إنّي أتّهمُ !...
خالد الحدّاد
من يُنقـــذ الدولــــة؟
سبع سنوات مرّت على دخول تونس تجربة سياسيّة ومجتمعية جديدة كان منطلقها ذهاب نظام الرئيس الأسبق بن علي وحل الحزب الحاكم السابق. ونهايتها اليوم خليط من ضبابية في الأداء وعجز عن نقل...
المزيد >>
إنّي أتّهمُ !...
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 07 ديسمبر 2017

ككل تونسي اطلع أول أمس على الخبر، انتباني في البداية شعور من الذهول، ذهول اكتنفه إحساس عميق بالحيرة والأسف.
كيف وصل الأمر ببلادنا الأقرب ـ بكل ما يمكن أن تعنيه القربيّة ـ إلى الاتحاد الأوروبي والتي كانت السبّاقة منذ بدايات حكم بورقيبة ، في مطلع ستّينات القرن الماضي، إلى بناء جسور التعاون وإقامة الروابط مع هذا الكيان الاقتصادي الأكبر في العالم، حين لم يكن غير سوق ناشئة، بلادنا التي فتحت في منتصف التسعينات الماضية باب الشراكة لدول جنوب المتوسط وكانت السبّاقة والمثل الناجح؟
تونس يُصنّفها الاتحاد الأوروبي «بلدا للملاذات الضريبية» ويضعها على قائمته السوداء؟ مستحيل، لكنها الحقيقة.
بعد الذهول، يغمرني اليوم شعور من الغضب الساحق، ربّما لمعرفتي بخبايا قرارات مؤسسات الاتحاد الأوروبي وثقل تأثيرها سيما على سمعة البلاد وصورتها ومصداقيتها، ولصعوبة تغييرها أو إزالتها بعد حصول الضّرر.
وحتى نعي قيمة ـ وخطورة ـ ما حصل لبلادنا نُذكّر أن قرار وضعها على القائمة السوداء لبلدان الملاذات الضريبية أو «ذات الأنظمة غير المتعاونة»، في لغة الاتحاد الأوروبي، اتّخذه أهم هيكل ضمن الاتحاد الأوروبي وهي اللجنة الاقتصادية والمالية والتي تضمّ وزراء الاقتصاد والمالية لدول الاتحاد الثماني والعشرين، ووزراء الميزانية، إلى جانب المفوض الأوروبي للشؤون الاقتصادية والمالية، ورئيس البنك المركزي الأوروبي، وهو ما يعني أن القرار لم يكن ارتجاليا وهو ليس سهلا ولا هيّنا، وأنه لم يُتّخذ بين عشية وضحاها، وإنما كان نتيجة عمل دؤوب انطلق منذ ثلاث سنوات بطلب من المفوضية الأوروبية تدفعها بعض الدول الفاعلة وعلى رأسها فرنسا ـ الصّديقة! ـ التي تريد تمكين الاتحاد الأوروبي من «قائمة سوداء» تكون بمثابة السلاح القانوني والسياسي لمواجهة الملاذات الضريبية. ومنذ شهر فيفري الماضي شرع خبراء «مدونة السلوك» وهو فريق عمل تابع لمجلس الاتحاد الأوروبي في درس 29 حالة من «الأنظمة الجبائية التي من المحتمل أن تثير إشكالا».
فالأنظمة التي لا تحترم المعايير المحددة أو لا تلتزم في بحر سنتين بجعل قوانينها الجبائية مطابقة لهذه المعايير توضع على القائمة السوداء. وقد أعطيت للدول المعنية ومنها تونس مهلة تنتهي يوم الثلاثاء الماضي لتقديم التزاماتها لكن تونس لم تقدّم الالتزامات المطلوبة.
والبقية معروفة.
هل عجزت تونس عن تقديم ما طلب منها، أم أنها رفضت عمدا وهي تعلم ما سينجرّ عن هذا الرفض من عواقب وخيمة؟
لا أحد يعلم شيئا لأنه لا أحد في الحكومة أو الأوساط المسؤولة قدّم معلومة أو إيضاحا أو موقفا. وكأننا نحن معشر التونسيين لا حقّ لنا في معرفة شؤون بلادنا مثلما كان شأننا زمن نظام بورقيبة وزمن نظام بن علي: قطيع أغنام تساق ولا تسأل، أو مجموعة من الأفراد القُصّر لا يفهمون ولا يفقهون شيئا.
