محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور ... الاخاء والحلف ( 4 ) الاسلام دعوة انسانية
عبد الحميد الرياحي
... وتظلّ فلسطين هي البوصلة
ما شهدته منطقتنا العربية من زلازل ومن حرائق منذ غزو العراق واحتلاله وتدمير دولته وتفكيك جيشه ومؤسساته ليس في نهاية المطاف إلا مقدمات للخطوة الأمريكية البائسة ولما سوف يليها من...
المزيد >>
محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور ... الاخاء والحلف ( 4 ) الاسلام دعوة انسانية
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 01 ديسمبر 2017

المجتمع الاخر وهو المجتمع الديني بالمعنى الاقوى او المجتمع الديني بالمعنى الاخص الذي ائتلف من اول مرة على اساس الدين ولم تكن العناصر التي الف بها الدين مسبوقة بعامل من عوامل التوحد مسها او تعلق بها من قبل فانه قد توجه الى الناس باعتبار كونهم ادمين معتمدا اشخاصهم لا جماعتهم فكانت دعوتهم بذلك انسانية لانه توجه الى الانسان من حيث كونه انسانا ، ولم يتوجه اليه من حيث كونه راجعا الى رابطة من الروابط او كتلة من الكتل او متأثرا بداع من دواعي الترابط الاجتماعي سابق للداعي الديني الذي جاءت به تلك الدعوة فكانت دعوة الاسلام بذلك دعوة انسانية لم يتوجه فيها الخطاب الالهي الى امة من الامم ولا الى عنصر من العناصر وانما توجه الى الناس جميعا لقوله تعالى : « يا أيها الناس « ثم جاء يقرر العلاقات الانسانية على اساس الاتصال بين الفرد بصورة لا تحددها ولا تفصمها ولا تفصلها العلاقات التي تربط بين بعض الافراد وبعض في روابط اخرى وتجعلهم منتمين الى شعوب وقبائل هي التي تفرقت بها الوحدة الانسانية .
فبعد ان توجه الاسلام الى الناس من حيث كونهم ناس فقط لا باعتبار عصبياتهم وكتلهم وبعد ان قرر معنى الانسانية ما يشترك فيه البشر جميعا من الحقوق التي منها حفظ النفس ومنها حرمة المعتقد ومنها حرمة الاعراض ومنها حماية الناس من الاذى ومنها الرحمة العامة لجميع الآدميين غير مخصصة برابطة ولا متأثرة بداع من دواعي الترابط الاجتماعي دون غيره فان هذه الدعوة الانسانية قد انبنى عليها ان الذين دعوا بها منهم من استجاب اليها ومنهم من لم يستجب فالذي لم يستجب اليها بقي على الحقوق الانسانية الاصلية التي هي حقوق الابقاء على النفس والابقاء على الكرامة والابقاء على الحريات وجعل السلام اساسا لجميع العلاقات التي تربط بعضهم ببعض .
واما الذين استجابوا فانه قد تكون من استجابتهم الصادرة من مختلف الافراد وعديدهم بصورة متلاقية ما كون ارادات متعددة متلاقية وذلك هو اساس معنى التعاقد فتكون بتلك الاستجابة الفردية عقد فيما بين الافراد المستجيبين ربط جميع الافراد الذين استجابوا لتلك الدعوة الانسانية بالارادات المتوافقة المتلاقية المتجاوبة بما كون مجتمعا ناشئا بالاختيار كما تنشأ العقود وجعل اساس الروابط في ذلك المجتمع راجعا الى التعاليم الالهية التي استجابت لها العناصر المؤلفة لهذا المجتمع استجابة اختيارية بعد ان تلقوا الدعوة الانسانية العامة التي امنوا بها وكفر بها آخرون .
