خطبة الجمعة ... أثر الأمانة في المجتمع
عبد الحميد الرياحي
... وتظلّ فلسطين هي البوصلة
ما شهدته منطقتنا العربية من زلازل ومن حرائق منذ غزو العراق واحتلاله وتدمير دولته وتفكيك جيشه ومؤسساته ليس في نهاية المطاف إلا مقدمات للخطوة الأمريكية البائسة ولما سوف يليها من...
المزيد >>
خطبة الجمعة ... أثر الأمانة في المجتمع
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 01 ديسمبر 2017

الأمانة بمفهومها الواسع الذي أرادها الله لها وأرادها رسوله - صلى الله عليه وسلم - ضد الخيانة بمفهومها الواسع الذي نهى الله ورسوله عنها ؛ لتكون الأمانة في كل ما افترض الله على العباد في الدين والأعراض والأموال والعقول والأنفس والمعارف والعلوم والولاية والحكم والشهادة والقضاء والأسرار والحواس الخمس ونحو ذلك .. فهي كما قال القرطبي - رحمه الله - : « تعم جميع وظائف الدين « .ثم إنه لا يمكن أن يكون الأمين أمينًا إلا إذا كان عافًّا عمَّا ليس له به حق .. مؤدِّيا ما يجب عليه من حقٍّ لغيره .. حريصًا على حفظ ما استُؤمِن عليه غير مفرِّطٍ به .. فإن من اجتمعت فيه هذه الركائز فهو في دائرة المفلحين الذين قال الله - جل وعلا - عنهم :» قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ « (1 سورة المؤمنون) .. إلى أن قال « وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ « (7 سورة المؤمنون). .
والأمانة لم تكن بدْعًا من التشريع الإسلامي المحمدي فحسب ، بل هي من أبرز أخلاق الرسل والأنبياء - عليهم أفضل الصلاة والسلام - فهذا نوحٌ وهودٌ وصالح ولوطٌ وشعيب .. كل واحدٍ منهم قد قال لقومه : إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (162 سورة الشعراء) ، ورسولنا - صلى الله عليه وسلم - ما كان يُعْرَف في قومه إلا بالصادق الأمين ، وقد جعل الباري - جل شأنه - هذه الصفة للروح الأمين جبريل - عليه السلام - في قوله :» نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ» (193 سورة الشعراء). .
لقد قصرت أفهام الكثيرين عن معنى الأمانة فحصروها في حفظ الودائع المالية والمادية فحسب ، وضيقوا بهذا الفهم واسعا .. في حين إنها ليست إلا لونًا من ألوان الأمانة التي تتعدد وتتجدد .. فالقيام بالواجب أمانة ، وترك المنهي عنه أمانة ، والأمر بالمعروف أمانة ، والنهي عن المنكر أمانة ، والحكم أمانة ، ورعاية حقوق الأمة أمانة ، والعلم أمانة ، وحماية الدين والذب عن حياضه أمانه ، وصيانة أرض الوطن المسلم وحماية ممتلكات المجتمع أمانة ..فكل أمانةٍ من هذه الأمانات تتحقق بإقامة مصلحتها ودرء مفسدتها وعدم خذلان الأمة فيها : « إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا « (107 سورة النساء). .
وإذا نظرنا إلى كلمة الأمانة فإننا سنجد فيها معنى الأمان والاطمئنان .. فكأن الأمن والطمأنينة والراحة والاستقرار مرهونةٌ كلها بتحقيق الأمانة على وجهها الصحيح .. فلا يمكن أن يأمن ظالمٌ ولا يهدأ عاص ولا يسعد خوَّان ولا يفلح منافق ولا يصل متلفت ..
وفي حين أن القرآن الكريم قد ذُكِرت فيه الأمانة في مواضع كثيرة فإنه في الوقت نفسه قد جاء التحذير من ضدها .. وهي (الخيانة) .. فقال الله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) (27 سورة الأنفال) ، وقال سبحانه : ( وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ) (52 يوسف). . وكفى بالخيانة شرًّا وقبحًا ومقتًا أنها سببٌ في دخول جهنم وبئس المصير من خلال ما ضرب الله لنا مثلًا بامرأتين من نساء الأنبياء والرسل ، « وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ « (10 سورة التحريم) .. أي خانتاهما في الدين ، وكانتا تدلان أقوامهما بمن يؤمن مع أزواجهما .
الخطبة الثانية
سمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الوظائف أمانات ، وطلب من ذوي القوى الإحسان فيها والتيقظ لها ، ونصح الضعفاء عن طلبها والتعرض لها .. فقد سأله أبو ذر - رضي الله عنه - أن يستعمله فضرب بيده على منكبه وقال : « يا أبا ذر إنك ضعيف .. وإنها أمانة ، وإنها يوم القيامة خزيٌ وندامة إلا من أخذها بحقها وأدّى الذي عليه فيها « رواه مسلم .