إن وضع تونس في القائمة السوداء للملاذات الضريبية ضربة قاضية تصيب تونس في مقتل لأنها تستهدف سمعة بلاد ثائرة على الفساد تحارب الانفلات والافلات من تطبيق القانون وتقاوم التهرّب الجبائي بالتحديد،
لذلك فإني أتّهم.
أتّهمُ رئاسة الجمهورية المسؤولة عن سياسة البلاد الخارجية وما يفرض ذلك من ضرورة الحفاظ على سمعة وصورة البلاد التي تمثل رأس مال تونس وثروتها الأكثر قيمة سيما اليوم في عالمنا المعولم.
أتّهمُ رئاسة الحكومة ووزارتها ذات العلاقة بالمسألة والتي تدفع البلاد اليوم ثمن تهاونها وتقصيرها ولا مبالاتها.
أتّهمُ رئاسة مجلس النواب التي تتعامل مع شركاء البلاد ومؤسساتها وأولها وأهمّها هياكل الاتحاد الأوروبي (مجلسا ومفوضيّة وبرلمانا) الذي يمثل الشريك الاستراتيجي لتونس باستخفاف وهواية، فلم يؤسّس لديبلوماسية برلمانية فاعلة ولم يبن صداقات مؤثّرة وذات معنى.
أتّهمُ الديبلوماسية التي لم تستبق حدوث الكارثة وأظهرت عدم نجاعة واضحة حين لم تقدر على التأثير وعكس مسار القرار سيما وأن أصحاب المبادرة يعتبرون من أصدقائنا التاريخيين: فرنسا وإيطاليا وألمانيا. وللملاحظة فإن هذه البلدان الثلاثة تدفع إلى عدم الاكتفاء بوضع القائمة السوداء والتشهير بالبلدان السبعة عشر التي وردت فيها، بل تطالب بتسليط عقوبات شديدة عليها.
قد يرى البعض أنه يحق لنا ـ أو علينا ـ أن نتهم كذلك اللجنة الاقتصادية والمالية الأوروبية بالمعاملة الجائرة وغير المنصفة لأنها غفلت عن الولايات المتحدة الأمريكية التي تمتنع شركاتها الرقمية العملاقة مثل آبل وغوغل وفايس بوك عن دفع الضرائب في البلدان التي تنشط بها، كما أن بلدانا أخرى معروفة بعدم احترامها للقواعد الضريبية الأوروبية مثل اللوكسبورغ ومالطا وهولاندا وإيرلندا لم تشملها القائمة السوداء.
يحق لنا ذلك، لكن أي فائدة من توجيه الاتهام لمثل هذه البلدان القوية؟ «أليس قانون الأقوى هو دائما الأفضل» كما يقول الكاتب الفرنسي لافنتان؟
نتّهم مسؤولي بلادنا فهم اليوم مسؤولون عن وصمة العار التي لحقت بتونس مثلما لم تلحق بها أبدا من قبل.
ألم نقم بثورة من أجل إعلاء سلطة القانون فكيف نقبل أن نكون رمزا للتحيّل على القانون؟
أم هل فقط كنا نظن أننا أكثر ذكاء منهم وقادرون على مخادعتهم؟
نعم، أتّهمُ !

بقلم: عبد الجليل المسعودي
الدستوري الحر يستنكر تركيبة "الترويكا الجديدة" ويحذر من التوافق مع الاسلام السياسي
18 ديسمبر 2017 السّاعة 18:14
اصدر الحزب الدستوري الحر بيات تلقت الشروق اون لاين نسخة منه استنكر فيه ما اسماه "الترويكا الجديدة" وحذر من...
المزيد >>
رياض المؤخر: متمسك بوثيقة قرطاج واخترت العمل مع الحكومة بدل الحزب
18 ديسمبر 2017 السّاعة 16:42
بين وزير التنمية المحلية والبيئة، رياض المؤخر،...
المزيد >>
ماذا في لقاء السبسي بالطيب البكوش؟
18 ديسمبر 2017 السّاعة 14:27
استقبل رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي يوم...
المزيد >>
الشاهد يكشف أسباب رفضه طلب إعفاء وزراء آفاق تونس من مهامهم في الحكومة
18 ديسمبر 2017 السّاعة 14:01
قرر رئيس الحكومة يوسف الشاهد رفض طلب الإعفاء...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
إنّي أتّهمُ !...
