استشهاد حشاد ثمن الاستقلال
عبد الحميد الرياحي
... وتظلّ فلسطين هي البوصلة
ما شهدته منطقتنا العربية من زلازل ومن حرائق منذ غزو العراق واحتلاله وتدمير دولته وتفكيك جيشه ومؤسساته ليس في نهاية المطاف إلا مقدمات للخطوة الأمريكية البائسة ولما سوف يليها من...
المزيد >>
استشهاد حشاد ثمن الاستقلال
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 04 ديسمبر 2017

في يوم 5 ديسمبر 2017 نحيي الذكري الخامسة والستين لاستشهاد الزعيم فرحات حشاد رحمه اللّه رحمة واسعة وأسكنه الفردوس وجازاه اللّه عنّا وعن ذويه الأجر العميم والثواب العظيم.
إنه سيّد شهداء تونس ففي صباح يوم الجمعة 5 ديسمبر سنة 1952 امتدّت يد الغدر والظلم للاستعمار البغيض «اليد الحمراء» حيث اغتال المجرمون زعيم العمال، القايد السياسي الوطني المخلص وهو يناضل نقابيا وسياسيا في سبيل الحرية والكرامة لشعبه الذي كان يحييه بحميمية مردّدا: أحبّك يا شعب وكذلك من أجل الكادحين التونسيين.
إثر استشهاده أمرت سلطة الاستعمار بدفنه بمسقط رأسه قرقنة وفي عهد الاستقلال نقل جثمانه الطاهر الى تونس العاصمة حيث خصّصت له روضة قرب ساحة القصبة وقرب المعهد الصادقي بمدخل نهج باب بنات.
لما أخرج جثمانه الطاهر في موكب بهيج بقرقنة، بدا جسمه على حاله يوم دفنه كأنه نائم وذاك دليل على الشهادة لأن الشهداء لا تمسّ أجسادهم الديدان.
منذ بداية انبعاث الاتحاد العام التونسي للشغل في 20 جانفي 1946 إذ انتخب حشاد كاتبا عاما له فرأى تلازما بين العمل النقابي والكفاح السياسي من أجل التحرّر من نير الاستعمار، ظهر ذلك في محاضرة ألقاها في جمعية طلبة شمال إفريقيا المسلمين بباريس في 20ديسمبر 1946 (عمره 32 سنة) وهذه فقرة توثيقية: «ترون النقابيين في كل البلدان يتبوّؤون مقاعدهم في طليعة كل حركة تقدمية وهي في مقدمة كل عمل يهدف الى ضمان الاستقلال الوطني والحرية لبلادهم».
منذ احتلال بلادنا في 12 ماي 1881 وأبناء تونس الأحرار يقاومون الاستعمار وكلما برز زعيم تقصيه سلطة الاحتلال فنفت الثعالبي الذي بعث أول حركة وطنية سنة 1919 ثم أسس الحزب الحر الدستوري التونسي في 15 جوان 1920... ثم برز الحبيب بورقيبة منذ رجوعه من فرنسا وانضمامه الى المناضلين وبتجديد الحزب أصبح رئيسا له بعد الماطري والزعيم الأول للبلاد.
أدركت فرنسا أن بورقيبة أصبح يمثل خطرا على استقرارها لما فشل الحوار السياسي بين حكومة تونس التفاوضية والحكومة الفرنسية فاندلعت الثورة التحريرية في 18 جانفي 1952 هنالك ألقى القبض علي بورقيبة، فاعتقاله وإبعاده الى طبرقة ظنا من فرنسا أن الحركة الوطنية ستتوقف بينما غفلت عن حشاد الحكيم الذي تبوّأ النضال والمقاومة بتوحيده لكافة أفراد الشعب وإذ بدأت الانتفاضة التحررية فصعّد حشاد لهجته السياسية في خطبه وكتاباته المتحدية للجهاز الاستعماري وسلم من الإيقاف لأن من ورائه صفوف الشعب وتحميه عالميا منظمة السيزل (CIZL) فكانت صحافة الاستعمار تسميه «حشاد الأمريكي» ولتشويه صورته الوطنية وكثرت تنقلاته داخليا وخارجيا فبمنظمة الأمم المتحدة في أفريل 1952 لخدمة القضية الوطنية مما أصاب إدارة الحماية وغلاة المعمّرين خوف شديد.
