محاضرات الشيخ :محمد الفاضل بن عاشور:الاخـــاء والحلف (7)
عبد الجليل المسعودي
في دور الأحــــزاب
الحرب السيّئة التي تقودها بعض الأحزاب السياسية على حزب النداء بدعوى أن الوزراء المنتسبين إليه يستغلّون إمكانات الدولة لخدمة أغراض حزبية، وكذلك إعلان عدد من هذه الأحزاب خروجها من...
المزيد >>
محاضرات الشيخ :محمد الفاضل بن عاشور:الاخـــاء والحلف (7)
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 22 ديسمبر 2017

ان الاعتبار الذي يعتمد في التفرقة بين العصبيات او الاحلاف التي يذم منها ما يذم ويمدح منها ما يمدح ينبغي ان يرجع الى ملاحظة معنى الشخص او الذات ونسبته من المجتمع.
وذلك هو موضوع البحث الذي يتعلق به الحديث الذي جعلناه موضوع تعليقنا في كلامنا هذا ، فان الشخصية تعتبر زائلة متلاشية في بعض المجتمعات بحيث ان الوحدة تعتبر اساسا، ويعتبر شعور الشخص بحقيقته الذاتية منشقا من روح الوحدة ولقد تعتبر اساسا لتلك العلاقات بحيث ان شعور الجماعة بوحدتها يكون مستمدا من شعور الشخص بذاته وراجعا الى شعور الشخص بذاته فجاءت الدعوة الاسلامية تؤكد الشخصية الفردية للانسان وتجعلها مدد الشعور بالذات شعورا فرديا اولا ثم شعورا اجتماعيا مرتبا عليه.
وعلى ذلك جاء هدم الحواجز التي تحول بين الشخصية وبين البروز في مجال الشعور الاجتماعي من التعلق بالسيادات الوطنية والقومية او التعلق بالاقاليم او التعلق بالانساب على معنى يجعل كل حقيقة من هذه الحقائق مباينة للحقائق الاخرى ومنفصلة عنها.
ففي اتحاد المسلمين نرى المثل الاول او المثل الاكمل هو الذي جرى في مؤاخاة النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والانصار فان المهاجرين الذين هم من قريش قد هاجروا وقطعوا اقوامهم واصبحوا اعداء لقريش الذين هم منهم محاربين لمكة التي هي وطنهم والانصار الذين هم منهم من الاوس والخزرج من المدينة المنورة قد اصبحوا موحدين فيما بين بعضهم وبعض اوسا وخزرجا ، وموحدين مع اخوانهم المهاجرين ومتخلين عن معاني الخصوصية والايثار التي تربط بينهم وبين وطنهم او مدينتهم.
وعلى ذلك تكون الوطن الاسلامي الاول تكوينا حقيقيا على اساس ان الوطن يستمد حقيقته من كيان الامة لا ان الامة تستمد حقيقتها من كيان الوطن وحدوده الترابية وعلى ذلك سميت المدينة المنورة التي الفت هذا المجتمع المثالي الاول «المدينة» كأنه الهام الهي او وحي صريح ساق النبي صلى الله عليه وسلم الى ان يسميها باسم يشير الى معنى المدينة الفاضلة التي لم تنزل حلم الفلاسفة والحكماء منذ زمان فتكون على هذا الاساس الشخصي الانساني المجتمع الاسلامي الاول وبدت فيه الشخصية الفردية للمسلم متوجهة الى الرباط الاجتماعية التي هي مستمدة من روح الوحدة الدينية الجامعة.
وقد جاءت آيات القرآن العظيم واحاديث النبي صلى الله عليه وسلم تقضي بدعم هذا المعنى وتقويته فقال تعالى «انما المؤمنون اخوة» وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر المخرج في الصحيحين : «المسلم اخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ومن كان في حاجة اخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة» وحديث ابي موسى الاشعري الذي في الصحيحين ايضا «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» وعلى ذلك مضى المثل الواقعي للتاريخ الاسلامي. فطالما عرض هذا المجتمع الى زلازل وازمات وعواصف ولكنه بقي ثابتا نظرا الى ان روحه التي قام عليها والتي عاش عليها هي روح رابطة موحدة ترجع الى التناسق بين المعنى الحيوي الاجتماعي وبين المعنى الديني نظرا الى ان الحقيقة الاجتماعية فيه ليست الا متولدة من الحقيقة الدينية.
