تونس من ضيق أوضاعها الى سعة آفاقها
نورالدين بالطيب
التعليم... مستقبل تونس !
كنّا نعتقد ان ازمة التعليم الثانوي المتواصلة منذ سنوات ستنتهي برحيل الوزير السابق ناجي جلول الذي طالبت النقابة العامة للتعليم الثانوي برحيله وقد استجاب رئيس الحكومة يوسف الشّاهد...
المزيد >>
تونس من ضيق أوضاعها الى سعة آفاقها
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 07 جانفي 2018

لو لم نظفر من ثورة شباب مدرسة الجمهورية،ثورة"الشغل والحرية والكرامة الوطنية'' إلا بالحرية، لكان لنا في ظفرنا خير كثير يوجب علينا مزيد العمل للانتقال بالدولة الوطنية، دولة الاستقلال الى مصاف الدولة الوطنية الديمقراطية، استكمالا لمسيرة تحديث تونس التي بدأت منذ عهد إلغاء الرق وتأسيس الصّادقية وبلغت أشدها مع الزعيم الحبيب بورقيبة رحمه الله يوم بادر ـ على وجه الخصوص ـ بإصدار مجلة الأحوال الشخصية (1956)، وإنشاء مدرسة الجمهورية...
وحتى لو لم تكن ثورة شباب مدرسة الجمهورية الا "مؤامرة" من مكر شياطين أسفل السافلين ـ كما يمهذر بذلك محترفو تقزيم الذات الوطنية على اختلاف مشاربهم ـ أو مجرد ''انتفاضة البسكولة'''' كما يهرف بذلك محترفو احتقار الإرادة الوطنية، الجاهلون تماما بسببية الظواهر الاجتماعية، فان الواجب يدعو إلى تحويل ''المؤامرة '' المزعومة الى ثورة حتى لا تؤول-كما يريدها البعض - الى ''إمارة''،مثل ما علينا تجذيرها حتى تعي حقيقتها العميقة بما هي وعد كالانجاز بتحول حضاري بعيد المعاني في الوجود التونسي خاصة, وفي الوجود العربي والاسلامي عامة. فليس أعظم من حلم الحرية حين يهز إرادة الشعوب،وليس أنجع منه لتحقيق الاستقلال الشامل والكرامة الموفورة’وان لم يتبين ذلك المتحذلقون بواقعية ''السياسة فن الممكن'' بدل عقلانية ''السياسة فن القيام للواجب ''.
بقي علينا أن نتساءل عمّ إذا كان للعقل العربي الراهن ـ وقد انهكه شغب الهوويين من ناشري ثقافة الحقد – من اليقظة ما يستوفي شروط تعقل اللحظة التاريخية التي نعيشها بما فيها من الدماء والدموع’ وبما يحف بها من المزالق والمخاطر؟ أليس من أخص خصائص اللحظات التاريخية الفارقة ـ حين ننفذ الى كنهها ـ أن تكون مأساوية؟وهل أدل ـ في مقابل ذلك ـ على صدق ضرب المواعيد مع التاريخ من الحزم في الركوب إليها؟
لا ريب في أن لاشيء أصدق إشارة إلى سلامة ما ذهبنا إليه من حيث الأهداف التي رسمتها تونس لنفسها، إلا صحة المنهج الذي اتبعته لتحقيقها والتزمته على امتداد تاريخها الحديث، حتى صار ثقافة اجتماعية مميّزة، وخطا سياسيا غالبا. فقد انتصرت تونس على الاستعمار’ وبنت الدولة الوطنية، وحققت ما حققت من أسباب التنمية البشرية بفضل تحالف متين متراوح القوة ولكنه مستمر النجاعة بين الحزب الحر الدستوري والاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد الوطني للصناعة والتجارة واتحاد الفلاحين. فلم يغتل حشاد لانه زعيم نقابي فحسب، بل لانه خاصة قائد وطني عرف كيف يجمع الجمع المتين بين الدفاع نقابيا عن حق الشغالين، والنضال سياسيا من اجل استقلال الوطن. وليس بخاف على أحد انه لولا وقوف الاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الصناعة والتجارة واتحاد الفلاحين الى جانب الحزب الاشتراكي الدستوري لما افضى مؤتمر صفاقس سنة 1955 الى النتائج التاريخية المعروفة. لذلك كانت الاحزاب في التاريخ التونسي مجرد عنصر من العناصر الكثيرة الفاعلة في الواقع الاجتماعي الوطني.