اتبع فرحات إذن نهج الفداء ورأى أن كسب معرة تحرير البلاد لن يأتي على طبق من ذهب فاختار الشهادة عن وعي بقلب المؤمن الصادق.
انتبه المستعمر الى عبقرية حشاد والى إشعاعه وضاق ذرعا بتحرّكاته وعلى جمع الناس حوله فاتخذ قرار تصفيته.
وقد تهيّأ فرحات للموت وكان يشعر بأن أجله قريب إذ كان يتلقّى رسائل تهديد من المنظمة الإرهابية الفرنسية المسماة «اليد الحمراء» فنقل زوجته أمّ الخير وصغارها الى سوسة عند خاله وترك ابنه الأكبر نور الدين في بيت صديقه الأستاذ مصطفى الفيلالي برادس حتى لا يقطع دراسته.
ولوحظ أن سيارتين كانتا دائما تتنقلان بين تونس ورادس تتعقّبانه أحيانا في إعداد خطة تصفيته وعلم أحباؤه بتخطيط العدو لاغتياله.
دعاه محمد الري، أصيل الجنوب من أولاد دبّاب بتطاوين وترجاه أن يتخلّى عن السيارة وأن يرافقه بالقطار الى العاصمة من رادس يوميا للالتحاق بمقر الاتحاد بنهج سيدي علي عزوز والأخ محمد الريّ نقابي ويعمل بالرصيف بميناء تونس، فاعتذر له.
كان حشاد مؤمنا موقنا لا يخشى الموت الذي يأتي بغتة بإذن اللّه سبحانه وتعالى فكان يردّد: لا حذر مع القدر!
ومما جاء في رواية السيدة أمّ الخير حول الفاجعة: «وألحّ عليّ من جديد السفر متعلّلا بكثرة أشغاله وما كان لي إلاّ النزول مكرهة عند رغبته فسافرت يوم 1 ديسمبر 1952 ووصلت الي سوسة وعبّرت لخاله عن قلقي واستغرابي من هذه الزيارة وفي ليلة الرابع من ديسمبر رأيت في المنام ما أرعبني وبقيت أبكي طول النهار وفي 5 ديسمبر صباحا دخل ابن خاله يصيح ويقول: «عمّي فرحات قتلوه».
استشهد حشاد عن سن 38 سنة وترك زوجته فتاة عمرها 22 عاما وبنين: نور الدين والناصر وجميلة وسميرة.
حسبت السلط الاستعمارية أنها قضت على المقاومة لما اغتالت حشاد فحصل عكس تقديرها لأن كافة البلاد قد اهتزّت للخبر وعمّت الانتفاضة الوطن كله فشهدت تونس وحدة صمّاء وأحدثت اليد السوداء ضد اليد الحمراء وتدعمت الثورة فقويت وتواصلت مما أفضى الى قدوم رئيس الوزراء الفرنسي الجديد منداس فرانس الى تونس فأعلن أمام الباي محمد الأمين بقصر قرطاج عن اعتراف حكومته باستقلال تونس الداخلي ذلك يوم 31 جويلية 1945... كانت شهادة حشاد إذن ثمن استقلال تونس.

بقلم: مبروك صالح المناعي
تحيين الرسوم العقارية بين المحكمة العقارية وإدارة الملكية العقارية(2ـ3)
12 ديسمبر 2017 السّاعة 21:00
عند دراسة مطالب الترسيم تتفطن إدارة الملكية العقارية إلى عديد النقائص التي تتعلق بمؤيدات وثائق الترسيم مثل...
المزيد >>
حماية العقارات الفلاحية في تونس (2ـ2)
12 ديسمبر 2017 السّاعة 21:00
_II الحماية الخاصة المتعلقة بالعقارات الدولية والمناطق العمومية السقوية
المزيد >>
حماية العقارات الفلاحية في تونس (1ـ2)
11 ديسمبر 2017 السّاعة 21:00
يكتسي العقار أهمية في حياة الإنسان فهو مصدر الإحاطة بكل النشاط البشري فهو موطن السكن ومورد الرزق وأساس...
