محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور .. الاخاء والحلف ( 3 ).. الاديان والمجتمع
عبد الحميد الرياحي
... وتظلّ فلسطين هي البوصلة
ما شهدته منطقتنا العربية من زلازل ومن حرائق منذ غزو العراق واحتلاله وتدمير دولته وتفكيك جيشه ومؤسساته ليس في نهاية المطاف إلا مقدمات للخطوة الأمريكية البائسة ولما سوف يليها من...
المزيد >>
محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور .. الاخاء والحلف ( 3 ).. الاديان والمجتمع
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 24 نوفمبر 2017

اذا رجعنا الى معنى التحام الديني بالمجتمعي باعتبار الاصول التي قررها علماء النفس وعلماء الاجتماع فيما يرجع الى معنى المجتمعات الدينية يتبين لنا ان المجتمعات الدينية مصنفة الى صنفين : صنف هو المجتمع الديني الاضعف ، او المجتمع الديني بالمعنى العام غير الاخص ، وهو المجتمع الذي يكون مؤسسا على اصول ومتكونا بعوامل اتية من روح الترابط الاجتماعي فيه عن دواع ترجع الى معان غير المعنى الديني من العوامل النسبية او السياسية او الاقتصادية او غيرها مما يكون اصناف المجتمعات . وهذا المجتمع الذي يكون مكونا على هذه الصورة بعامل واحد غير ديني او بعوامل متعددة غير دينية يدخل عليه بعد تكونه الدين فيكون الدين عاملا جديدا من عوامل التوحد الاجتماعي وداعية اخرى من دواعي الترابط قد تكون اقوى من غيرها وقد تكون مساوية لغيرها وقد تكون اضعف من غيرها بحسب الظروف التي تكونت فيها وبحسب المعاني النفسية والاجتماعية التي استمدت منها فينشأ من ذلك ان المجتمع يصبح مجتمعا مكونا بغير العامل الديني ولكنه يتأثر بالعامل الديني ويتقوى به ، ويأتي العامل الديني متظاهرا مع العوامل الاخرى متعاونا معها في تكوين الوحدة وتقوية اللحمة ولكن المجتمع لا يكون راجعا الى العامل الديني باسباب تكوينه وعوامل التوحد الاجتماعي التي تحققت فيه .
واما المجتمع الديني الاخر وهو المجتمع الديني الاقوى او المجتمع الديني بالمعنى الاخص فهو المجتمع الذي لا يكون متكونا باي عامل من عوامل التكوين الاجتماعي قبل دخول العامل الديني وان العامل الديني يكون هو المكون الرئيسي والاساسي لدواعي الترابط الاجتماعي التي تؤلف بين الافراد بحيث انه يدفع الافراد مباشرة بتأثيره وهو وحده الى ان يأتلف بعضهم مع بعض وان يتعاونوا ويتعاضدوا ويتناصروا فيتكون منهم مجتمع على ذلك الاساس الديني يكون الدين وحده الذي يسيره ويكون بقاء العقيدة الدينية وحده هو الذي يضمن بقاءه بخلاف ما يكون في المجتمعات الاخرى فانه مع بقاء العقيدة الدينية تأتي عوامل اخرى من دواعي الانفصال فتقضي على ذلك المجتمع بالتفتت والاخلال .
واذا نحن رجعنا الى المجتمعات الدينية على هذا الاساس فانه يتبين لنا ان المجتمعات الدينية في خصوصها وفي توقيت التعاليم التي تكونت بها انما ترجع الى الصنف الاول في الذكر من هذين الصنفين وهو صنف المجتمع الديني الاضعف فقد كان الرسل موجهين الى اقوامهم . وقد ذكر الله تعالى كلما ذكر نبيا من الانبياء تقريبا انه بعث لقومه او قال لقومه فقال تعالى « انا ارسلنا نوحا الى قومه « وقال تعالى « والى عاد اخاهم هودا « وقال تعالى « والى ثمود ا اخاهم صالحا « وقال جل ذكره « والى مدين اخاهم شعيبا « وقال في ابراهيم عليه السلام « اذ قال لقومه « الى غير ذلك مما يدل على ان خطاب كل رسول من الرسل الاخرين انما كان موجها الى قومه وعلى ان اتيان كل واحد منهم بعد الاخرين لم يكن الا على معنى انه يصدق الرسول فيما جاء به ولكنه ينهي قيام الشريعة التي جاء بها فيحل بعض ما حرمه الرسول السابق ويحرم بعض ما احله كما وقع من المسيحية بالنسبة الى اليهودية .