وقد كان على ذلك التحالف الاجتماعي أمس ان يحرر البلاد ويبني دولة الاستقلال ويخرج بتونس من مضايق القرون الوسطى الى فسحة العصر الحديث. وتونس لم تحقق شيئا ذا معنى منذ اندلاع ثورة شباب مدرسة الجمهورية الا بالمنهج نفسه. وهل مما يحتاج اليه التذكير بالماضي القريب و''باعتصام الرحيل '' للتشهير بخروج الاسلام السياسي عن ثوابت الوطن –مبادئ ومصالح - واعلان افلاسه، فرفضنا تضمين "الشريعة" في الدستور الحالي وأصررنا -في المقابل –على التنصيص على مدنية الدولة، وعلى ''المساواة''بين المرأة والرجل وحرية الضمير... وليس أدل على تاصل ذلك المنهج التحالفي من الدور الريادي التاريخي الذي قام به ''الرباعي الراعي للحوار الوطني '' فأنقذ البلاد والعباد من مكايد لم تنجل بعد خلفياتها والياتها وغاياتها’ فنال بذلك محبة الشعب واحترامه، فضلا عن تقدير العالم الذي أهداه جائزة نوبل للسلام.
أما اليوم فان دور التحالف الاجتماعي المنشود بيّن لكل ذي بصيرة واعية وإرادة صادقة. انه البرنامج المستقبلي الاقتصادي والسياسي والحضاري الذي حدده أوضح تحديد ابناء مدرسة الجمهورية يوم خرجوا يطالبون'' بالشغل والحرية والكرامة الوطنية ''.وحين نتبيّن معاني كل بعد من أبعاد ذلك البرامج سواء على جهة النص الصريح أو على جهة الاقتضاء البعيد، بان لنا أن كل ماخلا ذلك فضل مستغنى عنه حاليا’ او لغو من شغب أعداء الثورة حتى لو تظاهروا بالإخلاص لها.
لذلك كان الغالب على ظني أنّ فوز" نداء تونس" في انتخابات 2014 لم يكن –في حقيقته-فوز حزب بعينه بل كان انتصارا من فئات واسعة من التونسيين لمنهج التحالف الاجتماعي الراسخ في الضمير الجمعي الوطني من ناحية أولى، وتعبيرا عن ثقتها في رجل من بناة الجمهورية ومن أوفياء البورقيبية فرفعه الى رئاسة الجمهورية ليأتمنه على مستقبلها.
وما احوجنا اليوم في زمن تزايد المصاعب إلى تعاظم إرادة مغالبتها.وفي تقديري ان ما انتصرنا به أمس هو سبيلنا الى الانتصار غدا. انه سبيل التحالف الاجتماعي بين جميع القوى الوطنية الفاعلة، شغالين بالفكر والساعد، واصحاب رؤوس أموال في الصناعة والتجارة، وفلاحين في البر والبحر. وليس لتونس اليوم الا ابناؤها الخلص لا ينقسمون –حين يجد الجد –إلى '' يمين'' و''يسار'' و''وسط '' بل هم كتلة واحدة قامت للوطن. فلا فرق - ما تعلق الأمر بانقاذ تونس- بين ''ندائيين'' و''جبهاويين'' و"اشتراكيين" و''دساترة بورقيبييبن'' و''مساريين'' و''جمهوريين و''قوميين'' و''بعثيين '' و''مستقلين''الى غير هذا وذاك من الوان الطيف السياسي مادام تونسي الهوية ووطني الهوى. فكلنا واحد يقوم للواجب الوطني وقد أضحى اليوم اشد تأكدا من أي وقت مضى خاصة ونحن على مشارف انتخابات محلية جعل منها الفصل السابع من الدستور في مجرى تفتيت سلطة الدولة أمرا مصيريا، دون مراعاة أولويات مرحلة التحولات الراهنة.