هدف هذا السؤال
وبهذا الاعتبار من التفرقة والعصبيات والروابط المحمودة وغير المحمودة توجه عاصم بن سليمان الاحول من التابعين الى انس بن مالك رضي الله عنه يسأله : أبلغه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال «لا حلف في الاسلام» وهذا التوجه انما يدل على ان الشعور باستشكال هذا المعنى واخفاء وجه التفرقة بين ما هو مقبول محمود وبين ما هو مردود مذموم من الروابط والاحلاف والعصبيات انما كان مشعورا به ضرورة انه توجه بالسؤال عنه الى انس رضي الله عنه وانما كان توجهه بهذا السؤال الذي ظاهره سؤال عن بلاغ هذا لانس: ابلغه؟ قصد الى السؤال عن حقيقة مضمون ما بلغه هل هو امر وارد حقيقة في الاسلام او غير وارد فكما ان الجملة الخبرية تستعمل في فائدة الخبر وهي المضمون الحكمي وتستعمل في لازم الفائدة وهي علم المتكلم بها فان الجملة الانشائية هنا وهي الجملة الاستفهامية انما وردت على معنى ان السؤال في ظاهره متعلق بمعرفة المخاطب بالحكم وهو في باطنه راجع الى تصحيح الحكم في ذاته.
وانما كان التوجه في ذلك الى انس نظرا الى مظنة المعرفة لما هو معروف مشهور من ملازمته للنبي صلى الله عليه وسلم وفوزه بخدمته ورضاه وانه الذي يرجع الى البيت الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يرعاه ويحبه ويتولاه وهو بيت امه ام سليم ، وزوج امه ابي طلحة الانصاري والى ذلك المعنى يشير انس بقوله في جواب السؤال : حالف النبي صلى الله عليه وسلم بين قريش والانصار في داري فقوله في داري ورد في بعض الروايات وهي التي اخرجها الامام البخاري بالافراد وورد في بعضها بالجمع في دارنا وهي دار ابي طلحة وام سليم وانما جاء ذكر الدار هنا لنكتتين لا تتزاحمان الاولى التأكيد والتثبيت كان يقول الانسان شهدت هذا بعيني وسمعته باذني والثانية ان هذا البيت الذي اشار اليه انس بقوله داري او دارنا انما هو بيت مبارك ، بارك النبي صلى الله عليه وسلم فيه ودعا لاهله بالخير والبركة فكان ذكر وقوع الحلف فيه اشارة الى انه وقع في مكان فاضل ليس من شأنه ان تقع فيه الا الامور الفاضلة كما وقع من بعض التابعين لما سئل ايجب على الشارب ان يجلس فقال شرب النبي صلى الله عليه وسلم من زمزم واقفا فاجاب ضمنيا بان الشرب جالس قد وقع من اكرم الشاربين لاكرم مشروب .

يتبع

ملف الأسبوع .. احترام القوانين منهج إسلامي قويم
19 جانفي 2018 السّاعة 21:00
اكدت الاحداث الاخيرة التي عرفتها بلادنا من اعمال عنف وتخريب
المزيد >>
الإسلام دين النظام لا دين الفوضى
19 جانفي 2018 السّاعة 21:00
إن شريعة الإسلام تدعو إلى الأمن والسلام. والأمن لا يقوم سلطانه إلا إذا
المزيد >>
احترام القوانين مقصد شرعي
19 جانفي 2018 السّاعة 21:00
إنّ الله عزّ وجلّ جعل القوانين ثابتة في الكون
المزيد >>
محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور ...الاسلام دين العلم (3)
19 جانفي 2018 السّاعة 21:00
انحاز المنهج الاسلامي الى المنهج الواقعي على معنى يميزه عن جميع المسالك التي كانت سائرة
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
محاضرات الشيخ :محمد الفاضل بن عاشور:الاخـــاء والحلف (7)
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 22 ديسمبر 2017

ان الاعتبار الذي يعتمد في التفرقة بين العصبيات او الاحلاف التي يذم منها ما يذم ويمدح منها ما يمدح ينبغي ان يرجع الى ملاحظة معنى الشخص او الذات ونسبته من المجتمع.