واذا اقتصرنا من بين الاديان على الدينين الكتابيين الشهيرين وهما دين اليهودية المبني على شرائع العهد القديم ودين النصرانية المبني على تعاليم العهد الجديد ، فانه يتبين لنا ان الوحدة القومية النسبية وهي وحدة الرابطة التي تؤلف بين الاسرة التي تولدت منها عشيرة ثم تولدت قبائل ثم تكونت منها امة ذات شعب وهو بنو اسرائيل وانما كانت هي وحدها المنظور اليها بالخصوص في جميع التعاليم والخطابات الالاهية والشرائع التي جاء بها موسى وجاء بها انبياء العهد القديم من بعده ثم جاء بها المسيح عليهم السلام فموسى جاء نبيا لبني اسرائيل والله تعالى يقول « واذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم اذ جعل فيكم انبياء « الاية .
والمسيح عليه السلام انما جاء ايضا لبني اسرائيل كما قال الله تعالى « واذ قال عيسى بن مريم يا بني اسرائيل اني رسول الله اليكم « وعلى ذلك فان هذا الخطاب الالهي الذي جاء به موسى في العهد القديم واعقبه المسيح في العهد الجديد انما كان خطابا موجها الى امة مؤتلفة بعامل نسبي ضيق لا يسمح لغيرها بان يكون مشمولا في هذه الخطاب ثم ان ما عرض للمسيحية من المعنى العالمي الانتشاري لم يكن معنى اصليا فيها ولا واردا في خطابات المسيح عليه السلام وانما كان امرا راجعا الى ما قام به اصحاب المسيح عليه السلام وهم رسله وحواريوه لما تفرقوا في الامم ونشروا دعوة المسيح وعمموا في الدنيا البشارة التي جاء بها .
ثم ما وقع بعد ذلك من ايمان القيصر الروماني قسطنطين في القرن الرابع من التاريخ المسيحي بصورة جعلت المسيحية دين السلطنة الرومانية فدخلت بذلك على مجتمع سياسي له مقوماته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية فجاء الدين المسيحي عاملا اضيف الى العوامل الاولى التي كونت ذلك المجتمع متظاهرا معها في اقامة الوحدة على معان مختلفة وعوامل متعددة يرجع بعضها الى العقيدة الدينية ويرجع بعضها الاخر الى عوامل منفصلة عن العقيدة الدينية .
يتبع

الإسلام أكّد على أهمية النظام في كل شيء
08 ديسمبر 2017 السّاعة 21:00
إنّ كل ما في هذا الكون من خلق السموات والأرض واختلاف اليل والنّهار لآيات لأولي الألباب على دقّة نظام هذا...
المزيد >>
إنما يقاس تقدم الشعوب بمدى انضباطها
08 ديسمبر 2017 السّاعة 21:00
تعددت مظاهر الفوضى في المجتمع وتصرفات كثير من الناس غير المنضبطة واللامسؤولة التي تنمّ عن أنانية مقيتة...
المزيد >>
ملف الأسبوع:الإسلام دين النظام والانضباط
08 ديسمبر 2017 السّاعة 21:00
كثرت الدعاوى الفوضوية خلالا السنوات الاخيرة في كل مجالات الحياة، مما اثر على سلامة المعاملات البشرية واحدث...