وإذ نقترح –من موقع المواطنة –التحالف الاجتماعي أفقا ومنهجا في العمل السياسي اليوم، فانا نعتقد أن من أكبر أسباب نجاحه في إنقاذ الوطن مما آل إليه،العمل الجاد العاجل على الارتقاء بالأغلبية الاجتماعية الموجودة إلى أغلبية سياسية موعودة. وإذ يجدر التمييز-في هذا السياق - بين ''القانونية و''المشروعية''، وبين واجب احترام القانون مادام قائما، وحقّ السعي الى تغييره نحو الأفضل، أي نحو الأنجع في انجاز الحرية في المعيش اليومي فانه لابد من مصارحة التونسي بما شاب انتخابات السلط الثلاث القائمة من شكوك على مشروعيتها ''الأخلاقية والسياسية والاجتماعية، وهي شكوك أقرب ما تكون في تقديرنا الى الرّفض المكبوت الذي يجعل قبولها ادنى ما يكون الى السكوت على المكروه الذي كثيرا ما تقتضيه المصالح الوطنية العليا. والسبب في ذلك يعود الى فساد القانون الانتخابي الحالي أولا،والى لامبالاة شرائح واسعة من الشباب والمهمّشين في المدن كما في الأرياف،وفي المناطق المحرومة كما في المناطق الأقلّ حرمانا ثانيا،والى ما يشاع عن فعل المال الفاسد فيها بأيد ولاؤها لغير الوطن ثالثا.
وفي ذلك كله تقصير من طبيعة سياسية نتج عنه برلمان هجين لم تتبلور فيه جهة سياسية قادرة على الحكم وحدها’ وفقا لبرامج انتخبت على أساسه، وبحسب ما يقتضيه الجمع بين ''القانونية'' و''المشروعية''’ فقام مقام المسؤولية التاريخية ''تحالف '' هو أقرب ما يكون الى الاشاعة السياسية، إذ لا يعلم المواطن حتى اليوم لا مباديه ولا مداه ولا برامجه. ومهما يكن من امر هذا ''التحالف' ' فان تونس لم تجن منه حتى اليوم –موضوعيا- الا المضي قدما نحو الدمار الذاتي. وعن ذلك القصور السياسي، كان تعثر الحكومات المتتالية تعثرا أفضى بالرأي الوطني الى ما يشبه التكلس’ وبالإرادة العامة الى ما يشبه الذ هول عن ذاتها’ حتى لكأنها شلّت،فأكرهها ذلك على ماهو أبعد من اليأس من السياسيين حتى الاحتقار والتخوين. وهو شر ما يمكن ان تبتلى به الامم.فهل من مدّكر يسترد بالانتخاب الجماهيري ما افتك منا بالانتخاب المبتور.
ويلزم عما اسلفنا أمران متلازمان عاجلان :
- أولهما ان تكون أخطر مهام التحالف الاجتماعي المأمول وأشدها تأكدا مغالبة ما سبق أن اشرنا اليه من زهد جموع من التونسيين في أداء الواجب الانتخابي’ سواء بالعزوف عن التسجيل في القائمات الانتخابية’ او عن عدم الاضطلاع بممارسة الحق الانتخابي ذاته من ناحية أولى،والسيطرة قدر الإمكان ثانيا على هجمات المال الفاسد الذي بدأت اليوم تنجلي مصادره’ وتتحول الشكوك بشأنه إلى ما يشبه اليقين،و تفادي ما أمكن تفاديه ثالثا من تشتّت أصوات الناخبين بين أحزاب صغرى عديدة عاجزة.
- وثانيها أن المطلوب إلى جميع الانتخابات القادمة أن تكون نتائجها سدا منيعا يحول بقوة دون جميع أشكال الاعتداء على الوطن،اقتصادا وسياسة وثقافة وروحا حديثة الأفاق أصيلة الأعراق’من ناحية،وقوة بناء وتشييد قادرة على القيام بما يضمن – في القريب العاجل- مقومات اليقظة الوطنية التي يوجبها درء المخاطر ثانيا، ورفع التحديات وانجاز المشاريع ثالثا.
وتقضي النّجاعة السياسية اليوم ان يستأنف الرباعي الراعي للحوار الوطني نشاطه للمساهمة من جديد في إنقاذ البلاد ويحسن –أدبيا وسياسيا - ان يكون ذلك برعاية السيد رئيس الجمهورية. والمقترح أن يتوزع جهد الرباعي الوطني على ثلاثة محاور متاكدة عاجلة :
1 ـ إحكام إعانة الحكومة الحالية على تجاوز مصاعب جمة ناجمة بدرجة أولى عن اعتزامها مقاومة الفساد، وعن سوء تدبير موروث عن عهود متقادمة زاده استفحالا ما شهدناه بالأمس القريب من محاولات غادرة لخلخلة أركان الدولة الوطنية.