المجتمع الديني اقوى المجتمعات
وعلى ذلك فاننا اذا صنفنا المجتمعات كما صنفها علماء الاجتماع المحدثون الى مجتمعات تتمايز وتتباين بحسب عوامل التوحد الاجتماعي بين مجتمعات نسبية ومجتمعات جغرافية ومجتمعات سياسية ومجتمعات اقتصادية وغيرها ثم وضعنا امامها المجتمع الديني فانه يتبين لنا ان المجتمع الديني على اختلاف صنفيه ( اعني الديني الاقوى والديني الاضعف ) يعتبر اقوى المجتمعات بل ان كثيرا من علماء الاجتماع يرون ان جميع العوامل من سياسية واقتصادية وغيرها اذا لم يصحبها عامل اعتقادي تطمئن به النفس اطمئنانا باطنيا الى لزوم الارتباط مع غيرها من حيث الجهة التي ترتبط معها وذلك ما يكون معنى العقيدة فان المجتمع لا يتكون .
ومن هنالك قيل ان جميع المجتمعات انما ترجع من قريب او من بعيد الى اساس اعتقادي ديني ، بحيث اننا اذا وجدنا العوامل الظاهرية ترجع الى علل اخرى مختلفة فما تلك العلل الا ظروف ومناسبات وليس الداعي الحقيقي الا اعتقاد الفرد ان ضرورته ان يتعاضد وان يتآخى مع الافراد الاخرين في الرابطة التي تؤلف بينه وبينهم في ذلك المعنى الذي اساسه دائما معنى اعتقادي . وكذلك يبدو لنا ان المجتمع الديني يمتاز بانه اذا كان غيره من المجتمعات يحصل فيه التوحد الاجتماعي بعامل واحد مفرد فان المجتمع الديني لا يحصل فيه التوحد الاجتماعي الا بعوامل متعددة لا يمكن ان تكون اقل من ثلاث عوامل وهي عامل الاعتقاد وعامل العبادة وعامل العلاقات الاجتماعية .
اما عامل الاعتقاد فهو الاساسي والاصلي لانه الذي يرجع الى معنى الدين لان الدين انما هو عبارة عن مجموعة من القضايا التصديقية ترجع الى عالم الغيب مما لا يستقل بالحكم فيه العقل ولا الحس ولا الغريزة فيكون حصول الاعتقاد عند فرد وشعوره بان ذلك الاعتقاد بنفسه موجود عند فرد اخر داعيا من دواعي الترابط الاجتماعي فيما بين هذين الفردين بناء على ان ذلك الادراك الثاني الذي يرجع الى العالم الغيبي والذي يعتبره كل واحد اشرف ما تنطوي عليه نفسه من المدارك يعتبر مؤلفا فيما بين الفرد والفرد باعتبار ان اتحاد المعنى الاشرف في مدارك كل منهما يجعل اتحادهما وترابطهما تابعا لذلك الاتحاد وهذا العامل وهو العامل الاعتقادي هو عامل مطرد في جميع الديانات وهو الذي تنبعث منه جميع الوحدات الاجتماعية التي تكونها العوامل الدينية وتصير مجتمعات دينية بالمعنى الاقوى والاوضح .
يتبع

الإسلام أكّد على أهمية النظام في كل شيء
08 ديسمبر 2017 السّاعة 21:00
إنّ كل ما في هذا الكون من خلق السموات والأرض واختلاف اليل والنّهار لآيات لأولي الألباب على دقّة نظام هذا...
المزيد >>
إنما يقاس تقدم الشعوب بمدى انضباطها
08 ديسمبر 2017 السّاعة 21:00
تعددت مظاهر الفوضى في المجتمع وتصرفات كثير من الناس غير المنضبطة واللامسؤولة التي تنمّ عن أنانية مقيتة...
المزيد >>
ملف الأسبوع:الإسلام دين النظام والانضباط
08 ديسمبر 2017 السّاعة 21:00
كثرت الدعاوى الفوضوية خلالا السنوات الاخيرة في كل مجالات الحياة، مما اثر على سلامة المعاملات البشرية واحدث...
