محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور:الاخاء والحلف ( 2 ) الاسلام والشرائع الاخرى
خالد الحدّاد
من يُنقـــذ الدولــــة؟
سبع سنوات مرّت على دخول تونس تجربة سياسيّة ومجتمعية جديدة كان منطلقها ذهاب نظام الرئيس الأسبق بن علي وحل الحزب الحاكم السابق. ونهايتها اليوم خليط من ضبابية في الأداء وعجز عن نقل...
المزيد >>
محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور:الاخاء والحلف ( 2 ) الاسلام والشرائع الاخرى
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 17 نوفمبر 2017

شريعة الاسلام شريعة محكمة ، هي الخاتمة الدائمة التي لا تتعرض الى نسخ . وذلك هو معنى العصمة الذي عبر بها الامام ابو اسحاق حيث صرح بان هذه الشريعة معصومة وان الشرائع الاخرى وان تكن مشتملة على الحق ، وعلى الهدى والنور ، بحسب ما جاء في اصلها قبل ان يدخل عليها ما دخل من التحريف والتبديل فانه كان منظورا فيها الى شيء اخر يختلف عن هذا المعنى من العصمة التي هي ثابتة للدين الاسلامي وهو معنى انها شرائع جزئية مخصوصة ومؤقتة .
فمعنى كونها جزئية ان الخطاب بها ، والتكليف باحكامها ليس متوجها للخلق اجمعين . ومعنى كونها محدودة مؤقتة انها قابلة للنسخ وان بعضها يأتي مغيرا لبعض ما تقدمت به الشرائع الاخرى من الاحكام بصورة تجعل لكل حكم من الاحكام مبتدأ زمنيا ومنتهى زمنيا بصورة تجعل الاحكام فيها منسوخة غير قارة ولا محكمة ولا معصومة ، وعلى ذلك تعتبر هذه الشرائع في جزئياتها وخصوصها وانحصارها وتوقيتها ، ممهدة للشريعة الاسلامية ومتقدمة بين يديها لاجل ان تعد الجماعات البشرية ، جماعة جماعة ، على ما بين بعضها وبعض من الافتراق ومن التباين ، لتكون تلك الجماعات كلها مهيأة لليوم الذي تعلن فيه الدعوة العامة الجامعة التي تأتي بالشريعة الناسخة المحكمة المعصومة .
فالدين الاسلامي بالنسبة للاديان الاخرى هو غاية الطريق ، وهو الذي جاء كما قال الله تعالى مصدقا لها ومهيمنا عليها ، بحيث انه مصدق لما اقتضته تلك الشرائع من الاحكام والمطالب ايجابا وسلبا ولكنه مقرر ان من ذلك ما يبقى ومنه ما ينسخ ، فمقامه بالنسبة الى تلك الشرائع مقام الرقيب المعقب الذي يعتبر مهيمنا عليها ليقر منها ما هو قابل للاقرار وليزيل منها ما هو محتاج الى الازالة .
واذا كان الاسلام يعتبر غاية من بين الشرائع الاخرى ونقطة تنتهي اليها الطرق الممهدة التي تتجه نحو تلك النقطة ، فانه لذلك قدم الشرائع بين يديه لتكون تهيئة وتمهيدا . واتى هذا الدين السمح في النهاية متأخرا تأخرا يجعله متاخرا في الظاهر متقدما في الحقيقة لان تقدم غيره بين يديه انما كان تقدم الحاجب والممهد وذلك هو المعنى الذي قرره الاسلام في وصفه نفسه بانه الدين الخاتم المتقدم او المتاخر المتقدم وهو الذي اشار اليه قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الجمعة : « نحن الاخرون السابقون يوم القيامة « . وهو المعنى الذي تفنن الشعراء فيما بعد في اقتباسه من هذا المعنى الاسلامي فجعلوا من الاشياء ما يأتي مؤخرا تأخرا يقتضي له الافضلية والتقدم على الاشياء التي تقدمت في الزمن بين يديه .