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 07 ديسمبر 2017

ككل تونسي اطلع أول أمس على الخبر، انتباني في البداية شعور من الذهول، ذهول اكتنفه إحساس عميق بالحيرة والأسف.
كيف وصل الأمر ببلادنا الأقرب ـ بكل ما يمكن أن تعنيه القربيّة ـ إلى الاتحاد الأوروبي والتي كانت السبّاقة منذ بدايات حكم بورقيبة ، في مطلع ستّينات القرن الماضي، إلى بناء جسور التعاون وإقامة الروابط مع هذا الكيان الاقتصادي الأكبر في العالم، حين لم يكن غير سوق ناشئة، بلادنا التي فتحت في منتصف التسعينات الماضية باب الشراكة لدول جنوب المتوسط وكانت السبّاقة والمثل الناجح؟
تونس يُصنّفها الاتحاد الأوروبي «بلدا للملاذات الضريبية» ويضعها على قائمته السوداء؟ مستحيل، لكنها الحقيقة.
بعد الذهول، يغمرني اليوم شعور من الغضب الساحق، ربّما لمعرفتي بخبايا قرارات مؤسسات الاتحاد الأوروبي وثقل تأثيرها سيما على سمعة البلاد وصورتها ومصداقيتها، ولصعوبة تغييرها أو إزالتها بعد حصول الضّرر.
وحتى نعي قيمة ـ وخطورة ـ ما حصل لبلادنا نُذكّر أن قرار وضعها على القائمة السوداء لبلدان الملاذات الضريبية أو «ذات الأنظمة غير المتعاونة»، في لغة الاتحاد الأوروبي، اتّخذه أهم هيكل ضمن الاتحاد الأوروبي وهي اللجنة الاقتصادية والمالية والتي تضمّ وزراء الاقتصاد والمالية لدول الاتحاد الثماني والعشرين، ووزراء الميزانية، إلى جانب المفوض الأوروبي للشؤون الاقتصادية والمالية، ورئيس البنك المركزي الأوروبي، وهو ما يعني أن القرار لم يكن ارتجاليا وهو ليس سهلا ولا هيّنا، وأنه لم يُتّخذ بين عشية وضحاها، وإنما كان نتيجة عمل دؤوب انطلق منذ ثلاث سنوات بطلب من المفوضية الأوروبية تدفعها بعض الدول الفاعلة وعلى رأسها فرنسا ـ الصّديقة! ـ التي تريد تمكين الاتحاد الأوروبي من «قائمة سوداء» تكون بمثابة السلاح القانوني والسياسي لمواجهة الملاذات الضريبية. ومنذ شهر فيفري الماضي شرع خبراء «مدونة السلوك» وهو فريق عمل تابع لمجلس الاتحاد الأوروبي في درس 29 حالة من «الأنظمة الجبائية التي من المحتمل أن تثير إشكالا».
فالأنظمة التي لا تحترم المعايير المحددة أو لا تلتزم في بحر سنتين بجعل قوانينها الجبائية مطابقة لهذه المعايير توضع على القائمة السوداء. وقد أعطيت للدول المعنية ومنها تونس مهلة تنتهي يوم الثلاثاء الماضي لتقديم التزاماتها لكن تونس لم تقدّم الالتزامات المطلوبة.
والبقية معروفة.
هل عجزت تونس عن تقديم ما طلب منها، أم أنها رفضت عمدا وهي تعلم ما سينجرّ عن هذا الرفض من عواقب وخيمة؟
لا أحد يعلم شيئا لأنه لا أحد في الحكومة أو الأوساط المسؤولة قدّم معلومة أو إيضاحا أو موقفا. وكأننا نحن معشر التونسيين لا حقّ لنا في معرفة شؤون بلادنا مثلما كان شأننا زمن نظام بورقيبة وزمن نظام بن علي: قطيع أغنام تساق ولا تسأل، أو مجموعة من الأفراد القُصّر لا يفهمون ولا يفقهون شيئا.
إن وضع تونس في القائمة السوداء للملاذات الضريبية ضربة قاضية تصيب تونس في مقتل لأنها تستهدف سمعة بلاد ثائرة على الفساد تحارب الانفلات والافلات من تطبيق القانون وتقاوم التهرّب الجبائي بالتحديد،
لذلك فإني أتّهم.
