محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور:الاسلام دين العلم ( 1 )
عبد الجليل المسعودي
في دور الأحــــزاب
الحرب السيّئة التي تقودها بعض الأحزاب السياسية على حزب النداء بدعوى أن الوزراء المنتسبين إليه يستغلّون إمكانات الدولة لخدمة أغراض حزبية، وكذلك إعلان عدد من هذه الأحزاب خروجها من...
المزيد >>
محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور:الاسلام دين العلم ( 1 )
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 05 جانفي 2018

من القضايا المشهورة الذائعة المستفيضة قضية لا يستطيع ان يرتاب فيها مؤمن ولا يستطيع ان يكابر فيها جاحد وهي القضية المشهورة ان الاسلام دين العلم، وان الذي يتتبع مباني هذه القضية وينظر الى افاق ابعادها لا ليقيم عليها البراهين ولا ليستدل لها لانها من الاشتهار والثبوت بحيث استغنت عن الاستدلال ولكن ليتبين معناها وحقيقتها وليدرك مبناها وليعرف كيف كان الاسلام دين العلم حقيقة بصورة امتاز بها من بين جميع الدعوات الدينية الاخرى فانه يستطيع في ذلك ان يسلك طريقا مشهورة معروفة بالنسبة الى جميع القضايا التي اولاها الدين الحنيف اهمية زائدة حين يتتبع موارد تلك المادة في الكتاب العزيز فيتبين له انها قد كانت من الكثرة بحيث تدل على اعتناء اما للترغيب واما للترهيب .
ولكن هذا المسلك يمكن ان ينتهي الى ان اصل المعنى وهو ان مادة علم او مادة الدلالة على معنى العلم مستعملة في القران الكريم بكثرة . وهي مستعملة ايضا في الكتب السماوية الاخرى وان تكن مستعملة بقلة الا ان اصل الاستعمال قد اصبح مشتركا بين الطرفين ولكنه اذا عدل عن هذه الطريقة اللفظية الى طريقة اخرى معنوية تبين له بهذه الطريقة المعنوية كيف كان الاسلام حقيقة منفردا من بين الاديان بكونه الداعي الى العلم بصورة لا يشاركه دين من الاديان الاخرى فيها ولا يشتمل كتاب من الكتب السماوية عليها وذلك بالرجوع الى معنى العلم لا من حيث كونه لفظا يدل بمختلف تعاريف المادة على المعرفة والاطلاع والادراك بل على معنى انه ماهية تتضمن حقيقة ذهنية وعنصرا تكوينيا من عناصر الشخص به امتازت طائفة ميزها القران العظيم تمييزا من بين عناصر النوع البشري لمزيد الادراك ومزيد الوعي الذي هي ممتازة به وهي طائفة اهل العلم او العلماء او الذين اوتوا العلم ثم بما بين القران العظيم من الافاق الواسعة والابعاد غير المتناهية للعلم حتى قال تعالى مع ما اثنى على اهل العلم من جهة فقال من جهة اخرى « وما اوتيتم من العلم الا قليلا « . ثم بالنظر الى الاستعمالات التي وردت فيها الالفاظ المؤدية الى معنى العلم اما بطريق المرادفة واما بطريق الارتباط على معنى التضمن او على معنى الالتزام من معاني اللب والمعرفة الى غير ذلك من المعاني التي ترددت في القران العظيم .
فإننا اذا اخذنا العلم بهذا الاعتبار ثم من حيث كونه ماهية مجردة ومن حيث كونه حقيقة تكوينية للشخص ثم من حيث كونه ملكة تثبت عند عنصر من عناصر النوع البشري يصير بها ممتازا على بقية افراد النوع اذا اخذنا بهذا المعنى يتبين لنا ان هذا معنى لا تكاد الكتب السماوية الاخرى تشتمل عليه ولا تكاد الاديان الاخرى تلتفت اليه فيشعرنا اشعارا حقيقيا بما امتاز في الدين الاسلامي وبما للدعوة الاسلامية من ارتباط بالعلم من هذه الناحية وهي كونه عنصرا ذهنيا تكوينيا للفرد به ينال مقاما من الامتياز بين افراد النوع .