تبشير الكتب السابقة
وإذا نحن تجاوزنا البشارات التي ذكرت لنا بلسان الصدق في القران العظيم والبشارات التي نقل علماؤنا النصوص المشتملة عليها من الاصول الاولى التي حرفت وصحفت واخفى بعضها واظهر بعض من العهدين القديم والجديد واقتصرنا على ما هو موجود الان بين يدي اليهود والنصارى ومتعبد به عندهم من كتب العهد القديم والعهد الجديد وجدنا بشارات كثيرة تكاد تكون صريحة في الاخبار بمقدم النبي صلى الله عليه وسلم والتهيئة لشريعته الخاتمة لا يمكن العدول بها عن هذه المحامل التي تقتضيها من معاني البشارات الا بطريقة من التكلف والتعسف هي التي سلكها اهل الكتابين في تأويلهم تلك البشارات التي تكاد تكون بشارات صريحة غير قابلة للتأويل .
وهذا المعنى من العصمة او القصد الى الدوام والخلود الذي امتازت به الديانة الاسلامية هو الذي اقتضى ان يكون المعنى الاجتماعي فيها معنى قويا ، وان يكون المعنى المدني الذي هو موجود في الشرائع الاخرى موجودا فيها بصورة اصلية اساسية وذلك لان الصبغة الدينية التي هي صبغة مشتركة بين الاديان جميعا ، لا خلاف في ذلك هي صبغة وردت في الجماعات الدينية الاخرى مشوبة بأمور اخرى ومختلطة مع عوامل ومقومات غير دينية هي التي تقومت بها تلك المجتمعات وانعقدت بها اواصر الروابط بين العناصر المؤلفة للمجتمع فكان المجتمع مؤتلفا بعوامل دينية وعوامل غير دينية ومصطبغا بصبغة دينية مشوبة غير خالصة لان اثار العامل الديني مختلطة في مظاهرها بالعوامل غير الدينية فكان من ذلك ما حصل لهذا المعنى من الاختلاط الذي وصل المعاني الدينية بالمعاني غير الدينية بصورة جعلت تلك المجتمعات معرضة الى نوع من الصراع الداخلي بين مقتضيات العوامل والمعاني التي هي خارجة عن المعنى الديني ومنفصلة عن صبغته وبين العوامل والمعاني التي هي راجعة الى المعنى الديني وغير منفصلة عنه .
أما في الدين الاسلامي فان المعنيين الديني والاجتماعي قد التحما مطلقا وتمازجا بصورة جعلت المجتمع الديني غير راجع في مقوماته الا الى عوامل على تعددها لا تخرج عن الصبغة الدينية ولا تنفصل عن العوامل والدواعي الدينية فكان من ذلك ان المعنى الديني اصبح خالصا قويا في المجتمع الاسلامي وهو مشوب غير خالص وغير قوي في المجتمعات الدينية الاخرى.
يتبع

ملف الأسبوع:مبادئ الاسلام في مكافحة آفة الفقر
15 ديسمبر 2017 السّاعة 21:00
الفقر مشكلة اجتماعية كبيرة هددت ومست المجتمعات على مرّ العصور والأزمنة وهو من أهم أسباب هلاك العديد من...
المزيد >>
المؤمن للمؤمن كالبنيان
15 ديسمبر 2017 السّاعة 21:00
قال الله جلّ وعلا في الآية الثانية من سورة المائدة (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ...
المزيد >>
العمل أفضل وسيلة لمحاربة الفقر
15 ديسمبر 2017 السّاعة 21:00
الفقر مرض خبيث إذا دخل بلدا أفسده وفتك بأهله وجوّع سكانه فتكثر فيه البطالة وتضيع الأمانة وتغيب قيمة العدالة...