المزيد >>
يـا رب
08 ديسمبر 2017 السّاعة 21:00
اللهم إنّا نسألك النجاة يوم الحساب والمغفرة يوم العقاب والرحمة يوم العذاب والنور يوم الظلمة والريّ يوم...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور .. الاخاء والحلف ( 3 ).. الاديان والمجتمع
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 24 نوفمبر 2017

اذا رجعنا الى معنى التحام الديني بالمجتمعي باعتبار الاصول التي قررها علماء النفس وعلماء الاجتماع فيما يرجع الى معنى المجتمعات الدينية يتبين لنا ان المجتمعات الدينية مصنفة الى صنفين : صنف هو المجتمع الديني الاضعف ، او المجتمع الديني بالمعنى العام غير الاخص ، وهو المجتمع الذي يكون مؤسسا على اصول ومتكونا بعوامل اتية من روح الترابط الاجتماعي فيه عن دواع ترجع الى معان غير المعنى الديني من العوامل النسبية او السياسية او الاقتصادية او غيرها مما يكون اصناف المجتمعات . وهذا المجتمع الذي يكون مكونا على هذه الصورة بعامل واحد غير ديني او بعوامل متعددة غير دينية يدخل عليه بعد تكونه الدين فيكون الدين عاملا جديدا من عوامل التوحد الاجتماعي وداعية اخرى من دواعي الترابط قد تكون اقوى من غيرها وقد تكون مساوية لغيرها وقد تكون اضعف من غيرها بحسب الظروف التي تكونت فيها وبحسب المعاني النفسية والاجتماعية التي استمدت منها فينشأ من ذلك ان المجتمع يصبح مجتمعا مكونا بغير العامل الديني ولكنه يتأثر بالعامل الديني ويتقوى به ، ويأتي العامل الديني متظاهرا مع العوامل الاخرى متعاونا معها في تكوين الوحدة وتقوية اللحمة ولكن المجتمع لا يكون راجعا الى العامل الديني باسباب تكوينه وعوامل التوحد الاجتماعي التي تحققت فيه .
واما المجتمع الديني الاخر وهو المجتمع الديني الاقوى او المجتمع الديني بالمعنى الاخص فهو المجتمع الذي لا يكون متكونا باي عامل من عوامل التكوين الاجتماعي قبل دخول العامل الديني وان العامل الديني يكون هو المكون الرئيسي والاساسي لدواعي الترابط الاجتماعي التي تؤلف بين الافراد بحيث انه يدفع الافراد مباشرة بتأثيره وهو وحده الى ان يأتلف بعضهم مع بعض وان يتعاونوا ويتعاضدوا ويتناصروا فيتكون منهم مجتمع على ذلك الاساس الديني يكون الدين وحده الذي يسيره ويكون بقاء العقيدة الدينية وحده هو الذي يضمن بقاءه بخلاف ما يكون في المجتمعات الاخرى فانه مع بقاء العقيدة الدينية تأتي عوامل اخرى من دواعي الانفصال فتقضي على ذلك المجتمع بالتفتت والاخلال .
واذا نحن رجعنا الى المجتمعات الدينية على هذا الاساس فانه يتبين لنا ان المجتمعات الدينية في خصوصها وفي توقيت التعاليم التي تكونت بها انما ترجع الى الصنف الاول في الذكر من هذين الصنفين وهو صنف المجتمع الديني الاضعف فقد كان الرسل موجهين الى اقوامهم . وقد ذكر الله تعالى كلما ذكر نبيا من الانبياء تقريبا انه بعث لقومه او قال لقومه فقال تعالى « انا ارسلنا نوحا الى قومه « وقال تعالى « والى عاد اخاهم هودا « وقال تعالى « والى ثمود ا اخاهم صالحا « وقال جل ذكره « والى مدين اخاهم شعيبا « وقال في ابراهيم عليه السلام « اذ قال لقومه « الى غير ذلك مما يدل على ان خطاب كل رسول من الرسل الاخرين انما كان موجها الى قومه وعلى ان اتيان كل واحد منهم بعد الاخرين لم يكن الا على معنى انه يصدق الرسول فيما جاء به ولكنه ينهي قيام الشريعة التي جاء بها فيحل بعض ما حرمه الرسول السابق ويحرم بعض ما احله كما وقع من المسيحية بالنسبة الى اليهودية .