وقد كان للعلم بهذا الاعتبار مكانة من الدعوة الاسلامية نستطيع ان نبينها بانها مكانة ذاتية لا عرضية وانها مكانة اساسية لا تكميلية بحيث اننا نلاحظ ان الدعوة الاسلامية انبنت على العلم واعطت العلم مقام الحقيقة التي هي مبنى الدعوة واساس الهيكل الاسلامي بحيث ان الاسلام متكونا بالعلم وان دعوته نافذة الى الناس من طريق العلم لا من طريق اخر . وهذا يتضح عندما يلاحظ ان الدعوة الاسلامية بدأت دعوة غريبة وقد كانت غرابتها ترجع الى ما انفردت به من الشمول والعموم ، من الشمول في موضوعها ومن العموم في متعلقها اعني في المخاطبين بها . ومن هذه الغرابة التي بدت في الدعوة الاسلامية اصطدمت هذه الدعوة في اول امرها مع مسلمات كثيرة من القضايا الباطلة والعقائد الزائفة التي كانت الامم على اختلافها تتمسك بها على ما بين تلك المسلمات الباطلة من اختلاف في مناشئها بين ما كان ناشئا عن نظام اجتماعي وما كان ناشئا عن دعوة حكمية فلسفية . وبذلك تقررت عند الناس عقائد واصطبغت اوضاعهم الاجتماعية بتقاليد وانطبعت ذهنياتهم على مقاييس هي في حقيقة الامر ليست مبنية على ما يقتضيها ، ولكن الناس التزموها التزام ما لا يلزم وسلموها بدون بحث فيها وبنوا عليها اوضاعهم الاعتقادية واوضاعهم الاجتماعية واوضاعهم الذهنية . فكان من الضروري لهذه الدعوة الغربية وهي دعوة الاسلام حين اصطدمت مع هذه المسلمات الباطلة انه يستحيل عليها ان تنفذ الى تصورات الناس وتصديقاتهم مع رسوخ تلك المسلمات الباطلة في اذهانهم وانه يستحيل ان تبقى اذا لم تؤسس على بناء جديد من شأنه ان يتحامى ما دخل في اسس مباني الدعوات الاخرى من تلك المسلمات الباطلة والعقائد الزائفة .
فاتجهت الدعوة الاسلامية حينئذ لضمان بلوغها ونفوذها الى النفوس والافكار ولضمان قيامها وبقائها الى محاربة تلك المسلمات التي يصبح رسوخها مانعا من ان تنفذ الدعوة الاسلامية الى القلوب او ان تقوم هياكلها بين العقائد فدعا الاسلام اول ما دعا في منهج محاربة المسلمات الباطلة التي كانت مستقرة في الاذهان من قبل الى النظر الذي هو الفكر الذي يطلب به العلم واوجب على الانسان ان يضع جميع ما عنده من القضايا المسلمة تحت ضوء النظر حتى لا تبقى عنده قضية مسلمة بدون تعليل ولا قضية ملتزمة التزام ما لا يلزم . فاصبحت جميع المدارك الانسانية بين مسلمات اعتقادية ومدركات ذهنية واوضاع اجتماعية على اختلاف نواحي الاوضاع الاجتماعية ، اصبحت كلها موضوعة للنظر وخاضعة للبحث لاجل ان لا تبقى عند الناس قضايا مسلمة يسلمونها لانهم لا يبحثون فيها لان عوارض تمنعهم وتصرفهم عن التأمل فيها والبحث في مبانيها .