المزيد >>
في مدح خير البرية
15 ديسمبر 2017 السّاعة 21:00
عيد لأنك: رحمةً وسعادةً *** بالفيض عمَّتْ ما لها شطآنُ عيدُ لأنك مُكرِم متعطف *** أنت الحبيبُ: هدية وأمانُ ختمُ...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور:الاخاء والحلف ( 2 ) الاسلام والشرائع الاخرى
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 17 نوفمبر 2017

شريعة الاسلام شريعة محكمة ، هي الخاتمة الدائمة التي لا تتعرض الى نسخ . وذلك هو معنى العصمة الذي عبر بها الامام ابو اسحاق حيث صرح بان هذه الشريعة معصومة وان الشرائع الاخرى وان تكن مشتملة على الحق ، وعلى الهدى والنور ، بحسب ما جاء في اصلها قبل ان يدخل عليها ما دخل من التحريف والتبديل فانه كان منظورا فيها الى شيء اخر يختلف عن هذا المعنى من العصمة التي هي ثابتة للدين الاسلامي وهو معنى انها شرائع جزئية مخصوصة ومؤقتة .
فمعنى كونها جزئية ان الخطاب بها ، والتكليف باحكامها ليس متوجها للخلق اجمعين . ومعنى كونها محدودة مؤقتة انها قابلة للنسخ وان بعضها يأتي مغيرا لبعض ما تقدمت به الشرائع الاخرى من الاحكام بصورة تجعل لكل حكم من الاحكام مبتدأ زمنيا ومنتهى زمنيا بصورة تجعل الاحكام فيها منسوخة غير قارة ولا محكمة ولا معصومة ، وعلى ذلك تعتبر هذه الشرائع في جزئياتها وخصوصها وانحصارها وتوقيتها ، ممهدة للشريعة الاسلامية ومتقدمة بين يديها لاجل ان تعد الجماعات البشرية ، جماعة جماعة ، على ما بين بعضها وبعض من الافتراق ومن التباين ، لتكون تلك الجماعات كلها مهيأة لليوم الذي تعلن فيه الدعوة العامة الجامعة التي تأتي بالشريعة الناسخة المحكمة المعصومة .
فالدين الاسلامي بالنسبة للاديان الاخرى هو غاية الطريق ، وهو الذي جاء كما قال الله تعالى مصدقا لها ومهيمنا عليها ، بحيث انه مصدق لما اقتضته تلك الشرائع من الاحكام والمطالب ايجابا وسلبا ولكنه مقرر ان من ذلك ما يبقى ومنه ما ينسخ ، فمقامه بالنسبة الى تلك الشرائع مقام الرقيب المعقب الذي يعتبر مهيمنا عليها ليقر منها ما هو قابل للاقرار وليزيل منها ما هو محتاج الى الازالة .
واذا كان الاسلام يعتبر غاية من بين الشرائع الاخرى ونقطة تنتهي اليها الطرق الممهدة التي تتجه نحو تلك النقطة ، فانه لذلك قدم الشرائع بين يديه لتكون تهيئة وتمهيدا . واتى هذا الدين السمح في النهاية متأخرا تأخرا يجعله متاخرا في الظاهر متقدما في الحقيقة لان تقدم غيره بين يديه انما كان تقدم الحاجب والممهد وذلك هو المعنى الذي قرره الاسلام في وصفه نفسه بانه الدين الخاتم المتقدم او المتاخر المتقدم وهو الذي اشار اليه قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الجمعة : « نحن الاخرون السابقون يوم القيامة « . وهو المعنى الذي تفنن الشعراء فيما بعد في اقتباسه من هذا المعنى الاسلامي فجعلوا من الاشياء ما يأتي مؤخرا تأخرا يقتضي له الافضلية والتقدم على الاشياء التي تقدمت في الزمن بين يديه .