المزيد >>
يـا رب
08 ديسمبر 2017 السّاعة 21:00
اللهم إنّا نسألك النجاة يوم الحساب والمغفرة يوم العقاب والرحمة يوم العذاب والنور يوم الظلمة والريّ يوم...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور ... الاخاء والحلف ( 4 ) الاسلام دعوة انسانية
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 01 ديسمبر 2017

المجتمع الاخر وهو المجتمع الديني بالمعنى الاقوى او المجتمع الديني بالمعنى الاخص الذي ائتلف من اول مرة على اساس الدين ولم تكن العناصر التي الف بها الدين مسبوقة بعامل من عوامل التوحد مسها او تعلق بها من قبل فانه قد توجه الى الناس باعتبار كونهم ادمين معتمدا اشخاصهم لا جماعتهم فكانت دعوتهم بذلك انسانية لانه توجه الى الانسان من حيث كونه انسانا ، ولم يتوجه اليه من حيث كونه راجعا الى رابطة من الروابط او كتلة من الكتل او متأثرا بداع من دواعي الترابط الاجتماعي سابق للداعي الديني الذي جاءت به تلك الدعوة فكانت دعوة الاسلام بذلك دعوة انسانية لم يتوجه فيها الخطاب الالهي الى امة من الامم ولا الى عنصر من العناصر وانما توجه الى الناس جميعا لقوله تعالى : « يا أيها الناس « ثم جاء يقرر العلاقات الانسانية على اساس الاتصال بين الفرد بصورة لا تحددها ولا تفصمها ولا تفصلها العلاقات التي تربط بين بعض الافراد وبعض في روابط اخرى وتجعلهم منتمين الى شعوب وقبائل هي التي تفرقت بها الوحدة الانسانية .
فبعد ان توجه الاسلام الى الناس من حيث كونهم ناس فقط لا باعتبار عصبياتهم وكتلهم وبعد ان قرر معنى الانسانية ما يشترك فيه البشر جميعا من الحقوق التي منها حفظ النفس ومنها حرمة المعتقد ومنها حرمة الاعراض ومنها حماية الناس من الاذى ومنها الرحمة العامة لجميع الآدميين غير مخصصة برابطة ولا متأثرة بداع من دواعي الترابط الاجتماعي دون غيره فان هذه الدعوة الانسانية قد انبنى عليها ان الذين دعوا بها منهم من استجاب اليها ومنهم من لم يستجب فالذي لم يستجب اليها بقي على الحقوق الانسانية الاصلية التي هي حقوق الابقاء على النفس والابقاء على الكرامة والابقاء على الحريات وجعل السلام اساسا لجميع العلاقات التي تربط بعضهم ببعض .
واما الذين استجابوا فانه قد تكون من استجابتهم الصادرة من مختلف الافراد وعديدهم بصورة متلاقية ما كون ارادات متعددة متلاقية وذلك هو اساس معنى التعاقد فتكون بتلك الاستجابة الفردية عقد فيما بين الافراد المستجيبين ربط جميع الافراد الذين استجابوا لتلك الدعوة الانسانية بالارادات المتوافقة المتلاقية المتجاوبة بما كون مجتمعا ناشئا بالاختيار كما تنشأ العقود وجعل اساس الروابط في ذلك المجتمع راجعا الى التعاليم الالهية التي استجابت لها العناصر المؤلفة لهذا المجتمع استجابة اختيارية بعد ان تلقوا الدعوة الانسانية العامة التي امنوا بها وكفر بها آخرون .
المجتمع الديني اقوى المجتمعات
وعلى ذلك فاننا اذا صنفنا المجتمعات كما صنفها علماء الاجتماع المحدثون الى مجتمعات تتمايز وتتباين بحسب عوامل التوحد الاجتماعي بين مجتمعات نسبية ومجتمعات جغرافية ومجتمعات سياسية ومجتمعات اقتصادية وغيرها ثم وضعنا امامها المجتمع الديني فانه يتبين لنا ان المجتمع الديني على اختلاف صنفيه ( اعني الديني الاقوى والديني الاضعف ) يعتبر اقوى المجتمعات بل ان كثيرا من علماء الاجتماع يرون ان جميع العوامل من سياسية واقتصادية وغيرها اذا لم يصحبها عامل اعتقادي تطمئن به النفس اطمئنانا باطنيا الى لزوم الارتباط مع غيرها من حيث الجهة التي ترتبط معها وذلك ما يكون معنى العقيدة فان المجتمع لا يتكون .