واذا اقتصرنا من بين الاديان على الدينين الكتابيين الشهيرين وهما دين اليهودية المبني على شرائع العهد القديم ودين النصرانية المبني على تعاليم العهد الجديد ، فانه يتبين لنا ان الوحدة القومية النسبية وهي وحدة الرابطة التي تؤلف بين الاسرة التي تولدت منها عشيرة ثم تولدت قبائل ثم تكونت منها امة ذات شعب وهو بنو اسرائيل وانما كانت هي وحدها المنظور اليها بالخصوص في جميع التعاليم والخطابات الالاهية والشرائع التي جاء بها موسى وجاء بها انبياء العهد القديم من بعده ثم جاء بها المسيح عليهم السلام فموسى جاء نبيا لبني اسرائيل والله تعالى يقول « واذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم اذ جعل فيكم انبياء « الاية .
والمسيح عليه السلام انما جاء ايضا لبني اسرائيل كما قال الله تعالى « واذ قال عيسى بن مريم يا بني اسرائيل اني رسول الله اليكم « وعلى ذلك فان هذا الخطاب الالهي الذي جاء به موسى في العهد القديم واعقبه المسيح في العهد الجديد انما كان خطابا موجها الى امة مؤتلفة بعامل نسبي ضيق لا يسمح لغيرها بان يكون مشمولا في هذه الخطاب ثم ان ما عرض للمسيحية من المعنى العالمي الانتشاري لم يكن معنى اصليا فيها ولا واردا في خطابات المسيح عليه السلام وانما كان امرا راجعا الى ما قام به اصحاب المسيح عليه السلام وهم رسله وحواريوه لما تفرقوا في الامم ونشروا دعوة المسيح وعمموا في الدنيا البشارة التي جاء بها .
ثم ما وقع بعد ذلك من ايمان القيصر الروماني قسطنطين في القرن الرابع من التاريخ المسيحي بصورة جعلت المسيحية دين السلطنة الرومانية فدخلت بذلك على مجتمع سياسي له مقوماته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية فجاء الدين المسيحي عاملا اضيف الى العوامل الاولى التي كونت ذلك المجتمع متظاهرا معها في اقامة الوحدة على معان مختلفة وعوامل متعددة يرجع بعضها الى العقيدة الدينية ويرجع بعضها الاخر الى عوامل منفصلة عن العقيدة الدينية .
يتبع

الإسلام أكّد على أهمية النظام في كل شيء
08 ديسمبر 2017 السّاعة 21:00
إنّ كل ما في هذا الكون من خلق السموات والأرض واختلاف اليل والنّهار لآيات لأولي الألباب على دقّة نظام هذا...
المزيد >>
إنما يقاس تقدم الشعوب بمدى انضباطها
08 ديسمبر 2017 السّاعة 21:00
تعددت مظاهر الفوضى في المجتمع وتصرفات كثير من الناس غير المنضبطة واللامسؤولة التي تنمّ عن أنانية مقيتة...
المزيد >>
ملف الأسبوع:الإسلام دين النظام والانضباط
08 ديسمبر 2017 السّاعة 21:00
كثرت الدعاوى الفوضوية خلالا السنوات الاخيرة في كل مجالات الحياة، مما اثر على سلامة المعاملات البشرية واحدث...
المزيد >>
يـا رب
08 ديسمبر 2017 السّاعة 21:00
اللهم إنّا نسألك النجاة يوم الحساب والمغفرة يوم العقاب والرحمة يوم العذاب والنور يوم الظلمة والريّ يوم...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
عبد الحميد الرياحي
... وتظلّ فلسطين هي البوصلة
ما شهدته منطقتنا العربية من زلازل ومن حرائق منذ غزو العراق واحتلاله وتدمير دولته وتفكيك جيشه ومؤسساته ليس في نهاية المطاف إلا مقدمات للخطوة الأمريكية البائسة ولما سوف يليها من...
المزيد >>