تبشير الكتب السابقة
وإذا نحن تجاوزنا البشارات التي ذكرت لنا بلسان الصدق في القران العظيم والبشارات التي نقل علماؤنا النصوص المشتملة عليها من الاصول الاولى التي حرفت وصحفت واخفى بعضها واظهر بعض من العهدين القديم والجديد واقتصرنا على ما هو موجود الان بين يدي اليهود والنصارى ومتعبد به عندهم من كتب العهد القديم والعهد الجديد وجدنا بشارات كثيرة تكاد تكون صريحة في الاخبار بمقدم النبي صلى الله عليه وسلم والتهيئة لشريعته الخاتمة لا يمكن العدول بها عن هذه المحامل التي تقتضيها من معاني البشارات الا بطريقة من التكلف والتعسف هي التي سلكها اهل الكتابين في تأويلهم تلك البشارات التي تكاد تكون بشارات صريحة غير قابلة للتأويل .
وهذا المعنى من العصمة او القصد الى الدوام والخلود الذي امتازت به الديانة الاسلامية هو الذي اقتضى ان يكون المعنى الاجتماعي فيها معنى قويا ، وان يكون المعنى المدني الذي هو موجود في الشرائع الاخرى موجودا فيها بصورة اصلية اساسية وذلك لان الصبغة الدينية التي هي صبغة مشتركة بين الاديان جميعا ، لا خلاف في ذلك هي صبغة وردت في الجماعات الدينية الاخرى مشوبة بأمور اخرى ومختلطة مع عوامل ومقومات غير دينية هي التي تقومت بها تلك المجتمعات وانعقدت بها اواصر الروابط بين العناصر المؤلفة للمجتمع فكان المجتمع مؤتلفا بعوامل دينية وعوامل غير دينية ومصطبغا بصبغة دينية مشوبة غير خالصة لان اثار العامل الديني مختلطة في مظاهرها بالعوامل غير الدينية فكان من ذلك ما حصل لهذا المعنى من الاختلاط الذي وصل المعاني الدينية بالمعاني غير الدينية بصورة جعلت تلك المجتمعات معرضة الى نوع من الصراع الداخلي بين مقتضيات العوامل والمعاني التي هي خارجة عن المعنى الديني ومنفصلة عن صبغته وبين العوامل والمعاني التي هي راجعة الى المعنى الديني وغير منفصلة عنه .
أما في الدين الاسلامي فان المعنيين الديني والاجتماعي قد التحما مطلقا وتمازجا بصورة جعلت المجتمع الديني غير راجع في مقوماته الا الى عوامل على تعددها لا تخرج عن الصبغة الدينية ولا تنفصل عن العوامل والدواعي الدينية فكان من ذلك ان المعنى الديني اصبح خالصا قويا في المجتمع الاسلامي وهو مشوب غير خالص وغير قوي في المجتمعات الدينية الاخرى.
يتبع

ملف الأسبوع:مبادئ الاسلام في مكافحة آفة الفقر
15 ديسمبر 2017 السّاعة 21:00
الفقر مشكلة اجتماعية كبيرة هددت ومست المجتمعات على مرّ العصور والأزمنة وهو من أهم أسباب هلاك العديد من...
المزيد >>
المؤمن للمؤمن كالبنيان
15 ديسمبر 2017 السّاعة 21:00
قال الله جلّ وعلا في الآية الثانية من سورة المائدة (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ...
المزيد >>
العمل أفضل وسيلة لمحاربة الفقر
15 ديسمبر 2017 السّاعة 21:00
الفقر مرض خبيث إذا دخل بلدا أفسده وفتك بأهله وجوّع سكانه فتكثر فيه البطالة وتضيع الأمانة وتغيب قيمة العدالة...
المزيد >>
في مدح خير البرية
15 ديسمبر 2017 السّاعة 21:00
عيد لأنك: رحمةً وسعادةً *** بالفيض عمَّتْ ما لها شطآنُ عيدُ لأنك مُكرِم متعطف *** أنت الحبيبُ: هدية وأمانُ ختمُ...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
خالد الحدّاد
من يُنقـــذ الدولــــة؟
سبع سنوات مرّت على دخول تونس تجربة سياسيّة ومجتمعية جديدة كان منطلقها ذهاب نظام الرئيس الأسبق بن علي وحل الحزب الحاكم السابق. ونهايتها اليوم خليط من ضبابية في الأداء وعجز عن نقل...
المزيد >>