يتبع

ملف الأسبوع .. احترام القوانين منهج إسلامي قويم
19 جانفي 2018 السّاعة 21:00
اكدت الاحداث الاخيرة التي عرفتها بلادنا من اعمال عنف وتخريب
المزيد >>
الإسلام دين النظام لا دين الفوضى
19 جانفي 2018 السّاعة 21:00
إن شريعة الإسلام تدعو إلى الأمن والسلام. والأمن لا يقوم سلطانه إلا إذا
المزيد >>
احترام القوانين مقصد شرعي
19 جانفي 2018 السّاعة 21:00
إنّ الله عزّ وجلّ جعل القوانين ثابتة في الكون
المزيد >>
محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور ...الاسلام دين العلم (3)
19 جانفي 2018 السّاعة 21:00
انحاز المنهج الاسلامي الى المنهج الواقعي على معنى يميزه عن جميع المسالك التي كانت سائرة
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور:الاسلام دين العلم ( 1 )
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 05 جانفي 2018

من القضايا المشهورة الذائعة المستفيضة قضية لا يستطيع ان يرتاب فيها مؤمن ولا يستطيع ان يكابر فيها جاحد وهي القضية المشهورة ان الاسلام دين العلم، وان الذي يتتبع مباني هذه القضية وينظر الى افاق ابعادها لا ليقيم عليها البراهين ولا ليستدل لها لانها من الاشتهار والثبوت بحيث استغنت عن الاستدلال ولكن ليتبين معناها وحقيقتها وليدرك مبناها وليعرف كيف كان الاسلام دين العلم حقيقة بصورة امتاز بها من بين جميع الدعوات الدينية الاخرى فانه يستطيع في ذلك ان يسلك طريقا مشهورة معروفة بالنسبة الى جميع القضايا التي اولاها الدين الحنيف اهمية زائدة حين يتتبع موارد تلك المادة في الكتاب العزيز فيتبين له انها قد كانت من الكثرة بحيث تدل على اعتناء اما للترغيب واما للترهيب .
ولكن هذا المسلك يمكن ان ينتهي الى ان اصل المعنى وهو ان مادة علم او مادة الدلالة على معنى العلم مستعملة في القران الكريم بكثرة . وهي مستعملة ايضا في الكتب السماوية الاخرى وان تكن مستعملة بقلة الا ان اصل الاستعمال قد اصبح مشتركا بين الطرفين ولكنه اذا عدل عن هذه الطريقة اللفظية الى طريقة اخرى معنوية تبين له بهذه الطريقة المعنوية كيف كان الاسلام حقيقة منفردا من بين الاديان بكونه الداعي الى العلم بصورة لا يشاركه دين من الاديان الاخرى فيها ولا يشتمل كتاب من الكتب السماوية عليها وذلك بالرجوع الى معنى العلم لا من حيث كونه لفظا يدل بمختلف تعاريف المادة على المعرفة والاطلاع والادراك بل على معنى انه ماهية تتضمن حقيقة ذهنية وعنصرا تكوينيا من عناصر الشخص به امتازت طائفة ميزها القران العظيم تمييزا من بين عناصر النوع البشري لمزيد الادراك ومزيد الوعي الذي هي ممتازة به وهي طائفة اهل العلم او العلماء او الذين اوتوا العلم ثم بما بين القران العظيم من الافاق الواسعة والابعاد غير المتناهية للعلم حتى قال تعالى مع ما اثنى على اهل العلم من جهة فقال من جهة اخرى « وما اوتيتم من العلم الا قليلا « . ثم بالنظر الى الاستعمالات التي وردت فيها الالفاظ المؤدية الى معنى العلم اما بطريق المرادفة واما بطريق الارتباط على معنى التضمن او على معنى الالتزام من معاني اللب والمعرفة الى غير ذلك من المعاني التي ترددت في القران العظيم .
فإننا اذا اخذنا العلم بهذا الاعتبار ثم من حيث كونه ماهية مجردة ومن حيث كونه حقيقة تكوينية للشخص ثم من حيث كونه ملكة تثبت عند عنصر من عناصر النوع البشري يصير بها ممتازا على بقية افراد النوع اذا اخذنا بهذا المعنى يتبين لنا ان هذا معنى لا تكاد الكتب السماوية الاخرى تشتمل عليه ولا تكاد الاديان الاخرى تلتفت اليه فيشعرنا اشعارا حقيقيا بما امتاز في الدين الاسلامي وبما للدعوة الاسلامية من ارتباط بالعلم من هذه الناحية وهي كونه عنصرا ذهنيا تكوينيا للفرد به ينال مقاما من الامتياز بين افراد النوع .