وذلك هو موضوع البحث الذي يتعلق به الحديث الذي جعلناه موضوع تعليقنا في كلامنا هذا ، فان الشخصية تعتبر زائلة متلاشية في بعض المجتمعات بحيث ان الوحدة تعتبر اساسا، ويعتبر شعور الشخص بحقيقته الذاتية منشقا من روح الوحدة ولقد تعتبر اساسا لتلك العلاقات بحيث ان شعور الجماعة بوحدتها يكون مستمدا من شعور الشخص بذاته وراجعا الى شعور الشخص بذاته فجاءت الدعوة الاسلامية تؤكد الشخصية الفردية للانسان وتجعلها مدد الشعور بالذات شعورا فرديا اولا ثم شعورا اجتماعيا مرتبا عليه.
وعلى ذلك جاء هدم الحواجز التي تحول بين الشخصية وبين البروز في مجال الشعور الاجتماعي من التعلق بالسيادات الوطنية والقومية او التعلق بالاقاليم او التعلق بالانساب على معنى يجعل كل حقيقة من هذه الحقائق مباينة للحقائق الاخرى ومنفصلة عنها.
ففي اتحاد المسلمين نرى المثل الاول او المثل الاكمل هو الذي جرى في مؤاخاة النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والانصار فان المهاجرين الذين هم من قريش قد هاجروا وقطعوا اقوامهم واصبحوا اعداء لقريش الذين هم منهم محاربين لمكة التي هي وطنهم والانصار الذين هم منهم من الاوس والخزرج من المدينة المنورة قد اصبحوا موحدين فيما بين بعضهم وبعض اوسا وخزرجا ، وموحدين مع اخوانهم المهاجرين ومتخلين عن معاني الخصوصية والايثار التي تربط بينهم وبين وطنهم او مدينتهم.
وعلى ذلك تكون الوطن الاسلامي الاول تكوينا حقيقيا على اساس ان الوطن يستمد حقيقته من كيان الامة لا ان الامة تستمد حقيقتها من كيان الوطن وحدوده الترابية وعلى ذلك سميت المدينة المنورة التي الفت هذا المجتمع المثالي الاول «المدينة» كأنه الهام الهي او وحي صريح ساق النبي صلى الله عليه وسلم الى ان يسميها باسم يشير الى معنى المدينة الفاضلة التي لم تنزل حلم الفلاسفة والحكماء منذ زمان فتكون على هذا الاساس الشخصي الانساني المجتمع الاسلامي الاول وبدت فيه الشخصية الفردية للمسلم متوجهة الى الرباط الاجتماعية التي هي مستمدة من روح الوحدة الدينية الجامعة.
وقد جاءت آيات القرآن العظيم واحاديث النبي صلى الله عليه وسلم تقضي بدعم هذا المعنى وتقويته فقال تعالى «انما المؤمنون اخوة» وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر المخرج في الصحيحين : «المسلم اخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ومن كان في حاجة اخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة» وحديث ابي موسى الاشعري الذي في الصحيحين ايضا «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» وعلى ذلك مضى المثل الواقعي للتاريخ الاسلامي. فطالما عرض هذا المجتمع الى زلازل وازمات وعواصف ولكنه بقي ثابتا نظرا الى ان روحه التي قام عليها والتي عاش عليها هي روح رابطة موحدة ترجع الى التناسق بين المعنى الحيوي الاجتماعي وبين المعنى الديني نظرا الى ان الحقيقة الاجتماعية فيه ليست الا متولدة من الحقيقة الدينية.