2 ـ وضع خطة وطنية لتكون الانتخابات المقبلة معبرة حقا عن إرادة الشعب التونسي ولو أفضى ذلك إلى تعليق العمل توافقيا بالفصل السابع من الدستور.
3 ـ تيسير بعث الائتلاف الاجتماعي المنشود ليكون طرفا سياسيا لا حزبيا في الانتخابات المقبلة بدءا بالانتخابات البلدية لاسيما وأن رسالته ثورية بحق، ألا وهي تحويل الأغلبية الاجتماعية اللامبالية اليوم إلى أغلبية انتخابية مريدة غدادون أي تدخل أو تضييق على عمل الأحزاب القائمة.
ذلك هو في تقديرنا المتواضع الافق السياسي الكفيل اليوم بانجاز الانتقال بالدولة الوطنية الى مصاف الدولة الوطنية الديمقراطية بتوسط تحقيق مطالب شباب مدرسة الجمهورية :''شغل، حرية، كرامة وطنية".

حمادي بــــــــن جاءبالله
وخزة
19 أفريل 2018 السّاعة 21:00
«غدا يموت الكبار وينسى الصغار» قالتها غولدا مائير في ماي 1948، لكن ذلك الحلم لم يتحقق رغم النكسات وخذلان...
المزيد >>
بالحبر السياسي :المأزق والرجّة اللازمة
19 أفريل 2018 السّاعة 21:00
باتت كرة الثلج تكبُر من يوم إلى آخر ملقية بالكثير من الغموض والضبابيّة على الحياة الوطنية إلى الدرجة التي...
المزيد >>
وخزة
18 أفريل 2018 السّاعة 21:00
لن يحتاج التونسي إلى ارتياد المسارح للتمتّع بمسرحية هزلية، فقط عليه متابعة برامج المرشحين للانتخابات...
المزيد >>
أولا وأخيرا:إداراتنا مسكونة !؟
18 أفريل 2018 السّاعة 21:00
منذ ان فتحت مقاولات الثورة بالمناولة في كل بقعة من البلاد معملا لصابون «ديقاج» الملوّن بأنواعه الثلاثة...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
تونس من ضيق أوضاعها الى سعة آفاقها
صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
| 07 جانفي 2018

لو لم نظفر من ثورة شباب مدرسة الجمهورية،ثورة"الشغل والحرية والكرامة الوطنية'' إلا بالحرية، لكان لنا في ظفرنا خير كثير يوجب علينا مزيد العمل للانتقال بالدولة الوطنية، دولة الاستقلال الى مصاف الدولة الوطنية الديمقراطية، استكمالا لمسيرة تحديث تونس التي بدأت منذ عهد إلغاء الرق وتأسيس الصّادقية وبلغت أشدها مع الزعيم الحبيب بورقيبة رحمه الله يوم بادر ـ على وجه الخصوص ـ بإصدار مجلة الأحوال الشخصية (1956)، وإنشاء مدرسة الجمهورية...
وحتى لو لم تكن ثورة شباب مدرسة الجمهورية الا "مؤامرة" من مكر شياطين أسفل السافلين ـ كما يمهذر بذلك محترفو تقزيم الذات الوطنية على اختلاف مشاربهم ـ أو مجرد ''انتفاضة البسكولة'''' كما يهرف بذلك محترفو احتقار الإرادة الوطنية، الجاهلون تماما بسببية الظواهر الاجتماعية، فان الواجب يدعو إلى تحويل ''المؤامرة '' المزعومة الى ثورة حتى لا تؤول-كما يريدها البعض - الى ''إمارة''،مثل ما علينا تجذيرها حتى تعي حقيقتها العميقة بما هي وعد كالانجاز بتحول حضاري بعيد المعاني في الوجود التونسي خاصة, وفي الوجود العربي والاسلامي عامة. فليس أعظم من حلم الحرية حين يهز إرادة الشعوب،وليس أنجع منه لتحقيق الاستقلال الشامل والكرامة الموفورة’وان لم يتبين ذلك المتحذلقون بواقعية ''السياسة فن الممكن'' بدل عقلانية ''السياسة فن القيام للواجب ''.