وقد كان للعلم بهذا الاعتبار مكانة من الدعوة الاسلامية نستطيع ان نبينها بانها مكانة ذاتية لا عرضية وانها مكانة اساسية لا تكميلية بحيث اننا نلاحظ ان الدعوة الاسلامية انبنت على العلم واعطت العلم مقام الحقيقة التي هي مبنى الدعوة واساس الهيكل الاسلامي بحيث ان الاسلام متكونا بالعلم وان دعوته نافذة الى الناس من طريق العلم لا من طريق اخر . وهذا يتضح عندما يلاحظ ان الدعوة الاسلامية بدأت دعوة غريبة وقد كانت غرابتها ترجع الى ما انفردت به من الشمول والعموم ، من الشمول في موضوعها ومن العموم في متعلقها اعني في المخاطبين بها . ومن هذه الغرابة التي بدت في الدعوة الاسلامية اصطدمت هذه الدعوة في اول امرها مع مسلمات كثيرة من القضايا الباطلة والعقائد الزائفة التي كانت الامم على اختلافها تتمسك بها على ما بين تلك المسلمات الباطلة من اختلاف في مناشئها بين ما كان ناشئا عن نظام اجتماعي وما كان ناشئا عن دعوة حكمية فلسفية . وبذلك تقررت عند الناس عقائد واصطبغت اوضاعهم الاجتماعية بتقاليد وانطبعت ذهنياتهم على مقاييس هي في حقيقة الامر ليست مبنية على ما يقتضيها ، ولكن الناس التزموها التزام ما لا يلزم وسلموها بدون بحث فيها وبنوا عليها اوضاعهم الاعتقادية واوضاعهم الاجتماعية واوضاعهم الذهنية . فكان من الضروري لهذه الدعوة الغربية وهي دعوة الاسلام حين اصطدمت مع هذه المسلمات الباطلة انه يستحيل عليها ان تنفذ الى تصورات الناس وتصديقاتهم مع رسوخ تلك المسلمات الباطلة في اذهانهم وانه يستحيل ان تبقى اذا لم تؤسس على بناء جديد من شأنه ان يتحامى ما دخل في اسس مباني الدعوات الاخرى من تلك المسلمات الباطلة والعقائد الزائفة .
فاتجهت الدعوة الاسلامية حينئذ لضمان بلوغها ونفوذها الى النفوس والافكار ولضمان قيامها وبقائها الى محاربة تلك المسلمات التي يصبح رسوخها مانعا من ان تنفذ الدعوة الاسلامية الى القلوب او ان تقوم هياكلها بين العقائد فدعا الاسلام اول ما دعا في منهج محاربة المسلمات الباطلة التي كانت مستقرة في الاذهان من قبل الى النظر الذي هو الفكر الذي يطلب به العلم واوجب على الانسان ان يضع جميع ما عنده من القضايا المسلمة تحت ضوء النظر حتى لا تبقى عنده قضية مسلمة بدون تعليل ولا قضية ملتزمة التزام ما لا يلزم . فاصبحت جميع المدارك الانسانية بين مسلمات اعتقادية ومدركات ذهنية واوضاع اجتماعية على اختلاف نواحي الاوضاع الاجتماعية ، اصبحت كلها موضوعة للنظر وخاضعة للبحث لاجل ان لا تبقى عند الناس قضايا مسلمة يسلمونها لانهم لا يبحثون فيها لان عوارض تمنعهم وتصرفهم عن التأمل فيها والبحث في مبانيها .

يتبع

ملف الأسبوع .. احترام القوانين منهج إسلامي قويم
19 جانفي 2018 السّاعة 21:00
اكدت الاحداث الاخيرة التي عرفتها بلادنا من اعمال عنف وتخريب
المزيد >>
الإسلام دين النظام لا دين الفوضى
19 جانفي 2018 السّاعة 21:00
إن شريعة الإسلام تدعو إلى الأمن والسلام. والأمن لا يقوم سلطانه إلا إذا
المزيد >>
احترام القوانين مقصد شرعي
19 جانفي 2018 السّاعة 21:00
إنّ الله عزّ وجلّ جعل القوانين ثابتة في الكون
المزيد >>
محاضرات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور ...الاسلام دين العلم (3)
19 جانفي 2018 السّاعة 21:00
انحاز المنهج الاسلامي الى المنهج الواقعي على معنى يميزه عن جميع المسالك التي كانت سائرة
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
عبد الجليل المسعودي
في دور الأحــــزاب
الحرب السيّئة التي تقودها بعض الأحزاب السياسية على حزب النداء بدعوى أن الوزراء المنتسبين إليه يستغلّون إمكانات الدولة لخدمة أغراض حزبية، وكذلك إعلان عدد من هذه الأحزاب خروجها من...
المزيد >>