أتّهمُ رئاسة الجمهورية المسؤولة عن سياسة البلاد الخارجية وما يفرض ذلك من ضرورة الحفاظ على سمعة وصورة البلاد التي تمثل رأس مال تونس وثروتها الأكثر قيمة سيما اليوم في عالمنا المعولم.
أتّهمُ رئاسة الحكومة ووزارتها ذات العلاقة بالمسألة والتي تدفع البلاد اليوم ثمن تهاونها وتقصيرها ولا مبالاتها.
أتّهمُ رئاسة مجلس النواب التي تتعامل مع شركاء البلاد ومؤسساتها وأولها وأهمّها هياكل الاتحاد الأوروبي (مجلسا ومفوضيّة وبرلمانا) الذي يمثل الشريك الاستراتيجي لتونس باستخفاف وهواية، فلم يؤسّس لديبلوماسية برلمانية فاعلة ولم يبن صداقات مؤثّرة وذات معنى.
أتّهمُ الديبلوماسية التي لم تستبق حدوث الكارثة وأظهرت عدم نجاعة واضحة حين لم تقدر على التأثير وعكس مسار القرار سيما وأن أصحاب المبادرة يعتبرون من أصدقائنا التاريخيين: فرنسا وإيطاليا وألمانيا. وللملاحظة فإن هذه البلدان الثلاثة تدفع إلى عدم الاكتفاء بوضع القائمة السوداء والتشهير بالبلدان السبعة عشر التي وردت فيها، بل تطالب بتسليط عقوبات شديدة عليها.
قد يرى البعض أنه يحق لنا ـ أو علينا ـ أن نتهم كذلك اللجنة الاقتصادية والمالية الأوروبية بالمعاملة الجائرة وغير المنصفة لأنها غفلت عن الولايات المتحدة الأمريكية التي تمتنع شركاتها الرقمية العملاقة مثل آبل وغوغل وفايس بوك عن دفع الضرائب في البلدان التي تنشط بها، كما أن بلدانا أخرى معروفة بعدم احترامها للقواعد الضريبية الأوروبية مثل اللوكسبورغ ومالطا وهولاندا وإيرلندا لم تشملها القائمة السوداء.
يحق لنا ذلك، لكن أي فائدة من توجيه الاتهام لمثل هذه البلدان القوية؟ «أليس قانون الأقوى هو دائما الأفضل» كما يقول الكاتب الفرنسي لافنتان؟
نتّهم مسؤولي بلادنا فهم اليوم مسؤولون عن وصمة العار التي لحقت بتونس مثلما لم تلحق بها أبدا من قبل.
ألم نقم بثورة من أجل إعلاء سلطة القانون فكيف نقبل أن نكون رمزا للتحيّل على القانون؟
أم هل فقط كنا نظن أننا أكثر ذكاء منهم وقادرون على مخادعتهم؟
نعم، أتّهمُ !

بقلم: عبد الجليل المسعودي
الدستوري الحر يستنكر تركيبة "الترويكا الجديدة" ويحذر من التوافق مع الاسلام السياسي
18 ديسمبر 2017 السّاعة 18:14
اصدر الحزب الدستوري الحر بيات تلقت الشروق اون لاين نسخة منه استنكر فيه ما اسماه "الترويكا الجديدة" وحذر من...
المزيد >>
رياض المؤخر: متمسك بوثيقة قرطاج واخترت العمل مع الحكومة بدل الحزب
18 ديسمبر 2017 السّاعة 16:42
بين وزير التنمية المحلية والبيئة، رياض المؤخر،...
المزيد >>
ماذا في لقاء السبسي بالطيب البكوش؟
18 ديسمبر 2017 السّاعة 14:27
استقبل رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي يوم...
المزيد >>
الشاهد يكشف أسباب رفضه طلب إعفاء وزراء آفاق تونس من مهامهم في الحكومة
18 ديسمبر 2017 السّاعة 14:01
قرر رئيس الحكومة يوسف الشاهد رفض طلب الإعفاء...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
خالد الحدّاد
من يُنقـــذ الدولــــة؟
سبع سنوات مرّت على دخول تونس تجربة سياسيّة ومجتمعية جديدة كان منطلقها ذهاب نظام الرئيس الأسبق بن علي وحل الحزب الحاكم السابق. ونهايتها اليوم خليط من ضبابية في الأداء وعجز عن نقل...
المزيد >>