ومن هنالك قيل ان جميع المجتمعات انما ترجع من قريب او من بعيد الى اساس اعتقادي ديني ، بحيث اننا اذا وجدنا العوامل الظاهرية ترجع الى علل اخرى مختلفة فما تلك العلل الا ظروف ومناسبات وليس الداعي الحقيقي الا اعتقاد الفرد ان ضرورته ان يتعاضد وان يتآخى مع الافراد الاخرين في الرابطة التي تؤلف بينه وبينهم في ذلك المعنى الذي اساسه دائما معنى اعتقادي . وكذلك يبدو لنا ان المجتمع الديني يمتاز بانه اذا كان غيره من المجتمعات يحصل فيه التوحد الاجتماعي بعامل واحد مفرد فان المجتمع الديني لا يحصل فيه التوحد الاجتماعي الا بعوامل متعددة لا يمكن ان تكون اقل من ثلاث عوامل وهي عامل الاعتقاد وعامل العبادة وعامل العلاقات الاجتماعية .
اما عامل الاعتقاد فهو الاساسي والاصلي لانه الذي يرجع الى معنى الدين لان الدين انما هو عبارة عن مجموعة من القضايا التصديقية ترجع الى عالم الغيب مما لا يستقل بالحكم فيه العقل ولا الحس ولا الغريزة فيكون حصول الاعتقاد عند فرد وشعوره بان ذلك الاعتقاد بنفسه موجود عند فرد اخر داعيا من دواعي الترابط الاجتماعي فيما بين هذين الفردين بناء على ان ذلك الادراك الثاني الذي يرجع الى العالم الغيبي والذي يعتبره كل واحد اشرف ما تنطوي عليه نفسه من المدارك يعتبر مؤلفا فيما بين الفرد والفرد باعتبار ان اتحاد المعنى الاشرف في مدارك كل منهما يجعل اتحادهما وترابطهما تابعا لذلك الاتحاد وهذا العامل وهو العامل الاعتقادي هو عامل مطرد في جميع الديانات وهو الذي تنبعث منه جميع الوحدات الاجتماعية التي تكونها العوامل الدينية وتصير مجتمعات دينية بالمعنى الاقوى والاوضح .
يتبع

الإسلام أكّد على أهمية النظام في كل شيء
08 ديسمبر 2017 السّاعة 21:00
إنّ كل ما في هذا الكون من خلق السموات والأرض واختلاف اليل والنّهار لآيات لأولي الألباب على دقّة نظام هذا...
المزيد >>
إنما يقاس تقدم الشعوب بمدى انضباطها
08 ديسمبر 2017 السّاعة 21:00
تعددت مظاهر الفوضى في المجتمع وتصرفات كثير من الناس غير المنضبطة واللامسؤولة التي تنمّ عن أنانية مقيتة...
المزيد >>
ملف الأسبوع:الإسلام دين النظام والانضباط
08 ديسمبر 2017 السّاعة 21:00
كثرت الدعاوى الفوضوية خلالا السنوات الاخيرة في كل مجالات الحياة، مما اثر على سلامة المعاملات البشرية واحدث...
المزيد >>
يـا رب
08 ديسمبر 2017 السّاعة 21:00
اللهم إنّا نسألك النجاة يوم الحساب والمغفرة يوم العقاب والرحمة يوم العذاب والنور يوم الظلمة والريّ يوم...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
عبد الحميد الرياحي
... وتظلّ فلسطين هي البوصلة
ما شهدته منطقتنا العربية من زلازل ومن حرائق منذ غزو العراق واحتلاله وتدمير دولته وتفكيك جيشه ومؤسساته ليس في نهاية المطاف إلا مقدمات للخطوة الأمريكية البائسة ولما سوف يليها من...
المزيد >>