المزيد >>
القوّة الثبوتية للترسيمات بــــالإدارة الملكيــــة العقاريــــة
11 ديسمبر 2017 السّاعة 21:00
يعتبر العقار عنصرا هاما وركيزة من ركائز الدورة الاقتصادية لذا اعتبر إستقرار وضعيته القانونية ووضوح حالته...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
استشهاد حشاد ثمن الاستقلال
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 04 ديسمبر 2017

في يوم 5 ديسمبر 2017 نحيي الذكري الخامسة والستين لاستشهاد الزعيم فرحات حشاد رحمه اللّه رحمة واسعة وأسكنه الفردوس وجازاه اللّه عنّا وعن ذويه الأجر العميم والثواب العظيم.
إنه سيّد شهداء تونس ففي صباح يوم الجمعة 5 ديسمبر سنة 1952 امتدّت يد الغدر والظلم للاستعمار البغيض «اليد الحمراء» حيث اغتال المجرمون زعيم العمال، القايد السياسي الوطني المخلص وهو يناضل نقابيا وسياسيا في سبيل الحرية والكرامة لشعبه الذي كان يحييه بحميمية مردّدا: أحبّك يا شعب وكذلك من أجل الكادحين التونسيين.
إثر استشهاده أمرت سلطة الاستعمار بدفنه بمسقط رأسه قرقنة وفي عهد الاستقلال نقل جثمانه الطاهر الى تونس العاصمة حيث خصّصت له روضة قرب ساحة القصبة وقرب المعهد الصادقي بمدخل نهج باب بنات.
لما أخرج جثمانه الطاهر في موكب بهيج بقرقنة، بدا جسمه على حاله يوم دفنه كأنه نائم وذاك دليل على الشهادة لأن الشهداء لا تمسّ أجسادهم الديدان.
منذ بداية انبعاث الاتحاد العام التونسي للشغل في 20 جانفي 1946 إذ انتخب حشاد كاتبا عاما له فرأى تلازما بين العمل النقابي والكفاح السياسي من أجل التحرّر من نير الاستعمار، ظهر ذلك في محاضرة ألقاها في جمعية طلبة شمال إفريقيا المسلمين بباريس في 20ديسمبر 1946 (عمره 32 سنة) وهذه فقرة توثيقية: «ترون النقابيين في كل البلدان يتبوّؤون مقاعدهم في طليعة كل حركة تقدمية وهي في مقدمة كل عمل يهدف الى ضمان الاستقلال الوطني والحرية لبلادهم».
منذ احتلال بلادنا في 12 ماي 1881 وأبناء تونس الأحرار يقاومون الاستعمار وكلما برز زعيم تقصيه سلطة الاحتلال فنفت الثعالبي الذي بعث أول حركة وطنية سنة 1919 ثم أسس الحزب الحر الدستوري التونسي في 15 جوان 1920... ثم برز الحبيب بورقيبة منذ رجوعه من فرنسا وانضمامه الى المناضلين وبتجديد الحزب أصبح رئيسا له بعد الماطري والزعيم الأول للبلاد.
أدركت فرنسا أن بورقيبة أصبح يمثل خطرا على استقرارها لما فشل الحوار السياسي بين حكومة تونس التفاوضية والحكومة الفرنسية فاندلعت الثورة التحريرية في 18 جانفي 1952 هنالك ألقى القبض علي بورقيبة، فاعتقاله وإبعاده الى طبرقة ظنا من فرنسا أن الحركة الوطنية ستتوقف بينما غفلت عن حشاد الحكيم الذي تبوّأ النضال والمقاومة بتوحيده لكافة أفراد الشعب وإذ بدأت الانتفاضة التحررية فصعّد حشاد لهجته السياسية في خطبه وكتاباته المتحدية للجهاز الاستعماري وسلم من الإيقاف لأن من ورائه صفوف الشعب وتحميه عالميا منظمة السيزل (CIZL) فكانت صحافة الاستعمار تسميه «حشاد الأمريكي» ولتشويه صورته الوطنية وكثرت تنقلاته داخليا وخارجيا فبمنظمة الأمم المتحدة في أفريل 1952 لخدمة القضية الوطنية مما أصاب إدارة الحماية وغلاة المعمّرين خوف شديد.
اتبع فرحات إذن نهج الفداء ورأى أن كسب معرة تحرير البلاد لن يأتي على طبق من ذهب فاختار الشهادة عن وعي بقلب المؤمن الصادق.
انتبه المستعمر الى عبقرية حشاد والى إشعاعه وضاق ذرعا بتحرّكاته وعلى جمع الناس حوله فاتخذ قرار تصفيته.