بقي علينا أن نتساءل عمّ إذا كان للعقل العربي الراهن ـ وقد انهكه شغب الهوويين من ناشري ثقافة الحقد – من اليقظة ما يستوفي شروط تعقل اللحظة التاريخية التي نعيشها بما فيها من الدماء والدموع’ وبما يحف بها من المزالق والمخاطر؟ أليس من أخص خصائص اللحظات التاريخية الفارقة ـ حين ننفذ الى كنهها ـ أن تكون مأساوية؟وهل أدل ـ في مقابل ذلك ـ على صدق ضرب المواعيد مع التاريخ من الحزم في الركوب إليها؟
لا ريب في أن لاشيء أصدق إشارة إلى سلامة ما ذهبنا إليه من حيث الأهداف التي رسمتها تونس لنفسها، إلا صحة المنهج الذي اتبعته لتحقيقها والتزمته على امتداد تاريخها الحديث، حتى صار ثقافة اجتماعية مميّزة، وخطا سياسيا غالبا. فقد انتصرت تونس على الاستعمار’ وبنت الدولة الوطنية، وحققت ما حققت من أسباب التنمية البشرية بفضل تحالف متين متراوح القوة ولكنه مستمر النجاعة بين الحزب الحر الدستوري والاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد الوطني للصناعة والتجارة واتحاد الفلاحين. فلم يغتل حشاد لانه زعيم نقابي فحسب، بل لانه خاصة قائد وطني عرف كيف يجمع الجمع المتين بين الدفاع نقابيا عن حق الشغالين، والنضال سياسيا من اجل استقلال الوطن. وليس بخاف على أحد انه لولا وقوف الاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الصناعة والتجارة واتحاد الفلاحين الى جانب الحزب الاشتراكي الدستوري لما افضى مؤتمر صفاقس سنة 1955 الى النتائج التاريخية المعروفة. لذلك كانت الاحزاب في التاريخ التونسي مجرد عنصر من العناصر الكثيرة الفاعلة في الواقع الاجتماعي الوطني.
وقد كان على ذلك التحالف الاجتماعي أمس ان يحرر البلاد ويبني دولة الاستقلال ويخرج بتونس من مضايق القرون الوسطى الى فسحة العصر الحديث. وتونس لم تحقق شيئا ذا معنى منذ اندلاع ثورة شباب مدرسة الجمهورية الا بالمنهج نفسه. وهل مما يحتاج اليه التذكير بالماضي القريب و''باعتصام الرحيل '' للتشهير بخروج الاسلام السياسي عن ثوابت الوطن –مبادئ ومصالح - واعلان افلاسه، فرفضنا تضمين "الشريعة" في الدستور الحالي وأصررنا -في المقابل –على التنصيص على مدنية الدولة، وعلى ''المساواة''بين المرأة والرجل وحرية الضمير... وليس أدل على تاصل ذلك المنهج التحالفي من الدور الريادي التاريخي الذي قام به ''الرباعي الراعي للحوار الوطني '' فأنقذ البلاد والعباد من مكايد لم تنجل بعد خلفياتها والياتها وغاياتها’ فنال بذلك محبة الشعب واحترامه، فضلا عن تقدير العالم الذي أهداه جائزة نوبل للسلام.
أما اليوم فان دور التحالف الاجتماعي المنشود بيّن لكل ذي بصيرة واعية وإرادة صادقة. انه البرنامج المستقبلي الاقتصادي والسياسي والحضاري الذي حدده أوضح تحديد ابناء مدرسة الجمهورية يوم خرجوا يطالبون'' بالشغل والحرية والكرامة الوطنية ''.وحين نتبيّن معاني كل بعد من أبعاد ذلك البرامج سواء على جهة النص الصريح أو على جهة الاقتضاء البعيد، بان لنا أن كل ماخلا ذلك فضل مستغنى عنه حاليا’ او لغو من شغب أعداء الثورة حتى لو تظاهروا بالإخلاص لها.
لذلك كان الغالب على ظني أنّ فوز" نداء تونس" في انتخابات 2014 لم يكن –في حقيقته-فوز حزب بعينه بل كان انتصارا من فئات واسعة من التونسيين لمنهج التحالف الاجتماعي الراسخ في الضمير الجمعي الوطني من ناحية أولى، وتعبيرا عن ثقتها في رجل من بناة الجمهورية ومن أوفياء البورقيبية فرفعه الى رئاسة الجمهورية ليأتمنه على مستقبلها.