والقوة في هذا الحديث هي التي تعني حسن الإدارة الموصوفة بالحزم والحكمة والإجادة ؛ إذ لا أحد يشك في إيمان أبي ذر - رضي الله عنه - وتقواه .. ومع ذلك وصفه النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه ضعيف .. ولذا فإن الوظائف - كبيرها وصغيرها - ليست وسيلةً للترفع أو الترفه . فالحذر الحذر من انقلاب المفاهيم وعدم التمييز بين الخائن والأمين .. فما زمننا هذا إلا ميدانٌ ترامت فيه الأهواء وقُلِبت فيه الحقائق فسُتِر على الخائن وضُيِّق على الأمين بسبب مفاهيم مغلوطةٍ ومقدماتٍ مضللة ، ولقد صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ قال : « والذي نفْسي بيدِه .. لا تقومُ الساعةُ حتى يُخوَّنُ الأمين ويؤتمن الخائن...» الحديث رواه البخاري وسلم .

الإسلام أكّد على أهمية النظام في كل شيء
08 ديسمبر 2017 السّاعة 21:00
إنّ كل ما في هذا الكون من خلق السموات والأرض واختلاف اليل والنّهار لآيات لأولي الألباب على دقّة نظام هذا...
المزيد >>
إنما يقاس تقدم الشعوب بمدى انضباطها
08 ديسمبر 2017 السّاعة 21:00
تعددت مظاهر الفوضى في المجتمع وتصرفات كثير من الناس غير المنضبطة واللامسؤولة التي تنمّ عن أنانية مقيتة...
المزيد >>
ملف الأسبوع:الإسلام دين النظام والانضباط
08 ديسمبر 2017 السّاعة 21:00
كثرت الدعاوى الفوضوية خلالا السنوات الاخيرة في كل مجالات الحياة، مما اثر على سلامة المعاملات البشرية واحدث...
المزيد >>
يـا رب
08 ديسمبر 2017 السّاعة 21:00
اللهم إنّا نسألك النجاة يوم الحساب والمغفرة يوم العقاب والرحمة يوم العذاب والنور يوم الظلمة والريّ يوم...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
خطبة الجمعة ... أثر الأمانة في المجتمع
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 01 ديسمبر 2017

الأمانة بمفهومها الواسع الذي أرادها الله لها وأرادها رسوله - صلى الله عليه وسلم - ضد الخيانة بمفهومها الواسع الذي نهى الله ورسوله عنها ؛ لتكون الأمانة في كل ما افترض الله على العباد في الدين والأعراض والأموال والعقول والأنفس والمعارف والعلوم والولاية والحكم والشهادة والقضاء والأسرار والحواس الخمس ونحو ذلك .. فهي كما قال القرطبي - رحمه الله - : « تعم جميع وظائف الدين « .ثم إنه لا يمكن أن يكون الأمين أمينًا إلا إذا كان عافًّا عمَّا ليس له به حق .. مؤدِّيا ما يجب عليه من حقٍّ لغيره .. حريصًا على حفظ ما استُؤمِن عليه غير مفرِّطٍ به .. فإن من اجتمعت فيه هذه الركائز فهو في دائرة المفلحين الذين قال الله - جل وعلا - عنهم :» قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ « (1 سورة المؤمنون) .. إلى أن قال « وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ « (7 سورة المؤمنون). .
والأمانة لم تكن بدْعًا من التشريع الإسلامي المحمدي فحسب ، بل هي من أبرز أخلاق الرسل والأنبياء - عليهم أفضل الصلاة والسلام - فهذا نوحٌ وهودٌ وصالح ولوطٌ وشعيب .. كل واحدٍ منهم قد قال لقومه : إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (162 سورة الشعراء) ، ورسولنا - صلى الله عليه وسلم - ما كان يُعْرَف في قومه إلا بالصادق الأمين ، وقد جعل الباري - جل شأنه - هذه الصفة للروح الأمين جبريل - عليه السلام - في قوله :» نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ» (193 سورة الشعراء). .