هدف هذا السؤال
وبهذا الاعتبار من التفرقة والعصبيات والروابط المحمودة وغير المحمودة توجه عاصم بن سليمان الاحول من التابعين الى انس بن مالك رضي الله عنه يسأله : أبلغه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال «لا حلف في الاسلام» وهذا التوجه انما يدل على ان الشعور باستشكال هذا المعنى واخفاء وجه التفرقة بين ما هو مقبول محمود وبين ما هو مردود مذموم من الروابط والاحلاف والعصبيات انما كان مشعورا به ضرورة انه توجه بالسؤال عنه الى انس رضي الله عنه وانما كان توجهه بهذا السؤال الذي ظاهره سؤال عن بلاغ هذا لانس: ابلغه؟ قصد الى السؤال عن حقيقة مضمون ما بلغه هل هو امر وارد حقيقة في الاسلام او غير وارد فكما ان الجملة الخبرية تستعمل في فائدة الخبر وهي المضمون الحكمي وتستعمل في لازم الفائدة وهي علم المتكلم بها فان الجملة الانشائية هنا وهي الجملة الاستفهامية انما وردت على معنى ان السؤال في ظاهره متعلق بمعرفة المخاطب بالحكم وهو في باطنه راجع الى تصحيح الحكم في ذاته.
وانما كان التوجه في ذلك الى انس نظرا الى مظنة المعرفة لما هو معروف مشهور من ملازمته للنبي صلى الله عليه وسلم وفوزه بخدمته ورضاه وانه الذي يرجع الى البيت الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يرعاه ويحبه ويتولاه وهو بيت امه ام سليم ، وزوج امه ابي طلحة الانصاري والى ذلك المعنى يشير انس بقوله في جواب السؤال : حالف النبي صلى الله عليه وسلم بين قريش والانصار في داري فقوله في داري ورد في بعض الروايات وهي التي اخرجها الامام البخاري بالافراد وورد في بعضها بالجمع في دارنا وهي دار ابي طلحة وام سليم وانما جاء ذكر الدار هنا لنكتتين لا تتزاحمان الاولى التأكيد والتثبيت كان يقول الانسان شهدت هذا بعيني وسمعته باذني والثانية ان هذا البيت الذي اشار اليه انس بقوله داري او دارنا انما هو بيت مبارك ، بارك النبي صلى الله عليه وسلم فيه ودعا لاهله بالخير والبركة فكان ذكر وقوع الحلف فيه اشارة الى انه وقع في مكان فاضل ليس من شأنه ان تقع فيه الا الامور الفاضلة كما وقع من بعض التابعين لما سئل ايجب على الشارب ان يجلس فقال شرب النبي صلى الله عليه وسلم من زمزم واقفا فاجاب ضمنيا بان الشرب جالس قد وقع من اكرم الشاربين لاكرم مشروب .

يتبع

ملف الأسبوع .. احترام القوانين منهج إسلامي قويم
19 جانفي 2018 السّاعة 21:00
اكدت الاحداث الاخيرة التي عرفتها بلادنا من اعمال عنف وتخريب
المزيد >>
الإسلام دين النظام لا دين الفوضى
19 جانفي 2018 السّاعة 21:00
إن شريعة الإسلام تدعو إلى الأمن والسلام. والأمن لا يقوم سلطانه إلا إذا
المزيد >>
احترام القوانين مقصد شرعي
19 جانفي 2018 السّاعة 21:00
إنّ الله عزّ وجلّ جعل القوانين ثابتة في الكون
المزيد >>
محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور ...الاسلام دين العلم (3)
19 جانفي 2018 السّاعة 21:00
انحاز المنهج الاسلامي الى المنهج الواقعي على معنى يميزه عن جميع المسالك التي كانت سائرة
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
عبد الجليل المسعودي
في دور الأحــــزاب
الحرب السيّئة التي تقودها بعض الأحزاب السياسية على حزب النداء بدعوى أن الوزراء المنتسبين إليه يستغلّون إمكانات الدولة لخدمة أغراض حزبية، وكذلك إعلان عدد من هذه الأحزاب خروجها من...
المزيد >>