وما احوجنا اليوم في زمن تزايد المصاعب إلى تعاظم إرادة مغالبتها.وفي تقديري ان ما انتصرنا به أمس هو سبيلنا الى الانتصار غدا. انه سبيل التحالف الاجتماعي بين جميع القوى الوطنية الفاعلة، شغالين بالفكر والساعد، واصحاب رؤوس أموال في الصناعة والتجارة، وفلاحين في البر والبحر. وليس لتونس اليوم الا ابناؤها الخلص لا ينقسمون –حين يجد الجد –إلى '' يمين'' و''يسار'' و''وسط '' بل هم كتلة واحدة قامت للوطن. فلا فرق - ما تعلق الأمر بانقاذ تونس- بين ''ندائيين'' و''جبهاويين'' و"اشتراكيين" و''دساترة بورقيبييبن'' و''مساريين'' و''جمهوريين و''قوميين'' و''بعثيين '' و''مستقلين''الى غير هذا وذاك من الوان الطيف السياسي مادام تونسي الهوية ووطني الهوى. فكلنا واحد يقوم للواجب الوطني وقد أضحى اليوم اشد تأكدا من أي وقت مضى خاصة ونحن على مشارف انتخابات محلية جعل منها الفصل السابع من الدستور في مجرى تفتيت سلطة الدولة أمرا مصيريا، دون مراعاة أولويات مرحلة التحولات الراهنة.
وإذ نقترح –من موقع المواطنة –التحالف الاجتماعي أفقا ومنهجا في العمل السياسي اليوم، فانا نعتقد أن من أكبر أسباب نجاحه في إنقاذ الوطن مما آل إليه،العمل الجاد العاجل على الارتقاء بالأغلبية الاجتماعية الموجودة إلى أغلبية سياسية موعودة. وإذ يجدر التمييز-في هذا السياق - بين ''القانونية و''المشروعية''، وبين واجب احترام القانون مادام قائما، وحقّ السعي الى تغييره نحو الأفضل، أي نحو الأنجع في انجاز الحرية في المعيش اليومي فانه لابد من مصارحة التونسي بما شاب انتخابات السلط الثلاث القائمة من شكوك على مشروعيتها ''الأخلاقية والسياسية والاجتماعية، وهي شكوك أقرب ما تكون في تقديرنا الى الرّفض المكبوت الذي يجعل قبولها ادنى ما يكون الى السكوت على المكروه الذي كثيرا ما تقتضيه المصالح الوطنية العليا. والسبب في ذلك يعود الى فساد القانون الانتخابي الحالي أولا،والى لامبالاة شرائح واسعة من الشباب والمهمّشين في المدن كما في الأرياف،وفي المناطق المحرومة كما في المناطق الأقلّ حرمانا ثانيا،والى ما يشاع عن فعل المال الفاسد فيها بأيد ولاؤها لغير الوطن ثالثا.
وفي ذلك كله تقصير من طبيعة سياسية نتج عنه برلمان هجين لم تتبلور فيه جهة سياسية قادرة على الحكم وحدها’ وفقا لبرامج انتخبت على أساسه، وبحسب ما يقتضيه الجمع بين ''القانونية'' و''المشروعية''’ فقام مقام المسؤولية التاريخية ''تحالف '' هو أقرب ما يكون الى الاشاعة السياسية، إذ لا يعلم المواطن حتى اليوم لا مباديه ولا مداه ولا برامجه. ومهما يكن من امر هذا ''التحالف' ' فان تونس لم تجن منه حتى اليوم –موضوعيا- الا المضي قدما نحو الدمار الذاتي. وعن ذلك القصور السياسي، كان تعثر الحكومات المتتالية تعثرا أفضى بالرأي الوطني الى ما يشبه التكلس’ وبالإرادة العامة الى ما يشبه الذ هول عن ذاتها’ حتى لكأنها شلّت،فأكرهها ذلك على ماهو أبعد من اليأس من السياسيين حتى الاحتقار والتخوين. وهو شر ما يمكن ان تبتلى به الامم.فهل من مدّكر يسترد بالانتخاب الجماهيري ما افتك منا بالانتخاب المبتور.