وقد تهيّأ فرحات للموت وكان يشعر بأن أجله قريب إذ كان يتلقّى رسائل تهديد من المنظمة الإرهابية الفرنسية المسماة «اليد الحمراء» فنقل زوجته أمّ الخير وصغارها الى سوسة عند خاله وترك ابنه الأكبر نور الدين في بيت صديقه الأستاذ مصطفى الفيلالي برادس حتى لا يقطع دراسته.
ولوحظ أن سيارتين كانتا دائما تتنقلان بين تونس ورادس تتعقّبانه أحيانا في إعداد خطة تصفيته وعلم أحباؤه بتخطيط العدو لاغتياله.
دعاه محمد الري، أصيل الجنوب من أولاد دبّاب بتطاوين وترجاه أن يتخلّى عن السيارة وأن يرافقه بالقطار الى العاصمة من رادس يوميا للالتحاق بمقر الاتحاد بنهج سيدي علي عزوز والأخ محمد الريّ نقابي ويعمل بالرصيف بميناء تونس، فاعتذر له.
كان حشاد مؤمنا موقنا لا يخشى الموت الذي يأتي بغتة بإذن اللّه سبحانه وتعالى فكان يردّد: لا حذر مع القدر!
ومما جاء في رواية السيدة أمّ الخير حول الفاجعة: «وألحّ عليّ من جديد السفر متعلّلا بكثرة أشغاله وما كان لي إلاّ النزول مكرهة عند رغبته فسافرت يوم 1 ديسمبر 1952 ووصلت الي سوسة وعبّرت لخاله عن قلقي واستغرابي من هذه الزيارة وفي ليلة الرابع من ديسمبر رأيت في المنام ما أرعبني وبقيت أبكي طول النهار وفي 5 ديسمبر صباحا دخل ابن خاله يصيح ويقول: «عمّي فرحات قتلوه».
استشهد حشاد عن سن 38 سنة وترك زوجته فتاة عمرها 22 عاما وبنين: نور الدين والناصر وجميلة وسميرة.
حسبت السلط الاستعمارية أنها قضت على المقاومة لما اغتالت حشاد فحصل عكس تقديرها لأن كافة البلاد قد اهتزّت للخبر وعمّت الانتفاضة الوطن كله فشهدت تونس وحدة صمّاء وأحدثت اليد السوداء ضد اليد الحمراء وتدعمت الثورة فقويت وتواصلت مما أفضى الى قدوم رئيس الوزراء الفرنسي الجديد منداس فرانس الى تونس فأعلن أمام الباي محمد الأمين بقصر قرطاج عن اعتراف حكومته باستقلال تونس الداخلي ذلك يوم 31 جويلية 1945... كانت شهادة حشاد إذن ثمن استقلال تونس.

بقلم: مبروك صالح المناعي
تحيين الرسوم العقارية بين المحكمة العقارية وإدارة الملكية العقارية(2ـ3)
12 ديسمبر 2017 السّاعة 21:00
عند دراسة مطالب الترسيم تتفطن إدارة الملكية العقارية إلى عديد النقائص التي تتعلق بمؤيدات وثائق الترسيم مثل...
المزيد >>
حماية العقارات الفلاحية في تونس (2ـ2)
12 ديسمبر 2017 السّاعة 21:00
_II الحماية الخاصة المتعلقة بالعقارات الدولية والمناطق العمومية السقوية
المزيد >>
حماية العقارات الفلاحية في تونس (1ـ2)
11 ديسمبر 2017 السّاعة 21:00
يكتسي العقار أهمية في حياة الإنسان فهو مصدر الإحاطة بكل النشاط البشري فهو موطن السكن ومورد الرزق وأساس...
المزيد >>
القوّة الثبوتية للترسيمات بــــالإدارة الملكيــــة العقاريــــة
11 ديسمبر 2017 السّاعة 21:00
يعتبر العقار عنصرا هاما وركيزة من ركائز الدورة الاقتصادية لذا اعتبر إستقرار وضعيته القانونية ووضوح حالته...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
عبد الحميد الرياحي
... وتظلّ فلسطين هي البوصلة
ما شهدته منطقتنا العربية من زلازل ومن حرائق منذ غزو العراق واحتلاله وتدمير دولته وتفكيك جيشه ومؤسساته ليس في نهاية المطاف إلا مقدمات للخطوة الأمريكية البائسة ولما سوف يليها من...
المزيد >>