لقد قصرت أفهام الكثيرين عن معنى الأمانة فحصروها في حفظ الودائع المالية والمادية فحسب ، وضيقوا بهذا الفهم واسعا .. في حين إنها ليست إلا لونًا من ألوان الأمانة التي تتعدد وتتجدد .. فالقيام بالواجب أمانة ، وترك المنهي عنه أمانة ، والأمر بالمعروف أمانة ، والنهي عن المنكر أمانة ، والحكم أمانة ، ورعاية حقوق الأمة أمانة ، والعلم أمانة ، وحماية الدين والذب عن حياضه أمانه ، وصيانة أرض الوطن المسلم وحماية ممتلكات المجتمع أمانة ..فكل أمانةٍ من هذه الأمانات تتحقق بإقامة مصلحتها ودرء مفسدتها وعدم خذلان الأمة فيها : « إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا « (107 سورة النساء). .
وإذا نظرنا إلى كلمة الأمانة فإننا سنجد فيها معنى الأمان والاطمئنان .. فكأن الأمن والطمأنينة والراحة والاستقرار مرهونةٌ كلها بتحقيق الأمانة على وجهها الصحيح .. فلا يمكن أن يأمن ظالمٌ ولا يهدأ عاص ولا يسعد خوَّان ولا يفلح منافق ولا يصل متلفت ..
وفي حين أن القرآن الكريم قد ذُكِرت فيه الأمانة في مواضع كثيرة فإنه في الوقت نفسه قد جاء التحذير من ضدها .. وهي (الخيانة) .. فقال الله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) (27 سورة الأنفال) ، وقال سبحانه : ( وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ) (52 يوسف). . وكفى بالخيانة شرًّا وقبحًا ومقتًا أنها سببٌ في دخول جهنم وبئس المصير من خلال ما ضرب الله لنا مثلًا بامرأتين من نساء الأنبياء والرسل ، « وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ « (10 سورة التحريم) .. أي خانتاهما في الدين ، وكانتا تدلان أقوامهما بمن يؤمن مع أزواجهما .
الخطبة الثانية
سمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الوظائف أمانات ، وطلب من ذوي القوى الإحسان فيها والتيقظ لها ، ونصح الضعفاء عن طلبها والتعرض لها .. فقد سأله أبو ذر - رضي الله عنه - أن يستعمله فضرب بيده على منكبه وقال : « يا أبا ذر إنك ضعيف .. وإنها أمانة ، وإنها يوم القيامة خزيٌ وندامة إلا من أخذها بحقها وأدّى الذي عليه فيها « رواه مسلم .
والقوة في هذا الحديث هي التي تعني حسن الإدارة الموصوفة بالحزم والحكمة والإجادة ؛ إذ لا أحد يشك في إيمان أبي ذر - رضي الله عنه - وتقواه .. ومع ذلك وصفه النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه ضعيف .. ولذا فإن الوظائف - كبيرها وصغيرها - ليست وسيلةً للترفع أو الترفه . فالحذر الحذر من انقلاب المفاهيم وعدم التمييز بين الخائن والأمين .. فما زمننا هذا إلا ميدانٌ ترامت فيه الأهواء وقُلِبت فيه الحقائق فسُتِر على الخائن وضُيِّق على الأمين بسبب مفاهيم مغلوطةٍ ومقدماتٍ مضللة ، ولقد صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ قال : « والذي نفْسي بيدِه .. لا تقومُ الساعةُ حتى يُخوَّنُ الأمين ويؤتمن الخائن...» الحديث رواه البخاري وسلم .

الإسلام أكّد على أهمية النظام في كل شيء
08 ديسمبر 2017 السّاعة 21:00
إنّ كل ما في هذا الكون من خلق السموات والأرض واختلاف اليل والنّهار لآيات لأولي الألباب على دقّة نظام هذا...
المزيد >>
إنما يقاس تقدم الشعوب بمدى انضباطها
08 ديسمبر 2017 السّاعة 21:00
تعددت مظاهر الفوضى في المجتمع وتصرفات كثير من الناس غير المنضبطة واللامسؤولة التي تنمّ عن أنانية مقيتة...
المزيد >>
ملف الأسبوع:الإسلام دين النظام والانضباط
08 ديسمبر 2017 السّاعة 21:00
كثرت الدعاوى الفوضوية خلالا السنوات الاخيرة في كل مجالات الحياة، مما اثر على سلامة المعاملات البشرية واحدث...
المزيد >>
يـا رب
08 ديسمبر 2017 السّاعة 21:00
اللهم إنّا نسألك النجاة يوم الحساب والمغفرة يوم العقاب والرحمة يوم العذاب والنور يوم الظلمة والريّ يوم...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
عبد الحميد الرياحي
... وتظلّ فلسطين هي البوصلة
ما شهدته منطقتنا العربية من زلازل ومن حرائق منذ غزو العراق واحتلاله وتدمير دولته وتفكيك جيشه ومؤسساته ليس في نهاية المطاف إلا مقدمات للخطوة الأمريكية البائسة ولما سوف يليها من...
المزيد >>