ويلزم عما اسلفنا أمران متلازمان عاجلان :
- أولهما ان تكون أخطر مهام التحالف الاجتماعي المأمول وأشدها تأكدا مغالبة ما سبق أن اشرنا اليه من زهد جموع من التونسيين في أداء الواجب الانتخابي’ سواء بالعزوف عن التسجيل في القائمات الانتخابية’ او عن عدم الاضطلاع بممارسة الحق الانتخابي ذاته من ناحية أولى،والسيطرة قدر الإمكان ثانيا على هجمات المال الفاسد الذي بدأت اليوم تنجلي مصادره’ وتتحول الشكوك بشأنه إلى ما يشبه اليقين،و تفادي ما أمكن تفاديه ثالثا من تشتّت أصوات الناخبين بين أحزاب صغرى عديدة عاجزة.
- وثانيها أن المطلوب إلى جميع الانتخابات القادمة أن تكون نتائجها سدا منيعا يحول بقوة دون جميع أشكال الاعتداء على الوطن،اقتصادا وسياسة وثقافة وروحا حديثة الأفاق أصيلة الأعراق’من ناحية،وقوة بناء وتشييد قادرة على القيام بما يضمن – في القريب العاجل- مقومات اليقظة الوطنية التي يوجبها درء المخاطر ثانيا، ورفع التحديات وانجاز المشاريع ثالثا.
وتقضي النّجاعة السياسية اليوم ان يستأنف الرباعي الراعي للحوار الوطني نشاطه للمساهمة من جديد في إنقاذ البلاد ويحسن –أدبيا وسياسيا - ان يكون ذلك برعاية السيد رئيس الجمهورية. والمقترح أن يتوزع جهد الرباعي الوطني على ثلاثة محاور متاكدة عاجلة :
1 ـ إحكام إعانة الحكومة الحالية على تجاوز مصاعب جمة ناجمة بدرجة أولى عن اعتزامها مقاومة الفساد، وعن سوء تدبير موروث عن عهود متقادمة زاده استفحالا ما شهدناه بالأمس القريب من محاولات غادرة لخلخلة أركان الدولة الوطنية.
2 ـ وضع خطة وطنية لتكون الانتخابات المقبلة معبرة حقا عن إرادة الشعب التونسي ولو أفضى ذلك إلى تعليق العمل توافقيا بالفصل السابع من الدستور.
3 ـ تيسير بعث الائتلاف الاجتماعي المنشود ليكون طرفا سياسيا لا حزبيا في الانتخابات المقبلة بدءا بالانتخابات البلدية لاسيما وأن رسالته ثورية بحق، ألا وهي تحويل الأغلبية الاجتماعية اللامبالية اليوم إلى أغلبية انتخابية مريدة غدادون أي تدخل أو تضييق على عمل الأحزاب القائمة.
ذلك هو في تقديرنا المتواضع الافق السياسي الكفيل اليوم بانجاز الانتقال بالدولة الوطنية الى مصاف الدولة الوطنية الديمقراطية بتوسط تحقيق مطالب شباب مدرسة الجمهورية :''شغل، حرية، كرامة وطنية".

حمادي بــــــــن جاءبالله
وخزة
19 أفريل 2018 السّاعة 21:00
«غدا يموت الكبار وينسى الصغار» قالتها غولدا مائير في ماي 1948، لكن ذلك الحلم لم يتحقق رغم النكسات وخذلان...
المزيد >>
بالحبر السياسي :المأزق والرجّة اللازمة
19 أفريل 2018 السّاعة 21:00
باتت كرة الثلج تكبُر من يوم إلى آخر ملقية بالكثير من الغموض والضبابيّة على الحياة الوطنية إلى الدرجة التي...
المزيد >>
وخزة
18 أفريل 2018 السّاعة 21:00
لن يحتاج التونسي إلى ارتياد المسارح للتمتّع بمسرحية هزلية، فقط عليه متابعة برامج المرشحين للانتخابات...
المزيد >>
أولا وأخيرا:إداراتنا مسكونة !؟
18 أفريل 2018 السّاعة 21:00
منذ ان فتحت مقاولات الثورة بالمناولة في كل بقعة من البلاد معملا لصابون «ديقاج» الملوّن بأنواعه الثلاثة...
المزيد >>
المزيد من الأخبار...
نورالدين بالطيب
التعليم... مستقبل تونس !
كنّا نعتقد ان ازمة التعليم الثانوي المتواصلة منذ سنوات ستنتهي برحيل الوزير السابق ناجي جلول الذي طالبت النقابة العامة للتعليم الثانوي برحيله وقد استجاب رئيس الحكومة يوسف الشّاهد...
المزيد >>