فرصة للتعرف على موقف الاسلام من...
المزيد >>
دعاء من القرآن الكريم
17 نوفمبر 2017 السّاعة 21:00
﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ الفرقان (65)
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
سفيان الأسود
اعترافات الوزير
مرة اخرى يعترف وزير التربية بتدني مستوى التعليم في تونس، اعتراف يأتي ليؤكد حقيقة مفزعة عشناها منذ سنوات.
المزيد >>